البحث عن وزير (1): لوبي هندسة القاهرة

| |






من حقك أن تتساءل عن اختيار الوزراء: كيف ومن ولماذا؟
هذه التساؤلات تفرضها المفاجآت التي تصيب كثيرين كلما جرى الإعلان عن تشكيل حكومة جديدة أو تعديل وزاري ما، لأنه في كلتا الحالتين تبرز على السطح أسماء جديدة قد تكون مجهولة بالنسبة إلى الجميع - حتى من يفترض أنهم يتابعون عن كثب التطورات المختلفة- أو قد تكون تلك الأسماء مثار جدل أو محل تحفظ لسببٍ أو لآخر
ولأن من حقنا أن نعرف إجابة شافية عن مثل هذه التساؤلات، فإن مصدرنا الوحيد في الإجابة حتى الآن، في ظل تراجع دور المواطن المصري في عملية صنع القرار -أو ضعف دوره لكي لا يغضب أحد- هو استقراء التاريخ ومراجعة الأحداث
وعملية البحث عن وزير تخضع لمجموعة من الاعتبارات سواء أكانت شخصية -هل نقول الاستلطاف؟- أو أمنية -التحقق من شخصية المرشح للوزارة من خلال الأجهزة الأمنية المعنية- أو سياسية أو اقتصادية - النشاط الواضح للمرشح، أو إمكان الاستفادة من خبراته في هذا الموقع للحاجة إلى مثل هذه الخبرات- وما إلى ذلك
ولكي نوضح ما نعنيه يمكن أن نشير إلى وقائع ربما تكون مفيدة في الكشف عن كيفية اختيار الوزراء في مصر
ولنبدأ من خط النهاية
ففي أحدث تعديل وزاري، ارتفعت أسهم هندسة القاهرة والمجلس القومي للطفولة والأمومة


وخروجاً على التقاليد التي جرت عند اختيار وزير الري طوال السنوات الماضية، جاء د. أحمد نظيف في 11 مارس آذار 2009 بوزير من خارج الوزارة، وهو د. محمد نصر الدين علام ابن هندسة القاهرة وأستاذ هندسة شبكات الري.. حيث اعتاد العاملون في الوزارة وقياداتها على تعيين وزير من داخل الوزارة وهو ما حدث مع د. عصام راضي ود. عبد الهادي راضي وأخيراً د. محمود أبو زيد
ونصر الدين أستاذ بهندسة القاهرة، التي تخرج فيها نظيف، وتردد أنهما ابنا دفعة واحدة. ومجموعة هندسة القاهرة باتت تشكل أبرز لوبي داخل الحكومة، حيث تضم د. نظيف ود. طارق كامل وزير الاتصالات ود. أحمد درويش وزير التنمية الإدارية ود. هاني هلال وزير التعليم العالي.. وبانضمام الوزير د. محمد نصر الدين علام وصل عدد أعضاء هذا اللوبي إلى 5 بينهم رئيس الوزراء
ويرجع اختيار د. نظيف للوزير الجديد إلى أنه من مجموعة هندسة القاهرة التي يرعاها، إلى جانب أنه متخصص في شبكات الري، وهو ما يناسب المشروع الجديد الذي يسعى رئيس الوزراء إلى تنفيذه وذلك بتحويل الري في أراضي الدلتا إلى الري بالتنقيط، بهدف إضافة 3 ملايين فدان إلى الرقعة الزراعية
ومن المجلس القومي للطفولة والأمومة الذي كانت تشغل منصب أمينه العام، جاءت مشيرة خطاب لتصبح وزيرة للأسرة والسكان في التغيير الوزاري المحدود الذي أتى بوزير الري د. محمد نصر الدين علام
مشيرة خطاب التي يرى البعض أنها تستمد قوتها من قربها من قرينة الرئيس المصري سوزان مبارك، لها حكاية مع الوزارة تعود إلى بضع سنوات. فقد كانت مرشحة لتولي وزارة الدولة للشؤون الخارجية في حكومة د. نظيف الأولى التي تشكلت في يوليو تموز 2004، غير أن وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط طلب بضم اختصاصات وزارة الشؤون الخارجية إلى وزارته، الأمر الذي أدى الى اتخاذ قرار إلغاء الوزارة برمتها. كما بذلت مشيرة خطاب جهوداً مكثفة بهدف ضم شقيقتها د. مديحة خطاب إلى الوزارة وذلك في التعديل الذي أجراه د. نظيف وجاء بحاتم الجبلي وزير الصحة في ديسمبر كانون أول 2005. وقتها استقبل د. نظيف ما يقرب من 8 شخصيات مرشحة لتولي المنصب وكان بينهم د. مديحة، إلا أن الأمر استقر في النهاية على د. الجبلي
ومنذ ذلك الحين بدأت مشيرة في التخطيط للوصول إلى كرسي الوزارة.. وكان كل هدفها هو تحقيق الحلم الذي كان وشيكاً معها ومع شقيقتها مديحة. ونجحت مشيرة في الوصول إلى كرسي الوزارة حتى لو كانت وزارة دولة ووزارة "فك وتركيب"
وقبل ذلك، هبت على الحكومة رياح رجال الأعمال

