قضية الراهب المشلوح (3): هدوء.. من فضلكم

| |






غليان

هكذا كانت الحال في الشارع المصري بعد نشر ممدوح مهران موضوعه عن أفعال وممارسات الراهب المشلوح برسوم المحروقي

لاذ ممدوح مهران بالصمت في الأيام التالية لتفجر الأزمة

صمت جعل الحروف المتآكلة في تلك القضية بلا نقاط تدل على معنى ما جرى ومغزاه

وسرعان ما شخصت الأبصار إلى المحاكمة

كانت قوات الأمن، سواء العناصر بالزي الرسمي أو أولئك الذين يرتدون ملابس مدنية، في حالة تأهب منذ الساعات الأولى من صباح ذلك الأحد الموافق 24 يونيو 2001، داخل وخارج مجمع محاكم عابدين في وسط القاهرة
الكل كان يترقب انعقاد محكمة جنح أمن الدولة عليا عابدين لبدء سماع الدعوى المرفوعة من قبل المجلس الأعلى للصحافة ضد رئيس تحرير جريدة "النبأ" وشقيقتها "آخر خبر" ممدوح مهران بتهم تتعلق بنشر صور فاضحة والإضرار بالوحدة الوطنية وتكدير السلام الاجتماعي

كان ما نشره مهران حول قضية الراهب المشلوح مازال يتفاعل ويثير موجات من الصدمة في أنحاء البلاد، سيما في صفوف الأقباط

بدا من اللحظة الأولى لمحاكمة ممدوح مهران أنها لن تسير على نحو هادئ

خارج مجمع المحاكم، تمركزت منذ الصباح الباكر ما لا يقل عن خمس عربات مدرعة، محملة بقوات الأمن المركزي. انتشر رجال شرطة بملابس مدنية في الشوارع المحيطة بمحكمة عابدين، تحسباً لوقوع أحداث عنف، خاصة بعد اندلاع أكثر من مظاهرة قبطية ضد مهران

لم يكن الأمن مستعداً لاحتمال إفلات الأمور من يده في ذلك اليوم

وعلى عكس المعتاد، تم الإعلان عن عقد جلسة المحاكمة مبكراً في حوالي الثامنة صباحاً ومنع أي أحد من دخولها سوى المحامين والصحافيين بعد إجراءات تفتيش دقيقة والتأكد من هوية الحضور. داخل المجمع كان العشرات من قوات الأمن المركزي والضباط الذين يرتدون ملابس مدنية، يسمحون فقط للمحامين ومجموعة مختارة من ممثلي الصحافة ووسائل الإعلام بالمرور عبر البوابة الإلكترونية التي تؤدي إلى قاعة المحكمة

لم يظهر مهران في هذه المحاكمة، في حين أوضح محاموه أن القانون لا يتطلب حضوره. ربما كان تغيبه هذا قراراً حكيماً؛ لأن وجوده كان سيثير بكل تأكيد غضب البعض، وخصوصاً المحامين الذين يمثلون الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

ووسط زحام الحاضرين، لم ينتبه كثيرون إلى وجود د. حاتم مهران، نجل المتهم في القضية، خصوصاً أن د. حاتم التزم الصمت طوال مدة الجلسة

تأجل انعقاد الجلسة إلى أكثر من ساعة ونصف الساعة، تبارى خلالها محامو طرفي القضية (مهران والكنيسة القبطية) في الادلاء بتصريحات لوسائل الإعلام. كان محامو الدفاع تسعة، أما محامو الكنيسة الذين يمثلون مدعين بالحق المدني فكانوا خمسة

المستشار مرسي الشيخ رئيس فريق الدفاع عن ممدوح مهران قال لوسائل الإعلام إن كثرة الحديث في الصحف حوَّل هذه القضية والإدانة المسبقة من جانبها له دور في خلق رأي عام يمكن أن يؤثر في القضاء. وطالب بوقف النشر لصالح إظهار الحقائق وتبرئة ساحة مهران، مشيراً إلى أن أن هناك حقيقة واحدة يجب التشديد عليها وهي أن هناك جريمة وقعت من جانب الراهب ونشرتها "النبأ" من دون قصد إحداث فتنة طائفية كما يروج البعض

