قضية الراهب المشلوح (2): اعترافات الفتى مهران

| |



الطريق إلى جهنم مفروش بالنيات الحسنة

والطريق إلى السجن والحبس والتشريد مرصوفٌ بدوافع تبدو نبيلة، على الأقل بالنسبة إلى صاحبها

وجهنم التي فتح أبوابها الموضوع المنشور في جريدة "النبأ" حول الراهب المشلوح برسوم المحروقي، محفوفةٌ بالأخطار والأهوال، والتساؤلات الحائرة التي تثير الشك وتتراقص معها علامات الاستفهام المعلقة في هذه القضية التي أقامت الدنيا ولم تقعدها

والشاهد أنه بمجرد نشر تفاصيل ووقائع مثيرة عن الراهب المشلوح مدعمةً بالصور في جريدة "النبأ"، اتسعت دائرة الجدل ومساحة الخلاف، وانقسم الكل إلى بعض، وتحول الضوء إلى ظلال وأطياف مبهمة وغامضة. تداخلت الأشياء والخطوط، فلم يعد أحدٌ يعرف بالتحديد من هو الجاني ومن هو المجني عليه، وبات من الصعوبة بمكان القطع بمسؤولية طرف دون الآخر في هذه القضية الشائكة التي سار فيها الجميع على حبلٍ مشدود تمتد تحته ألسنة اللهيب، في انتظار الضحية التي ستقع حتى تلتهمها، وتلوكها النيران وألسنة الجميع

ووسط هذا الضجيج الذي ارتفعت فيه أصواتُ كثيرين حتى لم يعد أحدٌ يسمع شيئاً، وتحول فيه الكل إلى أجهزة إرسال ليست مهيأة لاستقبال رأي أو مناقشة أمرٍ بهدوءٍ وموضوعية، خوفاً من أن تلسعه نارُ حساسية الموضوع، نسي الجميع سماع صوت طرفٍ مهم في هذه القضية: ممدوح مهران

أغفل الكل - أو قل تجاهلوا- سماع رواية الصحفي الذي نشر الموضوع وأثار بالكلمة والصورة موجات متتالية من الغضب والخلاف. وربما أدت الزوابع المحيطة بالقضية إلى السكوت عن هذا الجانب وغض الطرف عنه

غير أن محاضر التحقيق التي أجرتها نيابة أمن الدولة العليا في القضية رقم 769/2001، تبدو كأنها تجرجر وراءها قضية أخرى تحمل رقم 765/2001 حصر أمن الدولة العليا. ومثلما يحمل سيزيف في الأسطورة القديمة الصخرة حتى يبلغ قمة الجبل فتتدحرج إلى أسفل ليعاود رحلة المعاناة من جديد، تحاول قضية "النبأ" أن تحمل حكاية الراهب المشلوح إلى قمة الجبل، لكنها تفاجأ في كل مرةٍ بأنها تسقط إلى سفح الجبل تحت وطأة ثقل القضية التي تحملها فوق ظهرها

وبخطٍ جميل منمق –لا يوحي بسخونة الكلمات التي وردت فيه- يأتي محضر التحقيق الذي أجراه محمد الفيصل يوسف وكيل النيابة وكمال محمد سكرتير التحقيق في سراي النيابة في الساعة 5:45 مساء يوم 18 يونيو 2001 مع ممدوح مهران


أول ما يسترعي الانتباه في هذا التحقيق الذي أتيحت لي فرصة الاطلاع على نسخةٍ منه، ذلك الوصف التفصيلي الدقيق لهيئة وشكل الصحفي الذي جرى استجوابه، حيث نقرأ النص التالي: "وحيث نودي على المتهم خارج غرفة التحقيق فاستبان حضوره فأدخلناه إليها، وبمناظرته ألفيناه رجلاً في نحو منتصف العقد السادس من العمر، متوسط طول القامة، معتدل البنية، قمحي البشرة، أشيب الرأس وأسود لون العينين، يرتدي حلة بيج اللون وقميصاً لبنياً ورابطة عنق رمادية اللون، وبنطالاً أسود وحذاء جلدياً أسود اللون، ولم نلحظ بعموم الأجزاء الظاهرة من جسده إصابة أو علامة مميزة"