فعلى سبيل المثال، فإن حكومة د. نظيف الثانية ضمت كلاً من وزير السياحة زهير جرانة الذي يمتلك وأسرته شركة سياحة كبرى ومجموعة من الفنادق، ووزير النقل محمد لطفي منصور وهو وكيل عدة شركات أبرزها "جنرال موتورز" في مصر، ووزير الصحة حاتم الجبلي الذي يمتلك أكبر المستشفيات الاستثمارية في مصر "دار الفؤاد"، ووزير الزراعة أمين أباظة الذي يعد من أبرز مصدري القطن المصري، وظل رئيساً لاتحاد مصدري القطن حتى عام 2005
وفضلاً عن كونهم من رجال الأعمال البارزين، فإنهم أبناء أسر مصرية معروفة، كما أن بعضاً منهم أبناء لوزراء سابقين‏، فمثلاً وزير السياحة زهير جرانة، هو حفيد زهير جرانة باشا الوزير سابقاً في عهد الملك فاروق، ووزير الصحة حاتم الجبلي، هو ابن وزير الزراعة الأسبق مصطفى الجبلي، وأمين أباظة وزير الزراعة‏، هو سليل "الأسرة الأباظية" الشهيرة التي قدمت شخصيات مرموقة في السياسة والفن والأدب وهكذا ضمت حكومة د. نظيف الثانية أبناء ثماني عائلات عريقة، تأتي في مقدمتها عائلات أباظة ومحيي الدين (د. محمود محيي الدين وزير الاستثمار) وغالي (د. يوسف بطرس غالي وزير المالية)

وانضم هؤلاء إلى وزيري الصناعة والتجارة (رشيد محمد رشيد) والإسكان (أحمد المغربي) والذي كان مسؤولاً عن حقيبة السياحة في التشكيل السابق. إذ شغل رشيد قبل دخوله الوزارة منصب المدير المسؤول عن منطقة الشرق الأوسط وآسيا وشمال إفريقيا في شركة يونيليفر العالمية التي تعمل في مجال الصناعات الغذائية والمنظفات
أما المغربي، الرئيس السابق لاتحاد الغرف السياحية، فقد وقع اختيار د. نظيف عليه لشغل منصب وزير السياحة في حكومته الأولى بعد تردد بسبب جنسيته المزدوجة، حيث يحمل الجنسيتين السعودية والمصرية. وفي حكومة د. نظيف الثانية اختير المغربي وزيراً للإسكان

وفي ظل تشابك المصالح وشبكة المصاهرة والقرابة، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد الحديث عن رجال أعمال في مواقع السلطة

