الإدارة العاجزة (3): دعه يتكلم..دعه يصيح

| |





لا تقرأ الحكومات في مصر ثلاثة: الصحف ووجوه الغلابة..والتاريخ

وإذا قرأت فإنها تكتفي بالغضب أو تعمد إلى التجاهل التام لما هو مقروء أو مكتوب؛ لأنها ببساطة تعتقد أن النقد عداوة والمحاسبة خصومة والنشر إعلان حرب ضدها، وسحابة سوداء تحاول التغطية على منجزاتها

الشكوى القديمة من أزمة العلاقة بين الصحافة والحكومة بأن الأولى تريد أن "تكتب" في حين تريد الثانية أن "تكتم"، زالت وانتهت، وحلت بدلاً منها شعارات أكثر حدة من طراز "إذا لم تكن معي فأنت ضدي"، و"الكلاب تعوي والقافلة تسير"، و"دعه يتكلم..دعه يصيح"!

لا أحد يدري سبباً لهذا الضيق من جانب الحكومة بما تكتبه الصحافة، حتى إنه عندما أتيحت فرصة للهجوم على الصحافة في مصر وسط مساعٍ لدعم قانون متعسف يقيد حرياتها ويهدد العاملين بها، وهو ما يعرف بالقانون 93 لسنة 1995، غرس كبار المسؤولين وعدد من النواب أسنانهم ونشبوا أظفارهم في جسد الصحافة، واتهموها بالتشهير والازدراء. وظل الأمر على هذا المنوال، إلى أن نجح الصحفيون بعد نحو عامين من الاحتجاجات في إلغاء هذا القانون الذي يقضي بحبس الصحفي الذي ينشر وثائق وكذلك الموظف الذي زوده بها

وبالرغم من تعقيداتٍ إدارية مقصودة تقفُ في وجه حصول الصحفيين على المعلومات من مصادرها الرسمية وهو ما يعيق عمل الصحافة ورسالتها من جانب ويقود إلى إيقاع بعض الصحفيين في فخ المعلومات الخاطئة من جانب آخر، بالرغم من هذه العقبات فإن الحقائق تؤكد أن الصحافة لعبت في كثير من المناسبات دوراً مهماً في التنبيه إلى الخطر الذي يهددنا والكوارث التي تنتظرنا والمصائب التي تتحين الفرصة لكي تصيبنا من حيث لا نحتسب

ولو أن أحداً في موقع المسؤولية قرأ واستوعب تحذيرات الصحافة من تلك الكوارث والقنابل الموقوتة التي نتعايش معها يومياً، لكنا أبطلنا مفعول العديد من المصائب التي وقعت فوق رؤوسنا وحصدت أرواح الأبرياء واستنزفت الموارد ودمرت الممتلكات الخاصة والعامة
ونعود إلى نموذج كارثة قطار الصعيد عام 2002، حين قضى الركاب حرقاً حتى تفحمت جثثهم من دون أن يجدوا من ينقذهم أو حتى يقلل من عدد الضحايا

إن سياسة "أذن من طين وأذن من عجين" تقف بقوة وراء كارثة قطار الصعيد، فقد تسبب الإهمال في مأساةٍ مروعةٍ أقامت العزاء في بيوت المصريين حتى في أيام عيدهم، بعد أن تزامنت الحادثة مع عيد الأضحى المبارك

لقد كشفت الكارثة المستور، وفضحت الذين رفضوا الإنصات إلى صوت العقل، واعتبروا ما تكتبه الصحافة تطاولاً وقلة أدب وكلاماً فارغاً، وما إلى ذلك من كلمات تعكس ضيق الأفق ونفاد الصبر من أي نقد يُوَجه إلى الأداء الحكومي أو غياب الرقابة والإهمال والفساد