وأضاف رئيس فريق الدفاع: "هناك خطٌ معين سيلجأ إليه الدفاع وهو يرتكز على عدم تكدير الرأي العام أو الاساءة للسلام الاجتماعي، خاصة أن القضية حساسة جداً وهناك من "يصيد في الماء العكر" ويحسم المشكلة"

من جانبه، وصف المحامي القبطي والموكل عن الأنبا ساويرس أسقف دير المحرق رمسيس النجار، مهران بأنه لم يكن يهدف بكتاباته التصعيد ضد المؤسسة القبطية "وإنما كان يهدف إلى إحداث شرخ في المجتمع المصري، وأن وراء كتاباته باعثاً خبيثاً وليس لمجرد النقد بل هو يزدري المسيحية، فكيف يصف الدير المقدس الذي مكثت به العائلة المقدسة بأنه بيت للدعارة؟!"

وشكك المحامي القبطي في واقعة ممارسة الراهب المشلوح للرذيلة مع نحو خمسة آلاف سيدة وعدد ضخم من الأطفال قائلاً: "إن هذا ضد المنطق السليم، فهل يصدق عاقل أن راهباً مخلوعاً يستطيع أن يمارس الجنس يومياً مع هذا العدد الضخم كما أن الأطفال المعمدين الذين تزعم الصحيفة أنه مارس معهم عمرهم 40 يوماً"


وأشار رفعت متري المحامي عن الكنيسة القبطية إلى أنه لم يكن معقولاً بأي حال أن تقبل الكنيسة بحق الرد في واقعة ليست صحيحة، فالصور ملفقة والراهب المشلوح فصل من الكنيسة لخلافات مع البابا وليس لمخالفات أخلاقية
ورأى أن النيابة أخطأت بحبس الراهب في قضية وهمية؛ لأنها بذلك رجحت كفة مهران الذي بث شائعات مغرضة، ولولا تدخل الكنيسة لتهدئة غضب الأقباط لاندلعت حرب أهلية

غير أن الحرب الأهلية كادت تقع قبل بدء الجلسة الأولى من المحكمة


وإذا كانت اضطرابات لم تحدث خارج المحكمة كما كان متوقعاً، فإن حالة من الفوضى قد سادت قاعة المحكمة واستمرت رغم بدء أعمال جلسة المحاكمة. واشتعل غضب المحامين الأقباط وكادت تصل المشادات الكلامية إلى تبادل بالأيدي عقب توزيع بيان من هيئة الدفاع على ورق يحمل شعار "النبأ"


بدأ البيان بتقديم تفسير للسبب الذي جعل فريق الدفاع يوافق على الدفاع عن مهران. وأشار إلى أن ما يبعث على القلق هو تشويه الوقائع للزعم بأن الصحيفة كانت تقصد تشويه سمعة الأماكن المقدسة. قال البيان: إن ما نُشِرَ بالصحيفة لم يكن إلا إعمالاً لرسالتها، ومن ثم فإن جريدة "النبأ" المصادرة وفي مقدمة التحقيق الصحافي محل الدعوى، قد أوضحت أن غرضها من النشر كان القصد منه تطهير بيوت الله مما يدنسها، بما يؤكد حرص الجريدة على حماية المقدسات ودور العبادة وسلامة مصر الوطن، إسلامية وقبطية


وجادل البيان بأنه لم يقصد من النشر سوى تصويب خطأ وقع فيه نفر يرتدي عباءة الدين، ولم يكن إلا لإيضاح الحقائق. وأضاف أن هذا الراهب المشلوح تجاوز كل أشكال السلوك المنحرف، ولم يرتكب فقط أعمالاً منافية للحشمة، ولكنه أقدم على هذه الأفعال داخل أماكن مقدسة


