الإدارة العاجزة (1): خراب شرحه يطول

| |







ليس أقسى على المصري من الكوارث التي تقع عليه كالصاعقة، من الإدارة الهزيلة والهزلية لتلك الأزمات على يدي حكوماته الرشيدة

والشاهد أن الكوارث تحلُّ تباعاً بمصر، التي يكادُ شعبها لا يفيق من واحدة حتى يصحو على أخرى لا تقل فداحةً عما سبقها. ومن كارثةٍ إلى كارثة، لم يعد للمصري وقتٌ لأي شيء آخر. ولأن المواطن بدأ يعتاد على الكوارث فقد أخذ يتوقع الأسوأ دائماً ويهيئ نفسه لها، لدرجة أنه يعتبر اليوم الذي يمر من دون كوارث يوماً مشهوداً
وهكذا بات على المصري أن يعيش باستمرار في انتظار كارثةٍ جديدة، تؤدي مواقف المسؤولين منها إلى وضع أكثر مأساوية يرش مزيداً من الملح على الجراح. فالجهات المسؤولة في مصر لا تقر عادة بخطئها ولا تتم محاسبة المسؤولين في تلك الجهات، بل سرعان ما تتهرب من المسؤولية وتلقي باللوم على الضحايا أو المجهول، أو تدفع بعدم الاختصاص، مثلما فعلت هيئة السلامة البحرية تعليقاً على تساؤلاتٍ بشأن التقصير في إنقاذ غرقى العبارة "السلام 98"!
إنه التنكيت والتبكيت في أبشع صوره
ففي الوقت الذي يحتاج فيه المواطن أن يشعر بالأمان وأن يرى ضوءاً في الأفق، فإن الإدارة العاجزة هنا وهناك لا تمنحه سوى القلق وتملأ الدنيا ظلاماً أمامه، والظلام حين يطغى يعم الجميع بلا استثناء

الأمثلة كثيرة على سوء الإدارة، ومن أحدثها رد فعل محافظ القليوبية المستشار عدلي حسين في أعقاب الكشف عن إعدام الخنازير في القليوبية بواسطة مواد كيماوية حارقة وباستخدام الجير الحي. إذ جرى تجميع الخنازير من منطقة الزرائب في الخصوص ونقلها إلى المدفن الصحي في أبي زعبل، حيث ألقيت في حفرة كبيرة لتصب عليها مادة من مخلفات مصانع "الشبة" تُسمى "الكيك"، وسط صرخات الخنازير إثر احتراقها بالمادة الكاوية، إذ تغطى بمادة الجير الحي قبل أن تردم

هذا الإعدام الجماعي للخنازير وصفه علماء الدين بأنه لا يتفق وتعاليم الإسلام، كما وَّجه إليه عددٌ من الأطباء البيطريين انتقادات حادة، إذ قال نقيب الأطباء البيطريين د. مصطفى عبدالعزيز، "إن أسلوب الإعدام بالإلقاء في حفر مكسوة بالجير الحي يفتقد الأسلوب العلمي، وهو نوع من وأد الحيوان، وهذه الأساليب غير الرحيمة في قتل الحيوانات تسىء إلى سمعة مصر في الخارج، وتثير الرأي العام"

غير أن المستشار عدلي حسين كان له رأيٌ آخر
وبدلاً من أن يقر بالخطأ الذي وقع، أو يقدم استقالته من منصبه كما يفعل أي مسؤول يحترم منصبه، فقد أطلق النار على الجميع
وَّجه المحافظ الهُمام انتقادات حادة إلى علماء الدين، الذين أدانوا إعدام الخنازير بهذه الطريقة، وقال: "إذا كانوا قالوا ذلك فما رأي فضيلتهم فى قطع اليد والرجم وقطع الرأس بالسيف كما يحدث في السعودية، وما رأيهم فى أشياء أخرى كثيرة تقرها الشريعة الإسلامية"، وتابع موجهاً حديثه لعلماء الدين: "ولا إنتوا درستوا شريعة أخرى؟" (المصري اليوم، 20 مايو 2009). والأدهى من ذلك أنه انتقد الصحيفة المذكورة بسبب كشفها طرق إعدام الخنازير في محافظته وقال في بيان تلاه أمام المجلس الشعبي المحلي للمحافظة: إنه مستعد أن يتحمل من جيبه الخاص تكلفة العلاج النفسي لمن أصابهم الاكتئاب بسبب إعدام الخنازير، مشيراً إلى أن علاجهم سيكون في الخانكة، ويعني بذلك مستشفى الخانكة للأمراض النفسية والعقلية

