آخر الوزراء المحترمين

| |



بخروج د. محمود أبو زيد وزير الموارد المائية والري من حكومة د. أحمد نظيف، في 11 مارس آذار 2009، فقدت الحكومة المصرية واحداً من آخر وزرائها الذين يحظون بالتقدير والاحترام
وفي اللحظة التي أخلى فيها د. أبو زيد أدراج مكتبه لوزير الري الجديد د. محمد نصر الدين علام، شعر كثيرون من الموطنين بأنهم خسروا عالماً جليلاً ووزيراً يملك القدرة على الحديث باسمهم
سيلٌ من الأسئلة والسيناريوهات بشأن التعديل الوزاري المحدود الذي أطاح د. أبو زيد، بموجب قرار جمهوري أصدره الرئيس المصري حسني مبارك. الأنباء تضاربت حول أسباب إقالة وزير الري، حيث أعلن المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية السفير سليمان عواد أن د. أبو زيد طلب إعفاءه من منصبه لظروف صحية، إلا أن د. أحمد نظيف قال في تصريحات له إن معدلات نصيب الفرد من المياه بدأت في التراجع، وهناك مشروعات طموحة لزيادة الرقعة الزراعية تقوم على تدبير نحو ٩ مليارات متر مكعب من المياه لزراعة نصف مليون فدان، وبالتالي كان يجب ضخ دم جديد
وعلى الرغم من أن الوزير مريض فعلاً، وسافر للخارج أكثر من مرة للعلاج، فإنه لم يطلب الإعفاء، وأغلب الظن أن تصريح الرئاسة جاء لحفظ ماء الوجه والخروج من المأزق الذي لم يكن محسوباً. فقد نفى أبو زيد أن يكون قد قدم استقالته لأسباب صحية، وقال: إن د. نظيف، أبلغه بتغييره، كما أبلغه باختيار د. محمد نصر الدين علام، الأستاذ بهندسة القاهرة، التي تخرج فيها نظيف، مشيراً إلى أنه كان يستعد للسفر إلى تركيا لرئاسة وفد مصر في المنتدى العالمي للمياه يوم ١٥ مارس آذار 2009
فريقٌ من العقلاء رأى أن د. أبو زيد بصفته واحداً من أهم خبراء المياه في العالم، كان حريصاً على ثروة مصر المائية، سواء في المشروعات الإفريقية أو المؤتمرات الإقليمية أو عبر تصديه لتبديد ثروات مصر من الأراضي والمياه لحساب شخصيات وشركات عربية نافذة، أو لـ "حيتان" الطريق الصحراوي من الذين رأوا في الماء ثروة لري ملاعب الغولف أولاً وقبل أي شيء آخر
ويشير آخرون إلى أن أبو زيد وإن كان يتمتع بخبرة أكاديمية واسعة بالإضافة إلى أسلوبه المهذب وأخلاقياته الرفيعة، فإن ما ينقصه هو الحسم والحزم في الإدارة، وهو ما تسبب في فوضى كبيرة داخل الوزارة امتدت إلى جميع قطاعاتها. ويرى هؤلاء أن حالات التعدي الصارخة على النيل وصلت في عهده إلى وضع لم يسبق له مثيل، وأن أبو زيد وقف مكتوف الأيدي عاجزاً عن مواجهة المعتدين، خاصة أن معظمهم كانوا من أصحاب النفوذ من رجال الأعمال وأعضاء البرلمان. وهو ما دفع القيادة السياسية إلى توجيه لوم شديد للوزير بسبب هذه الحالات التي انتشرت من نيل المعادي إلي فرع رشيد من كفر الزيات حتي بسيون ودسوق وصولاً إلى خط الصعيد
ويضيف هذا الفريق أنه خلال الفترة التي قضاها الوزير في منصبه التي تقترب من 12 عاماً ظهرت مشكلات، خاصة في ترعة الحمام ومنطقة الشط بترعة الشيخ زايد بشرق السويس، وتعدى أصحاب النفوذ على آلاف الأفدنة الواقعة علي جانبي ترعة الشيخ زايد. وقد رأت القيادة السياسية في مصر أن التعديات على النيل ومشكلات المياه في سيناء والحمام وغيرهما من المناطق تحتاج إلى وزير أكثر جرأة وقوة
