البحث عن وزير (4): تشابه أسماء

| |




في عهد فاروق، دخل الوزارة قوادون وجلساء سوء

ووصل إلى الوزارة أشخاصٌ أهم مؤهلاتهم أنهم يملكون القدرة على إضحاك الملك
هنا يبرز اسم كريم ثابت، المستشار الصحفي للملك
ولا بد أن نوضح أنه في النصف الثاني من أربعينيات القرن الماضي، أصبحت سمعة القصر السيئة حديث القاصي والداني، وتوالت الفضائح المخزية وارتبط اسم القصر ورجاله بقضايا توريد أسلحة فاسدة وخراب ذمم وصفقات مالية مشبوهة، وبلغ الأمر ذروته باقتراب أجهزة التحقيق القضائي من أبواب القصر لتعقب الذين حامت حولهم شبهات التورط في هذه المخازي
وأصبح الإعلام يتحدث بصورةٍ مباشرة وغير مباشرة عن شخصياتٍ بعينها تلعب أدواراً غير مريحة في القصر، وظهرت أسماءٌ لشخصياتٍ قامت بأدوار البطولة في ما يجري أمثال كريم ثابت المستشار الصحفي للبلاط، وإلياس أندراوس المستشار الاقتصادي للخاصة الملكية، وإدمون جهلان مسؤول التوريدات للقصر، وأنطون بوللي مدير الشؤون الخصوصية، وكفاتش مدرب الكلاب الملكية، وجارو الحلاق الملكي، وغيرهم ممن عرف الناس بأمر تورطهم في أمور غير كريمة كان للقصر دور فيها (د. عبد الوهاب بكر، البلاط الملكي ودوره في الحياة السياسية المصرية من إسماعيل إلى فاروق، دار الشروق، القاهرة، 2008)

يدلل الكاتب أحمد بهاء الدين على حظوة كريم ثابت لدى الملك بالحكاية التالية:

كان إبراهيم عبد الهادي بعد خروجه من رياسة الديوان يروي كثيراً من الصغائر التي كانت تسيء إليه، والتي تدل على نوع حياة الملك ومدى اهتمامه بمستشاريه، من ذلك أنه دخل على الملك مرة ليعرض عليه بعض الأوراق، فوجده جالساً مع كريم ثابت يتبادلان رواية النكات البذيئة باللغة الفرنسية ويضحكان في عربدة، ولما رأى الملك رئيس الديوان قال لكريم: "قول النكتة تاني بالعربي علشان الباشا ما يعرفش فرنساوي"
فرد كريم ثابت: "ولا عربي كمان"
وضج الاثنان بالضحك الشديد ورئيس الديوان واقف والأوراق في يده..لا يدري ماذا يصنع؟!

بل إن الملكة فريدة تقول عن كريم ثابت ما هو أكثر
"بلغ تأثيره على الملك لدرجة أنه أصبح يلازمه ويجالسه في سهراته وجولاته، وأصبح له نفوذ كبير على الملك، وأصبح فاروق كقطعة الشطرنج في يد كريم ثابت..وشارك في نسج شباكه حول الملك عن طريق تقديم النساء، مما جعل له حظوة ونفوذاً وتأثيراً، لذلك أنعم عليه فاروق برتبة البكوية ثم الباشوية ثم وزيراً للدولة في آخر عهد (وزارة حسين سري)"


ذات يوم التقى إلياس أندراوس المستشار الاقتصادي للملك فاروق مع القطب الوفدي فؤاد سراج الدين بعد أن قال له إنه قادم في مسألة مهمة. استوضح فؤاد سراج الدين عن تلك المسألة المهمة، فقال له إلياس أندراوس ببساطة:
إذا كنتم عاوزين تقعدوا عشرين سنة في الحكم تاخدوا كريم ثابت وزيراً
ورد فؤاد باشا سراج الدين وسط دهشته وذهوله:
أنت يا باشا مجنون؟!
وكان رد إلياس أندراوس عليه هو قوله:
"كريم ثابت مصري وصحفي درجة أولى، والمهم أنه عند الملك فرخة بكشك"
كان مصدر الرواية السابقة هو صلاح الشاهد في مذكراته (ذكرياتى في عهدين، دار المعارف، القاهرة، ط 2، 1977)
، الذي يضيف قائلاً: كان كريم ثابت شخصية غامضة تحوط بها الأساطير، ولا مراء أنه لعب دوراً خلال الفترة من 1946 إلى 1952 في تاريخ مصر، وكانت دسائس القصر تحدق بكريم ثابت، وكان يتغلب عليها فيعود منتصراً


