ذئاب الفصول (2): جريمة بالحبر السري

| |




ما أقبح الوحش الذي يقيم في الأعماق البشرية، ذلك النذل المهتاج الذي لا يليق بالمحو
وحشٌ، قد يفاجئك بأنه يرتدي يوماً ثوب أستاذتك في الفصل
رقمياً - أو حتى ظاهرياً- فإن جرائم المدرسين بحق تلاميذهم تبدو أكثر

غير أن جرائم المدرسات لا تقل في حقيقة الأمر انتشاراً، لكن المشكلة أن التلاميذ هنا يبتلعون ألسنتهم ويجربون في
صمت هذا العالم السري الغريب الذي انفتحت أمامهم أبوابه، ليتذوقوا طعم الرغبة على يد مدرسةٍ أكبر عمراً وأكثر خبرة، تسمح لهم بمعرفة وإدراك ما لن يجدوه في الكتب والمناهج التي تصدرها وزارة التربية والتعليم
وفي فصول الدراسة التي تولد فيها بذرة التحرش بأجسادٍ غضة، تكون كلمة هواء بلا أكسجين

في 4 مارس آذار 2009 أدانت محكمة في ملبورن في أستراليا المدرّسة نظيرة رافعي Nazira Rafei بجريمة ارتكاب فعل فاضح مع صبي، لكن المحكمة برأتها من تهمة الاتصال الجنسي مع صبي دون سن السادسة عشرة
وأصدرت القاضية ليز غاينور حكماً على نظيرة بالعمل الاجتماعي لمدة 150 ساعة على مدار 18 شهراً، كما تم إدراج اسمها ضمن سجل المعتدين جنسياً. وبحسب القاضية، فإن نظيرة "غير ناضجة وسلكت بطريقة غير مناسبة وخرقت علاقة الثقة بين المدرس والتلميذ، مع أن سلوكها لم يصل إلى درجة الشراسة"


القضية أخذت أبعاداً مختلفة في بلدٍ مثل أستراليا؛ نظراً لأن المعلمة مسلمة، ترتدي الحجاب، وإن تكن لا تلتزم بالحجاب داخل المدرسة
وأشارت وثائق الادعاء المقدمة للمحكمة، إلى أن العلاقة بين المعلمة والتلميذ بدأت بتبادل رسائل الجوال والموسيقى الرومانسية، ليتطور الأمر لاحقاً إلى عناق وتبادل القبل في لقاء سري في سيارتها، ووصل أخيراً إلى لقاء جنسي في غرفة التلميذ بمنزله، اعتماداً على شهادات تلاميذ أصدقاء للضحية


وفي شهادته، قال المراهق إن مدرسة العلوم والرياضيات ابنة السادسة والعشرين بدأت علاقتها معه في فبراير شباط 2008، وإن العلاقة الجنسية بينهما بدأت في 26 فبراير. وأوضح أنه أثناء لقاء سري جمع بينهما داخل سيارتها ذات ليلة، أخذت توجهه قائلة: "عاملني كأني عبدة جنسياً لك، عاملني بشكل سيء، قل لي "اخرسي يا..." و"اقرص حلمتيّ". وأثناء إضراب نظمه المدرسون ذات يوم، جاءت المدرسة إلى منزل المراهق في غياب أسرته، ووضعت على عينيه عصابة، ثم كررت مطالبته بأن يعاملها كأنها "عبدة جنسياً" له

وتضيف الوثائق أنه "في شهر مايو أيار 2008، أعطت المعلمة صديقها التلميذ أجوبة امتحان مقرر في مادة المثلثات، وعندما أخبرها أنه لا يستطيع حفظ كل الأجوبة، أكملت الامتحان عوضاً عنه"
وقدم الادعاء وثائق للمحكمة زعمت أن المعلمة هددت التلميذ بتخفيض درجاته إذا قرر إنهاء علاقته بها، وهو ما نفته المعلمة المتزوجة بشدة، في بادىء الأمر، قبل أن تتراجع وتقر بأنها كانت شعرت بانجذاب عاطفي إلى تلميذها، لكنها واصلت إنكار تطور العلاقة جنسياً


أما محامي الدفاع فقد قال أمام المحكمة إن المدرسة نظيرة رافعي عاشت في كنف أسرة مسلمة تحظر عليها الاختلاط مع الذكور، وظل الأمر قائماً طوال سنوات دراستها في المدرسة والجامعة، الأمر الذي جعلها غير مستعدة عاطفياً للتعامل مع مراهقين من الجنس الآخر
تذكروا أن هذا يحدث في أستراليا!


