كتاب الرغبة (18): الفلسطيني التائه

| |






"لو كان آدم سعيداً في الحب لوفر علينا التاريخ"
("لو كان آدم سعيداً"، إميل ميشال سيوران، ترجمة: محمد علي اليوسفي، دار أزمنة، الأردن، 2008)




هذه روايةٌ عن الأمنيات الضائعة، الصدمات التي لا تستأذن، والدهشة المصحوبة بخيبة أمل
وفي رواية "أصل الهوى" (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2007) تقدم حزامة حبايب عملاً أدبياً مهماً من حيث تقنيات السرد وأهمية القضايا والموضوعات الحساسة التي يتناولها. وهي تتخذ من الجنس وسيلة أو أداة لتعرية البؤس والتهميش اللذين يعانيهما البشر عموماً والفلسطيني خصوصاً، رابطة ذلك بوضوح بالقدر الفلسطيني في جوانبه المتعددة
تتعقب الرواية مسارات خمسة رجال وخمس هزائم (رمزي عيّاش 64 سنة، كمال القاضي 56 سنة، عمر السرّو 49 سنة، إياد أبو سعد 43 سنة، فراس عيّاش 37 سنة) في علاقاتهم مع المرأة ومع العالم
كلهم فلسطينيون، لا تستقر الأرض تحتهم
في الرواية جنسٌ كثير وعريٌ وفير، غير أنك قد تلحظ أنه يظل في نهاية الأمر جنساً، غاب عنه القلب في معظم الأحيان. إنها رسالة بعلم الوصول مفادها أن نداء الجسد لا يصنع حباً بقدر ما يرسم رغبة. أما الذين وقعوا في الهوى، فإننا نجدهم قد تعثروا وأصابتهم خيبات الأمل حتى أصبحت بينهم وبين متعة الجنس مسافة واضحة. فاديا على سبيل المثال، تزوجت إياد أبو سعد، وأسلمته كثبانها وبواديها، دون اكتراث يذكر، لريحه العاصفة. استفاضت، وأنجبت نسلاً، وأرضعت سنين، لكنها ظلت بكراً، بريئة، لا تتوهج عيناها بالشهوة
في المقابل، أكثر من امرأة في الرواية تشبه حال ليال مع إياد نفسه، إذ إن "شعورها أنها لا تستطيع أن تملكه سوى بالجنس، كما اكتشفت سريعاً، طالما أنها لم تمتلك قلبه" (ص 255)
نموذج أوضح هو عمر وحسنا
"هل تُحبينني؟" سأل حسنا بعد أسبوع من زواجهما مارسا خلاله الجنس في كل الغرف وفوق كل قطع الأثاث، وهي كثيرة، فضحكتْ حسنا لسؤاله، وظلت تضحك حتى انقطع نَفَسُها، ثم تعرّتْ ونطّتْ عليه. في آخر الليل وبعد مبارزةٍ جنسية حامية، استلزمت كل مهارة ومراوغة ومرونة جسدية ممكنة من حسنا، سألها ثانية: "هل تُحبينني؟" فأعطته حسنا، وكانت مستلقية على بطنها عارية، مؤخرتها التي ورّمتها صفعاته العنيفة المتتالية، ثم قوّستها إلى أعلى قليلاً مفرّجة ساقيها وقالت له: "ادخل" (ص 275)

في كل تجربة جنسية تتحدث الرواية بالتفصيل عن الرجل: حيوانه، عضوه، كائنه، طائره، عصفوره
وفي الوقت نفسه، لا تغفل الروائية قاموس جسد المرأة: وردتها، عُشها، مغارتها، ينبوعها، زهرتها، برعمها، ثغرها
إنها أوصاف وأسماء تحاول إغواءك لتقتنع بأن الإنسان خرج إلى الأرض، إلى التاريخ، إلى معرفة الجسد.. أصل كل معرفة، وغاية كل معرفة، ومنتهى كل معرفة
و"أصل الهوى" رواية طرزتها الروائية حزامة حبايب بخيوط متعددة الألوان عن أرواح معذبة وأجساد راغبة. والكتابة عن هذه الأرواح وتلك الأجساد بها قدرٌ من التورط، الاستنزاف، الاقتحام، والركض في متاهة غرف لا تنتهي، كلما شغلت واحدة فكرت بالمجاورة وبعد المجاورة
والنتيجة رواية عن رجال عاشقين، لا يمكن أن تكتبها إلا امرأة عرفتهم وأغرمت بهم وهجست بأحلامهم، واقتربت منهم وبكت لهزائمهم وتعذبّت على أيديهم ("أصل الهوى" كما تتبعته الرواية الجديدة لحزامة حبايب: نص عن رجال خمسة لا تقدر على تطريزه إلا امرأة، إنعام كجه جي، جريدة "الشرق الأوسط"، لندن، 14 فبراير 2007). إنها رواية عن الفلسطيني التائه، ومحنة التشرد والاغتراب والبؤس والهجرات التي تقذف باللاجىء الفلسطيني إلى الخليج، وعن المصائر البائسة لهؤلاء الذين لم يبقَ لها إلا حكايات العشق والنساء اللواتي يعشقن غير أزواجهن، والرجال الذين يتزوجون مرات ولا يكتشفون الهوى

