الإدارة العاجزة (2): استراتيجية محمد هنيدي

| |






الشلل الذي أصاب أطراف الأجهزة والمؤسسات وأثرَّ في وظائفها الحيوية، يعود في القسم الأكبر منه إلى تحالفٍ سري بين الإهمال والفساد

والفساد والإهمال من أبناء العمومة..وبينهما صلة رحم

في 3 فبراير شباط 2006، غرقت العبّارة "السلام 98" في البحر الأحمر الذي ابتلعت مياهه 1034 إنساناً، معظمهم من المصريين العاملين في السعودية وباقي دول الخليج، ممن كانوا عائدين إلى عائلاتهم بعد أشهر أو سنوات من الغربة. وفي تقرير بعد الكارثة لإحدى الشركات المتخصصة فى أعمال الرقابة وتشغيل السفن ذكرت "إن السفينة المنكوبة والتي شيدت قبل قرابة 36 عاماً هي "في خريف عمرها" وإن معايير السلامة المطبقة في الاتحاد الأوروبي لا تنطبق عليها، ما جعلها ممنوعة من الملاحة في البحار الأوروبية ". واستمراراً لسياسات عدم المبالاة، فإنه تبين في أعقاب الكارثة أن هناك أكثر من 100 سفينة مصرية تعمل على الخطوط الملاحية المصرية لا تستوفي اشتراطات السلامة ولا توجد رقابة أو تفتيش فني دقيق عليها من أجهزة الدولة


المفارقة أن هذه العبَّارة الغارقة تحديداً سبق لها التعرض لثلاث حوادث من قبل، كان آخرها في 17 أكتوبر تشرين أول 2005 بعد اصطدامها بسفينة تجارية قبرصية، عندما كانت تُقِل معتمرين عائدين من جدة وعلى متنها 1446 راكباً

وإذا كان الخبراء يشددون على أن السفينة التي يمر على تشييدها 25 عاماً يجب أن تحال على التقاعد، فإن الأسئلة تتراقص أمام أعيننا حول سبب استمرار "السلام 98" في الخدمة مع أن عمرها وقت غرقها كان يبلغ 35 عاماً، خلاف أنه أضيفت إليها ثلاثة طوابق مخالفة لمعايير السلامة. من الواضح أن نفوذ مالك العبّارة الغارقة ممدوح إسماعيل عضو مجلس الشورى ورئيس شركة السلام للنقل البحري، كان وراء استمرارها في نقل الركاب المصريين غير القادرين على تحمل كلفة النقل جواً وأغلبهم من عمال المقاولات الفقراء

الصمت الذي ران على الدولة ومؤسساتها، بما في ذلك مجلس الشورى الذي ينتمي إليه مالك العبَّارة كان نوعاً من الفساد البليغ

وبعد مرور أربعين يوماً على غرق العبَارة، وبعد هروب مالكها إلى خارج البلاد، قرر مجلس الشورى برئاسة صفوت الشريف، رفع الحصانة عن ممدوح إسماعيل.. وقال المجلس وقتها إن قراره جاء: "حتى يتسنى للنيابة العامة سؤاله والتحقيق معه في مسؤوليته عن الحادث"

بعدها بخمسة أيام كاملة، تقرر أخيراً منع ممدوح إسماعيل من السفر وإدراج اسمه على قوائم ترقب الوصول

غير أن إسماعيل خرج..ولم يعد

ومن وجوه الإدارة العاجزة قبح التبرير، فاختلاق الأعذار يزيد من اختلال الموازين


فقد كشف زلزال 12 أكتوبر تشرين أول عام 1992 - الذي أودى بحياة 541 شخصاً إلى جانب إصابة 6522 آخرين- حجم الفساد الذي ينخر في جسم الإدارات الهندسية بالأحياء والمحليات. لقد أدى الزلزال المذكور إلى انهيار 398 منزلاً بعضها حديث التأسيس مثل عمارة الموت في مصر الجديدة، في حين أصبح 8 آلاف منزل غير صالحة للسكن في كل من القاهرة والجيزة والقليوبية والفيوم

