كتاب الرغبة (17): سِحر اللعب

| |





"أن نخترع يعني في الحقيقة أن نتذكّر"
جيرار دو نيرفال (1808-1855)

النساء حُبلى بالحكايات، والحكايات حُبلى بالنساء

هذا على الأقل ما تشعرُ به حين تفرغُ من قراءة رواية اللبنانية علويّة صبح "مريم الحكايا" (دار الآداب، بيروت، ط2، 2004)

إنها روايةٌ عن مثلث متساوي الأضلاع، وربما يكون متساوي السيقان: مريم، ابتسام، وعلوية صبح نفسها
علوية صبح في الرواية هي الغائب الحاضر: شخصية ضائعة، تبني الحكايات ثم تهدمها، وهي في الحالتين تجيد لعبة التجريب الروائي، ترسم الأحداث ثم تشطبها، تحكيها ثم تتبرأ منها أو تشكك في وقوعها أصلاً
الأكيد أنه ليس للحياة إلا سحرٌ حقيقي واحد: سحر اللعب
بل إن علوية تذهب أبعد من ذلك، فتشير في الصفحات الأولى من الرواية إلى أن المخطوطة وقعت في الماء، ولم يبق منها "سوى آثار حبر ممرّغ لحروف ضائعة ولكلمات تاهت في الماء والوحل على الأوراق التي بعثرتها الرياح على امتداد الشارع كله" (ص18)
وحدهما "المطر والرياح أكملا نهاية الرواية" (ص18)
تغدو "مريم الحكايا" رواية جيل ضائع في بيروت الحرب
وتحت جحيم القصف، تتداعى الأحلام وتتناسل خيبات الأمل: مريم الراوية تعود إلى أمين بعد خمسة وعشرين عاماً لتتزوّج منه وتهاجر إلى كندا, ابتسام تجهض روحها الثائرة وتخضع لزواج تقليدي, ياسمين الفتاة الثورية والمتحررة تتحجب وتصبح غريبة عن المدينة, زهير الطبيب الذي حاول أن يكون كاتباً مسرحياً يختفي بشكل غامض, كريم زميل مريم في كلية الحقوق يصبح طائفياً وينادي بـ(العِرق) والقرابة
ما من شخصية في "مريم الحكايا" تفلتُ من التحوّل أو تنجو من التشوه
بذكاء شديد، تدفع علوية صبح بطلتها مريم إلى الضوء وتقبع هي في الظلّ، ربما حتى تتحرّر من أسر السيرة الذاتية في رواية تتحدث عن نساء يُلبسن جوع أحلامهن بالحكايات
تبدو علوية صبح كأنها ترى في شخصيات روايتها جزءاً من صورتها، فيما الحقيقة تتدلى من أرجوحة الشك: "صدّقتهم وكذّبت نفسي بعدما كادوا يصيبونني بالجنون لإقناعي بأنهم أبطالٌ في كتابي، وبأنني لست سوى بطلة هامشية فيه" (ص301)
فهي تكتب رواية مشتركة مع ذاتها الثانية (زهير) وذاتها الثالثة (مريم) لكنها تظل محجوبة عن الأنظار، شخصية غريبة غامضة، تائهة في البحث عن الرواية نفسها ولا تعثر عليها
"تغير النقاط والحروف والفواصل والواوات لتعثر على ذكرياتها ووجهها بين الوجوه والذكريات، ليصير لها اسم ووجه وذكريات (...) لتعثر على جواب. لمست يدها اليسرى، التي تكتب بها، فأحسّت بحرارتها، ولكنها لم تتأكد من شيء. لم تتأكد من شيء"