ويشير وكيل الديوان الملكي حسن باشا يوسف في مذكراته (القصر ودوره في السياسة المصرية (1922-1952)، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الأهرام، القاهرة، 1982) إلى أنه عندما تم تكليف علي ماهر باشا تشكيل الوزارة في يناير كانون ثانٍ 1952 اتصل به إلياس أندراوس قائلاً إن الملك يسره أن يُعين كريم ثابت وزيراً في وزارته
واعتذر علي ماهر عن عدم تنفيذ طلب الملك، ولكن حسين سري باشا وافق على الطلب الخاص بتعيين كريم ثابت عند تشكيل وزارته في 2 يوليو تموز 1952


وصباح 22 يوليو تموز 1952 عندما قرر الملك فاروق تكليف أحمد نجيب الهلالي تشكيل الوزارة، كان أول شرط للهلالي للموافقة على ذلك التكليف هو إخراج كريم ثابت من الإذاعة (وكان مستشاراً لها) وألا يدخل الوزارة

وفي حكومة نجيب الهلالي، أذيعت مراسم تأليف الوزارة، وأُبلِغَ الوزراء الجدد أن موعد حلف اليمين بعد ظهر اليوم التالي. وذهب الوزراء مع رئيسهم إلى قصر عابدين، وقيل للوزراء الجدد في القصر إن وزير الصحة قد سبقهم إلى الحضور بالملابس الرسمية. وكان الوزراء يعلمون أن د. إبراهيم شوقي قد اعتذر لنجيب الهلالي في الليلة السابقة عن عدم قبول منصب وزير الصحة، فاضطر رئيس الحكومة المكلف إلى أن يعهد إلى راضي أبو يوسف وزير الشؤون الاجتماعية بوزارة الصحة بالإنابة.. لكن الوزراء فوجئوا داخل القصر بخبرٍ أذهلهم: كان وزير الصحة الجديد الذي سبقهم إلى القصر لحلف اليمين الدستورية هو د. أحمد النقيب، أحد محاسيب الملك فاروق..فتأخر موعد حلف اليمين
واجتمع نجيب الهلالي بحافظ عفيفي أكثر من ساعة، وصمم الأول على عدم قبول د. النقيب وزيراً للصحة، ثم دُعي نجيب الهلالي لمقابلة الملك، ليدور الحوار التالي:


فاروق: لقد طلبت من النقيب أن يحضر ويرتدي الردنجوت، وهنأته بالوزارة، وجاء خصيصاً من الإسكندرية إلى القاهرة لذلك..ومعنى هذا أنك ستكسفه أمام الناس كلها. ولهذا فأنا أريد أن تأخذه وزيراً..ولو ثلاثة أيام
الهلالي: إني آسف أن أقول لجلالتك إنني لا أستطيع أن يكون النقيب وزيراً، ولقد قلت هذا للدكتور حافظ عفيفي
فاروق: قال لي حافظ هذا..ولكنني ظننت أن "ليه خاطر عندك"
الهلالي: يا مولانا..خاطرك على العين والرأس، ولو كانت المسألة تتعلق بشخصي فإنني على استعداد لأن أضحي، ولكن المسألة كما قلت تتعلق بصميم سياسة الوزارة
فاروق: إن المسألة لم تصل إلى هذا الحد، ولكني أعرف أنه لا يرضيك أن يخجل أحد رجالي أمام الخدم وهو مرتدٍ بدلة الردنجوت
الهلالي: أعرف أن هذه "كسفة"، ولكني أعتقد أنه إذا كان النقيب يحب مولانا فإنه سيتحمل هذه "الكسفة"
وإزاء إصرار الهلالي، مرت أزمة وزير الصحة بسلام


