فتوات تحت الطلب (1): أولنا الخليفة

| |




ربما حان الوقت لكي تعرف حكاية الفتوة سكسكة
ولكن قبل أن نروي حكايتها، لا بد أن نلفت الانتباه إلى أن ظاهرة الفتوة والبلطجة لم تكن يوماً مقصورة على الرجل، فالعدوانية لا جنس لها، ونبتة العنف الجهنمية تساوي بين كثيرين
وفي ظل الفوضى، تطل أدوات الشر لتصبح من مستلزمات مشاجرات الشارع المصري، ليخرج علينا أنصار نظريةٍ قوامها: الفتوة تخويف وتأديب..والبلطجة ردع وتهذيب
نظرية عرجاء، بطلها الرئيسي هو المال ولغة المصالح الضيقة
ظهر مصطلح "الفتوة" في القرن الثاني الهجري، وظهرت جماعات الفتوة في بغداد مرتبطة بجماعات "الشطار" و"العيارين" أو قطاع الطرق المنظمين الذين عمدوا إلى سرقة الأغنياء لصالح الفقراء. وبدأ ذلك في القرن الثاني الهجري أيضاً
ولا بد من الإشارة إلى دور العيارين أو الفتيان في الحرب التي دارت في بغداد بين الأمين والمأمون، وانضموا إلى الأمين دفاعاً عن بغداد لا عن الأمين نفسه، وقد ذكر المسعودي بطولاتهم الفردية رغم نقص العتاد لديهم
غير أن المصطلح أخذ شكلاً جديداً مع ضعف السلطة في العصر العباسي الثاني، إذ انتشرت حركات الشطار والعيارين الذين كانوا يمثلون تكتلات شعبية لا تلتزم بنظام أخلاقي ولا بعرف اجتماعي تعيث في الأرض فساداً، حتى خطا الناصر لدين الله (575هـ - 622هـ) خطوة كبيرة عندما سعى إلى تنظيمها. وبذلك استمرت حركات الشطار والعيارين ضمن حركة واحدة هي حركة "الفتوة"، وكان يريد بذلك امتصاص الطاقة التي كانت مبعث شر وفساد وتحويلها لصالح المجتمع والدولة، فكانت "الفتوة" امتداداً لحركة الشطار والعيارين، ولكن ضمن إطار أخلاقي متين
وثمة أمر في حركة الفتوة يميزها عن حركة الشطار والعيارين وهو مشاركة الأكابر والأعيان فيها، إذ لم تقتصر على العامة، وذلك لأن الخليفة الناصر نفسه اعتبر رئيساً "للفتوة" سنة 604 هـ ( ابن الساعي، الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير، ص 223). وكان كثيراً ما يشتغل برمي البندق واللعب بالحسام المناسب، ويلبس سراويل الفتوة، وقد اعتبر ابن خلدون ذلك دليلاً على هرم الدولة وذهاب الملك عن أهلها (ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ج3، ق1، ص 1102). ولكن هناك من المؤرخين والباحثين من رأى أن الناصر بحركته الجديدة حاول أن يرجع للدولة شبابها ويعيد لها تماسكها إلى حد ما بعد أن فقدته مدة طويلة
وفي بداية نشوء الحركة لم يكن نظامها واضحاً، بل تبلور تدريجياً فلم تكن هناك شروط والتزامات منذ البداية، ولكن حدث أن اختصم أحد رفقاء فاخر العلوي - المقرب من الوزير الناصر بن مهدي - مع رفيق لعز الدين نجاح الشرابي، وصارت فتنة عظيمة بمحلة قطفتا، حتى تجالدوا بالسيوف، فلما علم الناصر بذلك أنكره وجمع رؤساء الأحزاب، وقرأ عليهم نظام الفتوة وشروط العضوية، وتقرر أن من يخالف ذلك تبطل فتوته ( ابن الساعي، الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير، ص 223). وقد تضمن نظام الفتوة الجديد (ابن الساعي، الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير، ص 223-255) ما يلي:
1- إذا ارتكب الرفيق جريمة القتل، فإن رفيقه يتبرأ منه في جمع من الفتيان، وبذلك يخرج عن دائرة الفتوة
2- إن كل فتىً يحوي قاتلاً ويخفيه ويساعده على أمره ويؤويه يتبرأ رئيسه منه
3- إن الفتى متى قتل فتىً من حزبه سقطت فتوته ووجب أن يؤخذ منه القصاص، فإن كان القتيل ليس من الفتيان، بل عوناً من الأعوان أو متعلقًا بديوان في بلد الإمام الناصر، فإن القاتل تسقط فتوته ويؤخذ القصاص منه
وبذلك أصبحت الفتوة حركة منظمة ذات قواعد قانونية وأسس أخلاقية، وقد طبق النظام الجديد زمن الناصر لدين الله، فعندما قام اثنان من الفتيان سنة 604هـ بقتل ابن حسان، وكان أحد النقباء بباب الشحنة أخذت سراويلات الفتوة منهما وقتلا (ابن الساعي، الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير، ص228 )