وحين تقرأ الرواية لا تشغل بالك بما هو حقيقي وما هو زائف، فالأهم هو أنك الآن تدخل عالماً سحرياً وغرفاً مليئة بالمرايا، التي لا تعكس شيئاً
تعلن الراوية مريم في مستهلّ الرواية: "المسألة انتهت بالنسبة إليّ" (ص 5). أما الختام فينتهي في الشكّ: "لم تتأكد من شيء" (ص 426)
من هنا تُولد الأسئلة الوجودية: "هل كانت أمي تخترع الحكايات لتصدّقها، وهل علوية تخترع نهاية القصة لتصدقها؟" (...) "كل العتبات تفضي إلى أسرار تخيف أمي. كل انتقال أو تغيير يعني وصولاً إلى مجهول يخيف" (...) "بئر كانت تبتلعني وتهوي بي إلى أسرارها المغلقة، فابتلع ماء موتي وابتلع الفراغ داخل عظام جمجمتي" (...) "لا. أنا متأكدة أنها لم تمت قبل عام 86 على الأقل، فأنا قرأت لها آنذاك كتابها "نوم الأيام" الذي صدر في ذلك العام" (...) "لا أدري ما الذي مات فيها حتى انقطعت عن الكتابة، ولا أدري ما الذي بدّلها وغيّرها" (ص 14)
تبدأ مريم سرد وقائع ما جرى، وهي تتساءلُ عن مصير تلك الحكايات التي رواها الجميع لعلويّة صبح قائلة: "أذهبُ إلى المكتبات كلما سمعت بأن رواية جديدة صدرت. أتفّصى بعينيّ عناوين الروايات وأسماء المؤلفين، فلا أعثر لا على اسمها ولا على حكاياتنا. بل وأحياناً أشتريها كلها، موهمةً نفسي أنها ربما كتبت روايتنا باسم مستعار. ولكن ما إن أبدأ القراءة حتى أتأكد من اختفائها واختفاء قصتنا" (ص 6)
غرفة الاعترافات لم تكن سوى غرفة مريم
"كانت غرفتي ملجأً لحكاياتهن وأسرارهن. أستقبلهن فيها ويتوزعن جلوساً على الأرض وعلى الصوفا التي ما زالت تبدو حتى الآن حرائق سجائرهن عليها بقعاً صغيرة دوائرها سود. أغلي لهن القهوة في الركوة الكبيرة الحجم، وتتصاعد الحكايات من أفواههن بحرارةٍ أعلى بالتأكيد من حرارة البخار الذي يتصاعد من الركوة. كنا نحتاج أن نحكي لبعضنا كل شيء، حتى عن حميمياتنا. تحتاج الواحدة أن تحكي بحضرتهن، لتكون الأخريات مرايا تكتشف فيهنّ وجوهها ووجوه الآخرين" (ص 9)
تحكي الراوية عن الأم بطريقة فريدة، فهي تتحدثُ عن أمّها التي "كانت دوماً ذلك الكائن الغامض، نبع أمومي أجهل ماءه" (ص 76-77). سنعرف أن "كل العتبات تفضي إلى أسرار تخيف أمي. كل انتقال أو تغيير يعني وصولاً إلى مجهول يخيف" (ص 27)
هذه الأم تعيش في عالمها الذي تتقيد بتعاليمه وتقاليده وطقوسه. "كانت أمي تحتفظ بشهادات عذرية كل بناتها المتزوجات في خزانتها. آثار دماء عذريتهن كانت تحفظها في صندوقٍ خشبي كي تُسكّت بها كل من يحاول أن يطال شرف بناتها، ولو بعد سنوات طويلة من الزواج" ( ص 214)