وفي مشاورات تشكيل وزارة نجيب الهلالي وقعت سلسلة أحداثٍ طريفة وغريبة، فقد اقترح حافظ عفيفي اسم القائمقام إسماعيل شيرين زوج الأميرة فوزية وزيراً للحربية، لكن نجيب الهلالي رفض هذا الاقتراح. وبدأ البحث عن وزراء للأشغال والزراعة والصحة..ووزير مسيحي. قيل لنجيب الهلالي إن يوسف سعد المفتش بوزارة الأشغال خير من يصلح لوزارة الأشغال، فاتصل به هاتفياً وعرض عليه الاشتراك في الوزارة فوافق..ثم عاد البحث عن وزير مسيحي ثانٍ، فاقترح الصحفي علي حمدي الجمال - وكان موجوداً في منزل نجيب الهلالي- اسم مريت غالي، فاتصل به رئيس الوزراء، وطلب غالي إمهاله بعض الوقت..وبعد ساعةٍ أبلغ رئيس الوزراء قبوله المنصب الوزاري


وبدأ البحث عن وزير الزراعة، وكان المرشح لهذا المنصب محمد سعيد لطفي، لكن تبين أنه في الخارج، فعرضت أسماء كثيرة لم يقبلها نجيب الهلالي. والطريف أنهم أحضروا "الدليل المصري" للبحث عن اسم يصلح وزيراً للزراعة. وقفز اسم حسين كامل الشيشيني، وطُلِبَ من رجال "البوليس المخصوص" أن يعثروا عليه


وللاعتبارات الوطنية دورها في تشكيل عددٍ من وزارات مصر


ففي 2 يناير 1924 اكتسح حزب الوفد الانتخابات العامة. وأثناء تشكيل الوزارة اعترض الملك فؤاد على تعيين اثنين من الأقباط وزيرين في وزارة تضم في مجملها -بمن في ذلك رئيس الوزارة- عشرة أعضاء. واحتج الملك فؤاد بأن الشارع المصري قد لا يرضى عن هذا التعيين، فقال سعد زغلول: أنا زعيم الأمة وأعرف نبض الشارع المصري. وأصر سعد زغلول على رأيه، ليتولى مرقص حنا بك وزارة الأشغال العمومية، ويتولى واصف بطرس غالي أفندي وزارة الخارجية (لمعي المطيعي، موسوعة نساء ورجال من مصر، دار الشروق، القاهرة، 2003)


ويقول د. محمد حسين هيكل باشا (مذكرات في السياسة المصرية، ج1، دار المعارف، القاهرة، 1977، ص 180) إنه "..في اليوم الذي تألفت الوزارة فيه فتح كثيرون عيونهم واسعة من شدة الدهشة. لقد لف الناس منذ عشرات السنين، وفي عهد الإنجليز أنفسهم أن يكون في الوزارة قبطي واحد، أما سعد فقد أخذ في وزارته اثنين من الأقباط". واستمرت تلك الوزارة في الفترة بين 28 يناير كانون ثانٍ 1924 و24 نوفمبر تشرين ثانٍ 1924


ولم يكن الإنجليز بعيدين عن اختيار رؤساء الحكومات، ولعل أبرز مثل على ذلك هو حادث قصر عابدين الشهير في 4 فبراير 1942 عندما حاصرت الدبابات البريطانية القصر وأجبر السير مايلز لامبسون السفير البريطاني في مصر الملك الشاب فاروق على تعيين مصطفي النحاس باشا زعيم حزب الوفد رئيساً للوزراء بعد أن هدده بخلعه من عرشه. وفي أعقاب تصريح 28 فبراير 1922 - الذي اعتبره البعض أساساً لاستقلال مصر، ورآه سعد زغلول "أكبر نكبة على البلاد"- استشار الإنجليز عدلي يكن فيمن يشكل الوزارة، فقال قوله المشهور: "عدلي هو ثروت، وثروت هو عدلي"


وقد كان!