غير أن محافظ القاهرة محمد عمر عبدالآخر خرج غاضباً ومدافعاً عن الإدارات الهندسية بأن رواتب العاملين فيها ضعيفة ولا تتناسب مع المهمة التي يؤدونها والمسؤولية التي تقع على عاتقهم. وكان أن تمت زيادة رواتب هؤلاء المهندسين زيادة ضخمة بدعوى أن ذلك سوف يغلق أبواب الفساد، غير أن الواقع يقول إن ذلك زادها اتساعاً، فالذمم الخربة ظلت صاحبة اليد العليا في عددٍ من تلك الإدارات

ومكافأة الفساد لم تكن يوماً سوى إطعام ديناصور لا يعرف معنى الشبع

بل إن كارثة زلزال 1992 تنطوي على ما هو أخطر: غياب الشفافية وإخفاء الحقائق، حتى عن رئيس الدولة نفسه
ففي حديث للرئيس حسني مبارك لجريدة "الأخبار" في 30 أكتوبر تشرين أول 1992، قال مبارك الذي كان قد بدأ للتو زيارة للصين، قبل أن يقطع الزيارة عائداً إلى مصر: "وعدت إلى مقر إقامتي، مرهقاً، ومتعبا للغاية، وقبل أن أستسلم للنوم تلقيت مكالمة تليفونية من صديق مقيم في الخارج وأبلغني بالزلزال الذي حدث في مصر، اتصلت بالدكتور عاطف صدقي في الفور، فأكد لي الخبر وتحدث عن سقوط عمارة، بالاضافة إلى بعض التشققات في العديد من المنازل ووصف الزلزال بأنه قوي الحقيقة"

ولنا هنا ملاحظتان، فقد علم مبارك بالزلزال من صديق مقيم في الخارج وليس من رئيس حكومته أو الأجهزة المعنية، الأمر الذي يشير إلى خلل وتقصير واضحين في إبلاغ الحقائق لرئيس الدولة نفسه. والأمر الثاني هو تقليل رئيس الحكومة من حجم الخسائر في الأرواح والأضرار المادية. فما جرى في زلزال أكتوبر 1992 وأودى بحياة مئات الأشخاص وقدرت خسائره بنحو 1.5 مليار جنيه، لا يمكن تلخيصه في سقوط مبنى وحدوث تشققات في عدد من المنازل

في الحديث الصحفي نفسه يقول مبارك: "وتعددت الاتصالات التليفونية مع القاهرة حتى الساعة الرابعة صباحاً. وقتها اتخذت قراراً بضرورة قطع الرحلة والعودة بأسرع وقت إلى القاهرة. وعندما أبلغت رئيس الوزراء بقراري هذا حاول أن يطمئني أن الزلزال توقف والمعلومات الأولية لديه تفيد سقوط عمارة واحدة، وبالتالي فإنه ينصحني بالبقاء في بكين وعدم قطع الرحلة، ورفضت الاقتراح على الفور"

ثم يضيف مبارك قائلاً إنه فور عودته إلى مصر: "عقدت اجتماعاً لمجلس الوزراء لأتابع معهم آخر المعلومات، وآخر التطورات ونتأكد من سلامة الإجراءات التي اتخذت لمواجهة الكارثة. كانت المعلومات الجديدة تختلف عن تلك التي بلغتني من قبل، وتم اتخاذ المزيد من القرارات والعديد من الإجراءات التي تتناسب مع الحدث والذي لم نواجهه من قبل"
نضع أكثر من خط تحت عبارة "كانت المعلومات الجديدة تختلف عن تلك التي بلغتني من قبل"..ونصمت تاركين الباقي لذكاء القارىء

وعندما تدفقت المعونات والمساعدات العربية والدولية على مصر في أعقاب الزلزال، ظهرت بعض تلك السلع والمواد الغذائية في الأسواق، مع أن بعضها كان مكتوباً عليه عبارة "هدية لشعب مصر". واختفت البطاطين التي جاءت إلى مصر على شكل هبات، لتظهر ذات ليلةٍ في حفلٍ موسيقي رعته وزارة الثقافة تحت سفح الهرم، إذ تم توزيعها على كبار الحضور ومعظمهم من الأجانب بعد أن اشتد عليهم البرد