والشاهد أن خلافات نشبت بين أبو زيد وشخصيات رفيعة المستوى في السلطة ساهمت في خروجه، كان أبرزها الخلاف حول السياسات المائية مع دول حوض النيل، وظهر ذلك واضحاً في أكثر من مناسبة
أربعة أسباب إذاً ترددت لتفسير إقالة أبو زيد تتلخص في عدم رضا مؤسسة الرئاسة، وخلافاته مع وزارة الزراعة، وتعسفه مع المستثمرين، وأخيراً ملف حوض النيل ولجوئه إلى بعض القبائل في جنوب السودان ليتمكن من تنفيذ مشروعات المياه هناك
أُبعِدَ أبو زيد في ظروف غامضة، وغادر الوزارة، رافضاً الحديث عن الأسباب الحقيقية لإقالته، ومكتفياً بعبارة وحيدة مُلغزة: "مش وقت الكلام"
غير أن أبو زيد ترك وراءه أحاسيس متدفقة لدى العاملين بمقر وزارة الري، تحولت إلى دموع حين أصر في زيارته الوداعية على ألا يستقل مصعد الوزير، مكتفياً بمصعد الموظفين، وعندما حاول الموظفون تركه لـ"وزيرهم" منفرداً، أصر أبو زيد على أن يستقل المصعد وسطهم، رغم إلحاح الوزير الجديد د. محمد نصر الدين علام على مغادرة أبو زيد في المصعد المخصص للوزير
الدقائق الخمس عشرة، قضاها الوزير أبو زيد في وداع العاملين بديوان الوزارة، ثم جلسة سريعة مع الوزير الجديد، قبل أن يطوي صفحة الوزارة

وأبو زيد زمانه قد يكون آخر العنقود في قائمة الوزراء المحبوبين الذين تركوا مناصبهم لسببٍ أو لآخر
عمرو موسى رحل هو الآخر عن وزارة الخارجية وفي نفوس كثيرين غصة
وإذا كان موسى قد جمع بين النجاح في أداء المهام الموكلة إليه وتمكن من قيادة دفة العمل الدبلوماسي باقتدار، فإن النجاح ليس شرطاً أساسياً – أو بكلمة أدق، ليس الشرط الوحيد- لكي يكون الوزير محبوباً على المستوى الشعبي..فهناك وزراء أو حتى رؤساء حكومات –مثل د. عاطف صدقي رئيس الوزراء سابقاً- أدوا عملهم بكفاءة في حدود المطلوب منهم، لكنهم في النهاية لم ينجحوا في فك شفرة التقدير الشعبي، ولم يصلوا إلى قلوب المواطنين وذاكرتهم
قائمة الوزراء المحبوبين شعبياً تضم إلى جانب أبو زيد وموسى أسماء من عينة أحمد رشدي وزير الداخلية سابقاً ود. أحمد جويلي وزير التجارة والتموين سابقاً والمهندس حسب الله الكفراوي الذي تولى وزارة الإسكان من قبل.. فما الذي يجمع إذاً بين وزارات الري والخارجية والداخلية والتموين والإسكان؟
الإجابة المنطقية تنفي وجود علاقة بين تلك الحقائب الوزارية، ولذا فإن شعبية الوزير ترتبط بعوامل وعناصر أخرى، بينها طبيعة القرارات التي يصدرها والمواقف التي يتخذها والتصريحات التي ترد على لسانه. الأمر قد يتعلق بجانبٍ آخر ليس للوزير نفسه دورٌ فيه، وإنما تتأثر شعبية الوزير صعوداً وهبوطاً بمدى إعجاب أو كراهية المواطنين لشخص الوزير الذي تولى المنصب قبله أو الذي يأتي بعده في المنصب نفسه

وموسى جاء إلى الوزارة في 20 مايو أيار 1991 وفق تعديل وزاري محدود، ليحل محل د. أحمد عصمت عبد المجيد الذي كان نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية في حكومة د. عاطف صدقي الثانية (13 أكتوبر تشرين أول 1987) وذلك بعد اختيار عبد المجيد في مارس آذار 1991 أميناً عاماً لجامعة الدول العربية