إن إغماض العين عن الكوارث لايعني أنها لن تقع، مثلما أن صم الأذن عن معرفة الخطأ ليس سوى خطيئة قد يدفع ثمنها ضحايا أبرياء لا ذنب لهم سوى أن حظهم العاثر أوقعهم تحت طائل أجهزةٍ وهيئاتٍ ومؤسساتٍ لاتعرف كيف تقرأ ولاتفهم أهمية التحرك لمعالجة العيوب وسد الثغرات وإصلاح الأخطاء ومعاقبة المقصرين والمفسدين

أمامنا الآن أمثلة كثيرة، لو أن الحكومة الرشيدة آنذاك - وهي حكومة د. عاطف عبيد- وأجهزتها وهيئاتها المختلفة اهتمت بها الاهتمام اللائق، لما وقعت كارثة قطار الصعيد. فقد وجهت الصحافة النقد البنَّاء إلى هيئة السكة الحديد، وحاولت التحذير من الخطر الداهم الذي يمكن أن يقع في حال استمرار مظاهر الإهمال في هذا المرفق الحيوي الذي يخدم نحو مليون مواطن يومياً..ولكن لا حياة لمن تنادي


ففي مجلة "نصف الدنيا" وبالتحديد في عددها الصادر بتاريخ 25 نوفمبر تشرين ثانٍ 2001 - أي قبل نحو ثلاثة أشهر من وقوع كارثة قطار الصعيد- نطالع ملفاً مصوراً بالغ الأهمية تحت عنوان "عذاب القطارات" يمتد على 34 صفحة، أعده كل من ناهد الكاشف وطارق حماد وصوَّره محمد السهيتي، يقول في مجمله من دون مداورة ولا مواربة إن الكارثة في هيئة سكك حديد مصر (س.ح.م) آتية لا محالة



في أحد تحقيقات الملف وتحت عنوان "في قطار الضواحي: العذاب رايح جاي!" نقرأ المقدمة التالية:
"حال قطارات الدرجة الثالثة لاتسر عدواً ولا حبيباً
لم نجد أصدق من هذه الجملة للتعبير عن حال قطارات الضواحي وقطارات الدرجة الثالثة التي أصبح التسيب والإهمال شعارها. في رحلة استغرقت 4 ساعات في قطار الضواحي على خط منوف الذي أنشيء منذ 50 عاماً وإلى الآن لم يتم تجديده، قمنا برحلة داخل قطارات الدرجة الثالثة التي يستقلها السواد الأعظم من المواطنين الذين عجزوا عن تحمل نفقات القطارات المكيفة"

وهكذا نقترب أكثر من رحلة عذاب على قطار تابع لهيئة السكة الحديد عبر "تجربة السفر لمدة 4 ساعات مع ناس تعرف معنى المعاناة اليومية في قطارات جردت من كل وسائل الراحة فمعظم المقاعد محطمة ونزعت عنها الكسوة الجلدية ولم يبق منها سوى هياكل مقاعد. كما أن النوافذ يعلوها الصدأ وبقايا الزجاج المكسور وخشبها منزوع بالكامل، فيما تتناثر بقايا الأطعمة والقاذورات على الأرضيات المتآكلة لتصبح مرتعاً للنمل والصراصير"

الشكوى هنا ليست من الزحام وإنما من أبسط الحقوق والخدمات، حتى إن التحقيق المذكور يقول: "وأثناء انتقالنا من عربة إلى عربة صدمتنا رائحة دورات المياه المفتوحة ليس بغرض التهوية، لكن لأن تراكم الصدأ على الأبواب استحال معه إغلاقها لذلك أصبحت مرتعاً للبعوض والذباب. ونتيجة لعدم وجود مياه فيها، لك أن تتخيل بشاعة المنظر والرائحة. ووسط الضجيج والزحام يُلقي المتسولون والباعة الجائلون ببضاعتهم منتهية الصلاحية على الركاب بأصواتٍ تتمنى أن تصاب بالصمم حتى لاتسمعها، كذلك غياب رجال الشرطة بالعربات والمحطات جعلها مرتعاً للصوص والبلطجية، كما تعددت حوادث سقوط الركاب من القطارات نتيجة لصعوبة غلق الأبواب"