أثار البيان حفيظة عددٍ من محامي الكنيسة، واعتبروه إهانة لهم وتأكيداً لإساءة مهران للأقباط والديانة المسيحية. وأشار بعضهم إلى أن مضمون البيان كان مخالفاً لما أعلنته الكنيسة القبطية التي نفت بشدة أن يكون الدير قد تعرض للتدنيس

"اتخذوا مقاعد لكم؛ ستبدأ المحاكمة"

كانت هذه نصيحة رجال الشرطة الذين ارتدوا ثياب مدنية. امتثل أغلبية الحاضرين وجلسوا على المقاعد الخشبية داخل قاعة المحكمة، لكن تلك المقاعد لم تكن كافية لاستيعاب جميع الموجودين. وما إن دخل القاضي أسامة محمد علي قاعة المحكمة حتى هب الجميع واقفين-- وظلوا وقوفاً. البعض وقف فوق المقاعد لرؤية المنصة بشكل أفضل، في حين احتشد آخرون في الممر الموجود وسط قاعة المحكمة. ونصب مراسلو قنوات التلفزيون الميكروفونات أمام القاضي، الذي لم يعترض على ذلك

طلب القاضي من المحامين إثبات حضورهم، فأخذ محامو الدفاع يثبتون حضورهم، وترأسهم د. أحمد سعد وكيل حقوق بني سويف والمستشار مرسي الشيخ. طالب الدفاع في بداية الجلسة بضم التحقيقات رقم 765 الخاصة بالتحقيق مع الراهب برسوم المحرقي إلى القضيتين المنظورتين أمام المحكمة

لكن سرعان ما تعطلت تلك الإجراءات

"نود أن نؤكد أن الصحفي [مهران] ومحاميه يصرون على إهانة الأقباط عن طريق بيان وزعوه للتو"
هكذا صاح رمسيس النجار، ممثل الكنيسة لتندلع عاصفة من التصفيق

رد عليه محامي الدفاع المستشار مرسي الشيخ بالقول: "نُكن الاحترام الكامل لإخواننا الأقباط". وأضاف النجار: "هذا البيان يصر على أنه [الراهب المشلوح] ارتكب خطاياه داخل الدير"

تدخل القاضي الصبور طالباً من الجميع التزام الهدوء


لكن محامي الكنيسة نجيب جبرائيل صاح قائلاً "إننا لن نتسامح مع هذا"
وفي محاولةٍ لاستعادة النظام في قاعة المحكمة قال القاضي: "من فضلكم اهدأوا، أدعو الدفاع إلى تحديد مطالبه"

قال محامي الدفاع مرسي الشيخ "إن الدفاع يحتاج نسخة رسمية من وقائع محضر استجواب المدعي العام [لمهران]. إن جميع أبواب مؤسسات البلد أغلقت في وجوهنا، ولم تتح لنا فرصة إلقاء نظرة على المحضر. والمحكمة هي الملاذ الوحيد لدينا"

تساءل المحامي نجيب جبرائيل قائلاً: "أي مؤسسات الدولة تقصد؟"

لكن محامي الدفاع تجاهل السؤال، وقال: "إن هدف [المطبوعة] هو تبرئة ساحة الكنيسة من أي مخالفات"
وبحسمٍ، قال القاضي علي "نحن لسنا هنا اليوم للاستماع إلى مرافعة الدفاع"

مرة أخرى، صاح محامي الكنيسة رمسيس "هناك إصرار على تشويه سمعة الأقباط. هذه حرب"
هنا نفد صبر القاضي فقال: "لن أتسامح مع هذا أكثر من ذلك"، قبل أن يرفع الجلسة لحين عودة الهدوء، فيما استمرت مباراة الصراخ المستمر

بعد ذلك علم الجميع من رجال الأمن أن القاضي قرر أنه في حال استمرار هذا السلوك العصبي والمتوتر في القاعة، فإنه سوف يعقد جلسة الاستماع وراء أبواب مغلقة"