وتحتفظ الذاكرة بفحوى مقالة للكاتب الصحفي مصطفى أمين في عموده الصحفي "فكرة" في جريدة "الأخبار" بعد أيام من وقوع زلزال 1992، إذ حكى بأسلوبٍ ساخر ينكأ الجراح، كيف أن حاكم دولة تبرع بمساعداتٍ مالية بقيمة عشرة آلاف دولار لكل متضرر من كارثة وقعت في بلد مجاور، فاستدعى رئيس الوزراء في ذلك البلد الوزير المختص وقال له إن حاكم الدولة الشقيقة تبرع لكل متضرر بمبلغ ثمانية آلاف دولار، وبدوره أبلغ الوزير المذكور كبير مساعديه أن حاكم الدولة الشقيقة تبرع لكل متضرر بمبلغ خمسة آلاف دولار..وهكذا استمرت كرة الفساد تتدحرج، إلى أن ذهب موظف حكومي إلى منزل أحد المتضررين من الكارثة ليزف إليه البشرى: "الحاكم الفلاني يهديك السلام"

والحديث عن فضائح توزيع شقق الزلزال على غير مستحقيها، قد يحتاج مجلدات

الإهمال الذي يتراكم حتى يصبح عصياً على الحل، يزيد من الوضع سوءاً

وفي دارسة أعدها الباحث محمد عياد سليمان جامعة بني سويف تحت عنوان "إدارة أخطار النقل في هيئة سكك حديد مصر" نقرأ أن مزلقانات السكة الحديد تأتي في مقدمة أسباب ارتفاع معدلات حوادث القطارات بنسبة 40% حتى إنه يطلق على معظمها مزلقانات الموت..ويبلغ عددها نحو 1264 مزلقان سكة حديد. وتبين الإحصاءات أن سوء حالة معظم تلك المزلقانات السبب الرئيسي وراء ارتفاع معدل حوادث القطارات . وتكشف نتائج تحليل الحوادث على خطوط السكة الحديد في الفترة من يناير كانون ثانٍ 2001 إلى الأول من مايو أيار 2006 عن وقوع 59 حادثة بمعدل 7.10 حادثة سنوياً راح ضحيتها أكثر من 6 آلاف

المشكلة معروفة، غير أن الإهمال يغمض عينه عنها ويتذرع بنقص التمويل، وخسائر خدمات النقل، في حين كانت هذه الخدمات والمرافق تحقق أرباحاً قبل أن ينهشها الفساد ويعشش فيها الإهمال الحكومي المعروف

وفي صباح 21 أغسطس آب 2006 اصطدم القطار رقم 808 القادم من المنصورة إلى القاهرة بالقطار رقم 344 الذي كان يتقدمه على الخط نفسه في اتجاه القاهرة قبل محطة قليوب، وأسفر الحادث عن مقتل 56 شخصاً وإصابة 143من الركاب، إضافة إلى خسائر مادية وأضرار في القطارين قدرت بحوالي 1.5 مليون جنيه

المثير للسخرية هو أن بعض المسؤولين الحكوميين أطلقوا في أعقاب الحادث تصريحات تتحدث عن خطط للاستعانة بخبرات أجنبية، وكأن المشكلة في أداة المرافق هم جنسية المصريين وليست سياسات الفساد والإهمال والعربات المتهالكة والأبواب والشبابيك المنزوعة والمسروقة ووسائل الاتصال المنعدمة بين محطات القطارات


وفي كارثة قطار الصعيد المنكوب التي وقعت في 20 فبراير شباط 2002، اكتشفنا كم كانت الحكومة طالباً فاشلاً ومهملاً، مثلما عرفنا أن الحكومة تفتقد أبسط مقومات إدارة الكوارث، التي تعد الآن علماً قائماً بذاته، تُدَرسُ أصوله ومناهجه في معاهد وكليات إدارة الأعمال في أنحاء العالم