ولأن وزير الخارجية في الحالتين انتقل من منصبه الوزاري إلى مقر جامعة الدول العربية لشغل منصب الأمين العام للجامعة، فإننا نلاحظ تكرار السيناريو نفسه، حيث تأخر اختيار وتحديد اسم وزير الخارجية الجديد حتى 20 مايو أيار، فيما واصل موسى أداء مهامه كوزيرٍ للخارجية إلى أن وقع الاختيار على أحمد ماهر لشغل المنصب
مرة أخرى، نقول إن الترتيب له تأثيره على شعبية الوزير، فشخصية موسى التي تميل إلى الحسم والحزم تختلف عن شخصية عبد المجيد التي تميل إلى الدبلوماسية وتتجنب المواجهة الحادة، وهو ما يمكن رصده بوضوح في مذكراته "زمن الانتصار والانكسار"، وفيه أسباب تحفظ عدد من مندوبي الدول الأعضاء في الجامعة على التجديد له في منصبه
شعبية موسى أيام الوزارة جاءت نابعة من تصريحاته التي تصدى فيها بحسم لتصريحات وسياسات إسرائيلية تعرقل مسيرة السلام أو تهدد خصومها بالويل والثبور، سرعة البديهة وحضور الذهن وتكثيف الرد في كلمات ظاهرها الدبلوماسية وباطنها العذاب لإسرائيل، جعلت نجم موسى في ارتفاع، على الأقل بالنسبة للرأي العام داخل مصر الذي رأى فيه حائط صد منيعاً ودرعاً قوية من التصريحات تفند المزاعم والافتراءات الإسرائيلية
التقط موسى إذاً النبض الشعبي وعرف متى ترتفع سخونة التصريحات ومتى تهدأ حدتها، والأهم من ذلك أين تقال تلك التصريحات
ولا بد أن نشير إلى أن ردود موسى على حكاية "الهرولة" في مؤتمر عمان الخاص بالشرق الأوسط، وتفنيده ادعاءات وزير الخارجية الإسرائيلي سابقاً شلومو بن عامي، وكذلك جمله الساخنة عن إعلان دمشق (الذي ضم دول الخليج الست ومصر وسوريا) بأنه "يحتضر" تارة و"يترنح" تارة أخرى..كل ذلك رسم صورة ذهنية معينة لدى الجماهير حول هذا الوزير الذي كان يعرف كيف يرد الصاع صاعين من دون أن ينسى تغليف هذه التصريحات الحادة بغلافٍ دبلوماسي مكتوب عليه: "مع أرق تحياتي"!
صحيحٌ أن تصريحات موسى تبقى تنفيذاً لسياساتٍ قائمة ورؤى ثابتة، لكن الأهم من ذلك أن الأداء الجيد يعتمد على التصرف في النص وإجراء التعديلات اللازمة عليه من دون المس بجوهره أو مضمونه، مع استغلال أي هامش متاحٍ بما تتطلبه الكياسة وتفرضه الفطنة
طول مدة البقاء في الوزارة قد يسهم في زيادة شعبية الوزير، وقد يسحب من رصيده. وفي حالة موسى فإنها صبت في مصلحته، فقد أمضى في منصب وزير الخارجية عشر سنواتٍ بالتمام والكمال، وهو رقم قياسي لوزير خارجية في مصر، خاصةً أنه جاء على مصر وقتٌ لم يكن وزير الخارجية يقضي في منصبه سوى فترةٍ قصيرة، فقد بقي محمد إبراهيم كامل في المنصب أربعة شهور، وقضى د. محمد مراد غالب ثمانية شهور في المنصب، وظل د. محمد حسن الزيات وزيراً للخارجية لمدة 13 شهراً

أحمد رشدي تولى وزارة الداخلية في حكومة د. كمال حسن علي في 16 يوليو تموز 1984 وظل في منصبه حتى قُبِلَت استقالته في 27 فبراير شباط 1986، وهو جاء إلى المنصب بعد حسن أبو باشا وقبل زكي بدر، وربما كان هذا أحد أسباب شعبيته الكبيرة والنادرة أيضاً، حيث إن المصريين ظلوا دائماً في حالة عدم وفاق مع الرجل الذي يمسك دائماً بحقيبة الأمن، اعتقاداً منهم أن داخل هذه الحقيبة هراوة ضخمة كُتِبَ عليها "العصا لمن عصى"، لكن أحمد رشدي الذي لمس كثيرون جديته وانضباطه ونزاهة يد، ورأى العامة كيف أجبر كبار قيادات الأمن على النزول إلى الشارع لتحقيق الانضباط المروري المطلوب ومحاسبة من يخرج على القانون على القانون بغض النظر عن شخصه ونفوذه