نتوقف هنا قليلاً لنشير إلى زواج ابنة رشيد محمد رشيد في عام 2006 من أمين، نجل رجل الأعمال السعودي البارز عاكف المغربي، وهو بالمناسبة شقيق المهندس أحمد المغربي. ولا يفوتنا أن نشير إلى أن المغربي هو ابن خالة محمد لطفي منصور وزير النقل، وأن الأمر لا يقتصر على صلة القرابة، وإنما تجاوزه ليصل إلى الشراكة في الكيان الضخم "المنصور والمغربي"، الذي يجمع سلسلة شركات في مجالات كثيرة

وهكذا تصبح السلطة شركة عائلية بامتياز

ويمكن القول إن اختيار الوزراء في مصر يخضع لعوامل مختلفة ويأتي من مصادر متباينة، فقد اختير وزراء من الرجال الثواني في وزاراتهم، مثلما حدث مع د. طارق كامل وزير الاتصالات والمعلومات في حكومة نظيف. إذ كان د. كامل الأقرب للدكتور نظيف - قبل توليه رئاسة الوزارة- بين مستشاريه، وهو رجل المهام الصعبة، ودائماً ما كان يكلفه د. نظيف حينما كان وزيراً للاتصالات والمعلومات للمشاركة في المؤتمرات والمحافل الدولية نيابة عنه

د. كمال الجنزوري كان مديراً لمعهد التخطيط القومي قبل أن يصبح وزيراً للتخطيط في حكومة فؤاد محيي الدين الأولى. وصفوت الشريف كان رئيساً لاتحاد الإذاعة والتليفزيون قبل أن يصبح وزيراً للإعلام من ١٩٨٣ وحتى ٢٠٠٤، وحسن أبو باشا كان الرجل الأبرز في وزارة الداخلية بعد الوزير الشهير النبوي إسماعيل، فأصبح وزيراً للداخلية
بعد ثلاثة أشهر تكرر الأسلوب نفسه، فاختير الشيخ إبراهيم الدسوقي أقدم وكلاء وزارة الأوقاف ليصبح وزيراً للأوقاف. وفي يوليو تموز 1984 اختير رئيس هيئة البترول عبد الهادي قنديل ليكون وزيراً للبترول، واختير أحمد رشدي للداخلية

كذلك في مارس آذار 1985 أصبح د. سلطان أبو علي - نائب رئيس هيئة الاستثمار والشخص الثاني بروتوكولياً في وزارة الاقتصاد- لحقيبة الاقتصاد، وهو الوزير الذي نال فيما بعد جائزة "الملعقة الخشبية" الدولية التي تمنح لأسوأ وزير اقتصاد في العالم!
وفي سبتمبر أيلول 1985 أصبح منصور حسين نائب وزير التربية والتعليم وزيراً للتربية، وفي 20 مايو أيار 1991 جاء حمدي البنبي وزيراً للبترول، وكان قد تولى قبل الوزارة رئاسة الهيئة المصرية العامة للبترول لمدة ثلاث سنوات. وبشكل عام، فإن عدداً من وزراء البترول في مصر كانوا من أبرز رجالات الوزارة قبل أن تُسنَد إليهم حقيبة البترول. ومن هؤلاء المهندس علي والي، الذي شغل منصب أول رئيس لمجلس إدارة المؤسسة المصرية العامة للبترول في عام 1968، قبل أن يتم تعيينه وزير دولة لشؤون البترول والثروة المعدنية في مايو أيار 1971