إنهم لاجئون هائمون بين الأردن ودمشق والكويت وأبو ظبي، يصوغون في حيواتهم المرتبكة مئات الوقائع الجسدية، عن فراس الذي تعاقبه عشيقته رُبى بحرمانه من التقام الثديين، ومغامرته مع امرأة السيارة التي يجهل اسمها؛ وعلاقة إياد مع ليال وزواجه بفاديا شقيقة الرفيق الثوري ولكن البرجوازي، ابن صاحب مصنع الشوكولاته؛ وعلاقة عمر السرو بهنادي في الجامعة ثم زواجه بـ "حسنا" أرملة شقيقه المتوفى التي كانت تداعبه طفلاً صغيراً فيرى عُريها ويتمنى عند زواجه أن يراها كما كانت في طفولته "بالشلحة السوداء ذات الدانتيل العريض، التي قد تكون مرتفعة حتى ما فوق ركبتيها بقليل، لتكشف عن فخذين متطرفتين في بياضهما" (ص 167)
والثيابُ الداخلية للنساء، تُلقي ظلالاً على أفكار الرجال كأنها السَحَر


هي أيضاً رواية عن نساء يمارسن هواهن في المخيمات البائسة، والشقق المستأجرة جماعياً، في غرف النوم وخلف الأرائك، أمام المرايا وفوق أسطح المنازل، على الهاتف وفوق ورق الرسائل وعبر البريد الإلكتروني ..رواية عن ليال التي تشاغب عشيقها على هاتفه الجوَّال قبل أن تمارس معه الجنس بسادية، ورُبى التي توصلت مع عشيقها إلى أن أفضل وضعية مناسبة لهما أثناء حملها هي أن تنحني بزاوية قائمة وتعطيه ثغرها من الخلف فيأتيها وقوفاً، وحسنا "العاقر" التي تزوجت شقيق زوجها فحبلت، وعن رُقيّة التي أحبت محمود، صبي الفران الذي كان يتناول عجينها قبل الجميع، لكنه لا يخبزه إلا بعد أن يخبز عجين الجميع، فيمتد بقاؤها في الفرن وسط النار وحمى الرغبة
أو ليست المرأة أرحب شيء في الوجود احتواء؟ أو لم تُسم الأنثى "حواء" لأنها تحوي كل شيء وتحتوي كل شيء
وفي الصميم، هي رواية عن الهوية الملتبسة للفلسطيني الذي "لم يحب الأردن، والأردن كذلك لم تحبه، أو لم تحاول" (ص 125)، ومعاناة الفلسطيني الذي "في الكويت كان لا يستطيع أن ينسى للحظة أو لجزء من لحظة أنه فلسطيني" (ص 125)، وعن الفلسطينيين الذين أجبرهم الجيش العراقي على ارتداء الدشاديش في منطقة حوَّلّي الكويتية ثم أرغمهم على أن يهتفوا: "صدام إنت السيف وإحنا ذراعك" (ص 129)
هائمون في مدن تشبه قمراً صغيراً عالقاً بين فكي سمكة قرش
ولكن، من يجرؤ أن يسأل الريحَ: من أين أتيت؟ ولا متى؟



تجدر الإشارة إلى أن الروائية حزامة حبايب وُلِدَت ونشأت في الكويت لأب فلسطيني وأم سورية، وهي تحمل اسماً مولوداً من خطأ لغوي، إذ أرادت أمها أن تسميها حذام، تيمناً بزرقاء اليمامة، لكنهم سجلوه حزام حسب اللفظ الشامي وأضافوا اليه التاء المربوطة. اضطرت حزامة إلى مغادرة مسقط رأسها، بعد حرب تحرير الكويت، إلى الأردن، قبل أن تستقر في الإمارات. استفادت الروائية من محطات تنقلاتها بين البلاد في رسم جغرافيا روايتها. وهي تقول إن تلك التنقلات المكانية التي كان معظمها قسرياً وغير مخطّط له، لعبت دوراً كبيراً في حالة الترحال التي تعيشها شخوص "أصل الهوى"
اشتُهرت حزامة بأنها قاصة متميزة، وكاتبة مقالة رشيقة وجريئة. وبعد أربع مجموعات قصصية هي: "الرجل الذي يتكرر" (1992)؛ و"التفاحات البعيدة" (1994)؛ و"شكل للغياب" (1997)؛ و"ليل أحلى" (2002)، نشرت روايتها الأولى التي تطأ أرضاً جديدة في الرواية العربية