لم نسمع في السلطة صوتاً عاقلاً رشيداً يطالب المستشار بتقديم استقالته أو يأمره بالصمت، وهو أضعف الإيمان

آلةٌ توقفت تروسها، لتصبح غير قادرةٍ على الدوران
هذه هي حالُ أجهزة الدولة ومؤسساتها المختطفة

ولعل ما نحياه الآن هو تجسيدٌ لحالةٍ هائلةٍ من التخبط. وعلى سبيل المثال، بعد أن صرح رئيس مجلس الشعب د. فتحي سرور بأن حريق مجلس الشورى في 19 أغسطس آب 2008 لا يعني ضياع ملفاته نظراً لحفظها على ميكروفيلم، عاد بعد أيام قليلة ليعدل عن تصريحه قائلاً إن الوثائق لم تحترق أصلاً!
وكيف خرج هذا التصريح من د. سرور قبل أن تتم إجراءات المعاينة الجنائية الكاملة، ويتضح أن كثيراً من الوثائق التاريخية والنيابية المهمة قد التهمها الحريق!
تصريحٌ كهذا جاء لغياب الشفافية في التعامل مع المجتمع؛ لأن البعض يتصور أن النقد شماتة تقلل من هيبة الكرسي




مجلس الشورى بكل قيمته التاريخية والنيابية والأثرية (المبنى مسجل ضمن الآثار الإسلامية بقرار رئيس الوزراء رقم 910 لسنة 1987 وخاضع لقانون حماية الآثار وتتم عليه أعمال الصيانة والترميم)، كيف يتحول إلى رماد من دون استخدام وسائل إطفاء تليق بدولة محترمة؟ كيف نستخدم خراطيم مياه بهذا الأسلوب البدائي وبهذا الغباء، وكأنه حريق بمبنى سكني عادي، كيف يكون المبنى غير مؤمّن؟
الأغرب أن يظهر مسؤول حكومي ويقول إنه من الممكن أن "عقب سيجارة" سقط من يد أحد الموظفين في المجلس هو ما أدى إلى اندلاع الحريق. كيف والتدخين ممنوع داخل المبنى؟


في 6 سبتمبر أيلول 2008 وقعت كارثة انهيار صخرة المقطم على سكان الدويقة العشوائية، وانهارت صخور يصل وزنها إلى ‏أربعة‏ آلاف طن، لتؤدي إلى مقتل العشرات وإصابة وتشريد المئات
بدا المسؤولون في حالة صدمة وأصيبت الأجهزة المعنية بالشلل، على الرغم من أن حادث الدويقة لم يكن الأول في سلسلة انهيارات بعض صخور المقطم على بعض سكان المنطقة‏، فقد سبق وأنذر الجبل بغضبه هؤلاء عندما سقطت صخوره فوق عزبة الزبالين عام‏ 1993‏
وزير الداخلية حبيب العادلي أخفق بدوره في معالجة آثار كارثة الدويقة، وتعامل رجاله بصلف وعجرفة وعنف مع الأهالي المنكوبين. لقد فشل جهاز الدفاع المدني في إنقاذ الأحياء تحت الأنقاض، وعجز عن انتشال جثث الضحايا. ولم يكن أمام الدولة سوى اللجوء إلى الجيش ومعدات شركة المقاولون العرب، الأمر الذي أبرز الفشل الذريع للأجهزة المدنية في القيام بدورها

