سيرة الضوء

| |






تتمنّى ساعةُ القلبِ لو تُخْطِئُ التوقيتَ مرةً واحدةً
فالقلبُ له أسرارٌ صغيرةٌ ساذجة؛ يكرهُ أن يعرفَها غيره
فهو يَخفقُ
ويَخفقُ
ويَخفقُ
ثم يُخفِقُ
وأنا وُلِدتُ بين نَهرَينِ مِن دَمعٍ وَدم، في أحد أيام متشابهة لم يبقَ منها إلا الرماد
مشيتُ على المِسكِ حتى جرحتُ مائـي
ورحتُ أعتني بحدائقِ الكتابةِ التي تنمو على شفتيّ
أرشُ العطرَ والوقارَ على نعشٍ وحيدٍ وزنابق كثيرة
أتنزَّهُ مع الخيالِ الذي يتمددُ على أريكةِ الكون
أنكِرُ الإرهاقَ واليأس، فلا أحسُ بقاطرةِ الزمن تتقدم
لا أميلُ إلى حاضرٍ غارقٍ في عَرَقِ الفوضى، ولا يُذهلني إلا ما يتقدمُني
فقد خسرنا الحاضرَ والماضي، والسأمُ هو استسلامُ ذلك الثور الذي كان يجيشُ في العروق
هكذا أبدو جسداً غالباً ما يرحلُ عنه صاحبُه
وعلى الرغم من أنني أتكتمُه، ففي وجهي يتجلى حنيني وحبّي الخبيء
ينتشرُ غيابُها ممتزجاً بروحي المسافرة بحثاً عنها
أكتبُ لها: غيابُكِ فراغٌ يُعرّي النظراتِ من أي معنى
سأظلُ في أثركِ كسحابٍ عاشق، فما تمكّن من النّفس لن يفنى إلاّ بالموت
متى يحبُ الرجل؟

يحبُ حين يعترفُ لحبيبته: حياتي حريرٌ أبيض يستلقي مثل ندفِ الثلج فوق حقلِكِ
وهو يعشقُ حين يضبطُ نفسه وحيداً، وقد استسلمَ لرائحةِ المرأة التي يحبُها
ويذوبُ شوقاً حين يمشطُ شعرها المبعثر على أشجارِ روحِه
يحبُ الرجلُ حين يفكرُ داخلَ غرفته في حبيبته، قبل أن يلثمَ صدرَ أكثر الغيماتِ امتلاء.. وينام
لكل عاشقٍ امرأتُه التي يُتوِّجُها على عرش قلبه، حتى وإن رآها الآخرون عادية
إنها المرأةُ التي إن أطلت على شرفةِ روحِه، أصبح جاهزاً للإبحار وتطايرَ منه عبقُ الفرح وزينت أنجمُ العشق سماءه
يكفي كل عاشق أن تعرفَ حبيبتُه سرَ الهوى، حتى وإن خانه الصمتُ وراوغته الكلمات
ها أنا أمسحُ جسدَها بمُخَيلتي، فتُحركُ خصلةَ شَعرِها إلى حيث تجتمعُ الجهاتُ في جهةٍ واحدة
ولكن، كَيْفَ لِي أَنْ أَفْتَرِعَ مُخَيّلَةُ الصباح في الأمسياتِ الوحيدة؟
النعاسُ، مغامرةٌ كئيبةٌ لكلِ المساءات
والبشرُ ينامون يومياً بجرأةٍ، نتيجة الجهل بالخطر الذي ينتظرُهم حين يستيقظون