لا أحد يدري على وجه التحديد فائدة هذا الوصف التفصيلي الذي يبدو كأنه خارجٌ لتوه من إحدى الروايات والقصص عن أحد الأبطال في ذلك العمل الأدبي

وجه المفارقة أن "البطل" هنا كان في ورطة

فقد كان هذا "البطل" يخضع للاستجواب باعتباره "المتهم" في قضية "النبأ" التي نشرت في 17 يونيو 2001 موضوعاً مصوراً عن انحرافات الراهب المشلوح برسوم المحروقي

ممدوح مهران الذي كان آنذاك في سن الخامسة والخمسين، أبدى أثناء استجوابه عدم رغبته في حضور ممثلٍ عن نقابة الصحفيين التحقيق معه، وقال في محضر التحقيق: "وأنا من خلال رئاستي لمجلس إدارة ثالث أكبر مؤسسة صحفية في مصر، مؤسسة دار النبأ الوطني، وبصفتي رئيس تحرير الصحف الصادرة عن تلك المؤسسة، أضع قواعد وضوابط خاصة في عملية النشر. هذه القواعد أراعي فيها المقومات الأساسية للمجتمع والذي أعلم أنه ينهض على دعامتين هما المسيحية والإسلام، وأنه من هاتين الدعامتين يتشكل نسيج المجتمع"

وبغض النظر عن صحة ما يذهب إليه ممدوح مهران من كون دار "النبأ الوطني للنشر" ثالث أكبر مؤسسة صحفية في مصر في ذلك الوقت، فإن الرجل يتحدث مبرئاً نفسه من التهم الموجهة إليه، وتشمل اتهامه بالتحريض بطريق النشر على بغض طائفة من الناس والازدراء بها، وتكدير السلم العام، وحيازة مطبوعات وصور فوتوغرافية منافية للآداب العامة بقصد التوزيع، ونشره بطريق الكتابة أموراً من شأنها التأثير في دعوى متداولة أمام النيابة العامة

التحقيق مع مهران يكشف - بدايةً- عن أن دار "النبأ الوطني للنشر" التي تعد الأساس مؤسسة عائلية تتألف من ممدوح مهران رئيساً لمجلس الإدارة، وابنه د. حاتم ممدوح مهران نائباً لرئيس مجلس الإدارة وعضواً منتدباً، والزوجة هادية عزالدين أحمد. وإذا كانت النبأ الاسبوعية قد صدرت بدءاً من العام 1996، فإن بطاقة قيد مهران في نقابة الصحفيين – قبل شطبه وابنه من عضوية النقابة في ذروة الأزمة- تحمل الرقم 2087 وتاريخ القيد 26 من مارس 1978. الرجل إذن عضو في نقابة الصحفيين قبل صدور "النبأ"، وهو يقول أثناء التحقيق إنه عمل في كلٍ من "أخبار اليوم" ومجلات "أكتوبر" و"روز اليوسف" و"المصور"، قبل أن يؤسس دار النبأ

اللغز الكبير في أقوال مهران أثناء التحقيق معه اسمه فايز!