أضف إلى ذلك، أنه نجح في القضاء على إمبراطورية تجار المخدرات في حي الباطنية، وقاد جهود تطهير إدارة مكافحة المخدرات بالوزارة وضم عناصر نشطة جديدة إليها يجهلها المهربون، كما أعاد تشكيل وتخطيط أسلوب رقابة المنافذ التي تأتي المخدرات عبرها. وانطلقت قوات الشرطة والمكافحة تغلق الطريق أولاً في وجه الزراعة الداخلية لنبات الخشخاش والتي تركزت في سيناء بشكل أساسي ..ومن ناحية المطارات والمنافذ البرية والبحرية، أدخل أحمد رشدي لأول مرة أسلوب استخدام الكلاب البوليسية المدربة في التفتيش والفحص
تصدى أحمد رشدي بقوة لمؤامرات خارجية لهز أمن واستقرار البلاد، ولعل أبرزها مخطط اغتيال عبد الحميد البكوش رئيس الوزراء الليبي سابقاً، وكان آنذاك لاجئاً سياسياً في مصر. وبناء على خطة خداع مبهرة، أوهمت أجهزة الأمن المصرية عميلي التنظيم اللذين جاءا إلى مصر بأنهما تم تنفيذ المهمة، بل إنهما حصلا من رجلي أمن متخفيين في صورة قاتلين محترفين على صورٍ للبكوش صريعاً وقد سالت منه الدماء
وهكذا أعلنت الصحف عن نجاح عملية الاغتيال وتم نشر صور "الضحية" بالفعل
وفى مؤتمر صحفي وتليفزيوني لوزير الداخلية اللواء أحمد رشدي، احتشد الصحفيون والمراسلون لسماع خبر وأسباب اغتيال البكوش. غير أن الوزير رشدي فاجأ الجميع بابتسامة هادئة، قبل أن يمد يده إلى باب مجاور ويقدم للحاضرين عبد الحميد البكوش سليماً معافى، ليتبين للجميع أن الأمن المصري اعتقل الضالعين في مخطط الاغتيال، وأنه هو الذي أوهمهم بأن الخطة نجحت، قبل أن تتضح الحقيقة
غير أن أحداث أمن المركزي في فبراير شباط 1986 وما صاحبها من تطوراتٍ مؤسفة أدت إلى نزول الجيش إلى الشارع لفرض الأمن، دفعت الرجل الذي يحترم نفسه إلى الاستقالة، فزادت شعبيته وأسهمه في عيون المواطنين، حتى إنه حين خاض انتخابات مجلس الشعب في الدورة التالية لاستقالته لم ينفق من جيبه مليماً واحداً للدعاية الانتخابية، واكتسح منافسيه في دائرة بركة السبع في محافظة المنوفية
والشيء المؤكد أن شعبية أحمد رشدي زادت بعد خروجه من السلطة لظروف استقالته من جهة، ولاختيار زكي بدر خلفاً له في هذا المنصب من جهة أخرى
ويتعين هنا أن نشير إلى قضية مهمة في هذا المقام، فالشعب حين يحب وزيراً يرفعه إلى عنان السماء، ويبدأ في الدفاع عنه والتغاضي عن أخطائه والتصدي لأي اتهامات قد تُوجه إليه، بل إن البعض قد يضيف إليه من نسج الخيال قصصاً شعبية تزيد من حجم الهالة الشعبية التي تحيط به، على شاكلة "ده بيقولوا إنه عمل كذا وكذا"
وحسب الله الكفراوي الذي تولى منصب وزير الإسكان والتعمير في 26 أكتوبر تشرين أول 1977 وخرج من تشكيل حكومة د. عاطف صدقي الثالثة في 4 أكتوبر تشرين أول 1993، اهتم بالإسكان الشعبي وبناء المدن الجديدة حتى اعتبر البعض أنه "أبو المدن الجديدة"، إذ أسس 17 مدينة طوال 17 سنة قضاها وزيراً (6 أكتوبر، العاشر من رمضان، السادات، دمياط الجديدة، مراقيا، إلخ). وعُرف عنه نظافة اليد وعدم الوقوع في فخ فساد الذمم، ما جعله وزيراً محبوباً ورمزاً للوزير المجتهد الذي يحترم نفسه فيحترمه الآخرون