وهكذا شكَّل عبد الخالق ثروت وزارته في اليوم التالي للتصريح لتدوم هذه الحكومة في الفترة بين أول مارس آذار 1922 و29 نوفمبر تشرين ثانٍ 1922، وهي الوزارة التي عمدت إلى التنكيل بقيادات ورموز حزب الوفد، فألقي القبض على حمد الباسل ومرقص حنا وواصف غالي وعلوي الجزار وويصا واصف ومراد الشريعي وجورجي خياط في يوليو تموز 1922، وصدرت ضدهم أحكام بالإعدام في 14 أغسطس آب 1922


الأغرب أنه في إبريل نيسان 1927 شهدت مصر موجة من اضطهاد الوفديين والوطنيين ولاح في الأفق احتمال حل مجلس النواب وإلغاء الحياة البرلمانية، فرأى زعيم الوفد سعد باشا زغلول ترشيح عبد الخالق ثروت لرئاسة الوزارة. وافق ثروت على تشكيل الوزارة، بعد أن رشحه لها زعيم الأمة آنذاك، وأخذ ثروت يتقرب من الوفد، وشكَّل وزارة (25 إبريل 1927- 16 مارس 1928) ضم إليها عدداً من الأحرار الدستوريين وعدداً من المنتمين إلى الوفد


وأثناء تشكيل حكومة الوفد في يناير كانون ثانٍ 1950، فوجىء إبراهيم فرج بزعيم الوفد مصطفى النحاس يقول له: "هات الردنجوت وتعال يا إبراهيم"، وإذا بالنحاس يختاره وزيراً للشؤون البلدية والقروية في حكومة النحاس باشا السابعة (12 يناير 1950- 27 يناير 1952)
وبهذا رد النحاس باشا على موقف الملك فاروق من الوفدي العتيد إبراهيم فرج الذي كان شديد الولاء على طول الخط لبلدياته مصطفى النحاس (سمنود، محافظة الغربية)
وكان فاروق قد رفض الموافقة على القرار الذي نشرته صحيفة "المصري" في 6 أكتوبر تشرين أول 1943 بشأن تعيين إبراهيم فرج مدير المستخدمين في وزارة الداخلية قاضياً في المحاكم المختلطة ضمن حرة تنقلات وترقيات واسعة


على أن الوزارة في مصر كانت تعاني من مشكلات تتعلق أحياناً بشخص رئيس الوزراء. فعلى سبيل المثال، ومع أواخر صيف 1951، كان زعيم الوفد مصطفى النحاس باشا غائباً في عالم خاص به وصفه السفير البريطاني السير رالف ستيفنسون يوم 15 يونيو حزيران 1951 في خطاب إلى هربرت موريسون وزير الخارجية البريطانية قائلاً:
"إن النحاس (باشا) لا يقوم بأي عمل على الإطلاق، ويبدو من كل ما أسمعه أنه يقضي معظم يومه في الحمام، فقد أُصيب بمرض النظافة، ويضَيع ساعات في العناية ببدنه، والواقع أن برنامجه كما بلغني من أقرب الناس إليه أنه منذ استيقاظه وحتى الساعة الحادية عشرة والنصف موجود في غرفة النوم أو في الحمام، وقُرب الثانية عشرة ظهراً يخرج ليجري مقابلة أو مقابلتين أو يقرأ بنفسه ـ أو يسمع ورقة أو ورقتين تُتْلى عليه، ثم يعود إلى جناحه يختفي فيه من الساعة الثانية بعد الظهر حتى الساعة السابعة مساءً، حين يظهر في صالون بيته ويتناول عشاءه ثم يأوي إلى فراشه في الساعة التاسعة"