وانتشرت طوائف الفتوة العيارين ونظموا صفوفهم تنظيماً حربياً، فكان على كل عشرة منهم "عريف"، وعلى كل عشرة "عرفاء" "نقيب"، وعلى كل عشرة "نقباء" قائد، وعلى كل عشرة قواد "أمير"، وأصبح لهم زي حربي متميز وكانت لهم وقائع مع الدولة والشرطة
ومع تزايد الضعف العباسي، انضم إلى الفتوة كثيرون من أرباب الحرف وأصبح لطوائف الفتيان قضاة كان أشهرهم في بغداد يُدعى أبا الفاتك الديلمي، وقد حرص على أن يقدم للفتيان فتاوى ونصائح
ولكن يبدو أن حركة الفتوة فقدت حيويتها بعد الناصر لدين الله، وعادت حركة الشطار والعيارين إلى الظهور من جديد، فقد ترأس العندي - وكان من أولاد المماليك الناصرية - جمعاً كبيراً من الفتاك والعيارين، وخرج هؤلاء على طاعة الخليفة، فلاحقتهم السلطة وقتلت بعضهم، فتفرقوا، وسجن العندي، فلما تولى المستعصم وأطلق السجناء، كان من جملتهم العندي الذي عاد إلى الفساد، وقاد جمعاً من العيارين، فطلبه أيبك الحلبي شحنة بغداد، فهرب إلى همذان، وهناك قتله شحنة المدينة، وحمل رأسه إلى بغداد، فعلق بظاهر سوق الظفرية سنة 645هـ (ابن الساعي، الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير، ص 221-222)
وفي خلافة المستعصم نشطت حركة العيارين ببغداد، وساعدت ظروف المجتمع في هذه الفترة على ازدياد نشاط الشطار والعيارين واللصوص، وذلك بسبب الفتن المذهبية والطائفية الكثيرة، وظهور عصبية المحلات والمناطق بشكل قوي، وانشغال السلطة بإطفاء الفتن، مما أضعفها وأنهكها، فكان العيارون يعيثون ببغداد فساداً، يسرقون الأموال، وينهبون البيوت، وبلغت بهم الجرأة إلى مهاجمة دور الأمراء (ابن الفوطي، الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة, ص 254)
ومما يسترعي الانتباه أن المؤرخين لم يعطوا جماعات الفتوة حقها في التسجيل، وبعض مؤرخي الحوليات التاريخية منحوهم بعض السطور في الأحداث اليومية مثلما فعل ابن الجوزي في "المنتظم في تاريخ الملوك والأمم" وخلط بينهم وبين العيارين وقطاع الطرق، من دون أن يوضح الفارق بين قطاع الطرق العاديين وطوائف الفتوة. بل إن الشطار نالوا نصيباً أوفر من البحث والدراسة، ومن الكتب التي تحدثت عنهم باستفاضة كتاب "الشطار والعيارين..حكايات في التراث العربي، عالم المعرفة، الكويت، 1981)
وللدكتور حسين مؤنس كتاب مهم صدر قبل سنواتٍ بعيدة تحت عنوان "عصر الفتوات: عصر البطولة للمصريين أيام الاحتلال والوزراء والباشوات" (دار الرشاد للنشر والتوزيع، القاهرة، 1993) ، ربما كان أجمل ما فيه، هو ما تعرض له الكاتب بأسلوبه الأدبي الرفيع إلى الدور البارز الذي لعبه الفتوات في التصدي للحملة الفرنسية على مصر عام 1798، وكيف تلاحم هؤلاء الفتوات العظام مع صفوف الشعب المصري في التصدي للفرنسيين، وأظهروا مقاومة باسلة في ثورتي القاهرة الأولى والثانية
ويشير علي مبارك في خططه التوفيقية إلى أن نابوليون كان يضيق كثيراً بالشغب الذي يثيره هؤلاء الفتوات، الذين كان يطلق عليهم لقب "الحشاشين البطالين"، بل إنه كان في كثير من الأحوال وعندما يضيق به الأمر، يصدر منشوراته إلى طوائف الشعب يناشدهم فيها عدم سماع كلام هؤلاء الحشاشين. وكان بونابرت حينما بلغ بجيوشه منطقة إمبابة في طريقه إلى مصر، استنجد الأمراء المماليك بالعامة من الناس، بعد أن تخاذلت جنودهم، فخرج له "أولاد الحسينية" يتقدمهم الفتوات، ونازلوا الجيش الفرنسي بعصيهم فحصدتهم مدافعه حصداً
