Saturday, August 22, 2009

جرائم العاطفة في مصر النازفة



مثل قطارٍ أفعواني في حديقة ملاهٍ، يشقُ الحب طريقه صعوداً وهبوطاً، وسط صيحات ابتهاج وأحياناً فزع الجمهور
وقصصُ الحب عجيبة وغريبة، لكن الأغربَ دائماً هو نهاياتها

تبدأ رحلة الحب بالعواطف الرقيقة أو الساخنة -لا فرق- حيث تتأججُ المشاعر وتتقارب النفوس، ويتناثرُ من أيدي العشاق ضوء يعبر منه العالم إلى الجنة، إلى أن تهبَ العواصفُ فجأة ليظهر الوجه الآخر لأحد الطرفين أو كليهما، لتنهار الأحلام الوردية وتظهر الحقيقة بكامل صورتها وتفاصيلها

وفي تلك اللحظة قد يقع خلافٌ وشجار وصراع، ينتهي بالدماء التي تسيل أو الأرواح التي تزهق، مصحوبةً بهمهماتٍ وتساؤلاتٍ وفضول لا ينتهي في أوساط الرأي العام أو وسائل الإعلام. وربما تتحولُ الجريمة العاطفية إلى قضيةٍ ذات أبعاد سياسية تشغل اهتمام الحكام والسفراء، ويلعب فيها الدبلوماسيون أدواراً مؤثرة

وجرائم العاطفة في تاريخ مصر لها أكثر من شكلٍ وصورة، فهي قد تكون ناجمةً عن علاقةٍ سرية تنتهي بفضيحة وأحياناً الموت على مرأى ومسمع من الناس، أو تبدأ بشجارٍ بين زوجين تتكثف فيه مختلف العوامل، وتطفو على السطح مشاعر الغضب المتراكمة، لتنتهي بمأساةٍ أو رصاصة أو دس السم في الطعام والشراب

وفي كلِ الأحوال، فإن الجريمة العاطفية في مصر وقعت في القصور مثلما حدثت في المنازل المتواضعة..وشهدتها عصور الفراعنة والمماليك والعثمانيين وما بعد ذلك طبعاً، وصولاً إلى اليوم. قد تكون وقائعها جرت في القاهرة أو الإسكندرية، أو حتى خارج الحدود..في مدينةٍ تسابق الوقت مثل دبي أو في ربوع أوروبا أو إحدى الولايات الأميركية، ولكنها تظل جرائم عاطفية يجلسُ فيها أحد الطرفين على الأقل متكئاً على عذابه وينامُ في سرير يأسه، بعد أن كان يظن أن العاشق يهرمُ..ولا تذبل أشواقه

وحين تقعُ مثل تلك الجرائم التي ترتدي ثوب العاطفة، تولَدُ مآسٍ تثير في النفس أكثر من تساؤل حول أسرارها وتفاصيلها ودوافعها

وفي الحب كما في الجريمة، تتداخلُ حدودُ الأشياء والمفاهيم وتضطرب الرؤية

والعاشقُ ينقشُ كلماته أفلاكاً على فضاء الذاكرة بأحاسيس أقرب من الدمعة وأبعد من المجرة
يصبحُ العاشق ظلاً لظل من يحب، يحلمُ بتفاح الفتنة وغواية العطر، ويصنعُ مع من يحب إرثاً مشتركاً من الأحلام، وحين يدخل محراب اللمس تضيع منه اللغة ويهرب الحرف

وفي أحوال العاشقين، تكونُ خارجاً للتو من النهر، فتشعرُ على استحياءٍ بالظمأ من جديد

وإذا كانت العاطفة تهزنا هزاً وتعبئنا بالغمام، فإن البعض لا يقرأ في قاموس المشاعر سوى كلمة انتقام.. هنا تنزف الوردة دماً، ويسير العشق عكس الاتجاه، وتقيم الحكاية مأتماً بين أصابعنا وفي قلوبنا

وفي تاريخ مصر حكاياتٌ لا تنتهي عن المحبة التي انتهت بحريق هائل يلتهم سوسنة الفؤاد، وقصصٌ عن الوجد الذي أتى حاملاً نعشَ أبطاله، والشوق الذي دفنته الغيرة في قبر الهواجس

وبدلاً من الألق، ينبت الأرق

والحكاياتُ التي اخترناها من عصور مختلفة وأزمنة متباعدة ترسمُ خرائطَ الروح، وتحولات النفوس، وتبحثُ عن أسباب هذه الانقلابات العاطفية التي تنتقل من صيدِ لؤلؤ الرغبة إلى عداءٍ مستحكم، يمنح فيه أحد أطراف العلاقة نفسه تصريحاً بالقتل

زيارةٌ جديدة لتلك الجرائم العاطفية تبينُ أن الموتَ الذي كنا قد واريناه الأيام لم يمتْ بعد بجدية