ربما كانت هذه الأبواب المفتوحة على مصاريعها أفضل حالاً من الأبواب المغلقة بلا مقابض والنوافذ التي لايتم فتحها، التي زادت من حجم الكارثة وفداحة الخسائر في الأرواح في حادث قطار الصعيد
الشكوى دائمة ومزمنة عبر صفحات الملف من الغياب الأمني داخل العربات وانتشار البلطجية والمتسولين، والزحام الخانق وتهالك عربات القطار وعدم وجود شبابيك أو دورات مياه


إنها ببساطة دورات مياه لاتصلح للاستخدام الآدمي


ولأن شر البلية ما يضحك، يتعين علينا أن نتذكر أن الركاب لا يسقطون من أبواب ونوافذ القطارات فحسب، فقد حدث أن لقيت سيدة شابة مصرعها مع طفلها بعد أن دخلت به دورة مياه قطار، ولم تنتبه إلى وجود فتحة ضخمة مُهملَة في ذلك الموقع..فكان ما كان! في حادث القطار المذكور تناثرت أشلاء الضحيتين على قضبان القطار على طول الطريق. ولم يكتشف أحدٌ الحادث إلا عندما طال تأخر السيدة مع طفلها في دورة المياه، فأخذ الزوج يبحث عنهما ليكتشف سقوطهما من القطار منذ بضع محطات



الأغرب من ذلك أنه حين اعترض المخبرون على تصوير المحطة، وأصروا على إبلاغ رئيس المباحث، طال الانتظار لأن المحطة - منوف في التحقيق الصحفي- بها هاتف لا يعمل.. واضطر الفريق الصحفي إلى الجلوس مع المخبرين لمدة ساعة لحين إجراء المكالمة المنتظرة مع رئيس المباحث
ولنا هنا أن نتساءل مع محرري التحقيق: "إذا كنا ظللنا ساعة كاملة حتى نخبر رئيس المباحث بموضوع التصوير، فما بالنا إذا حدثت كارثة أو حادث من الممكن أن تزهق فيه أرواح الناس.. هل تكون وسيلتنا الوحيدة هي هذا التليفون المعطل أيضاً؟!"


إن هذا التحذير الواضح كان أشبه بنبوءة تحققت، وليتها ما تحققت، فقد كان الثمن سقوط مئات الضحايا الأبرياء داخل عربات القطار المحترق


تعالوا الآن إلى ما ورد في الملف تحت عنوان "وفي قطار الصعيد..البقاء للأقوى"، حيث يصدمنا تعبيرٌ صحيحٌ للأسف الشديد بأن هذه "القطارات كوسيلة مواصلات أقل ما توصف به أنها تمثل قمة الإهانة لكرامة الإنسان وآدميته"
ليتنا نتذكر في هذا المقام أنه في أعقاب اجتماعه مع المهندس أحمد الشريف رئيس الهيئة القومية لسكك حديد مصر –الذي خرج من منصبه بعد وقوع كارثة قطار الصعيد- في إبريل نيسان 2001، أعلن وزير النقل والمواصلات د. إبراهيم الدميري- الذي أطاحته الكارثة من موقعه- في تصريحات إعلامية أنه طلب من رئيس الهيئة إنهاء وتجديد عربات الدرجة الثالثة بالقطارات وتبلغ 1250 عربة، بتكلفة استثمارية 1.5 مليار جنيه، على أن يبدأ تشغيلها أول مايو أيار 2001

انتهى شهر مايو وتعاقبت بعده الشهور، لكن شيئاً لم يتغير، وذهبت تكليفات وتصريحات الدميري أدراج الرياح. ولنستكمل تصريحات الدميري المنشورة في صحف 13 إبريل نيسان 2001، حيث أشار بعد حديثه عن تكليفاته لرئيس الهيئة إلى أن: عدد القاطرات المطلوب تجديدها تجديداً شاملاً يبلغ 455 قاطرة، وهذا العدد متراكم منذ عام 1992. وتسعى الوزارة إلى تجديد هذه القاطرات بالإمكانات الذاتية، ومن المنتظر الانتهاء من تجديد 40 قاطرة تجديداً شاملاً بورشات الهيئة في بولاق في إبريل 2002 بتكلفة شاملة للقطار تصل إلى 1.3 مليون جنيه