فقد أديرت كارثة قطار الصعيد بأسلوبٍ أثار موجة من الغضب والاستياء على المستوى الشعبي، بدايةً من قرار رئيس هيئة السكة الحديد المهندس أحمد الشريف - الذي جرى لاحقاً عزله من منصبه- صرف مكافأة لسائق القطار قدرها 200 جنيه ولمساعده 100 جنيه، بدعوى نجاحهما في إنقاذ الجرار الذي يبلغ ثمنه مليوني جنيه، وفصله العربات السليمة عن المحترقة، ولشجاعته في استكمال الرحلة حتى النهاية باقتدار!

مكافأة مريبة لسائق القطار منصور يوسف القمص، الذي قال في التحقيقات إنه علم بالحريق من مساعده بعد أن تخطى قرية كفر عمار، فقام مع طاقم القطار بفصل العربات السبع المشتعلة، وأكمل المسير حتى بني سويف وأبلغ عن الحادث


لم ينتظر رئيس هيئة السكة الحديد انتهاء التحقيقات حتى تتكشف الحقائق وتفرغ اللجنة الفنية من حسم الموقف، وسارع إلى إعلان هذه المكافأة المالية على سبيل التغطية وتبرئة ساحة الهيئة، فإذا كان السائق بريئاً فإن الهيئة والحال هذه بريئة، أما الجناة الحقيقيون فقد يكونون الضحايا!



نعم الضحايا، فقد سارع رئيس الوزراء المصري د. عاطف عبيد إلى الإعلان من موقع الكارثة أن سبب احتراق عربات القطار السبع هو موقد غاز كان بحوزة أحد الركاب، في حين بدا النائب العام ماهر عبدالواحد في البرنامج التليفزيوني نفسه -"أخبار الناس"- أكثر تأنياً في إطلاق الأحكام، مشيراً إلى أن انفجار موقد الغاز يعني ببساطة صوت انفجار وآثاراً واضحة على سقف القطار، وهو ما لم يكن مثبتاً بالأدلة وشهادة الشهود حتى تلك اللحظة

تقرير اللجنة الفنية للتحقيق في أسباب الكارثة - الذي تأخر إعلانه مرة تلو الأخرى من دون سببٍ واضح- بدا هو الآخر في مأزقٍ شديد

فلو أن التقرير أيد نظرية موقد الغاز ومسؤوليته عن الكارثة، لكان ذلك مدعاةً للتساؤل عن كيفية وقوع الحادث. ولو أنه ألقى باللوم على عيوب في التوصيلات الكهربائية، لأصبح من حق أسر الضحايا والمصابين المطالبة بتعويضات. ولو تحددت المسؤولية بشكلٍ أوضح في عدم وجود أجهزة إنذار أو وسائل إطفاء، وتزاحم شديد داخل عربات القطار وإغلاق النوافذ بقضبان حديدية وعدم وجود مقابض لفتح الأبواب المغلقة، لأصبحت التهمة جاهزة في حق هيئة السكة الحديد وأجهزة الأمن التي لم تقم بالدور المطلوب منها عبر رجالها في مثل هذه القطارات من أجل إنقاذ الركاب أو التقليل من عدد الضحايا والمصابين لحظة اشتعال النار في القطار

على أي حال، فقد أعلن النائب العام بعد أكثر من شهر من وقوع الكارثة أن اللجنة المُشكَلة من أساتذة كلية الهندسة والمركز القومي للبحوث والأدلة الجنائية والدفاع المدني انتهت إلى أن سبب الحريق مصدرٌ حراري سريع ذو لهبٍ مكشوف في وجود مواد سريعة الاشتعال، وأنه قد يكون موقد كيروسين

غير أنه من حقنا التوقف عند عبارة أوردها النائب العام في مؤتمر صحفي عقده في 23 مارس آذار 2002، إذ قال إنه لم يكن يوجد أي جهاز إطفاء في القطار

لا أمن إذاً.. ولا أمان!