ينقسم العمل الروائي إلى ثلاثة أجزاء، في كل جزء وجه من وجوه الشخصيات الخمس. تقدم في الجزء الأول ما آلت إليه الأمور من أزمات نفسية وجنسية لدى كل من هؤلاء الأشخاص. في الجزء الثاني تعود إلى طفولة كل من هؤلاء الأشخاص وشبابهم، لتختم في الجزء الثالث بما وصلت إليه مصائرهم
وما بين البداية والنهاية، تسترجع الرواية أزمنة تعود إلى نكبة فلسطين عام 1948 ونكسة يونيو 1967 والاجتياح العراقي للكويت في 1990. نغوص في سيرة وبدايات الأبطال الخمسة وصولاً إلى نهايات متباينة، يفقد أثناءها أكبر أعضاء المجموعة سناً حياته، إذ يعود فراس من الأردن بعدما دفن والده رمزي
ثلاثة عناصر تكررت كثيراً في الرواية التي تقع في 306 صفحات: المرآة، الدخان، قناة الجزيرة


رمزي عيّاش، ارتبط عنده الجنس بالمرآة. "لسنوات، ظل يفضل أن يمارس الجنس مع نعمة وقوفاً أمام المرآة. في كل المرات لم يكن يرى وجهها. وفي كل المرات كانت عينه على المرآة يتابع التحام نصفيهما. في بعض المرات، كانت نعمة تفتح فمها، تقول له إن ظهرها تعب من الانحناء أو أن ساقيها قد تتداعيان، وأن عليه أن يفرغ بسرعة، فيطلب منها أن تسكت. فإذا فتحت فمها ثانية كان يضع يده حول فمها، لتتأوه، ليستْ منتشية لزاماً. بعد عشر سنوات، اضطر، تحت إصرار نعمة، إلى شراء غرفة نوم جديدة بمرايا غطّتْ الأبواب الأربعة للخزانة، فتراجعت لديه ممارسة الجنس وقوفاً أمام المرآة، ضمن تراجع الجنس عموماً في علاقتهما، واكتفى بجسدها على السرير، معتماً، مغطى، صامتاً" (ص 200)
المرآة تلعب دوراً عند ليال عشيقة إياد، والمرأة الغامضة التي التقطت فراس ذات ليلة. ليال "كانت تحب جسمها. تقول له إنها كثيراً ما كانت تُستثار من مجرد تأمله في المرآة. في المرآة، كما تقول لا تنظر إلى وجهها، الذي تنسى شكله في أوقاتٍ كثيرة. تنظر فقط إلى جسدها إلى تقاسيم عريها. وتحب أكثر أن تتعرى أمام المرآة" (ص55)
"يذكر مرة حين استأجر غرفة في فندق، مزدحمة بالمرايا. كانت هناك مرايا على الجدران، وعلى الخزانة، وعلى السقف، ومرآة التسريحة. مارست الجنس مع المرآة أكثر مما مارسته معه" ( ص55)
أما المرأة الغامضة فقد تأملها فراس في المصعد من خلال المرايا التي كست جدرانه، وكانت عينه، أينما ولاّها، تقع على انعكاس هيئتها في كل الأسطح. "بدورها، سهّلت له التفرس غير المباشر فيها، فأعطت وجهها للمرايا التي حاصرتها بزاوية مكنته من الإحاطة بملامحها" (ص32)
وحين تعرّت، فإن فراس "من المرايا التي لبستها أبواب خزانة الملابس الأربعة على طولها، استطاع أن يقيس محيط مؤخرتها التي عبّها نظره" (ص 36)
سمر ابنة رمزي عيّاش، كانت في مرحلة المراهقة "ترقص بالشورت أمام المرآة" و"كانت تنظر إلى جسدها في المرآة، وكانت تبرم بوزها إذا تكشفتْ لها تفصيلة فجة هنا أو عيب هناك، وتبحث عن الحركة الراقصة الأنسب لمداراته" (ص 92)
رُقيّة، أم كمال القاضي، كانت تقف أمام مرآة الخزانة لتتفحص قوامها، لكنها "غضبت من مرآتها لأنها لم تُرِها، بعد الولادة، جسدها الذي كان عليه ما قبل الحبل، فعصرت ثدييها بكفيها ليرشق حليبها سطح المرآة" (ص 99). "كانت تأتي مرآتها برغبةٍ فتهبها جسدها عن طيب شهوة، مستطلعةً تضاريسه، التي تفرد أمامه بوفرة، نابشةً مجاهيله غير هيّابة، لاكزةً كائنات كهوفه المظلمة فتوقظها من سباتها الطويل" (ص 101). وقبل ذهابها إلى السوق في الصباح، كانت رُقيّة "تطيل التحقق من هيئتها التي تنتعش في مرآة خزانتها، بالثوب الأسود ذي التطريز الواهي" (ص 101)

