جرائم العاطفة (16): ضحية..في برج الرمال

| |








الذَّبْحُ: قَطْعُ الحُلْقُوم من باطنٍ عند النَّصِيل، وهو موضع الذَّبْحِ من الحَلْق
والذَّبْحُ مصدر ذَبَحْتُ الشاة؛ يقال: ذَبَحه يَذْبَحُه ذَبْحاً، فهو مَذْبوح وذَبِيح من قوم ذَبْحَى وذَباحَى، وكذلك التيس والكبش من كِباشٍ ذَبْحَى وذَباحَى
والذَّبِيحة: الشاة المذبوحة. (لسان العرب)



صيف دبي اللاهب ازداد سخونة في 28 يوليو تموز 2008
فقد تلقت شرطة دبي في ذلك اليوم بلاغاً بالعثور على جثة سيدة مذبوحة بواسطة آلة حادة في برج الرمال
الجريمة البشعة كان لها دوي كبير في مدينة تعيش كأنها خلية نحل وتسابق الوقت كي تحقق إنجازات جديدة في مجال التوسع العمراني وجذب الاستثمارات
المفاجأة لم تكن فقط في اكتشاف أن القتيلة هي المغنية اللبنانية سوزان تميم، وإنما أيضاً في أن الفريق المكلف بفحص كاميرات المراقبة في البرج السكني اكتشف وجود شخص حضر إلى برج الرمال بحذاء رياضي وبنطلون أسود وقميص ويضع على رأسه "كاب" وصعد إلى المبنى واستمر داخله أكثر من ١٤ دقيقة، ثم نزل بالكاب والحذاء بعد أن استبدل ملابسه
وبعد تحريات مكثفة ومتكتمة شملت المحال التجارية والشهود وبطاقة الائتمان المستخدمة في شراء الملابس والسكين المستخدمة في الجريمة، حددت شرطة دبي هوية المتهم: محسن منير السكري
وكرت المسبحة
ومن جريمة قتل إلى محاكمة تعد الأشهر من نوعها في مصر وهي بالتأكيد الأكثر كلفة، بعد أن حضرها جيش من المحامين المشهورين، ولاحقتها وسائل الإعلام في كل صغيرة وكبيرة
لعل أهم ما يسترعي الانتباه في جريمة مقتل سوزان تميم في أحد الأبراج السكنية الفخمة في مدينة دبي، أنها لخصت كل شيء يتعلق بالمال والسلطة، والغرام والانتقام
فالجثة التي تعرضت للذبح، فتحت أبواب الجحيم على كثيرين، وكبرت كرة الثلج بسرعة لتطال أسماء كبيرة وشخصيات تجمع بين الثروة والنفوذ
وفي ظل المهنية الشديدة التي تعاملت بها شرطة ونيابة دبي مع هذه الجريمة، والأدلة القاطعة التي قدمتها للقضاء المصري وحسمت بالثانية أماكن وجود المتهم، وسجلت له بالصوت والصورة كل ما يثبت ارتكابه هذه الجريمة، ورفعت البصمات، وعرفت أرقام تحويلات النقود، وحتى رقم بطاقته الائتمانية التى استخدمها في شراء السكين التي قتل بها الضحية، كل ذلك دل على مهنية واحترافية عالية
أدلة جعلت المتهمين في الجريمة في مأزق
جثة حاضرة، ووقائع بالصوت والصورة، وشهود وبصمات وتسجيلات ومكالمات، انتهت بالمتهمين في القفص، أمام قاضي جنايات، مشهور عنه أنه يركز في موضوع الدعوى ويصدر أحكاماً رادعة
في القاهرة كانت بداية الملاحقة القانونية يوم الأربعاء الموافق 6 أغسطس آب 2008، عندما وجّه العميد مجدي الشافعي، مدير الإنتربول في القاهرة، كتاباً رسمياً إلى رئيس المكتب الفني للنائب العام، جاء فيه أن إنتربول أبوظبي طلب ضبط المواطن المصري محسن منير على حمدي السكري، وذلك لاتهامه بالقتل العمد لسوزان عبدالستار تميم وأن السلطات القضائية أسندت إلى السكري تهمة القتل، وأن واقعة القتل وقعت يوم 28 يوليو 2008، وأنه بالكشف عن تحركات السكري تبين أنه غادر القاهرة إلى دبي في 23 يوليو 2008، وعاد منها في 28 من الشهر نفسه
وفي إطار اتفاقية التعاون القضائي والقانوني بين دولتي الإمارات وجمهورية مصر العربية، تم ضبط المتهم السكري وتوقيفه، وتبين أنه ضابط شرطة سابق، وأمر النائب العام بإجراء التحقيقات في مكتبه الفني، وطلب جميع المعلومات وإجراءات الاستدلال وصورة التحقيقات التي أجرتها السلطات القضائية في دبي بشأن الواقعة، وفور ورودها تم استجواب الضابط
النيابة العامة انتدبت المستشار مصطفى خاطر، رئيس نيابة الاستئناف، لاتخاذ اللازم، وفي اليوم نفسه في الساعة الرابعة وعشر دقائق مساء بدار القضاء العإلى فتح المحقق ملف التحقيق في طلب الاسترداد الوارد من الإنتربول بدبي، وذكر فيه التإلى أنه عرض عليه أوراق "الملف رقم 249 لسنة 2008 تسليم مجرمين" مؤشَّراً عليه من النائب العام بانتدابه لاتخاذ اللازم، ثم استجوب المحقق المتهم وبدأ بتوجيه تهمة القتل العمد إليه، فأنكرها وقام باستجوابه، فقرر في الرواية الأولى أنه توجه إلى منزل المجني عليها في دبي من أجل توصيل خطاب وبرواز هدية من المتهم الثاني هشام طلعت مصطفى في ذات اليوم الذي قتلت فيه، وحدده أنه 28 يوليو 2008
واسترسل السكري في روايته الثانية عن كيفية تعرفه بالمتهم الثاني، وأن الأخير طلب منه مراقبة زوجته عرفياً سوزان تميم في لندن، بعدما عرف أنها على علاقة بملاكم عراقي يدعى رياض العزاوي، وهو بطل العالم فى الكيك بوكس، وطلب منه رصد تحركاتها بعد أن أعطاه صورتها وعنوانين للمجني عليها في لندن، واعترف أنه تقاضى مبلغاً مالياً من هشام طلعت مصطفى، ثم ساق راوية ثالثة وقال إنه سافر إلى دبي يوم 23 يوليو 2008 لعقد صفقة مع شركة داماك، وإنه أقام بفندق هيلتون ثم فندق دبي بيتش، وإنه كان على اتصال مستمر مع هشام طلعت مصطفى الذي كان على علم بسفره واستصدر له تأشيرة الدخول إلى دبي، وإنه اتصل به قبل سفره بأسبوع وأخبره أن المجني عليها موجودة في دبي، وأعطاه عنوانها هناك وطلب معرفة ثمن الشقة التي تسكن فيها بالضبط، وسلمه مظروفاً مغلقاً قرر أن بداخله خطاباً وبروازاً خشبياً طوله 20 في 15 سنتيمتراً، بإطار جلدي