وإذا كان حجم الخسائر المادية الناجمة عن الكارثة يقدر بمليون و631 ألف جنيه، فإننا نتساءل ببراءة: كم جهاز إطفاء ووسيلة تأمين للركاب كان بوسعنا شراؤه بهذا المبلغ الذي أهدره الجناة في حادثٍ بهذا الحجم وتلك المأساوية

على أننا لا بد أن نشير أيضاً إلى أن القطار كان يقل 3818 راكباً منهم 769 راكباً استقلوه من المحطة الرئيسية كما ركبه 3049 مخالفاً، والأكيد أن هذا الاكتظاظ ساعد في زيادة حجم الكارثة



وزير النقل د. إبراهيم الدميري سعى في أعقاب الكارثة إلى امتصاص الهجوم على وزارته والدفاع عن سياساته في أعقاب احتراق قطار الصعيد بركابه ومعظمهم من البسطاء الذين كانوا عائدين إلى قراهم ونجوعهم لقضاء إجازة عيد الأضحى مع أسرهم، قبل أن يقع الحادث المأساوي عند مدينة العياط بالجيزة. فقد جاء الدميري من كندا وهو عاقد العزم على عقد مؤتمر صحفي، غير أن وزير التنمية المحلية د. مصطفى عبدالقادر كان حسب ما تردد في انتظاره على سلم الطائرة، ليطلب منه الخروج من المطار من بابٍ جانبي، قبل أن يتم إلغاء المؤتمر الصحفي

ولا يُعقلُ أن تكون الاستماتة في الدفاع والتبرير هي النموذج الأمثل لإدارة الكوارث

وأثناء نظر محكمة الجنايات لقضية حادث قطار الصعيد ومحاكمة 11 موظفاً في هيئة السكة الحديد وّجهت لهم النيابة العامة وقتها تهم الإهمال والإخلال بواجبات وظائفهم ما أدى إلى زيادة حجم الكارثة، طلبت المحكمة سماع شهادة وزير النقل د. إبراهيم الدميري، فأدلى بشهادة مثيرة حول الحادث

قال الدميري في شهادته إنه عرف بالكارثة وهو في كندا حيث تلقى اتصالاً هاتفياً من مدير مكتبه يوم 20 فبراير 2002 أخبره فيه باحتراق القطار المتجه إلى الصعيد، وإنه عقب تلقيه هذا الاتصال من مدير مكتبه اتصل على الفور بمكتب رئيس الوزراء فأبلغه مدير المكتب بأن رئيس الوزراء موجود في موقع الحادث، وعندما سأل عن الحادث هاله عدد الضحايا الذين ماتوا في هذا الحادث


أضاف الوزير في شهادته والتي أدلى بها في 26 يونيو حزيران عام 2002 أنه عقب ذلك قرر على الفور العودة إلى أرض الوطن ليقدم استقالته دون إبداء أية أسباب. وقال إنه تحدث مع رئيس الوزراء بعد أن عاد إلى مكتبه من موقع الحادث وأبلغه برغبته في تقديم استقالته، لكن رئيس الوزراء وفقاً لشهادة د. الدميري أكد له أنه لا ذنب له في وقوع الكارثة ويجب عليه عدم التفكير في هذا


وفي حوارٍ أجرته معه مجلة "الشباب" في الأول من يونيو حزيران 2004 تحت عنوان "الوزير الذي أطاح به القطار"، كرر د. الدميري الكلام نفسه، قائلاً: "وخلال مشاركتي في مؤتمر لوزراء للنقل والطيران العالمي في شيكاغو لدراسة المعايير والضوابط لزيادة أمان الطائرات فوجئت بوقوع حادث حريق قطار الصعيد فاتصلت بالدكتور عاطف عبيد رئيس الوزراء لسؤاله عن عدد الضحايا، وعندما علمت بالرقم صدمت، فرد عليَّ رئيس الوزراء: ما ذنبك فيما حدث؟"