أما السجائر فهي عنصر ارتبط بالقلق والتوتر والترقب: "ملأوا فضاء الغرفة الضيق بسُحب دخان سجائرهم، التي أثقلتها أمزجتهم" (ص7)؛ و"غصت منفضة السجائر في السيارة بأعقاب السجائر" (ص31)؛ "رمى السيجارة التي احترقت حتى منتصفها فقط، من النافذة التي سرّبت هواء رطباً" (ص32)؛ "أشعل سيجارة ثانية. راقب سحابة الدخان يتمطّى عريها في الجو. كانت كأنها مستلذة بنفسها، متباهية بجسدها" (ص41)؛ "تغلّف معظمهم برائحة ورق مسودّات الكتابة الخشن وعطنة "الموكيت" الذي ينضح بالتقشف وسحب دخلن سجائر "الجيتان" و"الغلواز" التي استعاضوا بها عن "المالبورو" (ص 45)؛ "ألقى بالسيجارة التي احترقتْ حتى ربعها الأخير على الأرض. توقف بصره عند بقايا اللهب الأحمر الراعش. راقبه يتقلص تدريجياً" (ص 48)؛ "وقف عند مدخل الباب. أشعل سيجارة. من خلال سحابة الدخان التقت عيناه عينيها".."أحرق ما تبقى من سيجارته بنفسٍ واحد طويل، وغادر الشقة مسرعاً" (ص 58)؛ "أشعل سيجارة. سحب نفساً عميقاً وانتظر الشعور الوشيك الذي سيمتطيه" (ص61)؛ "الرجفة التي استوطنت قدميه استجابت لها يده فأفلتت السيجارة. نفض الرماد من على رسائل اليائسين والمحبطين" (ص61)


مدخل الرواية يضم صورة الأصدقاء الخمسة أمام شاشة قناة "الجزيرة"، وهم يجتمعون "في الصالون الذي يرتطمون بتفاصيله الشديدة الازدحام"(ص7). تتسلل الروائية إلى عوالم أبطالها في تلك اللحظة المشحونة بالتوتر
"استسلمت قناة "الجزيرة" للصمت، وإن كان صمتها متحفزاً، ينطوي على غدرٍ مُقبِل جداً. صورُها فقط كانت تتحرك، متنقلةً بين علامتها الذهبية التي تغوص في بحر الشاشة الأزرق وخرائب متجددة لمدينة عربية" (ص7)
"علا الوجوه اهتمام مفاجىء. توجهتْ العيون نحو مذيعة الجزيرة البكماء
"أسفل الشاشة، على اليمين، ظهر إطارٌ أحمر ناري في داخله كلمة "عاجل" (ص8)
تظهر كلمة "عاجل" من دون أن يعرف القارئ ما هو العاجل إلا في نهاية الرواية، وهو الخبر الذي تسمر الأبطال أمام الشاشة في انتظاره: رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات
ربما ترمز تلك اللحظة إلى المصائر الفاجعة لأبطال الرواية، ولجيل كامل من الفلسطينيين رفع راية الأمل ثم عاد ليتبدد مثل غبار الطلع