القضايا كثيرة، ومنها قضية ريبيكا بوتشيللي، المعلمة السابقة في مدرسة ريدوود سيتي في كاليفورنيا، التي أدينت بممارسة الجنس مع طالب في سن السادسة عشرة

ولعل القضية الأكثر شهرة هي التي شهدت في أواخر مارس آذار 2005 فصلاً مذهلاً، حين تزوجت ماري كاي ليتورنو المعلمة السابقة في سياتل وهي في سن الثالثة والأربعين، من تلميذها السابق فيلي فوالاو وهو في سن الثانية والعشرين. هذه العلاقة أذهلت الأمريكيين، إذ قضت المعلمة السابقة سبع سنوات خلف القضبان بعد إدانتها بإقامة علاقة جنسية مع فوالاو وهو في سن الثانية عشرة. علاقة بين أم لأربعة أبناء وصبي بدأت بقبلة عام 1996 واستمرت نحو عقد كامل، لتثمر طفلين، قبل أن تتحول إلى زواج


وفي مطلع عام 2002 تحولت محاكمة المعلمة الكندية إيمي غيرينغ Amy Gehring إلى قضية رأي عام في بريطانيا، لتصبح العلاقة بين المعلم أو المعلمة والتلاميذ "سيرة وانفتحت"!
فالمدرسة التي كانت تعطي تلاميذها دروساً في علم الأحياء خضعت للمحاكمة بتهمة ممارسة الجنس مع تلاميذها القُصر في مدرسةٍ تقع في سري جنوبي لندن. غير أن المحكمة برأت ساحة غيرينغ البالغة من العمر 26 عاماً في فبراير شباط 2002. وفجَّرت القضية فضيحة كبرى في بريطانيا عندما اتضح أن مسؤولي التعليم سبق لهم تحذير مستخدمي غيرينغ من علاقاتها المريبة مع تلاميذها. وما زاد الطين بلة أن غيرينغ أقرت في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية بأنها مارست الجنس مع تلميذ في مدرسةٍ أخرى كانت قد اضطرت لتركها بسبب تورطها في "علاقات غير لائقة"
وإذا كان الاتهام لم يوجه إلى إيمي غيرينغ لأن الصبي كان في السادسة عشرة وهو سن التمييز وفقاً للقانون البريطاني، فإن هذه المدرسة قالت في أثناء محاكمتها إنها لا تتذكر إن كانت قد مارست الجنس مع أحد طلبتها في حفلة رأس السنة؛ لأنها كانت مخمورة. وأضافت أنها سمعت من أحد حضور الحفل أنها اختلت بالصبي، لذا أرسلت في صباح اليوم التالي رسالة إلى الصبي الذي زعم أيضاً أنه لا يتذكر ما جرى!
غير أن غيرينغ دافعت عن نفسها قائلة: "الصبية ليسوا أغبياء. لقد كانوا على دراية بما يقومون به. أعلم أن القوانين وضعت لحماية الأطفال من الأنشطة الإجرامية، لكنهم على دراية بما كانوا يفعلونه"!
المدرسة القادمة من أونتاريو في كندا ألقت بالقنبلة في وجه الجميع بقولها: "أعتقد أن هناك فرقاً بين الصبية عندما كنتُ في سن الخامسة عشرة، والصبية في الخامسة عشرة الآن في بريطانيا"