ويحفل تاريخ فتوات زمان بالعديد من الأسماء اللامعة، وبخاصة هؤلاء الذين عُرِفوا في أحيائهم بنصرة الضعيف ومساعدة المحتاج، والتصدي لظلم فتوات الأحياء الأخرى، ومن أبرزهم من أعلام فتوات الحسينية العطوف عتريس وحكورة، ومن أعلام حي الخليفة كم العرى - اسمه هكذا - والملط ويوسف بن ستهم، ومن أقطاب قلعة الكبش وطيلون بلحة والفولي، ومن أبطال حي السيدة، ممبوك وخليل بطيخة والإن - بكسر الألف - وإئة - اسمه هكذا- وكان الأخير ضريراً. يُضاف إلى هؤلاء محمود الحكيم فتوة حي الكحكيين بالقاهرة القديمة، وخليل بطيخة فتوة السيدة زينب، وعفيفي القرد فتوة حي بولاق أبو العلا، أما حي الدراسة فسيطر عليه المعلم حسن كسلة، كما سيطرت المعلمة عزيزة الفحلة وابنها محمد على حي المغربلين
وعلى يد فتوات مصر القديمة ظهرت فنون الخناق على تعبير أصحاب الشأن، وهو حسبما يقول عبد العزيز البشري في حديثٍ أذيع بالراديو في ديسمبر كانون ثانٍ من عام 1934، فن مصري قديم يكلف به أولاد البلد ويتباهون، إذ كان يعتبر ضرباً من الفروسية، والسعيد من يذهب له في الخناق صيتٌ وذكرٌ في البلد. وكان في كل حى من أحياء القاهرة فتواته، وكان لفتوات كل حي زعيمٌ هو المتقدم في البطولة عليهم، لا يُعصى أمره ولا يُخالَفُ حكمه، وهو الذي يدعوهم إلى الصراع ويدبر لهم الخطط، ويقودهم في المعارك الكبرى، فإذا كانت المعركة مما لا يرتفع إلى شأنه، عقد لواء السرية لمن يختاره ممن قبله من الفتوات
أما البلطجة فهي شيء آخر
حيث يؤكد سامح فرج مؤلف "معجم فرج للعامية المصرية والتعبيرات الشعبية للصناع والحرفيين في النصف الثاني من القرن العشرين" (الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2006) أن كلمة بلطجي تعني حامل البلطة باللغة التركية، وأنه في عهد الدولة العثمانية كان الجنود البلطجية – بمعنى حاملي البلطة - يتقدمون القوات الغازية يقطعون الأشجار بالبلطات ويشقون طريقاً أمام القوات المتقدمة وكان دورهم أيضاً عمل فتحات أو هدم أجزاء في جدران الحصون والقلاع حتى تقتحمها قوات المشاة ويضيف قائلاً: "ولم تكن كلمة بلطجي تحمل معاني سيئة، حتى أن أسماء البعض كانت مشابهة لها مثل (بلجه جي مصطفى باشا) الذي كان والياً على مصر قبل الدولة العثمانية 1752 - 1755، وفي عصر محمد علي والي مصر كانت قوات البلطجية موجودة في الجيش، ولكن في الثلث الأول من القرن العشرين أصبحت كلمة بلطجي صفة سيئة وتعني الشخص المستهتر الأقرب إلى الفتوات في الحياة الشعبية في فترات سابقة، حتى وصل الأمر إلى صدور قانون في السنوات القليلة الماضية "لمكافحة أعمال البلطجة وترويع الآمنين" لتصبح كلمة البلطجي في نهاية الأمر مرادفاً للمجرم"
البلطة التي كانت أداة من أدوات الحرب تحولت الآن إلى أداة تخويف وترويع للآمنين بتعدد أشكالها من مطواة قرن غزال إلى "سنجة" وسيف وخنجر ثم أسلحة نارية مروراً بأسلحة ماء النار الحارق ثم البخاخات المخدرة، فضلاً عن العض والردح، وهي أدوات البلطجة الحريمي
والآن، تتنوع أعمال البلطجة في الانتخابات مثلاً من تمزيق لافتات الخصوم وإفساد الاجتماعات الانتخابية ومصارعة بلطجية منافسين وصولاً إلى الاعتداء على الناخبين ومقار اللجان الانتخابية وانتهاء بقيادة سيارة مسرعة وصدم أنصار المرشحين أو المرشحين أنفسهم
وحذرت دراسة صادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية من ارتفاع معدلات البلطجة في الانتخابات والتي ارتفعت نسبتها خلال انتخابات عام 2000 ولجوء عدد كبير من المرشحين إلى العنف، واستخدام الزجاجات الحارقة والذخيرة الحية لإثبات نفوذهم وسطوتهم في مواجهة منافسيهم
الحديث عن ظاهرة الفتوات والبلطجية يقودنا بالضرورة إلى فتح ملف الجماعات الهامشية التي لعبت دوراً مهماً في تاريخ مصر الاجتماعي والسياسي
ويا له من ملف

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

0 التعليقات على "فتوات تحت الطلب (1): أولنا الخليفة"

أكتب تعليقا