هل حدث هذا فعلاً؟ الشيء الوحيد الأكيد هو أن كارثة قطار الصعيد كشفت الأكذوبة وفضحت لعبة بيع الأوهام للمواطنين
ويبدو أن كل كارثة جديدة يفيق عليها المصريون تشبه الممحاة، التي تمسح الأكاذيب والأحلام الوردية الزائفة التي يبيعها محترفو الوهم، عبر تصريحات لو تمت محاسبتهم عليها لكانوا الآن وراء القضبان، أقله بتهمة الغش والتزوير والتدليس


إن د. الدميري لم يحقق شيئاً يذكر في مجال إصلاح المشكلات التي أشار إليها في كتابه الضخم "وزارة النقل: الوضع الراهن..رؤية مستقبلية". لقد تحدث الوزير السابق عن عدم كفاءة نظام الإشارات، وقصور الإنجاز في ورشات الصيانة، ونقص الخبرات، وتضارب الاختصاصات. وتحت عنوان "استراتيجية النقل" يقر د. الدميري بأن 5% فقط من البضائع في مصر يتم نقلها عن طريق السكة الحديد، وهي نسبة متواضعة للغاية، ولا تقارن بالنسبة الشائعة بين الدول وهي 25%. ويسجل الوزير السابق ملاحظة جوهرية عندما يقول: "ومن المنتظر أن يؤدي ذلك إلى زيادة إيرادات نقل البضائع بالهيئة دون أي استثمارات بحوالي 25%"



ووعد الوزير في استراتيجيته –التي لم ينفذها- بتكليف شركات خاصة لتنشيط أعمال النقل بالسكة الحديد. لم يفكر د. الدميري ولا من جاؤوا إلى الوزارة بعده في أن السكة الحديد تصنف على مستوى البيزنس بأنها من مشروعات Cash Center مثل البنوك والطيران والاتصالات. ومثل هذه المشروعات يتم استثمار مواقعها ومساحاتها في الخارج لتضم كافيتيريات ومقاهي ومعارض للفن وحتى الأزياء، ومطاعم وفروعاً للبنوك وشركات تأمين ودور سينما ومسارح ومكاتب للسفر والرحلات


هكذا يتم استثمار المكان، بعكس محطات السكة الحديد في مصر التي استولت عليها عصابات منظمة وجماعات بلطجة وسيطر على ما تبقى منها باعة جائلون. دعونا لاننسى أن محطات القطارات، وبالذات محطة مصر في ميدان رمسيس، كانت مسرحاً يرتع فيه مجرمون من عينة عصابة التوربيني، ليصعق الجميع بمعرفة جرائم قتل عشرات الأطفال واغتصابهم والتي ارتكبها رمضان عبدالرحيم منصور وشهرته "التوربيني" ومؤمن وشهرته "بَزازة" ومحمد السويسي وشهرته "حَناطة" وأحمد سمير عبدالمنعم وشهرته "بُقه"


لم يستثمر أحد موارد السكة الحديد وحصيلة بيع التذاكر والخدمات لتحويلها إلى مشروعات للاستثمار تعظم الربح وتضمن استمرار عمليات التطوير والصيانة. لم يهتم أحد بخطط ومشروعات كهربة السكة الحديد واستخدام الكهرباء بدلاً من الديزل، الأمر الذي يمكن أن يخفض كلفة الوقود إلى النصف تقريباً


ببساطة، لم يهتم أحد، لأن لا أحد يهتم!