ولا تخلو الرواية من لحظات ساخرة قد تدفعك إلى الابتسام إذ تقول ختام لزوجها كمال القاضي، تعبيراً عن ازدحام الصالون بأوراقه وحاجياته، إن "البيت ضيق والحمار رفّاس". ولا يحتاج إلى كبير ذكاء ليدرك أنه هو الحمار؛ فأبناؤه يرفسون في غُربة أخرى غير غربته" (ص 14)
ويرتبك عمر السرّو وهو في الطريق إلى البوابة الأمنية في المطار؛ لأنه خشي أن يفتضح جهاز كشف الأمتعة سر "الأشياء" الملفوفة بورق الصحف التي يحملها عائداً من لوس أنجليس إلى مطار أبو ظبي، بناء على طلب صديقه كمال: مُجَسم مصنوع من مادة لدائنية لعضو امرأة، وعضو ذكوري بلاستيكي، وثديان بلاستيكيان يهتزان ويرتجان بالتعبئة الآلية. ارتباكه هذا دفعه إلى التخلص من هذه "الأشياء" في دورة مياه المطار، قبل أن ترصده كاميرا المراقبة ويستجوبه رجال الأمن متسائلين في ارتياب: "لماذا تركت أشياءك في الحمام؟" (ص 184)
أما فراس عيّاش فقد "همّ بأن يرخي السحاب، وكانت الاستثارة المباغتة قد صعدت إلى رأسه، فصفعته على وجهه" (ص29)
نعود إلى كمال، الذي يشعر بالإثارة عبر فيلم جنسي في حضور بائعة أفلام صينية، "استشعر توترها وتيبس جسدها، فخف توتره وانبسط جسده" (ص15)
الصينية بائعة أقراص الأفلام الإباحية المستنسخة التي أثاره فيها شيء واحد: أصابع قدميها؛ "كانت دقيقة ونمنمة، كأصابع طفلة لم تتجلد ولم تتحرشف بعد" (ص17)
"لفت انتباهه أيضاً أن قدميها كأنهما "غير مستخدمتين"، إذ لا أثر لأي خطوط أو شرايين نافرة عليهما. كانتا، في صفائهما، قريبتين إلى أقدام دُمى عرض الملابس النسائية في المحال التجارية. وهو يحب أقدام تلك الدمى التي تقف مائلة أو تلك التي تكون مستلقية على أرضية واجهة العرض" (ص17)
صفحات كثيرة تبدو مملة عن كمال وهو "يعاين" أقراص "دي في دي" إباحية، ويتفرج على أحدها بتفصيل شديد - لعله الجزء الأضعف في الرواية- في حضور البائعة الصينية، قبل أن يهرع إلى الحمام ليفرغ شهوته وسط خيالاته، مستعيناً بقليل من شامبو "بيبي جونسون" الذي تستخدمه زوجته

غير أن متابعة القراءة ستكشف لنا عن أزمة حقيقية في شخصية كمال، ناجمة عن شعورٍ بالبؤس والهامشية
إنه ابن الهزائم التي تقتل المتع
والرجل المشغول في كهولته عادة بتحميل أفلام "رسوم متحركة"، كما يصف أفلام وكليبات البورنو، عبر الإنترنت، عاش في مراهقته تجربة حسية مع الجارة صباح، التي كان يعطيها في الصالون ذي الباب نصف المفتوح دروساً خصوصية في النحو وقواعد اللغة العربية، فيما جسداهما يتعلمان لغة أخرى
"كان يبدأ بإعراب مبتدئها وخبرها، ما تقدم منهما وما تأخر. يضع يده على يدها رافعاً فستانها الطويل إلى الأعلى كاشفاً عن ذراع ذات بياض خام يفور مع الضغط. وإذا تأكد أنها فهمت الدرس الأول، انتقل إلى الأفعال اللازمة والمتعدية، متعدياً على أزرار الفستان، زراً زراً، فيتدفق ثدياها، كرتي ثلج ولهب، تتمطى حلمتاهما فيأمرهما وينصبهما ويجزمهما، ثم يمتد فعله المضارع من صدرها، جامعاً بياضه الذي اندلق على كفيه، منحدراً إلى صفحة بطنها المستوية، مُعليّاً صوته بالشرح الوافي، إلى أن يبلغ حافة سروالها فتنزلق يده على المفعول به والمفعول فيه والمفعول معه والمفعول لأجله والمفعول المطلق، ولا يتوانى عن تشكيل أحرفها الملساء بحركات الفتحة والضمة والكسرة والسكون، الوثّاب التوّاق، برأس إصبعه المستدفىء بجُملتها الممتعة، والمفيدة. حين ينتهي من شرحه يسألها ما إذا فهمت الدرس، تهز رأسها بنعم واثقة، أقل توتراً عن "النَّعم" في البدايات. لكن الأمر لا يعدم طرح بضعة أسئلة أخرى، لمزيد من الاستيضاح. ثم في الإعادة، في أحايين كثيرة، متعة وإفادة" (ص 110)

والجسدُ المُغوي خطأ املائي، لا يمكن تصويبه إلا بالقُبل

المرأة الغامضة التي بلا اسم ولا كلام، التقطت فراس عيّاش من الطريق في الساعة الثانية صباحاً، فأصيب برهاب من البذخ الهائل والفجائي الذي أحاط به في سيارتها الفارهة
يخوض معها مغامرة جنسية بكثيرٍ من الصمت، في شقة تقوده إليها، إذ تتعرى قبل أن تدفعه نحو الحائط وتنزع عنه ملابسه، "لم تحتج شهوته إلى من يرشدها إلى ثغر وردتها، فالوردة تفتحت بالكامل، وانبسطت بتلاتُها نابضة، مرحبة. التحما. أغمضتْ بتلاتها على شهوته حتى أطبقتْ عليها تماماً. لعبا لعبة اللذة، متفقين على قواعدها دونما تصريح؛ فحين كان يحاول مغادرة مغارتها كانت تُحكم إيصاد بابها، تقبض وردتها على عضوه، فتستبقيه بقوة، تستنزّه دون أن تستهلكه بالكامل. وحين كانت تحاول أن تقذفه خارجاً كان عضوه يتوسل إلى وردتها، مستدفئاً بها، يرجوها أن تغمره بأريجها وعطفها وأن تلبي اشتهاءه لها" (ص38)