المحاقُ يذهبُ بي عميقاً في بحرِ الجنون
الغبشُ يتهادى ويطمسُ لوحةً في الجدار
هل هذه خطواتُ الليل وهو يَكبُر؟
الوسادةُ لا تحتفظُ بطبْعةِ رأسي عليها، فأتمنى ميتةً هادئة كفراشةٍ تعبرُ ليلاً
ميتة سريعة وحاسمة تشبهُ النقطةَ، وليسَ الفاصلة
حمامُ الصباح بماءٍ بارد أسمعُ تكسرَ قطراتِه على ظهري، كأنه يغسلُ روحي بماء الغيب
أحلقُ، بشفرةٍ قديمة، ذقنَ الريح، فأخدشُ الهواءَ الذي يتنهد
أسوي فراشي جيداً، وأكررُ إغلاقَ الباب مُتجنباً لمسَ المقبض، شأن رفاق الوسواس القهري، ثم أخرجُ إلى الشارع الذي تحيطُ به نباتاتٌ مستوردةٌ من بلادٍ تعرفُ بيئتُها الألوان
أقطعُ صفحةً جديدة من تقويم العام، وأقرأ فيها حكمةَ اليوم: إذا كنتَ في غير بلدِكَ فلا تنسَ نصيبَكَ من الذل
غريبُ الدارِ ليسَ له صديق.. جميعُ سؤالِه: كيف الطريق؟
المُنحَدَرَاتُ أرهقتها الشمسُ، وأشِعّةُ الشمسِ شرائحُ سِحْريّةٌ للبحر وحُوريّاتِه
النهارُ يَطاردُ العَصَافِير التي أرهقها التحليق
والقلقُ يعصفُ بالأفكار والجمل من منتصفها، فتنشطر وتتناسل..ونتبعثر
أسيرُ في الشارع مغمضَ العينين أستجلي طريقي بيدٍ مسهدةٍ، كعصا أعمى تطرقُ الأرضَ باحثةً عن إنسان
أتعثرُ، مثل أي رجلٍ خانه الوردُ والأصدقاء: في كلِ مُنعَطفٍ شركٌ وكمين
شرطي المرور ينبهني: دماؤك التي تسيلُ، عمَ تفتشُ في هذه الأرض؟
وحده الرصيفُ يتسكعُ في الطرقِ بلا ضجر
أتبعُ مظاهرةً للعشاق ترفعُ لافتة تقولُ كلماتُها: نعم للشعر الطويل..لا للعصافير
تختلطُ المظاهرةُ بجَنَازة، فأندهش: كلنا نتبعُ النعش، فمن الذي مات؟
ألمحُ في المتنزه العام أرجوحةً، تستريحُ من غرباء استنزفوا ليلها


صنعَ الإنسانُ الأرجوحة، حتى يستمتعَ بالفضاء الذي خلقه الله
لكن المرءَ لم يكن يتخيلُ ساعتها كم سيتأرجحُ في الهواء كثيراً وطويلاً، في حين تدفعُه الأيدي الحنونة تارة، والعابثة تارةً أخرى
هذا قد يفسرُ لماذا يضحكُ البعضُ ويصرخُ البعض الآخر، في أرجوحةٍ مُعلَقةٍ بين الأرض والسماء
يقطعُ الطريقَ زُمْرَةٌ من السُّيّاحِ، مُفْرِطونَ في أناقتِهم، باتجاه مركز تسوقٍ فخمٍ يفقأ أعينَ فقراءِ الأحياء التي أوجعتها كثرةُ العويل
بائعُ الوردِ العجوز يقارنُ وسط سعالِه بين بشرةِ العابراتِ ولونِ باقةِ الياسمين
ماسحُ الأحذية يُحركُ فرشاته بمهارة عازف فوق حذاءٍ مثقوب، ويتوه في شَعرِ فتاةٍ تبتسمُ من بعيد
تسيلُ من عيني شوارع قديمة، فأرى
الفتى الذي كان يحلمُ بأن يصبحَ رائدَ فضاء، رمى الحلمَ في سلةِ المهملات، بعد أن امتَلَكَ أكثرَ من ألفِ فضائيّةٍ في حجرة نومه
مندوبُ المبيعاتِ الذي يرتادُ حلباتِ المصارعةِ، للتأكّدِ من أنه الألَمُ الذي يفوق احتمالَ البشرِ