ويضيف السير رالف ستيفنسون بعد ذلك قائلاً: "لقد جاءني أحد أصدقاء أسرته وهو توفيق مفرج (رجل أعمال ثري من أصل لبناني)، وخلال حديثه معي وجدته حريصاً أن يفضي إليّ بأن النحاس (باشا) أبلغه بأنه لم يعد يهمه أن تخرج القوات البريطانية من مصر. ويضيف مفرج قائلاً "إن ذلك هو أيضا رأي زينب هانم (زينب الوكيل زوجة النحاس)"!
في تلك الأيام كانت وساوس النحاس الصحية قد بلغت أشدها، حتى إنه عندما كان يضطر إلى الخروج من بيته لمناسبة لا يستطيع أن يتخلف عنها، كان يتبعه باستمرار سكرتير (وأحياناً ضابط من حراسته الخاصة) ـ يحمل زجاجة كولونيا لكي يغسل بها الباشا يديه (محمد حسنين هيكل، سقوط نظام!: لماذا كانت ثورة يوليو 1952 لازمة؟، دار الشروق، القاهرة، 2003، ص 333)

غير أن النحاس -وكان قد تخطى آنذاك السبعين من عمره- ظل زعيماً للوفد ورئيساً للوزارة


ويشير علي أمين في كتابه "هكذا تحكم مصر!" (القاهرة، 1951) إلى أن النحاس أدخل في وزارته السابعة (يناير 1950) كلاً من محمود أبو الفتح، وسليمان غنام، ومصطفى نصرت، وأحمد حمزة، ثم يس أحمد باشا، نكاية في مكرم عبيد باشا، صديقه التاريخي وخصمه اللدود لاحقاً
وعندما قرأ النحاس أسماء الوزراء الذين اختارهم أثناء اجتماعٍ ضم هؤلاء المرشحين، اعترض محمد الوكيل على اختياره وزيراً للاقتصاد، وقال: إنني أطالب بوزارة التجارة، فأنا تاجر وأبي كان تاجراً!
فقال النحاس: ولكن غنام وزير تجارة
فقال الوكيل: انقلوا غنام من التجارة إلى التموين أو إلى الاقتصاد!
لكن غنام اعترض، وحدث هرجٌ ومرجٌ، إلى أن تدخل فؤاد سراج الدين المرشح وزيراً للداخلية للتوفيق بين الجانبين، بحيث يبقى الوكيل وزيراً للاقتصاد وغنام وزيراً للتجارة
وأثناء تشكيل الوزارة أخذ النحاس باشا يعتصر ذاكرته بحثاً عن مرشح لوزارة التموين، ثم قال: هناك مستشار كويس اسمه فرحات، أنا فاكر شكله بس ناسي اسمه الكامل..فرحات اللي كان قاضي في الإسكندرية وله حُكم عظيم في قضايا المظاهرات
فقال عبد الفتاح الطويل باشا: مرسي فرحات!
فرد النحاس: تمام، مرسي فرحات. روح اطلبه يا فؤاد (سراج الدين) في التليفون واعرض عليه الوزارة
واتصل فؤاد سراج الدين بمرسي فرحات وعرض عليه وزارة التموين، وقبلها الأخير، فطلب منه الحضور إلى قصر القبة لحلف اليمين قبل العاشرة مساء
وفي الموعد المحدد لمح النحاس باشا شخصاً غريباً لا يعرفه، فسأل:
من هذا؟
فقيل له:
مرسي فرحات وزير التموين!
فقال النحاس: أبداً..مش هو! ده واحد تاني!
فقيل للنحاس: ولكنك كتبت اسمه في المرسوم ولم يبق إلا دقائق لتتشرفوا بلقاء الملك
واستسلم النحاس للأمر الواقع. وعند خروج الوزراء في أعقاب مقابلة الملك، صاح النحاس باشا في الوزراء:
افتكرته..افتكرته. اسمه قطب فرحات، موش مرسي فرحات
غير أن هذا التذكر جاء بعد فوات الأوان. وبقي قطب فرحات بك مستشاراً، ومرسي فرحات وزيراً


لم تكن تلك حالة استثنائية، فقد تولى البعض الوزارة بسبب تشابه الأسماء أو اختلاطها على من يختارون المرشحين للوزارة