فهو يقول في أثناء التحقيق إنه "من حوالي عدة أيام قبل النشر، جاء إلى مكتبي واحد من شباب الصحفيين في المؤسسة وهو تحت التدريب فيها واسمه فايز، واعتذر عن الإفصاح عن باقي اسمه؛ لأنه وفقاً لقانون الصحافة من حقي أن أحتفظ بسرية مصادري في المعلومات. هذا الشاب الصحفي قال لي إن عندهم في الصعيد موضوعاً يتداوله الناس سراً، خاصاً بأحد الرهبان الكبار في دير المحرق، وهو يتم تداوله من خلال شريط فيديو يُباع في أسيوط بمئة جنيه للنسخة. وذكر لي فايز أن الشريط ده مسجل عليه فيلم جنسي بين الراهب وإحدى السيدات. وأثناء رواية هذا المصدر لمعلوماته عن الموضوع كنت أقوم بتدوين بعض الملاحظات عن روايته، وذكر لي أن هناك قضية رقمها 765/2001 أمن دولة يحقق فيها بخصوص هذا الراهب وانحرافاته، فطلبت منه أن يمدني بنسخة من هذا الشريط، وأعطيته مئة جنيه ثمناً لها، وبعد يومين فوجئت بهذا الصحفي الشاب يقدم لي بمكتبي نسخة من الشريط الذي حدثني عنه"

تستوقفك هنا تساؤلاتٌ طبيعية ومنطقية: كيف عرف هذا الصحفي تحت التمرين برقم القضية المذكورة؟ وهل كان من السهولة بمكان الحصول على نسخة من شريط الفيديو الجنسي المذكور في أسيوط؟ ولماذا لم يذهب ممدوح مهران بهذا الشريط وتلك القضية الجاهزة إلى أجهزة الأمن المعنية، بما يساعد التحقيق ويعزز الأدلة؟

السؤال الأخير فقط ورد في التحقيق، وأجاب عنه مهران قائلاً: "أخذت الشريط إلى منزلي وشاهدته، وهالني أمر ما شاهدته، وانفعلت انفعلاً شديداً للغاية واعتملت في نفسي مشاعر متضاربة لدرجة أني أخذت سيارتي في شارع الهرم "رايح جاي"، أفكر في الذي شاهدته..وكان الحوار الدائر بيني وبين نفسي هو كيف أتصدى لخطورة الأمر..في الوقت نفسه، تساءلت إزاي أتصدى لخطورته.. لو رحت بلَّغت مثلاً أي جهة أمنية لا أضمن كيف تتصرف مع هذه الكارثة، وكان عندي تخوف أنه في هذه الحالة من الوارد أن تأخذ مني الجهة الأمنية الشريط وتركنه عندها في الأدراج أو تسيء استعماله بعيداً عن هدفي المنشود، وهو التنبيه لفداحة الكارثة.. في الوقت نفسه، أي جهة دينية أخرى يمكنني إبلاغها ممكن أن تتصرف بذات الطريقة.. ولو أني نشرت الموضوع على استحياء وباقتضاب فقد يتم تجاهل الموضوع من المسؤولين، لذلك لم أجد أمامي سوى النشر الكامل والتفصيلي للموضوع بهدف التنبيه ودق ناقوس الخطر"


الكلام الذي قاله مهران يعكس شعوراً بالشك وعدم الثقة في حسن تعامل الأجهزة والمؤسسات المختلفة مع مثل هذا الموضوع، يقابله اقتناعٌ بأنه الوحيد القادر على إثارة الموضوع. وبالرغم من أن حالة الريبة وعدم الاطمئنان كانت - وفق ما قاله مهران- السبب في اندفاعه نحو النشر غير المحسوب لهذا الموضوع الشائك، فإن السبب الأصح في تقديرنا هو أن مهران وجد أمامه ما تصور أنها وجبة دسمة وشهية، لم يستطع مقاومة إغراء نشرها

هي إذن شهوة نشر، قبل أن تكون رغبة في تحريض أو تكدير السلم العام

ولعل ما يعزز هذا الاعتقاد ما جاء في التحقيق كالتالي:

· ولماذا لم تقطع في هذا الأمر بمراجعة جهات التحقيق قبل هذا النشر؟
- بصراحة أنا أمام الشريط الذي شاهدته، وبشاعة ما فيه، لم يكن أمامي سوى نشره، وليكن ما يكون. وجميع المراجعات أو التأكيدات صغرت في عيني ولم يكن لديها محل
· فكيف كان تقديرك لمردود تحقيقك الصحفي على تحقيقات النيابة؟
- تصورت أن ما أنشره لن يؤثر على سير التحقيقات؛ لأني علمت بعدم وجود حظر للنشر في قضية تتعلق بهذا الموضوع أو تحمل الرقم الذي أعطاه لي فايز

لم يتحقق مهران من صحة المعلومات التي بين يديه، ولم يتأكد على سبيل المثال ما إذا كان برسوم المحروقي راهباً مشلوحاً، طردته الكنيسة ومنعته من ارتدء زي الكهنوت عام 1996، أم أنه مازال يؤدي مهام عمله في دير المحرق في أسيوط كما ورد في الموضوع الذي أثار الأزمة، ولم يتأكد من صحة حدوث الواقعة المصورة على شريط فيديو


لنقرأ السطور التالية من واقع محضر التحقيق

· قررت سابقاً أن تحري الصدق هو من بين القواعد الضابطة للنشر، فكيف كان هذا التحري إزاء ما تناولته في العدد المنشور حول واقعة سرقة الراهب برسوم لأربعة كيلوغرامات من الذهب؟
- لأن محور التحقيق وجوهره هو الانحراف الجنسي للراهب، وهو ما كان مؤكداً من واقع الشريط الذي شاهدته، ولذلك لم أجد حاجة إلى التأكد من واقعة السرقة التي حدثني عنها فايز
· يعني هذا أنك نشرت الواقعة المشار إليها دون التأكد من صحتها؟
- أيوه!

لكن مهران يقدم صورة أخرى عن الدافع وراء نشره الموضوع عن الراهب المشلوح، فيقول في أثناء التحقيق: "أخذت في اعتباري قبل أن أقرر النشر بهذه الكيفية ما يمكن أن يلحق بي من جراء سوء الفهم أو أصحاب المصالح الذين يصطادون في الماء العكر..ولكني حسمت الأمر مفترضاً أني جندي أضحي بروحي فداءً لبلدي، وقلت لنفسي إنه يشفع لي التاريخ الوطني المشرف لمؤسستي الصحفية ولي شخصياً"

وفي موضع آخر من التحقيق يؤكد أن "هدفي هو الصالح العام مع سلامة النية، وبالتالي فلا محل للاتهامات الموجهة لي والتي يجب أن توجه إلى الراهب؛ لأنه هو الذي ازدرى المسيحية وكدَّر "السلم العام"



بل إن مهران يرى أنه أسدى خدمة جليلة وصنيعاً إلى الجهات المسؤولة بنشره هذه القضية، حيث يقول: "أنا تصورت أني أكشف للمسؤولين فساداً هاماً في مكانٍ ديني حساس، وبالتالي، فأنا أقوم بدورٍ وطني"
نعود إلى حكاية الصحفي تحت التمرين: فايز

فهذه الشخصية تشبه - حسب أقوال مهران- الكنز الذي وضع يده عليه، وفي أحيانٍ أخرى بدا كأنه سبب الورطة التي وقع فيها ممدوح مهران ولم يخرج منها أبداً

ولأن التحقيقات تلف وتدور باحثة عن ثغرة أو منفذ لكشف الحقيقة، فإن المحقق يسأل مهران عن سبب التكتم على باقي اسم فايز، فيرد عليه قائلاً: "قانون الصحافة يعطيني الحق في الاحتفاظ بسرية مصادري"، ثم يرد الاستجواب التالي:


· ولكن هذا المصدر صحفي بالجريدة؟
- هو صحفي، ولكنه تحت التمرين وغير مسؤول بأي شكل عن التحقيق الذي نشرته.. هو فقط أمدني بالمعلومات ولم يكن له دورٌ في التحرير إطلاقاً، وبالتالي فهو بالنسبة لي مصدر معلومات وليس صحفياً
· فلماذا أفصحت عن اسمه أحادياً؟
- لأن الحقيقة أنا لا أعرف باقي اسمه بالتحديد
· وهل سبق له أن أمدك المذكور بمعلومات عن تحقيقات صحفية مثيلة؟
- لا.. دي أول مرة كان يدخل فيها مكتبي ويعطيني معلومات من هذا النوع
· وهل مازال المذكور يعمل متدرباً بالجريدة؟
- للأسف هو يوم السبت الماضي 16 -6-2001 انقطع عن الحضور للجريدة ولم أره اليوم ولا الأمس أثناء الضجة التي أثارها هذا التحقيق



وبالرغم من جدية التحقيق، فإنه لا يخلو من طرافة، مثلما هي الحال في الحوار الوارد بين مهران وفايز. وقد جاء في التحقيق ما يلي

· ما الذي قرره لك هذا الصحفي على وجه التحديد؟
- هو قالي يا أستاذ ممدوح في عندنا في البلد في أسيوط شريط جنسي الناس بتبيعه سراً للحبايب بمئة جنيه للنسخة، فقلتله: وماله يا فايز، ما الدنيا مليانة شرائط جنس، أنت باين عليك صعيدي قفل، فقالي: لا يا أستاذ ممدوح، ده شريط مصوره راهب كبير في دير المحرق اسمه برسوم مع واحدة ست. فقلتله: أنت جبت الكلام ده منين؟ قالي: الشريط موجود في البلد وأقدر أجيب لك واحد منه. وسألني بمنتهى البراءة: ينفع الموضوع ده كموضوع صحفي يتنشر؟ قلتله: طبعاً، بس أنت هاتلي الأول شريط يثبت الكلام ده..وأخذ مني مئة جنيه علشان يشتري لي الشريط، وفعلاً جابه لي بعد يومين تقريباً
· هل قرر لك سالف الذكر بمصدر حصوله على هذا الشريط؟
- مقلش لي، لما سألته عن اسم اللي جاب منه الشريط رد وقالي: يا أستاذ ممدوح الحاجات دي زي المخدرات وأنا أخذته في السر من واحد حبيبي

يطل علينا اسم فايز طوال التحقيق، ربما أكثر من أي اسم آخر – بما في ذلك الراهب المشلوح نفسه محور القضية- فهو هنا المصدر الرئيسي – إن لم يكن الوحيد حسب أقوال ممدوح مهران- لما نشرته "النبأ"، حيث يدور الاستجواب التالي بين المحقق ومهران

· وهل أدلى لك بثمة معلومات لدى أن سلمك هذا الشريط؟
- أيوه، وأنا اهتميت بكلامه ودوَّنته في مذكرة على مكتبي؛ لأنه كان كلام خطير جداً، وعلشان أحاول أتأكد من صحة المعلومات اللي قالها
· ما هي المعلومات التي قررها لك في هذا الشأن؟
- هي كل الكلام الذي نشرته في العدد موضوع التحقيق، وما أذكره أنه قال لي إن الراهب برسوم مقرب جداً من الأنبا ساويرس رئيس الدير وإنه مشهور عنه ممارسة السحر والشعوذة وتحضير الجن، وإنه يستقبل سيدات كتير..ويمارس معاها الجنس ويصور الممارسات دي

وينسب مهران في التحقيق إلى فايز معلومة أن هناك قضية رقم 765 أمن دولة حول الراهب المشلوح. وتزيد التساؤلات وعلامات الاستفهام حول "الصحفي المعجزة" فايز، حين يكرر ممدوح مهران أثناء التحقيق معه "المعلومة دي قالها لي فايز". وعلى سبيل المثال، فإن التحقيق يسير على النحو التالي