فتاةٌ تنظر بولهٍ إلى المغني فوق خشبة المسرح..نظراتٌ تدلُ على أن الفتى الذي يرافقُها إلى الحفل لا يعني لها شيئاً، وأنه مجردُ بديلٍ ناقصٍ لمثالِها الأعلى الحقيقي
تلاميذ يتصارعون في حلقات، وتلميذاتٌ يطلين الشفاه بوهْمِ نداوةِ الليل، ويتراكضن بصدورٍ شبيهةٍ بأغنيةِ الوفرة والحصاد السخي، حتى يَعبُرن بابَ المدرسةِ قبل جرسِ طابور الصباح
امرأةٌ تخافُ على خَدِها من كفِ زوجها، وحارسٌ صارَ الفقرُ حية تلدغُ أيامَه بانتظام
عاشقٌ يُقبِّل المرأةَ التي تتركُ له بابَ أحلامِها موارباً، والقبلة شجرةٌ يشعلُها عاشقان كي يستدفئا بها إلى الأبد
وأبله، يضاجعُ وسادةً في فندق، نامَ فوقها عشاقٌ قبله
شابةٌ تضع قرطاً أهداه لها حبيبُها وتناجي نفسها: سأجعلُه سعيداً في شحمةِ أذني
وشيخٌ متجهمٌ يحذرُ الفتية: المرأةُ بئر. إنها حفرةٌ وخندق، وخنجرٌ حادُ النصل يقطعُ عنقَ الرجل
ممرضةٌ تفتَّحُ الأزرارَ والأسرارَ إلى نهدِها بعد بضع أغنيات..تلبسُ جنونَها حين تخلعُ مئزرَها الأبيض، وتنتشي في رقصةٍ ثملة، على إيقاعٍ يُنضِجُ الثمرَ حتى يوقعه


عانسٌ تستدرُ في الليلِ شفقةَ السقف، وتنتظر عاشقاً يعتلي جبلَها المُدَّور ويحرثُ أرضها الرطبة قبل أن يسكُبَ فيها فضتَه
زوجةٌ اقتصرَ دورُها على مسحِ بقايا رَجُلِها بين فخذيها آخر الليل، علَّها تربطُه كما يربطُ الكحولُ شاربَه
أتذكرُ المرأةَ التي تخلعُ، في مكانٍ ما، تعابيرَ وجهها، لتُقبلني على الخَدِ مُوَّدِعةً
كم تقتلُنا السذاجة؟

الصورُ التي التقطتها لي اختفت وبهتت ألوانها. حتى حفنة الضوءِ تسربت من الكادر
تقتربُ مني في الصورة، فتلتقطُ الغريزةُ مفتاحَها الذي أسقطته الذاكرة
تكوي جسدَي بلمعان نظراتِها ومَيلِها عليَّ بفستانها الربيعيّ في دلالٍ يمنحُني طيبَ الراحِ والريحان
حُسنُها يسرقُني من نفسي فأراودُها، وفي المراودةِ فيوضُ لذةٍ ومتاهات وينابيعُ طيوف
أعرِضُ وهي تُعرِضُ، قبل أن تذوبَ في زحامي، وألمحَ آخرتَها في عينيها
لا بد أن الرجلَ الذي يحتضنُها الآن لا يرى رائحتي التي تضيء دروبَ الجسد
بعضُ النساء يتلهفن على الاستسلام لأنهن يفترضن منذ الصبا أنه ستأتي لحظةٌ ما سيكونُ من المستحيل عليهن فيها الدفاعُ عن أنفسهن
والمرأة لغزٌ حتى في ذروة الإفصاح
والنساء احتكرن الحنان كي نتكىء عليه حين نشعرُ بضعفِنا أو تجرفنا القسوة
تقترحُ آنا لقاء جديداً في لندن، بعد عشر سنواتٍ على آخر لقاء بيننا
قد يحدثُ هذا، وإن كنتُ أرى أنه عندما نلتقي بشخصٍ لم نره منذ سنوات، من الأفضل أن يجلسَ الواحدُ منا قبالة الآخر، وألا نقولَ شيئاً طوال ساعات، من أجل أن يتذوقَ الوجومُ من خلال هذا الصمت ذاته ويستلذها
أشتاقُ لكل عاداتي السيئة القديمة
خطاياي نادرةٌ، بعضُها غير مرئية، لكنني اقترفتُ كلَ الجرائم، حتى جريمة الأبوة
لِمَ آتي دائماً بعد فواتِ الأوان؟ كلُ الذين أحببتُهم على مدى خمسةٍ وأربعين عاماً كنتُ متأخراً في لقائهم، فلم تمهلني الحياةُ سوى بضع لحظاتٍ لا تكفي سوى لوداعهم
لماذا تصبُ كل البحار في البحر الميت؟
مثل حصانٍ منسي، أنا في وحدتي بلدٌ مزدحم