المهندس أحمد عز الدين هلال، شغل منصب رئيس المؤسسة العامة للبترول للتكرير (هيئة البترول حالياً) في 4 أكتوبر تشرين أول 1971، قبل أن يتولى أول وزارة مستقلة للبترول في مصر في أواخر مارس آذار 1973أما الكيميائي عبد الهادي قنديل، فقد تم تعيينه رئيساً لهيئة البترول في أكتوبر تشرين أول 1980 واستمر في الاحتفاظ برئاسته للهيئة بعد أن عين وزيراً للبترول في عام 1984 وحتى مايو أيار 1991
وفي يناير كانون ثانٍ 1996 اختير ظافر البشري - نائب د. الجنزوري- ليصبح وزير الدولة للتخطيط قبل الأخير. وفي نوفمبر تشرين ثانٍ 1997 كان حبيب العادلي تطبيقاً آخر لقاعدة الرجل الثاني، إذ اختير وزيراً للداخلية بعد استبعاد الوزير حسن الألفي. الأمر نفسه تكرر مع د. مختار خطاب الذي اختير ضمن حكومة د. عاطف عبيد في أكتوبر تشرين أول 1999

غير أن كبار التكنوقراط في الوزارات كان لهم نصيبٌ أيضاً في تذوق طعم المنصب الوزاري
وهؤلاء لم يشغلوا موقع الرجل الثاني في الوزارة على وجه التحديد، لكن قطار المنصب الوزاري توقف عند محطتهم. ومن الأسماء التي تضمها تلك القائمة وأوردها د. محمد الجوادي في عدد من كتبه وأبرزها "البنيان الوزاري في مصر (1878-2000)" نجد وزيري الأشغال د. محمود أبوزيد ود. عبد الهادي راضي، ووزير الصحة د. محمد راغب دويدار، والأخير كان يشغل منصب رئيس هيئة التأمين الصحي قبل توليه الوزارة
أما د. عبد الهادي راضي، الذي عمل مديراً فنياً لمكاتب ثلاثة من وزراء الأشغال السابقين هم عبد العظيم أبو العطا وعبد الهادي سماحة وعصام راضي، فقد أبلغته رئاسة الجمهورية بضرورة عدم مغادرة البلاد لمدة خمسة أيام. وأثناء تشكيل د. الجنزوري للحكومة في مطلع يناير كانون ثانٍ 1996 قال للوزير د. راضي: أنت الوحيد الذي لم نختر له بديلاً، بل لم نفكر في بديل لك لثقتنا فيك
وبعد وفاة د. عبد الهادي راضي إثر معاناة طويلة مع المرض، اختير د. محمود أبو زيد ليخلفه في المنصب. ود. أبو زيد واحد من أبرز العلماء على المستوى الدولي في مجال بحوث المياه والسياسات المائية، وكان يشغل قبل دخوله الوزارة منصب رئيس المركز القومي للبحوث المائية، واختاره د. كمال الجنزوري للمنصب في 8 يوليو تموز 1997. وكان من مقومات اختياره دراسة أعدها حول مشروع توشكى الذي تبناه الجنزوري
عنصر المفاجأة هو السمة الأساسية في اختيار الرئيس المصري حسني مبارك لرؤساء الحكومات، وهو ما حدث مثلاً مع د. علي لطفي (1985)، وتجسد في اختيار د. عاطف صدقي (1986) إذ ظل اسمه سراً لا يعلمه أحد حتى لحظة الإعلان عنه رسمياً، وبقي بعيداً حينئذ عن دائرة التوقعات، ثم تكرر الأمر مع د. كمال الجنزوري (1996)، وأخيراً د.عاطف عبيد (1999) أو "البيه عاطف الصغير" كما كان يصوره كاريكاتير كفر الهنادوة في جريدة "أخبار اليوم"، على اعتبار أن د. صدقي هو "البيه عاطف الكبير". وفوجىء كثيرون باختيار وزير الاتصالات والمعلومات د. أحمد نظيف (2004) رئيساً للحكومة، إذ كانت التوقعات تصب في خانة اختيار وزير اقتصادي قبل أن تؤول رئاسة الحكومة إلى رجل تكنولوجيا المعلومات
بعيداً عن المفاجآت، يلجأ مبارك إلى طريقة أخرى لاختيار الوزراء

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "البحث عن وزير (1): لوبي هندسة القاهرة"

أكتب تعليقا