الكفراوي الذي أُوكِلَت إليه مهمة استصلاح الأراضي إلى جانب عمله وزيراً للتعمير والإسكان في مايو أيار 1980، انسلخ عنه الإسكان في حكومتي كمال حسن علي ود. علي لطفي، فيما تبًّقى استصلاح الأراضي معه، حتى خرج من الحكومة في 1993 وأُسنِدَت مهمة استصلاح الأراضي إلى د. يوسف والي الذي شغل منصب وزير الزراعة
الكفراوي، هذا الرجل البسيط ببدلته الصيفية وشقته البسيطة التي احتفظ بها منذ سنوات ما قبل الوزارة، قاد جهود إقامة عدد من المشروعات الإسكانية المهمة، وأسس بنك الإسكان والتعمير في عام 1978 بهدف تمويل مشروعات بناء الوحدات السكنية للشباب، وأثمر ذلك عن بناء مليوني وحدة سكنية لمحدودي الدخل. كما وقف وراء مشروع ميناء دمياط الجديد الذي افتُتِحَ رسمياً في 26 يوليو تموز 1986، وبدأ في إنشاء ميناء الدخيلة في محافظة الإسكندرية، وعمل على تنشيط الجمعيات التعاونية للإسكان
كان حسب الله الكفراوي مقرباً إلى أذهان وقلوب العامة لبساطته وتواضعه ووضوحه، ولأن الناس لمسوا ما أنجزه وشعروا بأنه ليس من هواة إطلاق عصافير الوعود الزائفة في الهواء، لتطير هذه الوعود وتتبخر من الذاكرة سريعاً
ربما لهذا السبب أصيب الكفراوي بإغماءة وتعرض لوعكةٍ صحيةٍ ألزمته الفراش في أواخر عهده كوزير حين احتد مع وزير وزراء سابق، فما كان من الأخير إلا أن اتهم الكفراوي بالفساد المالي. لم يتحمل وزير الإسكان هذه التهمة فسقط مغشياً عليه
على أي حال، فإن الكفراوي هو أيضاً الوزير الذي أقام مدن الساحل الشمالي وهو الذي أنشأ مارينا وخصص العديد من الوحدات الممتازة للوزراء وكبار المسؤولين. أما الكاتب الصحفي صلاح حافظ فقد كتب في ‏7‏ فبراير شباط ‏1990‏ عن حسب الله الكفراوي قائلاً: إنه أعف الناس يداً وأكثرهم إخلاصاً وصدقا‏ً,‏ وقضية حياته هي بالفعل أن يتيح سقفاً لكل مواطن‏,‏ والمدن الجديدة بالنسبة إليه معركة حياة أو موت‏,‏ ولكنه لا يجد وقتاً يراجع فيه شؤون بيته ويكتشف الذين معه والذين ضده‏
لكن الناس غفروا له ذلك لأنه هو أيضاً الذي بنى لهم مساكن بأسعار معقولة تناسب دخولهم، ولم يفعل على سبيل المثال كما فعل المهندس صلاح حسب الله الذي جاء بعده فقدم حلولاً إسكانية تغفل حدود إمكانات وقدرات محدودي الدخل في مصر
قضى الكفراوي في الوزارة خمس سنوات في عهد السادات، وبقي وزيراً في عهد مبارك لمدة 12 عاماً. غير أنه يصف سنوات عمله وزيراً في عهد مبارك فيقول: "الثماني الأولى كانت امتداداً لسياسة السادات في كل أجهزة الدولة، أداء مجلسي الشعب والشورى، دور دولة المؤسسات، وغيرها، حتي عام ٩٠، لذا كنت مرتاحاً في العمل معه، ولكن السنوات الأربع الأخيرة كنت "أتعشى لبن وزبادي أتقيأهم دم"..وأذكر يوماً ما قال لي فيه الصحفي موسى صبري "إنت مفتوح عليك ٦ جبهات" (حسب الله الكفراوي وزير التعمير الأسبق: "١ ـ ٢" نحن أسوأ على أنفسنا من القوى الخارجية، المصري اليوم، 22 مارس 2008)
وبوضوح أكبر، فإنه يتحدث باستياء عن سنوات عمله مع رئيس الوزراء د. عاطف صدقي، إذ يقول في الحوار المذكور رداً على سؤال عن رئيس الوزراء الذي كان على خلاف دائم معه: "عاطف صدقي، وكانت العلاقة بيننا "واحد بيتكلم عربي والتاني بيتكلم صيني". ويضيف الكفراوي قائلاً إنه أمرٌ طبيعي أن يكون د. صدقي ضمن الجبهات الست التي قال إنها حاربته في السنوات الأربع الأخيرة كوزير