· وكيف علمت بأن النيابة العامة وجهت إلى الراهب برسوم تهمة استغلال الدين المسيحي في الترويج لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة؟
- المعلومة دي قالها لي فايز، وأنا اعتقدت أن فايز عرفها من خلال ما يتردد في بلده من معلومات، قد يكون علم بها من خلال أحد أطراف القضية "أو" شقيق الراهب اللي بيوزع الشريط "أو" المحامين اللي ممكن يكون اتصل علمهم بها
· فكيف علمت بواقعة حيازة المتهم لدى ضبطه عظاماً وجماجم يستخدمها في تحضير الجان؟
- عندنا في الصعيد الأخبار يتم تداولها وبيسر، خاصةً أدق الأسرار، فمعلومة كهذه وهي الخاصة باستخدام المتهم مثل هذه الأشياء يمكن معرفتها بسهولة، خاصة أنه ذكرها لي فايز
· وبماذا تعلل الفقرة التي نشرتها في هذا التحقيق الصحفي والتي ذكرت فيها اعتراف الراهب لدى مواجهته بالتحقيقات بأمور تتعلق بممارسات غيره من رجال الدين، وبوجود علاقةٍ بينه وبين إحدى السيدات، وبأن النيابة قررت إحالة المضبوطات إلى الطب الشرعي..وقد كانت هذه الأمور جميعها مما تناولها تحقيق النيابة العامة؟
- فايز اللي قالي إن الناس في البلد تتكلم عن تحقيق مع الراهب، وبتقول إنه اعترف في التحقيق بكذا وكذا
· وبماذا تعلل اتصال علم أهالي بلدة المذكور بمجريات تحقيق النيابة العامة والذي لم يجرِ تناوله من قبل؟
- من الممكن يكون شقيق الراهب جرجس من اللي اتصلوا بالقضية سواء المحامين أو غيرهم أشاع هذا الكلام في بلدة فايز، وده كان تعليلي للأمر

ترى، هل كان ممدوح مهران يعلم أكثر مما قال؟
سؤالٌ مشروعٌ ومنطقي، تماماً مثل استنتاجاته المنطقية أثناء التحقيق، فلدى سؤاله
· من قولك والثابت من واقع المنشور بالتحقيق الصحفي، إفرادك عنواناً له تضمن "بلاغ سيدة مسيحية..."، وهو ما يعني علمك بوجود بلاغ، فكيف تسنى لك هذا العلم إذن؟
- علمت من واقع المعلومات اللي قالها لي فايز!

يرجح هذا ما ذكرناه آنفاً في التحقيق من أن المحقق سأل مهران: "وما قولك والثابت في مجمل تحقيقك الصحفي اشتماله على وقائع تناولتها التحقيقات فعلاً وعلى نحوٍ من التفصيل؟".. أما جواب مهران فكان "علمي بأن التحقيقات قد تناولت هذه الوقائع كان مجرد استنتاج". وفي موضعٍ آخر، قال مهران: "ما نشرته كان اعتماداً على ما أخبرني به مصدري الشاب، وتأكد من واقع مشاهدة الشريط. علمت من خلال مراجعة المكتب الإعلامي أنه لا يوجد حظر من نشر في قضية بهذا الرقم. ونسبة هذا الرقم إلى نيابة أمن الدولة من باب الاستنتاج، والإشارة إلى وجود بلاغ في النيابة هو نوع من تحري الصدق بقدر الإمكان"



لعبة الاستنتاج تتكرر مرة أخرى أثناء التحقيق، كما يلي

· ورد بهذا التحقيق المنشور أن الراهب المعجزة – على حد ما نشرت- مارست الجنس مع خمسة آلاف سيدة..فكيف وقفت على هذه المعلومة؟
- فايز قالي إن الراجل ده بقاله 18 سنة في الدير، فأنا ذكرت عدد السيدات اللي مارس معها الجنس باستنتاج منطقي، وهو أن يكون بالضرورة مارس الجنس مع عدد كهذا.. يتردد عليه كثير من السيدات طوال هذه المدة