التبرير هنا واهٍ ومتهافت، خاصة أن المعلمة الكندية تحاول التنصل من جريمتها بالقول: "كنت أعتبر نفسي واحدة من أصدقاء هؤلاء التلاميذ. كنت أقضي معظم وقتي معهم وكان آباؤهم يسمحون لي بالبقاء في منازلهم، حتى أصبحت واحدة من الأولاد"
أربع تهم وجهت إلى تلك المدرسة، لكنها خرجت منها وبراءة الأطفال في عينيها، مع أن تبرئة ساحتها لم تفلح في منحها صكوك الغفران من مجتمع رأى فيها مدرسة خانت الأمانة ومارست لعبة الغواية مع تلاميذها القُصر
ولعل ما يدعو إلى التأمل حقاً في تلك القضية هو ذلك الذي أثارته وسائل الإعلام البريطانية بشأن جوانب المحاكمة وأطرافها
ديبورا أور، الكاتبة الصحفية في "الإندبندنت" تساءلت في عنوان مقال لها: "تخيل لو أن كان الأمر متعلقاً بمدرس"، لتثير مسألة النوع أو الجنوسة في تلك القضية، موضحة أنه لم يكن متخيلاً أو مقبولاً إطلاق سراح أو تبرئة مدرس لو أنه اغتصب أو أغوى تلميذتين في الخامسة عشرة من العمر. أما المدرسة غيرينغ فإن التهم الموجهة إليها لم تشمل تهمة الاغتصاب؛ لأنه ببساطة لايوجد في القانون تهمة اغتصاب سيدةٍ لصبي في سن الرابعة عشرة أو السادسة عشرة


ومن هذه الزاوية فإنه يُفترض أنه لا فرق بين صبي وفتاة في حالة التعرض للإغواء أو التحرش الجنسي، ولابد في كلتا الحالتين من معاقبة المدرس المخطىء أو المدرسة المذنبة على تلك الجريمة المرفوضة، على الأقل أخلاقياً واجتماعياً
ببساطةٍ أشد، فإن النوع أو جنس مرتكب مثل تلك الواقعة ينبغي ألا يكون مبرراً أو ذريعة للتغاضي عن الجريمة المرتكبة
قضية غيرينغ، التي شغلت الرأي العام البريطاني طويلاً، نكأت جراح كثيرين


ومن هؤلاء توني ألن- ميلز Tony Allen Mills الصحفي في جريدة "صنداي تايمز" البريطانية الذي كشف عن مخزون أسراره وحكايته مع معلمته في المرحلة الإعدادية
يومها لم تستطع مدرسة الموسيقى مقاومة نظرات الصبي الأشقر ذي الوجه الملائكي. كانت بحكم وحدتها تقيم في المسكن الداخلي للمدرسة، منقطعة عن الحياة الاجتماعية، فضلاً عن أن المدرسة تقع في الريف الهادىء لدرجة الملل
ويقول ألن- ميلز في اعترافاته: "كانت تعلمني دروس البيانو، الأمر الذي سمح لنا بالحميمية والجلوس جنباً إلى جنب". كان الصبي آنذاك في سن الثالثة عشرة، وهي في الخامسة والعشرين، لكنه يقول: "ليس بالضرورة أن تكون بريئاً وأنت في الثالثة عشرة من العمر"