كلُ تلك الأجسادِ التي اعتليتُها يوماً، اعتلتني إلى الأبد
في المنزلِ، تُعَلِّقُ الشرفاتُ أحزَانَهَا على صدرِي
وفي المكتبِ، ترشفُني فناجين قهوةٍ فاحمة السواد
وبينهما، أتعرى لأغطيَ أشجارَ الطريق حتى لا تصيرَ يوماً خشباً للنعوش
أؤججُ نارَ الحقيقةِ حولي، وأعصرُ نبيذي كي تشربَه المدينة
أوصي الأصدقاء: أحلامُكم تستلقي على كتفِ جبلٍ شاهق..فلا أقل من أن تكونوا أنتم قمة هذا الجبل
من ذا الذي يحتاجُ مصباحاً سحرياً ما دام ينامُ على وسادة الأحلام
أحلامُنا هي أيامُنا التي نعيشها بالألوان الطبيعية
في نادي جبل علي، يتأملني مازن وعيناه فضاءاتٌ سحيقة. نظرتُه تخفي قدراً من الإعجابِ المشوبِ بالإشفاق
لم نأبه كثيراً للحشدِ المأخوذ بسقوط تشيلسي أمام برشلونة بقذيفة أنيستا في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم
في عينيه، كنتُ الدهشةَ التي تفوقُ المقدرة..وفي عينيَّ، كان قمرَ المودةِ الذي يضيء بالطمأنينة
عقربُ ساعتنا يَلسعُ الأمنيات، ونحن نركض في متاهات الدقائق..نضحكُ من القلب، ونشتهي مطراً بلونِ العشق



نتحدثُ عن الشاعرة والروائية الأمريكية سيلفيا بلاث وكتابها "أكثر من طريقة لائقة للغرق"، وأقرأ عليه قصيدة كمال الدين ابن النبيه التي يقولُ فيها:
إن الذي للغرام أرشدني..... أضلني عن طريق سلوانه
أحدثُه عن خيبةِ الرجل الذي يتغزلُ في أجمل ما في المرأة، لينالَ في نهايةِ الأمرِ أقبحَ ما فيها


أحكي له عن آخر ضوءٍ على الدرب قبل انطفاء الحياة، والسماء التي يكادُ يلمسُها الرعاةُ في قمم الجبال، والقلوب التي تفرُ من التمادي في الهوى
أتجنبُ حكاياتِ دمي المُمتَحن وكيف يصبحُ العُمرُ فيضاً من القهر، مع الذين بكوا على كتفي:
إيلين عند قبرِ زوجِها على أطراف كارديف، تبكي رجلاً افترسه الفصامُ حتى انتحر
لولا، ابنة قائد الأمن السابق وهي تبكي حبَها الضائع لزميل دراسةٍ رفضَ أهلُها تزويجَها له
عُدي الكاتب وهو ينهارُ كجبل، بعد أن اغتالَ أهلُ الدَمِ أطوار بهجت، التي سقطت وحول عنقِها سلسلةٌ ذهبية تتدلى منها خارطةُ العراق
أبي وهو يبكي أمي التي رحلت مثل برقٍ خاطف
..............
ما رسمَ الحنينُ تطويه أتربةُ الدروب

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

24 التعليقات على "سيرة الضوء"

أكتب تعليقا