لم يكن الأمر سهلاً، فقد تطلبت الكتابة عن تلك الحكايات وشخصياتها المحورية قراءة مئات الكتب والمراجع والدوريات والصحف باللغتين العربية والإنجليزية. ولعله من الضروري أن نشير إلى أن جانباً لا يُستهان به من المواد والتفاصيل المنشورة في هذا الكتاب يُنشر لأول مرة باللغة العربية، وخصوصاً حكاية الأمير سيف الدين مع الأمير فؤاد الذي أصبح فيما بعد ملكاً على مصر، وقصة محاكمة مارغريت فهمي في لندن بعد أن قتلت زوجها الوجيه المصري في أحد فنادق العاصمة البريطانية

التوثيقُ هو أحد مفاتيح الكتابة في هذا المشروع المتواضع

غير أن هناك حرصاً على سهولة اللغة وسلاسة السرد واهتماماً بنقل الحوارات والأحاديث كما دارت أو وردت في المصادر المختلفة

إنها حكاياتٌ هدهدتها الأحلام، قبل أن تتحول إلى كوابيس، ولوحةٌ من ألوان البهجة وحب الحياة قبل أن تصبح ملطخة بالدم. والأبطالُ في هذه الحكايات من كل صنفٍ ولون: رجال أعمال وفنانات، ملوك وأميرات، قضاة وربات بيوت، نصابون ومطلقات. أما الذي جمع بين هؤلاء فكان الحب وقصص تغسلها فضة الأساطير..حتى فرَق بينهم الموت
اللافتُ للانتباه أن القتلَ كان يقعُ عادة تحت جنح الليل.. ربما لأن الظلام سترٌ لأصحاب الخيباتِ كما هو مطلبٌ للصوص
هؤلاء العشاق ماتوا بكل الطرق الممكنة، بدءاً من الرصاص وانتهاءً بالقباقيب. يا لها من نهاياتٍ مأساوية سببها من كانوا يحبوننا

لكنها كانت نهاياتٍ تستحق أن تُروى..وبداياتٍ جديرة بأن تُستعاد

لنبدأ معاً القراءة


من مقدمة كتاب "جرائم العاطفة في مصر النازفة" ، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2009

33 comments:

فاروق عادل said...

مقدمه رائعه ان شاء الله هشتريه فى اقرب فرصه

Yasser_best said...

فاروق عادل


شكراً لك يا فاروق
أتمنى لك قراءة ممتعة
وكل عام وأنت بخير

Anonymous said...

Dr.Yasser,
Congratulations !!
A new born diamond added to your treasure of books.
An introduction that stimulates us to read what's after.
Really what you always write is so precious to be read .
I hope to have your book soon in my hands and mind.
Again ,Congratulations and thanks for all the effort exerted.
The Pearl.

Anonymous said...

مبروك الكتاب الجديد..هذه المرة سهلت مسألة الاقتناء علينا ونشرت الكتاب من بيروت..
أجزم أن إعادة قراءة حكاياتك المغرية حبراً على ورق ستكون لها نكهةٌ خاصة..

خالص أمنياتي

غيدا

الازهرى said...

فلنبدأ القراءة معا
بالتأكيد سيكون كتابا ممتعا
ومفيدا
بإذن اللهفور عودتى القاهره أحصل عليه

كل سنه وانت وكل أحبابك فى إيمان وأمان وخير وسلام وطمأنينه

فـــر يـــــدة said...

"والعاشقُ ينقشُ كلماته أفلاكاً على فضاء الذاكرة بأحاسيس أقرب من الدمعة وأبعد من المجرة
يصبحُ العاشق ظلاً لظل من يحب " ـ

كلمات ليست كالكلمات ..ـ
سأسعى لإقتنائه سيدى
كل رمضان و حضرتك بكل خير ، أعاده الله عليك برحمته و رضوانه
دمت بكل كل خير

Yasser_best said...

فريدة


ليس هناك أجمل من إنسان يتذوق الكلمات ويغوص في أعماق أعماق معانيها

كل عام وأنت بخير يا فريدة

Yasser_best said...

الأزهري

كل عام وأنت بخير يا عزيزي

أشكرك على المتابعة والاهتمام..وإن شاء تعود إلى القاهرة مصحوباً بالسلامة

Yasser_best said...

غيدا


أيتها الصديقة الغالية

أشكرك على متابعتك الجميلة. الكتاب يضم تفاصيل وإضافات كثيرة جداً لم أنشرها في المدونة، وبالتالي فإن الكتاب نسخة منقحة ومعدلة كما يقال، تستحق القراءة على ما أرجو

كل عام وأنت بخير

Yasser_best said...

The Pearl


شكراً لك أيتها اللؤلؤة

ماذا أقول؟
سعيد بمتابعتك وتعليقك


كل عام وأنت بخير

اخر ايام الخريف said...

الف الف مبروك يا دكتور ويا رب عقبال الكتاب رقم 100

Yasser_best said...