ومن يقرأ رواية ماريو بارغاس يوسا Mario Vargas Llosa

In Praise of the Stepmother

والتي صدرت لها ترجمتان على الأقل إلى اللغة العربية هما: ("في مديح زوجة الأب"، ترجمة: صلاح صلاح، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 1999) أو ("امتداح الخالة"، ترجمة: صالح علماني، دار المدى، دمشق، 1999) سيدرك المعنى نفسه. في هذه الرواية نجد الابن المراهق ألفونسو يغوي لوكريثيا زوجة أبيه دون ريغوبيرتو، وهي، زوجة الأب، التي لا تأخذ الأمر مأخذ الجد في البداية، وتعطف على الصغير، فهو صغير، لكنها تجد نفسها تنساق رويداً رويداً لرغباته حتى يصل الأمر إلى إقامة علاقة جنسية بينهما.. ثم يشي الابن بالزوجة لأبيه فينفصل عنها، ويتضح أن الولد كان ينتقم من زوجة أبيه لأنها حلت محل أمه
رواية تجعل القارىء يتساءل: هَلْ الطُفولة إذن مزيجٌ مِن الرذيلة والفضيلة أو مِن الطهارة والخطيئة؟
إنها الأسئلة الملعونة بجدية
الذاكرة تستدعي عند هذه النقطة رأياً غريباً للأديب إيفلين ووه، Evelyn Waugh
يقول فيه إن السبب الوحيد وراء رغبة الرجل في أن يصبح مدرساً هو رغبته الجنسية في تلاميذه
رأي صادمٌ آخر بالنسبة للبعض. وربما بنى ووه رأيه على تجربته الذاتية في أعقاب فترةٍ قضاها كمعلم في مدرسة إعدادية في بريطانيا، حيث يبدو الجنس أمراً شائعاً
وفي بعض الأحيان، يكون الافتتان بالمدرس أو المدرسة وراء قبول التلميذ أو التلميذة التورط في علاقة عاطفية أو جسدية، أو حتى إعطاء مؤشرات على أن الأمر ممكن. ويتعين هنا أن نشير إلى أن بعض التلاميذ قد يعطي إشارة خضراء على قبوله فكرة العلاقة الجنسية مقابل امتيازات معينة. نعم، امتيازات، تتراوح بين التدليل في الفصل الدراسي والتغاضي عن عدم الانضباط أو الانتظام في الحضور، وصولاً إلى تسريب أسئلة الامتحانات وإجاباتها النموذجية

على أن الإجابة النموذجية الوحيدة في تجاوز العلاقة بين المدرس وتلميذه الخط الأحمر، هي أن تلك الممارسة النموذجية - بأي شكلٍ ودرجة- تلغي آخر صور البراءة لدى الصبي أو الفتاة؛ لأن هرمونات الذكورة أو الأنوثة تجد فرصة للانطلاق، ويستحيل بعد ذلك العودة إلى نقطة البراءة بعد وقوع الواقعة

ذكريات مريرة قد تلتصق في ذهن كل صبي أو فتاة تعرض لضغط أو تهديد من أستاذه أو أستاذته في المدرسة، وهي ذكريات تبقى طويلاً مثل جرحٍ نازف في صدر الضحية، لا الأيام تضمد الجراح ولا الوقوف أمام الأسرة لكشف المستور أو إبلاغ قسم الشرطة ينهي المأساة التي تتراقص أمام الأعين مثل شبحٍ مخيف
ومثل أي مكانٍ آخر، فإن مؤامرة الصمت تستمر لتدفع الضحية الثمن الباهظ
وفي حالات كثيرة، قد لا تفهم الضحية الصغيرة حتى ما يحدث لها. ومن الشائع أن تتذكر الضحية بعد سنواتٍ أن ما تعرضت له على يد المدرس أو المدرسة لم يكن سوى تحرش جنسي أو اغتصاب
وحتى عندما يستوعب التلاميذ أنهم وقعوا ضحية تلك الجرائم عبر اللمس مثلاً أو إجبارهم على نزع ملابسهم الداخلية بدعوى الفحص الطبي أو حتى في حالات اغتصابهم، فإن الخوف من الفضيحة يخرس الألسنة، خشية عقاب الأسرة أو بطش المدرس وسطوته داخل المدرسة
وأخطر ما في حكايات تحرش المدرسة بتلميذها أو المدرس بتلميذته، أنه يصعب الإمساك بدليل، كأنها جريمة بالحبر السري
فالجاني قد يكون حذراً وماكراً بما يكفي لكي يلقي كلمة على سبيل الطُعم، أو تبدر منه حركة أو لمسة ترتدي ثوب التلقائية غير المقصودة، قبل أن ينصب شباكه مثل خيوط العنكبوت حول فريسته. والأحداث تقع عادةً بعيداً عن الأعين فلا يمكن إثباتها بالدليل القطعي، حتى إنه في بلدٍ مثل بريطانيا تم التحقيق مع 156 مدرساً ومدرسة في عام 1999، لكن خمسة فقط منهم أدينوا بالتهم الموجهة إليهم

إنها جرائم - كما قلنا- يسهل الإفلات من عقوبتها، مثلما أن الكشف عنها يشبه السقوط في بئرٍ بلا قرار

وهذه هي قمة الفضيحة

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

16 التعليقات على "ذئاب الفصول (2): جريمة بالحبر السري"

أكتب تعليقا