محافظ‏ القاهرة د. عبدالعظيم وزير قال لجريدة "الأهرام" (14 سبتمبر 2008):‏ القـدر سبقنا بخطوة‏!
وبالحرف الواحد قال محافظ القاهرة مبرراً الكارثة: "‏للأسف أيام وزير الإسكان السابق الدكتور محمد سليمان،‏ كان يتم تجنيب واستبعاد المحافظة عن تسليم هذه المساكن،‏ بسبب الخلاف بينه وبين المحافظ السابق الدكتور عبدالرحيم شحاتة،‏ حتى عندما جئت محافظاً للقاهرة كنت أجلس مثل بقية الضيوف،‏ ولكن وزير الإسكان الحالي أبلغني قبل أسبوع من الكارثة أنه سيتم تسليم الشقق الجاهزة حالياً لتقوم المحافظة بتوزيعها وقال إنه سيسلمني أربعة‏ آلاف شقة خلال الشهور القليلة المقبلة"
كلام المحافظ يجعلنا نظن أن الضحايا كانوا في عجلةٍ من أمرهم، ولو أنهم صبروا قليلاً ولم يندفعوا إلى الموت، لكانوا الآن آمنين في شقق جديدة
من جهته، أعلن نائب محافظ القاهرة للمنطقة الشرقية د. مختار الحملاوي على صفحات مجلة "روزاليوسف" أن الأهالي وقعوا أمام النيابة عن تحملهم مسؤولية الإقامة في هذه المباني، وأن المحافظة حاولت أن تقنعهم بالخروج، لكنهم أصروا، وقال إن خمسة من ضحايا الكارثة من بين الموقعين
هكذا ببساطة صارت المحافظة بريئة من دم الضحايا
أما القناتان الرئيسيتان في التليفزيون المصري الأولى والثانية، فقد استقبلتا حادث انهيار صخور المقطم على سكان منطقة الدويقة، بطريقة غريبة تقترب من التجاهل والتهميش، فلم تقطع القناتان إرسالهما لإذاعة الخبر أو رصد الكارثة، واكتفتا بنشره علي شريط الأخبار، وهو ما أرجعه بعض العاملين في التليفزيون إلى حجز الإعلانات، والخسائر المادية التي يمكن أن تلحق بالقناتين في حال قطع البرامج والمسلسلات لإذاعة مثل هذا الخبر
من جانبها أكدت سوزان حسن، رئيسة التليفزيون آنذاك، أن تغطية التليفزيون للحادث كانت جيدة، وقالت: القناتان الأولى والثانية ليستا قنوات أخبار، والخدمة الإخبارية يتم تقديمها في قناة النيل للأخبار وبرنامج "البيت بيتك" وشريط الأخبار، وأضافت: "مش لازم نقطع الإرسال وننكد ع الناس لمجرد تقديم خدمة إخبارية، وكمان ما كنش فيه جديد على مدار اليوم يستدعي قطع الإرسال، ومش معنى إن فيه حادثة في مكان يبقى البلد كله يعيش في الواقعة من خلال القناتين الأولى والثانية، لأن شكل الإعلام اتغير وأصبح لكل قناة اختصاصها، وهذا الجزء من اختصاص قناة النيل للأخبار"


فتأملوا!

ترى، كيف سيكون رد فعلك إن كنت من أهالي المنطقة المنكوبة، وسمعت أحداً يقول إن افتقاد غالبية سكان الدويقة ثقافة استخدام الحمامات، يعد أهم أسباب هذا الانهيار الصخري!
هذه النتيجة استخلصها مصدر مسؤول بوزارة الإسكان، قال لجريدة "المصري اليوم" في 3 أكتوبر تشرين أول 2008 إن "السلوكيات الخاطئة وسوء التعامل مع دورات المياه بين الكثير من مواطني المنطقة المنكوبة، تسبب في (تلف مواسير الصرف الصحي)، ما أثر سلباً على الهضبة"
وإذا كانت منطقة الدويقة عشوائية، فإن حركة المجتمع أصبحت كلها عشوائية وقابلة للانهيار في أي لحظة
هنا، تبدو مصر في انتظار "غودو" الذي لن يأتي أبداً

لقد كشف حادث المقطم عن تبلد أجهزة الدولة، وأكد ذلك اختطاف 11 سائحاً و8 من المصريين على الحدود المصرية السودانية الليبية في 19 سبتمبر أيلول 2008. فالأجهزة في الحالتين لم تبذل جهداً حقيقياً لتدارك الحادثين، بالرغم من أنهما مسا الأمان الشخصي للمواطن وأثرا بشكل كبير على الاقتصاد القومي