التحقيق مع ممدوح مهران حول الاستنتاج يجرنا إلى جزئية أخرى في الاستجواب

· هل تأكدت قبل نشرك التحقيق أن وقائعه محل لتحقيقات نيابة أمن الدولة؟
- لا، ولكني كتبت رقم القضية زي ما أخبرني به فايز، ونسبت الرقم إلى نيابة أمن الدولة العليا من باب الاجتهاد والاستنتاج من واقع الخبرة
· وهل يجدي الاستنتاج عن الحق شيئاً في نسبة موضوع كالذي تناولت إلى جهةٍ قضائية دون التحري أو التثبت من حقيقة الأمر؟
- والله إن ما كان يهمني هو نشر الكارثة، ولم أتوقف عند هذا الأمر

لكن ما يستوقفنا نحن هو استجواب ضابط مباحث أمن الدولة في قضية "النبأ" يوم 19 من يونيو عام 2001
· وهل كان يعلم الصحفي ممدوح مهران وقت نشره التحقيق الصحفي المشار إليه بجريدة "النبأ" بأن الموضوع محل التحقيق الصحفي هو موضوع التحقيق في نيابة أمن الدولة العليا؟
- أيوه كان عارف، والدليل على ذلك أنه كان ناشر رقم القضية التي يتم التحقيق في الموضوع في نيابة أمن الدولة، وهي رقم 765 لسنة 2001 حصر أمن دولة عليا

على أي حال، فقد أمر المستشار هشام بدوي المحامي العام الأول لنيابة أمن الدولة العليا بإخلاء سبيل ممدوح مهران بكفالة عشرة آلاف جنيه على ذمة التحقيق، وأحيل إلى محكمة جنح أمن الدولة عليا طوارىء بعابدين لمحاكمته في خمس تهم وجهتها له نيابة أمن الدولة العليا


أما سبب الإفراج عن مهران بكفالة فيعود إلى أنه جرى استجوابه على أساس قانون الصحافة لعام 1996، والذي يحظر حبس أي صحفي يخضع للتحقيق، ويمنع سجن الصحفي إلا بموجب حكم قضائي


هل لدينا أقوال أخرى؟

نعم لدينا، فأسئلة التحقيق اجتهدت في الإحاطة بحقيقة موقف ممدوح مهران ومعلوماته، والإجابات حاولت الاحتماء بشعار الدوافع النبيلة، في حين تولد دوائر لا تنتهي من التساؤلات حول حقيقة ما جرى وكان، وطبيعة النيات وهوية الأطراف التي تقف وراء النشر، وأسماء - لن ننسى فايز!- تم تداولها، بدءاً من إسحق روحي مدير تحرير "النبأ" الذي صحح كلمة واحدة من مقال مهران قبل النشر، واستشاره مهران لأنه مسيحي فعرض عليه المقال مثلما جعله يشاهد الشريط، فأفاده بأنه ليس في الموضوع ما يمس الكنيسة!

القائمة تضم أيضاً علي جمال، أحد المسؤولين الرئيسيين عن التحرير في جريدة "النبأ"، والمصور بالجريدة الذي التقط الصور من شريط الفيديو للنشر، وكل أصحاب الأسماء الواردة في القائمة شاهدوا شريط الفيديو بناء على طلب مهران

إنها أسئلة حائرة، وإجابات تلد علامات استفهام، ومعلومات داخت من التفاصيل في قضية "النباً" التي تداخلت بشكلٍ مثير مع قضية "الراهب المشلوح"

ونظن أن الفصول التي حدثت بعد التحقيق مع ممدوح مهران كانت أكثر إثارة مما توقع الجميع

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

8 التعليقات على "قضية الراهب المشلوح (2): اعترافات الفتى مهران"

أكتب تعليقا