صعود على مهل

| |





"مشهد..مشهد"
تشيرُ الإيرانية إلى بطاقةِ سفرها، مستفهمةً عن موعدِ إقلاع طائرتها من مطار أسطنبول
كانت أجملَ من أن يحاوِلَها الوصف
كان الجَمالُ يفرطُ رمانَ أسراره في بحيرةِ عينيها
أيُ فردوسٍ انسلت منه تلك التي إذا أَرسَلت سهماً فقُـل ذهبَ العمرُ
مسافرةٌ إلى مدينة الملالي، تبحثُ عن إجابات
غريبة تنشدُ العونَ.. والغريبُ عن وطنِه كالنباتِ الذي زايلَ أرضه، وفقدَ شربه، فهو ذاوٍ لا يثمر، وذابلٌ لا ينضر
تدفعُ العربةَ أمامها، متشحةً بائتلاقاتِ بحرٍ من الحسن، فألمحُ علبةَ البقلاوة التركية تبتسمُ للعابرين، كأنها تنتظرُ أن تذوبَ على شفتيّ حبيب

اللوحة الإلكترونية التي تتقافزُ فيها أرانبُ أرقامِ الرحلات ومواعيد الإقلاع، تصيبُ البعضَ بالدوار
أدلُ الفتاة التي تملك خصرَ قيثارة على رحلتها. تشكرني ثم تغيبُ في الزحام، فيتبعها رفُّ دلافين يضيء بحنينه ليلَ الأعماق
وأنا طائرٌ يطوي الجهات، ويبتسم
يغدو الغريبُ حميماً في القلبِ المنذور للجسد
وفي المطاراتِ نتشبثُ بالغائبين، الحاضرون نهملهم
للمطارات في كل الأزمنة والأمكنة روحٌ واحدة: لهفة على الذاهبين، وحنين إلى العائدين، وغيث يفاجئ الواقفين في حالة انتظار
إنها المكانُ المثالي لصداقاتٍ عابرةٍ لا تدوم

والمطارات جسدٌ ينتظرُ اكتشافه: شبقٌ يتأرجحُ وجرحٌ مفتون
إنها الكتابُ الذي يقرؤنا، ويفكُ رموزَ دهشتنا ثم يبعثرُنا مثلَ حريرٍ هامد

الطابورُ الطويلُ يقودُ إلى مسافرين يُكدسون الحقائبَ والأمتعةَ على عَجَلٍ، ويرفعونها على ميزان يشكو الاختناق، قبل أن يبتلعها حوتُ الحزام الكهربائي المتحرك
تتشابَكُ الأيدي وبعضُ الأعناقِ أيضاً، لكنها تظلُ مجردَ معانقات سريعة لمن نُبقيهم خلفنا
أصحابُ الرحلاتِ المتأخرة تتداعى أجسادُهم المنهكة، فيتوسدون قاعة الانتظار التي تقتل المسافة بين العين والضوء
بائعُ السوق الحرة ممشوق القوام، جسدُه خارج لتوه من انتحار سريع في أحضان امرأة
ينتظرُ بمكرٍ نساء أخرياتٍ يلتقطنه بابتسامةٍ وبعض الدلال
والزبائنُ يجولون في المكان بعيون زائغة، من دون أن يشتروا شيئاً يذكر
في المكتبة الضيقة التي تتراصُ على رفوفِها كتبٌ بالتركية والإنجليزية، أتحركُ بخفةٍ محاذراً الاصطدام حتى بالهواء


يرمقُني بارتيابٍ أتاتورك من غلاف كتابٍ يتجاوزُ عددُ صفحاته الألف، فأعتذرُ له ثم أباغته بالأسئلة:

لا بحرَ في أنقرة، فكيف تكونُ العاصمة؟

لا حربَ في أنقرة، فكيف تكونُ العاصمة؟

لا حبَ في أنقرة، فكيف تكونُ العاصمة؟

يُقطبُ أتاتورك حاجبيه الكثيفين في غضب، ويهتزُ الشَعر الذي ينبتُ من أُذنيه، فأردِفُ بثقة قائلا: أسطنبول معرضٌ أقامه الجمالُ في الهواء الطلق، وأطرافها هي آخر دفاتر الغجر السرية. ضفافُ البوسفور تحفظُ أسماء العشاق وتُخيركَ بين أن تكونَ السمكةَ أو الصياد، وأنطاكية حنانٌ مُفرط مثل سوارٍ يهتز برقصة، أما أنقرة التي تَزَوَّجَتها هضبةُ الأناضول زواجاً مُبَكِّـرَاً فهي شجرةٌ تجهشُ بالاغتراب وتهربُ من أغصانها
ييأسُ الرجلُ مني فيطوي بروزَ جبهته، ويُغلقُ في وجهي أغلفةَ الكتب
ألمحُ الشاعرَ ناظم حكمت يغمزُ لي بطرف عينه ممتناً
في الخارج، أبٌ يلتقطُ في زهو صورة لطفله ذي الشعر الأشقر أمام مجسم ميكي ماوس بألوانِه الفاقعة
الطفلُ يمنحُك شعوراً بأنك موجودٌ في الآخرين
طوبى للطفولةِ الغافلةِ عن رعبِ المستقبل
تسيرُ النساء، فيما الأرضية تئنُ تحت كعوبٍ شامخة فيها أثرُ مشي طويل إلى متاجرَ أنيقة وشوارعَ مزدحمة
تخترقُ المشهدَ فتاةٌ نحيفة عارية الظهر، يحدقُ الجميعُ في عراء ظهرها وبياضِه الذي لم تزره الشمس يوماً
بساتينُ خطوتِها تحدٍ، وزيُها الصارخُ لحنٌ صريحٌ ضِدَّ البساطةِ
لا توأمَ لها غير الخطيئة

ينزُ منها عرقُ الرغبة السائلة كحبر، والنحافةُ - كما يقول فولتير- أكثرُ عرياً وأقل احتشاماً من السمنة

الأمُ التي اتسع حوضها، تنهرُ بناتِها اللاتي ضحكاتُ ضفائرهن البريئة تبددُ الوحشة، وهي تدعو الله في سرها أن يحفظهن من هذا المُقْلِقِ الغامض الذي يُسمى الرجل
في المطعم، تتناولُ الفتاةُ غير المبالية وجبةً خفيفة. الأواني المحيطة بها تافهةٌ أمام آنيةِ الله
شفتان مكتنزتان تتهيئان دوماً لمتعٍ مُقبلة، وأنوثة تتوهج في سحر إيقاعها
‫ترفعُ خصلةَ شعرها بصلواتِ أصابعها، فيسجدُ لها الهواءُ مغشياً عليه
والهواءُ يعبثُ بأصابع قدميها، المحملةِ بالقصائد
أضواء النيون تقتربُ وتنأى في سماواتِ عينيها
أعشابُ الرجال تستيقظ حين يقع بصرهم عليها، لكنها لا تبالي
في عينيها دبّوسان صغيران. أحياناً تعضّ جسدَك دبابيسُها
وحيدةٌ، رغم أنها لا تدرك وحدتها
سوف يفاجئها معسولُ الكلام يوماً، وتعصفُ فيها أعاصيرُ التوقِ والعشقِ واللظى
وحين تصبحُ بين ذراعيّ عاشق، ستذوبُ في شفتيَّها الشمسُ، وسيكونُ صمتُها لغة شاهقة
ربما سينشغلُ هو قليلاً بأن يحصي الشامات التي تنام على جسدها
واحدة خلف العنق، اثنتان.. آه، هناك ثالثة تحاول الاختباء، لكنه ضبطها قبل أن تفر
ساعتها، سينهار هذا الجدار ويحترق مُتحف الشمع عن آخره
الموسيقى تنتشرُ في المكان وتقتحمُ السماء، كأنها وباءٌ من النشوة المتنقلة. لولا هيمنة العقل لحلت الموسيقى محل الفلسفة