الطامة الكبرى لم تكن عدم القدرة فقط على التعامل مع الحادثين، بل إن الدولة عجزت حتى عن استيعاب نتائجهما. ففي حالة اختطاف السائحين، قالت السلطات إنها ترفض التفاوض مع إرهابيين، ثم عادت لتبشر الناس بأن الجناة مجرمون من المرتزقة وليسوا إرهابيين، وكأن هذا يغير من واقع الكارثة شيئاً

وزير الخارجية أحمد أبو الغيط وبعد ثلاثة أيام من واقعة الخطف، وقف في مؤتمر صحفي في الولايات المتحدة مع وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس، وقال رداً على أسئلة الصحفيين عن أزمة الرهائن، إن السياح بخير وإن الأزمة انتهت بسلام

لكن هذا كان فضيحة بكل المقاييس


وبعد عشرة أيام من الاحتجاز، نفى الرهائن صحة النهاية السعيدة التي أعلنها وزير الدفاع المصري المشير محمد حسن طنطاوي ودخل بها على الرئيس حسني مبارك على الهواء مباشرة وهو يفتتح مشروعات في محافظة كفر الشيخ..وسط تصفيق الحاضرين
لقد دار الحوار التالي بين المشير طنطاوي والرئيس مبارك
"طنطاوي: الرهائن وصلوا يا فندم
مبارك: ومسكتوا اللي خطفوهم!؟
طنطاوي: المختطفين نصهم ماتوا ونصهم في الطريق"


غير أن الرهائن قدموا رواية أخرى، قائلين إنهم لم يشهدوا أي إطلاق نار، وإن الخاطفين قرروا الاحتفاظ بثلاث سيارات رباعية الدفع تملكها الشركة السياحية التي كانت تُقِلهم، قبل أن يسمحوا للرهائن بالرحيل بالسيارة المتبقية ويعيدوا لهم جهازاً لتحديد موقعهم بالأقمار الاصطناعية

والشاهد أن الأجهزة والهيئات والمؤسسات الرسمية لا يعنيها أن تملك آلية لإدارة الأزمات أو حلها، إذ تسيطرُ على كل مسؤول غريزةُ البقاء في موقعه فقط، حتى لا يطاح به، وتتملكُ كل صاحب سلطة أو نفوذ عقيدة التحايل والتبرير بهدف تجاوز الأزمة أملاً في تهدأ النفوس وينسى المنكوبون وتسقط الأحداث من الذاكرة الجماعية. لا أحد يعنيه أن يحل همَّاً عاماً. كل مسؤول مهتم بما يعنيه فقط، وهو ما يجعل الجميع عاجزين عن حل أي أزمة تلحق بالبلد

وفي ظل انشغال كل بهمه الشخصي علينا أن نتوقع المزيد من الكوارث، المزيد من العبَّارات التي تغرق، المزيد من القطارات التي تحترق، المزيد من المباني التي تنهار، المزيد من الأموال التي تُهرَّب، والمزيد من المباني الأثرية التي تحترق
والأخطر من ذلك أن الفشل في إدارة الأزمات والكوارث، والتصرف بطريقة تنطوي على الاستخفاف أو التقليل من شأن ما جرى، يصيب المواطنين بالإحباط ويزيد من الاحتقان نتيجة الشعور بالظلم الاجتماعي، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام التنفيس عن الغضب بالعنف أو الاحتجاج غير المسؤول، لتكبر كرة الثلج من دون داعٍ يُذكر


إن انكفاء أجهزة الدولة وعجزها عن إدارة الأزمات، دفع إلى الاستعانة بالقوات المسلحة لحل أزمة طوابير الخبز التي تفاقمت في شهري مارس وإبريل 2008 حتى سقط فيها ضحايا بلا ثمن. وهي ليست الأزمة الوحيدة التي تدخل العسكر لحلها، فالقائمة طويلة، لعل أطرفها تدخل الجيش لحل مشكلة السحابة السوداء، حيث تم تشكيل العديد من اللجان والاجتماعات لحلها، ولم تشهد الأزمة انفراجة إلا بعد أن أنشأ الجيش مصنعين لتدوير قش الأرز بمحافظة الدقهلية


بلاءٌ تكرر كثيراً في العقود الأخيرة، يصب الزيت على النار


وهذا خرابٌ شرحه يطول

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

11 التعليقات على "الإدارة العاجزة (1): خراب شرحه يطول"

أكتب تعليقا