فقد جرى تعيين عبد المجيد عبد الحق وزير دولة في حكومة النحاس الأخيرة، ولعبد المجيد عبد الحق شقيق أكثر شهرة نال الوزارة قبله وعمل وزيراً للشؤون الاجتماعية وللأوقاف والتموين. وحين دخل عبد المجيد عبد الحق قيل أيضاً إن المقصود كان هو عبد الحميد عبد الحق وقد أخطأ السكرتير أو مدير المكتب وطلب عبد المجيد عبد الحق بدلاً من عبد الحميد (وكلاهما ينتميان إلى عائلة شهيرة من مركز أبو قرقاص في محافظة المنيا). الرواية تبدو جائزة لأن عبد الحميد كان أكثر شهرة، وكان صديقاً لأهل الفن والصحافة إلى درجة أن الموسيقار محمد عبد الوهاب غنى له أغنية ألفت خصيصاً لمساندته في الانتخابات البرلمانية وكان مرشحاً عن دائرة السيدة زينب في منتصف الأربعينيات على الرغم من مقاطعة الوفد لهذه الانتخابات. وكانت أغنية عبد الوهاب تقول: "يا أهل الحي.. يا أهل الدائرة.. يا مجاورين السيدة نظرة "حلفتكم بالست الطاهرة" لتجاوبوا وتقولوا الحق.. تنتخبوا مين؟ عبد الحق"
ويشكك البعض في قصة عبد المجيد عبد الحق رغم حدوثها بناء استناداً إلى أن أخاه عبد الحميد كان قد عمل وزيراً في وزارة إبراهيم عبد الهادي عام 1949، وهكذا كانت عودته إلى الوزارة مع الوفد 1950 مستبعدة بعض الشيء


وفي مارس آذار 1968 كان د. إسماعيل غانم الأستاذ بكلية الحقوق في جامعة عين شمس وعميد الكلية مرشحاً للوزارة، وحدث أن سكرتارية الرئيس جمال عبد الناصر اتصلت بالدكتور حافظ غانم وكان أستاذاً هو الآخر في كلية الحقوق في جامعة عين شمس أيضاً، وهكذا جاء د.حافظ غانم وزيراً للسياحة في وزارة الرئيس عبد الناصر الأخيرة، وقادت المصادفة إلى ما هو أكثر من هذا، فقد أقيل د. محمد حلمي مراد فجأة من منصب وزير التربية والتعليم، وهكذا أصبح محمد حافظ غانم وزيراً للتربية والتعليم. لكن الفرصة لم تضع من د. إسماعيل غانم بل بالعكس سعت إليه مرتين ودخل الوزارة وخرج منها، ثم عاد ودخلها في حالة من الحالات القليلة في عهد الثورة. ففي 15 مايو أيار 1971 وقع الاختيار على إسماعيل غانم ليكون وزيراً للثقافة في وزارة د. محمد فوزي، وكان د.حافظ غانم لا يزال وزيراً للتربية والتعليم، في حين كان إسماعيل غانم قد تولى بعد العمادة منصب وكيل جامعة عين شمس. وقد بقى الغانمان معاً في مجلس الوزراء منذ مايو أيار 1971 وحتى سبتمبر أيلول 1971، حيث خرج الأحدث وهو د.إسماعيل غانم


ومن حسن حظ الأخير أنه تولى عند خروجه مباشرة منصب مدير جامعة عين شمس، ثم عاد إلى دخول الوزارة مرة ثانية بعد عامين ونصف العام عند تشكيل وزارة الرئيس السادات الثانية في إبريل نيسان 1974 كوزير للتعليم والبحث العلمى، وكان أول قانوني يتولى وزارة البحث العلمي (على نحو ما فعل د. مفيد شهاب لاحقاً) واستمر إسماعيل غانم في الفترة بين 26 إبريل 1974 و15 إبريل 1975 وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي في وزارة الرئيس السادات الثانية ووزارة د. عبد العزيز حجازي الذي كان عميداً لتجارة عين شمس قبل أن يختار وزيراً للخزانة، في الوقت نفسه الذي كان إسماعيل غانم عميدا ًللحقوق في عين شمس ومرشحاً فيه لدخول الوزارة في مارس آذار 1968