لا أحد يعرف كيف يحق لرئيس الوزراء د. عاطف عبيد تبرئة ساحة وزير النقل أو ساحته هو شخصياً، من دماء نحو 361 شخصاً - حسب التقديرات الرسمية- راحوا ضحية هذه الجريمة مكتملة الأركان

في شهادته أيضاً، أوضح الدميري أنه بعدما عاد إلى القاهرة اتجه إلى مجلس الوزراء وأودع استقالته وأن رئيس الوزراء شكره، وظل الوزير أسبوعاً لم يذق فيه طعم النوم لأنه أحس بأن ركاب القطار راحوا ضحايا


وقال الدميري في شهادته: كان لابد أن أرحل لتهدئة الرأي العام.. استقالتي لا تعد هروباً ولكنها كانت من واقع إنساني. وفي نهاية كلامه، أكد الوزير أن المسؤول عن الحادث هو الذي أعطى القطار التصريح بالخروج دون توافر وسائل الأمان


القضاء المصري أصدر حكماً شهيراً في هذه القضية، حيث برأت المحكمة جميع المتهمين الأحد عشر في هذه القضية. ولم تكتف المحكمة بذلك فحسب، بل ألقت بالمسؤولية على عاتق هيئة السكة الحديد وأسلوب إدارتها وشرطة النقل والمواصلات، وبرأت المتهمين الذين يعدون من صغار الموظفين بالهيئة، والذين كانوا ما بين رئيس قطار، ومُلاحِظ، وعامل وردية

براءةٌ، جعلت الناس يتساءلون: ولكن، أين الجاني؟ ولماذا لم ينل جزاء جريمته التي أودت بحياة هذا العدد الضخم من الركاب


المستشار سعد عبدالواحد رئيس محكمة جنايات الجيزة التي برأت المتهمين الأحد عشر، انتقد رئيس الوزراء المصري د. عاطف عبيد الذي قال إنه أخذ يصرح ويدلي بتصريحاته منذ وقوع الحادث عن السبب. وانتقد رئيس المحكمة أيضاً في حديث لجريدة "الشرق الأوسط" الصادرة في لندن بتاريخ 1 أكتوبر تشرين أول 2002 الإعلام المصري الذي قال إنه أصدر أحكاماً قبل أن يقول القضاء كلمته. ووصف رئيس محكمة جنايات الجيزة تقرير اللجان الفنية "بالميوعة"، إذ لم يقطع وبنسبة عالية أي سببٍ من الأسباب الثلاثة التي ذكرها لوقوع الكارثة، وتضمن فقط الإشارة إلى أن موقد الكيروسين قد يكون السبب بنسبة 75 %، وترك نسبة 25% مفتوحة لأي سببٍ آخر للحادث


الرئيس حسني مبارك وَّجه كلمة إلى الشعب المصري صباح يوم عيد الأضحى، عزّى فيها أسر الضحايا في الحادث، وشدد فيها على ضرورة إجراء تحقيقات شاملة ومحاسبة المقصرين. مبارك قال في كلمته: "إننا لن نسمح بأي محاولة لإخفاء الحقيقة، أو التغطية على أي جانب مما حدث؛ لأن الخطب جلل والحادث خطير والفجيعة فادحة". وأضاف مبارك قائلاً: "إن أرواح المواطنين أغلى علينا من أنفسنا وليس لدينا أهم من الحفاظ على أرواح المواطنين وسلامتهم في أية بقعة كانوا من أرض الكنانة، لذلك طلبنا من الجهات المختصة أن تجري تحقيقاً شاملاً بحيث تتحدد المسؤولية بكل وضوح، وتتم محاسبة كل من يثبت أنه مقصر في أداء واجيه، أو تراخى في توفير السلامة للمواطنين في حِلهم وترحالهم"

غير أن المؤسف حقاً، أن الوضع في السكة الحديد وباقي وسائل النقل والمواصلات المملوكة للدولة، بقي على ما هو عليه من سوء وتدهور

الطريف أن عيد عبدالقادر الذي تولى منصب رئيس هيئة السكة الحديد في أعقاب الكارثة، نفى أن يكون للإهمال أي دور في وقوع الكارثة، مؤكداً أن جميع عربات القطار تخضع للصيانة الدورية قبل مغادرتها المحطة