ولعل الملاحظة الأولى التي يبديها تحقيق "نصف الدنيا" على قطار الركاب رقم (80) المتجه إلى الصعيد تذكرنا على الفور بمأساة القطار المحترق: "فلاحظنا أن أبواب القطار جميعها سيئة، وتجمعها صفة واحدة، أنها غير آمنة على حياة الركاب، منها الذي لايمكن إغلاقه ويظل مفتوحاً حتى نهاية رحلة القطار، وعدد آخر مغلق لايمكن فتحه، وهذه يعتبرها الركاب الذين ضاقت بهم المقاعد المشغولة وفواصل العربات المتكدسة مكسباً عظيماً، حيث يجلسون خلفها دون أن يزعجهم أحد. وهناك أبواب أخرى يمكن غلقها، لكن يجب الجلوس أو وضع الأمتعة خلفها حتى لاتفتح في أثناء سير القطار وتندفع من خلالها الرياح المحملة بالبرد القارس في الشتاء، والحر الزمهرير في الصيف، والأتربة في كل الفصول"

أما المصيبة الكبرى فهي تتلخص في عمود ورد في نهاية هذا الملف تحت عنوان "لعل المانع خير"، ليس أفضل من أن نقرأ ما فيه، إذ يقول: "عندما خصصت "نصف الدنيا" اثنين من محرريها مع مصورها الخاص لإعداد ملف شامل عن حركة القطارات وما يحدث فيها وبها على امتداد خطوطه، لم يكن ذلك إلا لأننا نفهم رسالة الصحافة حق الفهم ونعرف تماماً أن مهمتنا هي نقل الواقع بكل ما فيه، حتى ننير الطريق لمسؤولين من المفترض أنهم يفهمون رسالة الصحافة ويعرفون أن الصحفي باحث دوماً عن الحقيقة وأن حقه الدستوري في الحصول على المعلومات ثابت، وليس من حق أحد مهما كان منصبه أن يمنع عنه هذا الحق..نكتب هذا الكلام لأن رئيس الهيئة القومية لسكك حديد مصر رفض أن يتحدث إلى "نصف الدنيا" ليعلق على ما ننشره اليوم على صفحاتنا بدعوى أن الوزير لم يصرح له بالحديث للصحافة
لم نفهم معنى العبارة الصدمة، فالمتحدث يشغل منصب وكيل وزارة، فهل يحظر على وكيل الوزارة أن يعلق على متابعات صحفية تدخل في صميم مسؤولياته إلا بتصريح من الوزير؟ وماذا لو كان الوزير غائباً كما هي الحال الآن؟ هل يقف الصحفيون في طوابير انتظاراً لعودة الوزير للحصول على تصريح يجيز لرئيس الهيئة الكلام، ثم هل يملك الوزير أن يحجب حق الصحفي في الحصول على المعلومة من مصادرها؟


نحن سوف ننشر ما لدينا من تحقيقات وصور تحتاج إلى جهودٍ كثيرة لعلاجها من هيئة السكة الحديد، وسوف يسعدنا جداً أن تختفي هذه السلبيات التي نرجو ألا تكون سبباً في امتناع رئيس الهيئة عن الحوار معنا، أو لعل المانع خير"
هل بعد هذا كله يمكن أن يستغرب أحدٌ عندما يعرف أن رئيس هيئة السكة الحديد المعني بالكلام هو نفسه المهندس أحمد الشريف، الذي وقعت الكارثة في عهده، وأن وزير النقل الذي نتحدث عنه هو د. إبراهيم الدميري الذي أطلق تصريحات وردية كشفت كارثة قطار الصعيد عدم صحتها


إن من حقنا أن نتساءل: لماذا ترفض الحكومة والأجهزة والهيئات المسؤولة في مواقع وقطاعات مختلفة قراءة الصحف والاستماع إلى تحذيرات وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمطبوعة على حدٍ سواء، إلى أن تقع الواقعة ويدفع الثمن ضحايا أبرياء، فتفيق هذه الأجهزة من سباتها العميق ونومها الذي تغط فيه، وتطلق سيلاً من التصريحات والوعود البراقة بالإصلاح والمراجعة، قبل أن "تعود ريما إلى عادتها القديمة"؟!