والنار لا تأخذها رأفةٌ بعشب يحترق

توسد فراس أثداء كثيرة في لياليه القديمة والجديدة، لكنه احتفظ في ذاكرته بجسد وصال، ابنة عمه حسن، التي تعرف إلى ثدييها في سن السادسة عشرة. رآهما "وهي تمسح حوش بيتهم على أربع، وقد تدلى ثدياها العملاقان من فتحة فستانها الدالعة" (ص 235). في اليوم التالي، كانت مع شقيقاتها تساعدان والدته نعمة في تنظيف أثاث البيت المغلق منذ إجازة الضيف الماضي. خلف كنبة الصالون، داعب ثدييها لأول مرة. "كانا ماردين، مكتنزين باللحم الفوّار. كانت تلك المرة الأولى التي يلمس فيهما ثديين حقيقيين، والمرة الأجمل" (ص 237)
موجتان عاليتان، كان يركبهما، قبل أن يغوص في قاعهما أطول وقت ممكن
في موجتيها مساحة من الغرق، وليس هناك من جهة
أما إياد أبو سعد فإننا أول ما نلقاه في الرواية نجده مستغرقاً في تقليب صفحات مسجاته على هاتفه الجوَّال. كانت صفحات كثيرة، تطنّ بتلاحق، صنع معها وجوهاً كثيرة في وجهه. ما إن تُبرق رسالة، حتى تصله رسالة أخرى. فيبدو أنه فرحان، وقد يبدو أنه غضبان، وقد لا يبدو عليه شيء، ولا يتواصل أحد مع غضبه أو فرحه أو مشاعره الكثيرة المتحوِّلة المتبدِّلة بين برقية وأخرى. في النهاية، ظلت انفعالاته محصورة في المسافة بينه وبين شاشة الموبايل" (ص8)
عشيقته ليال التي تشاغبه على الهاتف المحمول "عبر رسائلها التي تُضمنها كثيراً من مفاجأة، وكثيراً من مشاكسة، وقدراً محتملاً من الاستفزاز" (ص 46)
إنها "لا تعرف أن تتكلم، كما يتكلم البشر المحبون. هكذا قالت له، وهكذا اكتشف بنفسه سريعاً. تقول دائماً ما لا تريده وما لا تعنيه. وحين تحاول أن تفسر وتشرح قصدها الحقيقي، غير ذاك الذي بان أنها قصدته، وتذهب بعيداً في استحضار كل الكلمات التي لا تريدها، والجُمل التي تبدو حتى على سمعها حين تنطقها غريبة وشاذة تماماً"
يتردد في علاقته بها ويردد لنفسه باستمرار قراره المؤجل بأن "غداً سوف أنهي الأمر"..لكن هذا الغد لا يأتي