غير أن أحداً لم يهتم لهذا التحذير، وتواصل الجو الصاخب في القاعة وخارجها

هنا صاح ضابط شرطة في الجميع قائلا "أريد الهدوء" في الوقت الذي تدفق فيه العشرات من قوات الطوارئ على قاعة المحاكمة لإعادة الانضباط إليها، وتمركزت قوات الأمن المركزي في الممر وسط القاعة، وقرب المنصة

عادت المحكمة مرة أخرى إلى الانعقاد بعد أن ساد قدر من الهدوء، واستمع المستشار رئيس الجلسة لأقوال الادعاء العام وتسجيل طلبات كل من محامي المتهم مهران ومحامي الكنيسة
ثم طلب القاضي من رئيس نيابة أمن الدولة العليا، محمد الفيصل، أن يتلو التهم الموجهة ضد مهران في قضيتي "النبأ" و"آخر خبر"

تلا ممثل الادعاء قرار الاتهام في القضيتين والمتضمن توجيه 10 اتهامات لمهران تتمثل في أنه في يوم 17 يونيو 2001 بدائرة عابدين بالقاهرة وبدوائر أخرى بث دعايات مثيرة كان من شأنها تكدير الأمن العام وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة، وحاز مطبوعات معدة للتوزيع واطلاع الغير عليها بأن نشر بعدد الجريدة تحقيقاً صحافياً صوَّره في الصفحة الأولى بعناوين مثيرة ومتناولاً سلوك أحد الرهبان السابقين بالدير المشار إليه ومعرضاً خلاله بالدين المسيحي وإدارة الكنيسة المصرية، مما كان من شأنه إثارة المواطنين والمساس بتقاليد المجتمع وقيم وحدته الوطنية، وحرض بطريقة النشر على ازدراء رجل الدين المسيحي بما يكدر السلم العام بنشر ذلك التحقيق الصحافي وعرضه للبيع والتوزيع نسخاً تتضمن عبارات وصوراً جنسية فاضحة منافية للآداب العامة، علاوة على نشر أمور من شأنها التأثير في جهة من جهات القضاء في دعوى مطروحة أمامها، بأن تناول في ما نشر بعدد الجريدة موضوع التحقيقات التي تجريها النيابة

أورد ممثل الادعاء بعض الأمثلة من العناوين الرئيسية في الصحيفتين ومنها: "الراهب المعجزة يمارس الجنس مع 5 آلاف سيدة في مذبح الكنيسة"

من جانبه، دفع فريق دفاع المجني عليه بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى، مشيراً إلى أن الاختصاص لمحكمة جنايات أمن الدولة، مطالباً بتعديل الوصف للاتهامات واعتبار أن الوقائع المنسوبة للمتهم تكون جناية ومساساً لأمن الدولة العليا

وجدد الدفاع مطالبته بضم التحقيق مع عادل سعد الله غبريال - الراهب المشلوح برسوم المحروقي- في قضية شريط الفيديو الجنسي، على أن يكون ضمن الأدلة في القضية المنظورة

غير أن المحامي رمسيس النجار احتج قائلاً إن المحكمة لا تعنيها إلا تصرفات مهران، وليس التصرفات المنسوبة إلى الراهب المشلوح، لكن هذا لم يمنع محامي الكنيسة من طلب الاطلاع على ملف القضية

أحد محامي الكنيسة قال إن محكمة الجنح ليست مختصة للنظر في القضية؛ لأن التهم الموجهة إلى مهران هي تهم جنائية، وطالب بإحالة القضية إلى محكمة جنايات أمن الدولة. وطالب محامون أيضاً القاضي بزيارة دير المحرق للتأكد من استحالة ارتكاب الأعمال التي نسبتها الصحيفتان اللتان نشرتا الموضوع إلى عادل سعد الله غبريال

قضت المحكمة بتأجيل النظر في القضية إلى الأول من يوليو 2001، لحين تقديم جميع الأطراف ما لديها من مستندات

لم يكن أحد يعرف أن الدفاع سيفجر مفاجأة من العيار الثقيل في تلك الجلسة

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "قضية الراهب المشلوح (3): هدوء.. من فضلكم"

أكتب تعليقا