"حوار الطرشان" بين الإعلام والحكومة تكرر كثيراً في السنوات الأخيرة، وأصبح عادة مستديمة؛ لأن الحكومات في مصر ترى أن الصحافة تبالغ أو تكذب أو تعادي ما تحقق على يدها من منجزات تدعو إلى الفخر لا المساءلة

فقد سبق للإعلام في مصر أن حذر من نذر الخطر وشبح الخطر في مواقف وأزمات سابقة، منها –على سبيل المثال لا الحصر- حال المساكن والمنازل المتداعية، إذ طالب البعض باتخاذ إجراءات مشددة لمراجعة أساسات المنازل خاصة المتصدعة منها، ودعت إلى تطبيق "كود مقاومة الزلازل" في جميع العمارات والمساكن الحديثة. وظلت هذه الأصوات صيحةً في واد سحيق، إلى أن وقعت كارثة زلزال أكتوبر 1992 التي هزت عدداً من محافظات مصر وأودت بحياة المئات. ونبَّه الإعلام أيضاً إلى مخاطر إقامة المنازل عند مخرات المياه إلى أن وقعت كارثة قرية درنكة في عام 1994 التي التهمتها كرة من لهب، فأحرقت سكانها النائمين بعد أن هبطت عليهم النيران المشتعلة من منطقةٍ مرتفعة لتحصد أرواحهم البريئة


وأطلقت الصحافة صيحات التحذير بشأن أزمات المياه والسيول، لكن الحكومة لم تبالِ بذلك حتى وقعت كارثة زاوية عبدالقادر في الإسكندرية. إذ إنه بتاريخ 4 ديسمبر كانون ثانٍ 1991 ومع نسمات الفجر والأهالي يغطون في نوم عميق في زاوية عبدالقادر، فوجىء السكان بالمياه تقتحم عليهم حجرات نومهم وبيوتهم بعد أن تسربت من خلال 4 فتحات في بطن جسر ترعة غرب النوبارية إلى نحو 150 متراً تجاه الزاوية والمناطق المحيطة بها وتصدعت مساكن الضحايا وتركتهم مشردين في العراء

وحذرت الأقلام الصحفية من تدهور مستوى الإعلام وبالذات التليفزيون المصري حتى أصبحت فضائحه على الهواء مباشرة، واكتفت ماسبيرو بالتشدق بمسألة الريادة إياها

ولولا الصحافة ما عرف الناس بفضيحة "لاظوغلي جيت"، إذ فجرت صحيفة "الوفد" عام 1988 تلك الفضيحة التي تورطت فيها قيادات وزارة الداخلية في ذلك الوقت. ونشرت "الوفد" وثائق تكشف تورط وزير الداخلية في ذلك الوقت اللواء زكي بدر في التجسس على أحزاب المعارضة ونواب رئيس الوزراء والوزراء والمحافظين. وفي أعقاب الكشف عن وثائق تلك القضية في الصفحة الأولى، صدرت أوامر بتعديل أرقام ملفات تقارير التجسس على كبار المسؤولين، كما صدرت تعليمات مشددة بالرقابة على تداول الوثائق داخل مباحث أمن الدولة

إن هناك أمثلة أخرى لاتعد ولاتحصى، حاولت فيها الصحافة أن تكون عين الحكومة، لكن الأخيرة لم ترَ في مثل هذا النقد سوى صورة للعداء، ونسيت أنه لا الحكومة "شمشون" ولا الصحافة "دليلة"، وأغفلت حقيقة ساطعة مفادها أن هذا النقد كان محاولة للمساهمة في رفع مستوى الخدمات والمرافق وإعادة الاعتبار للمواطن وتحسين المستوى المعيشي وتوفير سبل الحياة الكريمة للمصريين، ونعني بذلك جميع المصريين، وليس فئة القادرين كما يحدث الآن

إنها رسالة الإعلام.. فهل تفهم الحكومة واجباتها؟!

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

32 التعليقات على "الإدارة العاجزة (3): دعه يتكلم..دعه يصيح"

أكتب تعليقا