آخر أيام الخريف

الله يبارك فيك يا عزيزتي، وكل عام وأنت ومن تحبين بخير

Yasser_best said...

emad

سعيد بمتابعتك واهتمامك بالقراءة

التاريخ نهر يغترف منه الجميع، والفارق يصنعه جودة البحث وعمق الكتابة وبراعة الأسلوب

كتب عن الأمير سيف الدين كل من صلاح عيسى ومحمود صلاح (بدرجة أقل)، وهناك من نقل عنهما من دون أن يضيف جديداً

أرجو عندما تتاح لك فرصة قراءة كتابي، أن تستمتع بقراءة تضيف جديدا من المعلومات التي لن تجد كثيراً منها في الكتب والقراءات التي طالعتها من قبل

أتمنى لك متعة القراءة وفائدة المعلومة

Anonymous said...

مبروك يا د. ياسر

وجدت أخيرا نسخة من الكتاب ولمست بالفعل حجم الجهد المبذول واهتمامك بالإشارة إلى ما ذكرته صحف ومؤلفات أجنبية عن بعض الجرائم التي ذكرتها

قرأت من قبل ما كتبه صلاح عيسى، لكن حكاية الأمير سيف الدين عندك أكمل وأشمل

أحمد طاهر

Yasser_best said...

أحمد طاهر


يسعدني اهتمامك بقراءة الكتاب وإشادتك بمضمونه

أظن أن من يقرأ الكتاب سيدرك حجم الإضافة في المعلومات والتفاصيل، وسيلاحظ الفارق

وهذا يكفيني ويزيد

Manna said...

ان كانت مقدمة الكتاب رائعة بهذا الشكل فمن المؤكد بان الكتاب سيكون مبهراً ... وفي اعتقادي بان هذا الكتاب سيكون مهماً لكل محب ٍ وعاشق
ليتعلم الناس كيف يحبوا بصدق وسمو
من غير ان يجعلوا القصة التي عاشوا في جوانبها تصبح نهايتها جريمة تقرأ في الجرائد وتتناقلها ألسن الناس

Yasser_best said...

Manna

أشكرك على تسجيل إعجابك بمقدمة الكتاب

أتمنى أن تتاح لك فرصة قراءة الكتاب بتفاصيله التي جمعتها بحرص وعناية وجهد كبير

الكتاب صدر في بيروت، أما في مصر فهو يوزع في مكتبة مدبولي وعدد من دور النشر والمكتبات الكبرى

أكرر شكري وتقديري

فـــر يـــــدة said...

عيد سعيد عليك سيدى

تقبل الله منك و منا صالح الأعمال فى رمضان

تحياتى

الازهرى said...

كل سنة وانت طيب وبالف خير

كل سنة وانت اجمل والى الله اقرب

عيد سعيد على كل المسلمين يارب

Yasser_best said...

فريدة

كل عام وأنت بخير، أنت ومن تحبين

أدام الله السعادة في حياتك وقلبك

Yasser_best said...

الأزهري


كل عام وأنت بخير يا صديقي

جعل الله كل أيامك طيبة وجميلة مثلك

Yasser_best said...

norahaty

أشكرك، وكل عام وأنت بخير

أرجو أن يكون الكتاب ممتعاً بقدر الجهد الذي بذلته والبحث الذي قمت به لإضافة الجديد والمفيد في هذا الموضوع

كوني بخير

ابو احمد said...

كل سنه وانت طيب يادكتور ومبروك الكتاب الجديد
تحياتى لجهدك الممتع دائما

شامة said...

الف مبروك لمن سيقرأ لأنه سيقرأ شيء يوقظ بهجة الحروف في دمه
و مبروك لكاتبه لأنه اهل لتبريك قبل الجميع

مليون تحية

Yasser_best said...

شامة

كل عام وأنت بخير يا عزيزتي

تهنئتك جميلة مثلك. أشكرك عليها وأتمنى أن تستأنفي الكتابة قريباً، فقد طال غيابك هذه المرة

ابو احمد said...

كل سنه وانت طيب
وخيد سعيد عليك وعلى احبابك

Yasser_best said...

أبو أحمد

كل عام وأنت من تحب بألف خير

سعادتي كبيرة يا د. مجدي بالاطمئنان عليك. أرجو أن تكون كل أحوالك على ما يرام

شامة said...

إنكسرت قوارير المداد عند عبتة ولجتها خطأ


لك محبتي

Yasser_best said...

شامة


لا أحد يستطيع أن يوقف غناء العصفور

شامة said...

و لا يستطيع أن يوقف شوق جرف كل ما املك

Yasser_best said...

شامة

كتلة النار التي اسمها الأشواق سوف تتدحرج يوماً من على قمة الجبل هابطة إلى السفح، قبل أن توزع نفسها بالعدل على الفقراء والعشاق

أعرف جيداً أنك ستعودين بكتابات تقطر رقة وعذوبة

في انتظارك

عمر فؤاد said...

جميل و مثير فعلا
الكتاب امتى ينزل ؟

Yasser_best said...

عمر فؤاد

كتاب "جرائم العاطفة في مصر النازفة" موجود الآن في المكتبات التالية:

القاهرة: مدبولي، والمكتبات الرئيسية
بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، والمكتبات الرئيسية

دبي: مكتبة دبي للتوزيع، المجردوي، والمكتبات الرئيسية