في قاعاتِ الانتظار، يتناولُ راكبُ الترانزيت أطعمةً تصلحُ مادة للمختبر وليس لمائدة الطعام
شابٌ وفتاة يتعانقان على الطريقة الرومانية، من دون لمسةِ حنان، من دون حرارة، من دون إظهار مشاعر الفرح. قبلة متحفظة، تركت على مقعديهما ندفاً من جليد
وحدها القبلةُ الناعمة قد تسرقُ منا عُمراً بأكمله
إنها اللعنةُ التي تنقلها كلسعةٍ بطرفِ شفتيك وتغرسها كسم شهي
الصيني يخلعُ حذاءه ليريحَ قدميه، فترتفعُ رائحةُ جوربيه اللذين انتقعا بحموضة يوم طويل إلى أنفه، ليغرقَ في خجله
الأقدامُ المتسارعة باتجاه بوابة السفر تقرعُ طبولَ الخوفِ من عدم اللحاق بشيءٍ ما غامض. الراكضون في المطارات كريشةٍ انفلتت من جناح طائر، لا ينظرون خلفهم؛ ربما لأن الشرَ الحقيقي يكمنُ خلفنا لا أمامنا
السفرُ ليس انتقالاً إلى مكان آخر أو زمان جديد. إنه ببساطة هروب. البعضُ يركضُ باتجاه ميلادٍ جديد، والبعضُ الآخر يكافحُ للهروب من الموت
كلهم يستعجلون الوصولَ، مع أن آخرَ الطريق..أوله!
مسافرون بتذكرةٍ في اتجاهٍ واحد، وعائدون على جناح الحنين
فريقٌ يغالبُ أحزانه، وآخر يغلبُه الوطن
والندمُ هجرةٌ في الاتجاهِ المعاكس، إذ يمتعنا باستعادة حياتنا، ويوهمُنا بأننا عشنا الكثير من الحيرة
على المقاعدِ التي صُمِمَت لتمنحك شعوراً بأنك لن تبقى فوقها طويلاً، تبدأ في تنظيف رأسِكَ من شظايا الوعظ، والتصالحِ مع نزواتِك المغضوبِ عليها
لا أفعلُ شيئاً. أرى الساعات تمضي بتثاقل، فأقرر ألا أحاول ملأها
الوقتُ حاقدٌ كرصاص العدو، لكننا لا يمكن أن نصفح عنه إلا عندما لا نستخدمه
أبتعدُ عن الزمن كي أتأمله أكثر وهو يسترخي في فضائِه الرحيب
أبرزُ ما تميزُه في لحظاتِ الترقب، هو لهاثها واحتضارها، وليس الانتقال نحو لحظة أخرى
أدسُ في جيبي ساعتي التي أصابَها الخرف
أو كلما مر الزمنُ أدركتُ أكثر أن أيامي الماضية كانت الفردوسَ المفقود!
لعل أفضلَ ما في النضج هو الإدراكُ الصعب، الذي يشبهُ الارتطامَ بدرجاتِ سلم غير منتظم الحواف أثناء صعودك السريع إلى الطابق العلوي من مسكن آيل للسقوط
ترتطمُ بالألمِ أكثر مما ترتبطُ بالحافة التي في انتظارك
في تلك اللحظة تحديداً، يُولَدُ الإدراك
خديعة كبرى نتوهمُ أنها اكتشافنا الأهم: كم يتلألأ المطبخُ بالسكاكين البرّاقة!
تنبهني رنةُ الهاتفِ الجوال إلى رسالةٍ نصية قصيرة. امرأةُ الأوراس تقول لي: "أنا في مصر، أم الدنيا، أين أنت؟". أجيبها قائلاً:" حيث لا ينبغي أن أكون"
تبعثُ لي بصورتها وقد غطت شعرها أمام قلعة صلاح الدين. خصلاتُ الشعر التي تمردت كانت تشير إلى قامتِها المديدة وطلعتِها الساحلية
في دورة المياه، أغسل وجهي، فألمحُ صورةَ الرجل الذي كان يافعاً ذات مرة وقيلَ إنه عبقري
لا أرى أمامي سوى نظرةٍ تحملُ عذاباتٍ مضاعفة، ورأسٍ كتبت بماء السرابِ قصائد