وقال إن ذلك حدث بمنزل هشام، في شارع الصالح أيوب بالزمالك قبل سفره بأسبوع، وأنه توجه إلى المجني عليها يوم الجريمة في العاشرة صباحاً وأعطاها المظروف والخطاب
وأضاف السكري في التحقيقات أن الاتفاق الذي تم بينه وبين هشام طلعت كان "اشتغالة"، وأنه كان ينصب عليه، من أجل خطف المجني عليها من لندن وإحضارها إلى مصر، ثم تطور الاتفاق إلى القتل في لندن، ثم في دبي، وأنه رفض فكرة الخطف أو القتل في المرتين، وقال إن كلاً من عبدالخالق خوجة مدير أعمال هشام طلعت وحازم توفيق سكرتيره الخاص كانا يعلمان بهذا الاتفاق
لم تتوقف مفاجآت السكري عند هذا الحد
فقد أخذ أثناء التحقيق يسرد رواية رابعة، مفادها أنه أعد الخطاب ولم يتسلمه من هشام في صورة خطاب شكر من الشركة التي باعت الشقة لسوزان، وحصل على مظروف الشعار أو "اللوغو" الخاص بشركة بوند، وقال إن هشام حينما حرّضه على اختطاف المجني عليها، قال له إن هناك من كلفه بأن يحضر أشخاصاً لتنفيذ العملية في لندن، مقابل مليون جنيه إسترليني، تسلم منه 150 ألف يورو نقداً على دفعتين، ومرة أخرى بالإيداع في بنك HSBC، مبلغ 20 ألف إسترليني


السكري قال إنه سجل مكالمة على هاتفه المحمول لهشام كان يتحدث فيها عن ضرورة قتل سوزان، وإن هشام ساعده على الحصول على تأشيرات الدخول إلى لندن ودبي، وتسلم منه مبلغ مليوني دولار، في شإليه خاص بهشام، في فندق فورسيزونز بشرم الشيخ، وإن المبلغ كان مجموعاً من مكاتب الصرافة بفئة المئة دولار


في نهاية اعترافاته قال السكري إن هشام كان يريد أن ينتقم من سوزان تميم
على الجانب الآخر، أمر النائب العام بإدراج اسمي المتهمين على قوائم الممنوعين من السفر، وتم استصدار إذن من مجلس الشورى لاتخاذ الإجراءات الجنائية ضد المتهم الثاني هشام طلعت مصطفى، لكونه عضواً بالمجلس، وتم استجوابه واستكمال جميع إجراءات التحقيق القانونية للوصول إلى حقيقة الواقعة
أمرت النيابة بحبس السكري وهشام طلعت مصطفى، وفي 3 سبتمبر أيلول 2008 أصدر المستشار عبدالمجيد محمود النائب العام قراراً بإحالتهما إلى محكمة الجنايات، وحددت محكمة استئناف القاهرة الدائرة الثالثة التي يترأسها المستشار محمدي قنصوة لمحاكمة المتهمين
وجاء في أمر إحالة رجل الأعمال، هشام طلعت مصطفى، وضابط الشرطة السابق، محسن السكري، إلى الجنايات، أن الضابط قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم في إمارة دبي، بدولة الإمارات، يوم 28 يوليو 2008، واشترك هشام طلعت في الجريمة بطرق التحريض والاتفاق والمساعدة.أصيب كثيرون بالصدمة فور الإعلان عن إحالة هشام طلعت مصطفى إلى المحاكمة، لما له من نفوذ سياسي وثراء مالي. بدت المسألة كلها كأنها كابوس بالنسبة لهشام وأسرته والمقربين منه، لكن البعض لخص الأمر ببساطة قائلاً: حين يحب المرء يفقد نصف عقله، وحين يكره يفقد النصف الآخر

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "جرائم العاطفة (16): ضحية..في برج الرمال"

أكتب تعليقا