د. أحمد جويلي أصبح وزيراً للتموين والتجارة الداخلية في حكومة د. عاطف صدقي الثالثة في 18 أغسطس آب 1994، وذلك قبل أن يتوفى د. محمد جلال أبو الدهب الذي كانت حالته الصحية قد منعته من أداء مهام وظيفته منذ تشكيل الوزارة. ود. جويلي ظل وزيراً للتجارة والتموين في حكومة د. كمال الجنزوري (4 يناير كانون ثانٍ 1996) حتى اعتذر عن عدم الانضمام إلى حكومة د. عاطف عبيد في أكتوبر تشرين أول 1999؛ لأنه لم يقبل سحب اختصاصات التجارة منه وضمها إلى د. يوسف بطرس غالي، وهو تعرض أثناء تلك الفترة لهجمات وحروبٍ شرسة، حتى إنه صرح في الانتخابات العامة التي خاضها لدخول مجلس الشعب عن إحدى دوائر محافظة الجيزة واضطر فيها لخوض جولة إعادة، بأنه لا يحظى بمساندة كافية من جانب الحزب الوطني، في إشارةٍ لا تخطئها العين إلى أن هناك من يريد تقليص نفوذه وتحجيمه وربما التخلص منه
د. جويلي الذي حارب السلع مجهولة المنشأ وأعاد تنظيم وتفعيل وزارة التموين، وقضى على ظاهرة اختفاء بعض السلع الأساسية من الأسواق وضرب الاحتكار في مقتل، واتسم بالهدوء والتعقل، ما جعله محبوباً من جانب المواطنين الذين تخلصوا من عذابات البحث عن سلعةٍ أساسية في السوق السوداء أو الوقوف في طوابير طويلة انتظاراً لحصة تموينية ضرورية
وفي تصورنا أن هؤلاء الوزراء الذين اخترناهم كنموذجٍ للوزراء الشعبيين أو الذين يلقون احترام وتقدير رجل الشارع، تجمع بينهم صفاتٌ أو مواصفاتٌ معينة أضيفت إلى رصيدهم الجماهيري، فهم بدأوا السلم الوظيفي من أوله فصعدوا صعوداً تدريجياً إلى قمة السلم، كما أن هؤلاء الوزراء أصبحوا وزراء وهم دون الستين، ويبدو أن هناك تعطشاً لدى رجل الشارع لفكرة ضخ دماء شابة - نسبياً- وجديدة في الحكومة. أي حكومة
وعلى الرغم من أن هؤلاء الوزراء لم يستهلكوا أنفسهم إعلامياً ودعائياً ولم يحاولوا أن يصنعوا لأنفسهم نجومية زائلة، أو يصطدموا مع النقد الإعلامي الموضوعي، فإن رجل الشارع حفظ أسماء هؤلاء الوزراء وأسقط من حساباته كثيرين جاؤوا ورحلوا.. كأن شيئاً لم يكن

نظرة واحدة إلى هذه النماذج التي أوردناها تشير إلى أن انتهاء عملهم الوزاري لا يعني بأي حال نهايتهم وعزلتهم وتكثيف الحراسة عليهم خوفاً من رصاص الإرهاب، فحتى جماعات التطرف تدرك أنه من الغباء والسخف بمكان أن تغتال وزيراً يتعلق به رجل الشارع، بل إنهم واصلوا رحلة الصعود، فموسى أصبح الأمين العام لجامعة الدول العربية، وأحمد رشدي انتخب لعضوية مجلس الشعب قبل أن يقرر عدم خوض التجربة مرة ثانية، ود. أحمد جويلي أصبح الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية، وحسب الله الكفراوي عمل لدى شركة خاصة قال في تصريح صحفي إنه يتقاضى منها أضعاف أضعاف ما كان يتقاضاه كوزير
وبطبيعة الحال فإن هناك فرقاً بين الوزير المحبوب شعبياً الذي يقع عليه الاختيار في أعقاب خروجه من الوزارة تقديراً لخبراته وكفاءته، وبين الوزير السابق الذي تتم الاستعانة باتصالاته وعلاقاته بهدف "تسليك" الأمور في هذه المصلحة أو تلك الوزارة

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

24 التعليقات على "آخر الوزراء المحترمين"

أكتب تعليقا