الإعلام المرئي - وبتحديد أكثر، التليفزيون الرسمي- عالج الكارثة آنذاك بأسلوب غريب مريب، باستثناء برنامج "أخبار الناس" بجهدٍ مميز من مقدمة البرنامج رولا خرسا –وهي بالمناسبة زوجة عبداللطيف المناوي الذي أصبح مدير قطاع الأخبار في التليفزيون المصري- فقد انتقلت إلى موقع الحادث وتجولت في عربات القطار المنكوب التي تفوح منها رائحة الموت والجثث المتفحمة، وتحدثت إلى كبار الوزراء والمسؤولين عن تلك الكارثة



أما أهل مبنى ماسبيرو، لا فضت أفواههم، فقد أداروا الأزمة على طريقة "همّام في أمستردام"



فقد تم عرض الفيلم في سهرة اليوم الثاني لعيد الأضحى، الذي ضحى فيه تحالف الإهمال والفساد بالمئات من ركاب القطار المنكوب، ليتأكد لنا أن الحكومة قررت تبني استراتيجية الضحك والقفشات التي يطلقها الكوميديان محمد هنيدي لإنقاذها من ورطتها، بعد أن كانت تستعين فيما مضى بالنجم الكوميدي عادل إمام ومسرحيته "شاهد ما شافش حاجة" كلما تعرضت لمأزق أو نزلت بنا كارثة

ومن رحم المأساة تندر المصريون على قرار تكليف وزير الكهرباء ثم الصناعة د. علي الصعيدي الإشراف على وزارة النقل، إذ سرت نكتة مريرة بأن اختيار "الصعيدي" للإشراف على الوزارة جاء لتهدئة غضب الصعايدة

وفي حادث قطار الصعيد، أخطأت الحكومة مرة تلو الأخرى في إدارة الكارثة، تارةً بتحميل الركاب مسؤولية الحريق، وتارةً ثانية بالاكتفاء بنقل قياداتٍ أمنية في شرطة السكة الحديد ضمن حركة تنقلات محدودة في قيادات الشرطة؛ لأن ذلك لا يعني سوى نقل المقصرين إلى جهة أخرى يواصلون فيها ممارسة هوايتهم المفضلة: الإهمال.. حتى إذا كان ذلك على حساب البشر وأرواحهم

الجميع رفضوا الاعتراف بغياب الأمن والأمان في قطارات هيئة السكة الحديد، وحمَّلوا الركاب مسؤولية احتراقهم داخل قطار الصعيد المنكوب، وتناسوا أن هناك دراسات وبحوثاً تتحدث عن أهمية التخطيط لمواجهة الأزمات واحتواء الكوارث وإدارتها بأسلوبٍ علمي سليم، علاوةً على التحرك لمنع وقوعها أصلاً. وربما يتجاهل بعض أصحاب الحل والعقد في بلادنا أهمية علاج الجذور قبل الظواهر، وإنشاء نظامٍ كفء للرصد والتحليل يتوقع مَواطِن الخطر والأزمات لمعالجتها مبكراً بأسلوب وقائي قبل وقوعها، مع وضع خطط وسيناريوهات مختلفة، وإنشاء غرف ووحدات لإدارة الأزمات

إن الذين أداروا الكوارث التي هزت مصر في العقود الأخيرة أغفلوا هذا كله، فمارسوا حياتهم بشكلٍ طبيعي، ولم يعكر صفو يومهم شيء له صلة بتلك الكوارث، وعادوا في نهاية كل ليلةٍ إلى منازلهم وناموا في فراشهم الوثير وسط أهلهم وأحبتهم، من دون أن تزعجهم صور جثث الضحايا ولا أنين المصابين ونحيب أهلهم ودعاء ذويهم على الظالمين والمتسببين في تلك الحوادث

فلا نامت أعين الجبناء

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

14 التعليقات على "الإدارة العاجزة (2): استراتيجية محمد هنيدي"

أكتب تعليقا