سيدة الرسائل النصية، تلاحقه بكلمات قليلة تختزل كماً هائلاً من الرغبات والأحاسيس، وتثير في نفسه ما يجعل الدماء تصطخب في عروفه
"وحين طن الموبايل ب"بديّاك"، كانت إثارته قد وقفت على قوائمها الأربع، متنبهةً" (ص48)
"كان يعترف لها دوماً بطاقتها البدنية الهائلة التي تفوق طاقته بما لا يُقارّن. كانت على استعداد لأن تتلوّى وتتأرجح وتئنّ وتتأوه وتقفز وتهتز وتنتفض وترتج فوقه وتحته لساعات، وحتى لدهور، دون أن يصيبها إعياء، أو تخمد حماستها أو تبرد استثارتها" (ص 57)
اعتادا اللقاء في أماكن مختلفة: غرفة في فندق، أو شقة مفروشة، أو شقة استعار مفاتيحها من صديق
وفي لقائهما الأول في شقتها، تختلط مشاعر الرغبة بالرهبة، فالشقة مشتركة بين مجموعة من الفتيات
"فتحت له الباب. كانت تلبس عريها الفضفاض. ذُعر. ابتسمت. طوّقت عنقها بقلائد كثيرة من خرز ملون، قلائد قصيرة وأخرى طويلة، فأطول وأطول. بعضها لامس ثدييها المشرقين وأخرى تدلت تحتهما، وثمة عقد طويل جداً من الخرز الأخضر الفيروزي استقر أسفل بطنها. أشارت له بمرح طفولي تناقض والمرأة المشرعة الجسد، وهو تناقض لم يبدُ شديد الفجاجة، إلى وشم الوردة المنقوش بالحنة السوداء على إليتها اليمنى" ( ص52)
"تسارع نبض ينبوعها. شعر به لسانه، يقذف ماء وناراً. صعد بلسانه إلى أمواج بطنها، فثدييها المزينين بالقلائد الملونة. تفتحت كل منافذ الشهوة لديه على إيقاع كلماتها المُلحّنة. ارتقى لسانه وجهها. استحالت كلماتها غمغمة منكّهة بالآه. ثم فجأة.. فتحت عينيها على آخرهما، وغرزت أسنانها في خده. كان الألم شديداً. خال قطعة من لحمه انتُزعت منه. صرخ" (ص 56)
صفعات متلاحقة، وتمزيق أزرار، وقلائد تنقطع لتنهمر الخرزات على السرير وتتساقط على الأرض..قبل أن يأتيها
وبعد أن أفرغا رغبتهما، "تفحّص خدّه في مرآة الحمام. آثار أسنانها علّمت فيه. كيف سيشرح الأمر لفاديا؟" (ص57)
في الطريق إلى الباب، مرت في خاطره الفكرة التي تمر في خاطره دوماً بعد كل لقاء بينهما: "العلاقة يجب أن تنتهي" (ص57)
لكنها في كل مرة، تبعث نزواته من الرقاد وتؤلف بينها، لتبعث بجسدها تحية دافئة إليه
نأتي إلى عمر السرّو، الذي نلقاه في البداية غارقاً في بريد "مرسال القلوب" وتفسير الأحلام في ركن "ورأيتُ في المنام"، إلى أن تصله رسالة من الماضي البعيد، تقول كلماتها: "حلمتُ بك. اتصل بي. هنادي"
يعود بذاكرته ثمانية وعشرين عاماً إلى الوراء، فيتذكر علاقته بزميلته في الجامعة هنادي، التي كانت تمرر له أثناء المحاضرات رسائل مطوية من موقعها في الصف الخلفي من المدرج إلى حيث يجلس عادة في الصف الثاني أو الثالث. "يشعر بالرسالة، وما يرافقها من همس وهمهمات، تتنقل بين أيدي الزملاء والزميلات، تنزل إليه من علٍ، كمطرٍ منهمر بخفة وحذر" (ص65)
ها هو يمارس الجنس في مكتبه خلسة أثناء محادثاته الهاتفية مع حكي، تلك القارئة التي تشكو له من خياناتها المتكررة مع زوج شقيقتها، فيما هو ينصت إلى التفاصيل وهو في حالٍ من الاستثارة الشديدة
"أطل طائره برأسه من تحت المكتب، وقد خلع انكماشه، متمطّياً بحذر. حشاه في كفّه التي كوّرها فأغلقت عليه تماماً، مستشعراً النبض المتسارع للدماء التي كانت تتجمع فيه" (ص70)
جوعٌ حارٌ يسلخ الذات والنفس، حتى يلعق الجائع بلسانه زوايا المساء
زواج المصلحة، الذي يفرضه والده ووالدته حتى لا يضيع البيت الذي سجله شقيقه باسم "حسنا"، يُغرق عمرو في حياة جنسية تجتاحه اجتياحاً
"دخل جنتها في الليل والنهار. دخلها في النهار مرات وفي الليل مرات ومرات. دخلها على السرير، على المقعد في غرفة النوم، على الطربيزة في الصالون، على طاولة السفرة، على الكنبة في غرفة التليفزيون، على الأرض، وعلى الحائط، دخلها معلَّقين في الهواء. وفي كل مرة، كان كأنه يذوق طعم الجنة لأول مرة" (ص 172)

والعاشقة غالباً ما تكون غاية في الدفء، تذكّركَ بخبز التوست والزبدة ذائبةٌ فيه
امرأةٌ، يقول لك لسانُ حالها: أنا كأسُكَ الفادِحَةُ، اشْرَبْها لِتَفيضَ بي
"مع حسنا، عرف جسده متعته، وعرف كيف يتحكم بهذه المتعة" (ص 173) في حين أنه مع هنادي "..كان يقذف في أي وقت وفي أي مكان، ويضطر أن يقضي ما تبقى من لقائهما المحبط في الاعتذار، ومساعدتها في تنظيف آثار سائله من على السجادة أو الكنبة" (ص 173)
هكذا طوى عمر السرّو صفحة هنادي زمناً طويلاً، ونسيها كما ينسى جندي يُحتضَر حب الوطن وأوسمة الشجاعة