أمّ مريم تمثّل شريحة تعرضت للظلم الذكوري، ويتمثّل ذلك بزواج "الغصيبة" الذي أحالَ حياة أم مريم إلى حياةٍ ملؤها الظلم والجهل والرغبة في الانتقام من العم الذي أرغمها على الزواج وعمرها لا يتجاوز أحد عشر عاماً
هذا القهر الجنسي وتلك السطوة التي يمارسها الذكر تتكرر في علاقة أبو طلال وأم طلال, وأبو يوسف وزوجته, وعباس ومريم, وابتسام وجلال. أمثلة لا تنتهي على استقواء الرجل على أنثاه
تقول مريم إن عباس "كان يعشقُ ضعفي ليعيش إحساسه بقوته (...) أحب الحاجة إليّ ليرسم صورته التي يريدها لنفسه بعيني" (ص 36). وفي موضعٍ آخر، تقول عن علاقتهما: "كنتُ أحياناً أضيعُ في الصورة التي يريدُها لنفسه في عينيه وفي عينيّ" (ص 322)
إنها اعترافاتُ امرأة، حين تفجأها سورة العشق والشهوة الراعفة

وحين تموتُ أم يوسف يموتُ زوجها بعدها بشهور, وتبرير ذلك في الرواية "لأنه كانت شبشبته ونشاطه جايين من جبروته عليها.. يفقع قلبها من القهر ليحس حاله إنه سبع البرمبا. ولما ماتت فرط المشحر وحس إنه ما بيسوا خرية مرمية بعين الشمس" (ص 256)
غير أن البطلة في الرواية تحاول أن تتمرد، لتكون امرأة و"لستُ ظلاً لحائط جسدي". وهي تملك ذاكرة تداوي جراح القهر في الفراش، وتربتُ بحنان على مأساة فقد الأجنة، وتطلقُ ألعاباً نارية فرحاً بالحب ونشوة نداءات الجسد، وتندبُ حظ من يذهبن للقبر وحيدات
كأن علوية صبح في هذه الرواية عن العُمر المسروق وبتلك الجرأة الكاشفة، تبغي أن تعيش حياتها الضائعة
وهي تبوح حتى الاختناق والهذيان وفقدان البوصلة والذات
الراوية مريم, تصور بدقة تفاصيل علاقاتها الحميمة مع كل من علي ومصطفى وعباس
تحكي عن بدء علاقتها الجسدية مع عباس فتقول: "حين اقتربتُ ووقفتُ إلى جانبه لأسكبَ له القهوة في فنجانه بعدما فرغ، رفع رأسه المُنكس أمام الطاولة وصار ينظر إلى السقف وهو يمد يده لملامسة دفء ما بين فخذيّ
"يده تمتد وتلامس فضاء جسدي المغلق وتفتح فضاءات جديدة دون أن ينظر إلى ما يلامسه. يتطلع إلى السقف كأنه لا يريد أن يرى ما يفعله، فضاءات بلا سقف جلديّ تحت يده
"عرق دبق كان ينزّ من داخلي ويخرج من فراغات جسدي ومسامه، ويلتصق به لزجاً كأنه ليس عرقاً عادياً. بيدي أمسح العرق عن وجهي ورقبتي وظاهر زندي نزولاً إلى معصمي، لكنه كان يشبه الزيت، يلتصق سائله الكثيف الجامد بيدي، ساداً فراغات جسمي كلها بزيت خيّل إلي أنه زيت الخوف من الموت أو ربما كان زيت الموت
"وحين امتدت يد عباس لتلعب بما فيّ وكأنه يلعب بساقيّ دمية، استهوتني اللعبة كما لو أنني أريد أن العبها. طوال حياتي لم ألعب، ولم أعد أطلب الكثير. في تلك اللحظة لم أفكر بالطبع بكل هذه الأشياء، لكن مناخاتها في هواء أنفي كانت تدفعني للّعب بجسدي كما كنا نلعب بموت المدينة..
"لا شيء غير اللعب للهروب من الموت
"حين مد يده إليّ، حولّت حرارة يده الزيت إلى ماء يتساقط على الأرض. ماء لا يشبه ماء الآبار، وغنما ماء بحار مفتوحة على فضاء السماء العالي إلى ما فوق السقف الذي ينظر إليه عباس. بصمت، يمسِّدُ فخذيّ فتتحرك رجلاه كأنما تريدان تعلم المشي من جديد. تخيّلته قبالتي يمد يديه إليّ كي يتلقاني بهما ولا أقع أرضاً
"لكن عباس لم يتخيل ذلك
"كان يشعر لحظة دخوله بي أن عضوه يخترق بئر ما بين فخذيّ. يهبط إلى قاعه الذي لا قاع له، مع وصوله للرعشة. لكنه حين يزم ويرتخي بعد الوصول، يكتشف خوفه من الأسرار المجهولة في اختراق الفراغ والموت. وحين يعود ويطفو هامداً فوق مائه، يبتلع خوفه من أن يخرج من بئري ومنّي، وخوفه أيضاً ألا يخرج أبداً
"لا شيء غير اللعب للهروب من الموت" (ص 34-35)
هزة الجماع، ذروة.. واليأس أيضاً. أحدهما يدوم لحظة، والثاني يدوم حياة
وفي لعبة الرغبة، نرى الأشياء بالصورة التي نريدها، لا بالشكل الذي تكون عليه فعلاً
في علاقة مريم بعباس "يضحك وأضحك وتنفرج أسارير وجهه في اللحظة التي ينتصب فيها عضوه، فرحاً بسلطته عليّ وفرحاً بامتداد عضوه ليحتل مساحة أكبر في الدنيا
"أراه جميلاً في عينيّ فنبتسم، ونحن نحكي
"نتعرّى أمام العري أكثر، ونكتشف الجمال في الأشياء القبيحة فينا، بل لا نرى ولا نشمّ الرغبة إلا في ما يسمى بالعيوب الجمالية فينا، لتصير الثغرات فينا بؤرة شهواتنا