تحت قبة زجاجية تتسللُ منها أشعة الشمس، أتشربُ الضوء مع الجو
أفكر قليلاً في هموم العمل. لابد أن العمل هو الملحُ الذي يحافظُ على أرواح المومياوات
رجل بذقن غير حليقة يجلسُ إلى جواري مكتئباً وجبينه منحنٍ طوال الوقت.. شديد الانحناء لدرجة أنه لا يرى شيئاً، ما عدا سُرته
فمه يأكلُ آخرَ أسنانِه، حتى يصير طائرَ لقلقٍ هائم
الكآبة تتغذى من
ذاتِها، ولهذا لا يعرفُ أحدٌ كيف تتجدد
ربما كان عليه أن يغطّي ضعفه بالانتباه
يعطي أذنيه لا عقله لثرثارةٍ، أقنعها الشيطان بأن تطمئنَ إلى قلبِه الطيب ونياته الطيبة، لكي تقنعَ كل ضحاياها بأن يطمئنوا لقلبها ونيتها الطيبة
أن يكون بعضُ الرجالِ قد وقعوا في غرام تلك السيدة، فذلك دليلٌ على انحطاطِ رجالِ هذا القرن
نحن نحبُ النساء بقدر ما هن غريبات عنا
وفي الحب، يكونُ التوافق الجسدي نتيجةَ سوء تفاهم يُدعى المتعة
لا يهم، فالحقيقةُ الأكيدة أننا كلنا مشروعاتُ رغبة لبعضنا البعض
بشرٌ معدودون ينبتون أمام البصر فجأة دون صخب في الممراتِ اللامعة، ثم يندسون في منعطفاتٍ جانبية ويختفون مثل أشباح حانَ موعدُ نومها
جندي يعودُ إلى رشده، وفي يديه أزهار حمقاء، وعلى صدره أوسمة اليأس
فتية لهم جلودٌ مُتغضِّنة لوّنَتها الريح، يسخرون برعونةٍ من رفيق لهم. الفتى المحرجُ يضحكُ ضحكةً غبية، لكن حين تلمحُ عينيه لوهلةٍ سيتبينُ لك كم شوَّهته سخريةُ الآخرين
الضحكُ العنيفُ بكاءٌ مستتر
المراهقة جحيم، فلماذا يتعينُ إذن على المراهقَين أن يتقاسموه معاً؟
عاملُ النظافة يكنسُ بِهمةٍ ما تبقى من ضحكاتِ العابرين، حتى لا يتعثرَ بها من يرتدون معطفَ الرصانة
ينادي صوتٌ في المطار على اسم عربي للحاق بالطائرة التي توشكُ على الإقلاع، فتتهادى فتاة في ثوبها الفضفاض وكحلها الكثيف
تفوح منها عُطورٌ، وتوابلُ، وهالٌ.. تنامُ في خليّتِها، فيقطرُ منها عسلٌ خليع
البقعةُ التي امتدت مثل ورمٍ على ردائها، ليست سوى ذاتِها المتضخمة
تملأ الدنيا صراخاً عن حديقتها، لكنها لم تحرر شبراً من أرضها الحبيسة
كيف انتبه شيخنا ابن عربي إلى "الكثير بالصور، الواحد بالعين"؟
آلام الظهرِ تزداد حدَّتُها مع طول فترات الجلوسِ
ينقذني نداءُ الطائرة الأخير

على سُلَّمِ الطائرة، عجوزان يصعدان الدرجات على مهل. كانت تصعدُ درجةً ثم تقفُ كي يقتربَ منها ويهدأ سعاله. يَستجمِعُ قواه ثم يُمسدُ ظهرها ويَدعُ يده تربتُ على كتفها. هكذا يصعدان سُلَّمَاً إلى الغيبِ، من دون أن يصلا إلى مكان
البابُ موصدٌ بألفِ ألفِ قفل، والطائرةُ غرفةٌ معدنيةٌ بلا ذاكرة، بابُها يمكنه الإغلاق من الداخل من دون أن يشكك أحدٌ في نياتِ أهلها البابُ موصدٌ، ها نحن جميعاً داخلَ زنزانةٍ بجناحين عملاقين: كادُ المسافرُ أن يكونَ أسيراً
أرضية الطائرة كانت مغطاة بحصى القلب، وكنتُ حافي القدمين
راكبٌ متأنقٌ يأكله الخوفُ والقلق من تذكرةٍ يقطعُها الغيبُ لنا، ناسياً أن الموتَ مبراةٌ بكفِّ الدهر والأعمار أقلامٌ
طفلٌ ينظرُ في فضول من النافذة إلى المدرج الذي احتشد بالطائرات
أمه تغمضُ عينيها المرهقتين على بهاء تشمُ في عُمقِه عبيرَ الجراح
أحملُ سلالاً من أمل، أغمضُ عينيَّ على هدير المحركات، حالماً بجناحيّ الطائرة وقليل من الملائكة

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

26 التعليقات على "صعود على مهل"

أكتب تعليقا