نقطة البداية عند رمزي عيّاش هي موت زوجته، أما نقطة النهاية فتكون موته هو
"ماتت نعمة فجأة. لم تخطره بموعد رحيلها. لم تحذره أو تنذره. لم تكن ثمة إشارات صريحة أو مبطّنة توحي بالنهاية" (ص80)
ماتت نعمة فجأة، بعد أن استرضت ذات مساء، هوسها الدائم بتنظيف وتغيير الملاءات وأغطية الوسائد وبشاكير الحمام "لتستسلم بإرداتها الكاملة مع آذان الغروب لنوبةٍ قلبية، أكد الطبيب أنها أخف بكثير من نوبات سابقة ألّمت بها، وتموت على الكنبة أمام التلفزيون" (ص 80)
لعل القارىء يتوقف طويلاً عند العلاقة الملتبسة بين الأب رمزي والابنة سمر
"في الليل، نامت بقربه. آخر مرة نامت إلى جواره كانت في الثالثة عشرة. مرت خمس سنوات على ليلتهما الأخيرة" (ص 84)
"كانت أول ليلة لها تنام فيها امرأة، بيولوجياً، وأدرك أنها كانت ستكون آخر ليلة، وهو ما أدركته أيضاً نعمة التي ابتهجتْ لمغادرة سمر سريرها الزوجي أخيراً
"كان سعيداً على غير المألوف. بلعتْ نعمة، التي أخلت لهما الفراش برجاءٍ حارٍ منه، غيظها. هي نزوة بعد خمس سنوات من هجره تلك العادة التي لطالما مقتتها علانية. هكذا أقنعتْ نفسها. دفنت سمر رأسها في صدره. داعب شعرها الولادي بكفه. ارتدت البيجامة الزرقاء السماوية المليئة بالدببة العسلية الصغيرة. كالعادة، كانت نصف أزرار الجاكيت على الأقل ليست في عراويها المخصصة لها. أعاد تزريرها لها. وحين ارتطمتْ يده، دون قصد منه، بانحناءات صدرها النائم إلى جواره قرصه حزنٌ خفي. لكنه كان سعيداً تلك الليلة بسمره التي في الثامنة عشرة، وبالولد المشاكس الذي تشاقى في جسدها بعد قصة "الجرسون"، غادرت فراشها وأتته كما كانت تأتيه زمان، في ليالٍ كثيرة، لتنام ملتصقة به" (ص 84)
والحقائقُ الخفية مرعبةٌ مثل ترابٍ بلا بيت
بعد أن تزوجت سمر وأصبحت أماً، أخذ يراها في حلم يشبه الكابوس "رآها عارية ممزقة الجسد، استلقت على الشارع بساقٍ واحدة وذراع واحدة. تدلّت من خاصرتها إحدى كليتيها. مدّت ذراعها الوحيدة نحو ثدييها اللذين استلقيا، كرتين منبعجتين، بعيداً عنها. أوشكتْ يدها أن تلامس أحدهما حين مرت فوقهما سيارة مسرعة، لتهرسهما. بدا سطح صدرها المنزوع الثديين كوجه مفقوء العينين" (ص79)..لكن المسافة بينهما، حالت دون اطمئنانه عليها، فقد كانت تقيم في الشارقة (الإمارات)، وهو يقيم في الزرقاء في الأردن

علاقةٌ أخرى غريبة نجدها بين كمال القاضي، في طفولته، وأمه رقية، إذ "في العصريات الكسول، كان يزحف تحت سريرها، ينتظرها تخرج من الحمام، يقطر الندى من جسدها، بشعرها المبلول ملتصق بظهرها، تنفضه في الهواء فينتثر ماؤه على صفحة المرآة، وقد تغمر وجهه الحار بضع نقاط باردة، تغافله وهو حابس أنفاسه تحت السرير، فيلعقها مُستبرداً، لكنه لا يتحرك، كما لا يتنفس، كي لا يُباغت عريها المفروش في خياله، فينتفض عندئذٍ متبدداً" (ص 105)
"كان يختبىء تحت سرير رُقيّة الزنبركي العريض، مأخوذاً بجسدها المُغطّى بغبار الماء حين تخرج من الحمام دون منشفة تُعانق عريها الفوّاح، يطلع الدخان من كتفيها الساخنتين، كما يشتعل ظهرها، الذي تبدو علامات الفرك بالليفة الخشنة جليّة عليه، باحمرار متوهّج" (ص 101)
وحده النبيذ يقاوم الغرق في الثلج
أما كيف انتهى الأصدقاء، فأربعة منهم في الإمارات، يعملون في الصحافة، في هذا البلد الذي تقيم فيه الروائية حزامة حبايب
"أصل الهوى" رواية تؤكد لك أن قوة الرجل أنه يتحول في حضن أو رحم المرأة إلى وردة

أما نقطة ضعفه فهي أنه لا يعرف أنه سيذبل يوماً في هذا الإناء

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

24 التعليقات على "كتاب الرغبة (18): الفلسطيني التائه"

أكتب تعليقا