"يقبّل الشامة السوداء الكبيرة المزعجة في رقبتي أكثر مما يقبّل الأشياء الجميلة بي، يقبّل أسناني المدفوشة إلى الأمام ويقول لي:
- يا الله ما أحلاهن. أوعي شي يوم يخطر ببالك تروحي تجلّسيهن وتحطّي جسر، بتتبشعي بنظري
"يقبّل ركبتيّ المقوستين كما لو أنهما لوحان من الشوكولا والسعادة
"وتحلو عيوبه الجمالية في نظري وتتوهّج لذة. أقبّل النتوءات اللحمية في ظهره وأقول له:
- يا لطيف ما أحلاهن" ( ص 320-321)
هكذا يتيه الجسدان اللهوفان في غابة من رماد الكلام
والجنس ليس ممارسة فقط. إنه كلماتٌ تمهد بفن المراوغة والمراودة ونظرات تغوص من أجل الدُرة المقفلة في محارة موت طويل, وكبت عريق
وفي "مريم الحكايا" نقرأ ونضحك ونندهش مع عبارة "بلا معنى"
العبارة التي تستعملها بعض النساء حتى لا يفهم من كلامهن أية دلالات جنسية, تبدو هنا لغة جنسية مكشوفة. فنبيهة التي سيتزوجها أبو يوسف "زواج متعة" قادته إلى هذا الزواج بكلام مليء بعبارات "بلا معنى", فهي تقول له وهي تطلب منه كيلو من اللحم "إنت بتعرف اللحمة الطرية وين بتكون, بلا معنى. المهم تفوت سكينك محل الهبرة الطرية وتشيل شقفة منها لأنبسط بأكلها, بلا معنى" (ص 243). ثم تكشف الرواية عن نظرة نبيهة إلى الجنس, بلغة مكشوفة, حين تجعلها تمارسه مع "كميل الأخوت"بعد أن تحممه وتهيئه لنفسها (ص 247 و 248)
وتتوقف مريم عند الحوار بين أمها والولد "السمكري"الذي يقوم بإصلاح عُطلٍ في "البيديه", ويحتشد كلامهما بـ"بلا معنى" هذه، من عينة:
"- بس يا حجّة هيدا ما فيني فوّته بهيدي لأنه البخش لازم يكون أكبر، بلا معنى
- بلا معنى يا زلمة شوف كيف بتدبره
- إذا هيدا الذكر ما فات بالأنثى ما بيجي مضبوط وبتصير الميّ تنز من النبريش لبرّا بلا معنى
- يعني كيف فيك تدخله لجوّا بلا معنى
- إذا ما جبت نبريش حديد جديد بظبّط لك القديم، بس بيصير بدي وقّفه طلوع ليفوت فيه، بلا معنى" (ص 45)
والحوار الذي "بلا معنى" يستدعي ذكرى استثارة أخرى
"وأنا رائحتي بين فخذيّ تغيرت في المدة الأخيرة، صارت رائحتي من تحت نظيفة، خفيفة، مثل رائحة الهواء النظيف، بعد أن خفّت هرموناتي. أحياناً حين أشتمُّ إصبعي بعد ممارستي العادة السرية، أحس وكأنني أشتمُّ جلداً نظيفاً بلا رائحة
"لم يعد لكيلوتي تلك الرائحة التي لا أدري إذا كانت السبب الذي جعل السنكري حين دخل ذات يوم حمّامنا لإصلاح عطل في "البيديه"، يقوم بتصليح ذلك العطل مغلقاً باب الحمام على نفسه على نفسه
"هل كان السبب رائحة الكيلوت أم مشهده المتسخ على الأرض، أم اللغة التي دارت بينه وبين أمي؟" (ص 44)
وحين كانت مريم تلتقي صديقها عباس كل أحد، أيام الحرب، كان لا يكف عن شمها كما تشمشم القطة المولودة أمها. "لم أكن أفهم لماذا كان عباس يحب أن يشم كالقطط، إلى أن حكى لي مرة أنه لا يحب رائحة الكيلوت النظيف الذي تفوح منه رائحة الصابون. رائحة المواد العضوية هي التي تثيره، وليس رائحة "الكاميه" أو أي صابون آخر" (ص 47)
مريم تتحدثُ عن أول لقاء جسدي مع صديقها مصطفى فتقول: "كانت المرة الأولى التي أتعرى فيها أمام رجل
"لون جسدي المغبر، كأنني أراه للمرة الأولى. كأن غيوماً بيضاء كثيفة تتجمع حوله، وتنزاح لينقشع أمامي ويصير جسدي في لحظة التعري الأولى أمام عيون الرجل وكأنه سقط فجأة من السماء وصار حقيقة أمامي، فيما قبل تلك اللحظة لم أكن أحسبه موجوداً
"وحين بدأ يمرر شفتيه على جسدي كنتُ كأني أعثر فجأة عليه وعلى زوايا واستدارات ونتوءات وهضاب لم أنتبه إليها من قبل. لكن هذا الاكتشاف لجسدي بفمه الغريب وعينيه ويديه الغريبتين كان يولِّد فيّ بالمقابل إحساساً بالأذية من مصطفى والغربة عن جسدي
"أعاد مصطفى غربة جسدي إليّ وهو يعرّيه ليصير أمامي مجرد قطعة من لحم، وليس جسداً" (ص 56)
ها هي تستسلمُ بوجعٍ رَخوٍ لعناقٍ حميمي مُهلِك
وفي لحظات الفضول الساذج نتفرس كل ما يصل إلى حواسنا، ربما ننجح في الاستسلام للغرام
لكننا مازلنا نحب على أية حال، وهذه الـ"على أية حال" تغطي ما لا نهاية

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

8 التعليقات على "كتاب الرغبة (17): سِحر اللعب"

أكتب تعليقا