ومن الطريف أن د. محمد حافظ غانم كان قد ترك الوزارة بعد إسماعيل غانم بأقل من ثلاثة أشهر حين شكل د. عزيز صدقي وزارته في يناير كانون ثانٍ 1972، وبقي د.حافظ غانم في مناصب رفيعة القدر في الاتحاد الاشتراكي وصلت إلى أن تولى منصب الأمين العام للجنة المركزية، ثم اختير نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للتعليم العالي في وزارة ممدوح سالم في الفترة بين 16 إبريل 1975 و18 مارس 1976 ليخلف صاحب اللقب نفسه في وزارة التعليم العالي، وإن كان يحظى بحكم أقدميته بمنصب نائب رئيس الوزراء، وكأنه "أي حافظ غانم" نال الوزارة بدلاً منه في 1968 وخلفه فيها عند خروجه منها لآخر مرة في 1975، وهكذا فإن هناك غانماً تولى وزارتي البحث العلمي والثقافة بالإضافة إلى التعليم العالي وهو أستاذ القانون الخاص د. إسماعيل غانم، وهناك غانم آخر تولى وزارة التربية والتعليم قبل أن يتولى التعليم العالي، وهو أستاذ القانون الدولي د. محمد حافظ غانم، وكلاهما دخل الوزارة وخرج منها وعاد إليها، وكلاهما أستاذ في حقوق عين شمس، لكن صاحب المصادفة نال حظاً أكثر من المرشح الأصلي

ويروي د. جلال أمين (ماذا علمتني الحياة؟، دار الشروق، القاهرة، 2007) الحكاية بطريقةٍ ساخرة قائلاً: "وقد تناقل الناس بعد ذلك قصة طريفة أعتقد أنها صحيحة، وهي أن عبد الناصر أثناء اختياره للوزراء الجدد عبّر عن رغبته في أن يدخل الوزارة "غانم بتاع الحقوق"، دون أن يلتفت إلى أن في كلية الحقوق غانمين وليس غانماً واحداً، العميد والوكيل. وأغلب الظن أنه كان يقصد إسماعيل غانم، فهو، وليس الدكتور حافظ غانم، المعروف بميوله الاشتراكية وباستقلاله في الرأي. ولكن لسببٍ ما عرضت الوزارة على الوكيل دون العميد"


وفي عهد السادات، رشح محيي الدين عبداللطيف وزيرا للنقل في وزارة السادات الأولى في مارس آذار 1973 لكنه بدلاً من أن يتم استدعاؤه استدعي شقيقه الحسيني عبد اللطيف وعين وزيراً للنقل. كان الحسيني عبد اللطيف من المهندسين العسكريين المميزين أما محيي الدين عبد اللطيف فعُوِضَ عن هذا واختير محافظاً للقليوبية (نوفمبر تشرين ثانٍ 1974 – نوفمبر تشرين ثانٍ 1976)، ثم عُيِنَ نائباً لوزير المواصلات، وبقي في هذا المنصب الرفيع فترة طويلة، فلما طال العهد بسليمان متولي في المنصب الوزاري آثر محيي الدين عبد اللطيف الاستقالة من منصب نائب الوزير واحتفظ برئاسة لجنة النقل والمواصلات في مجلس الشعب


وليس لأحدٍ بعد هذا أن يستغرب المصدر الذي استقى منه كاتب السيناريو وحيد حامد شخصية بطل فيلمه "معالي الوزير" (2002، إخراج سمير سيف) الذي لعب دوره أحمد زكي


وفي الوزارة، كما في الحياة، ينطبق المثل العامي القائل: "قيراط حظ.. ولا فدان شطارة"

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

8 التعليقات على "البحث عن وزير (4): تشابه أسماء"

أكتب تعليقا