عبدالحليم حافظ.. موظف الثورة

| |

بدأ عبدالحليم حافظ حياته الفنية نافخـًا فـي الأوبوا، قبل أن ينال شهرته فـي عالم الغناء.
والنافخ فـي هذه الآلة الأوركسترالية - التي تعد أصغر آلات النفخ وأكثرها علواً فـي طبقات الصوت- يتحكم فـي أنفاسه بصرامة كي يضبط النغمات الدقيقة الحزينة التي تصدر عنها. وبدون التحكم الصارم فـي أنفاسه ينفلت منه عيار الأوبوا لتملأ الجو عويلاً وتفجعـًا، على حد قول الناقد الموسيقي كمال النجمي.
ويبدو أن عبدالحليم حافظ، تأثر غناؤه بانضباط عازف الأوبوا، فكان صوته الهادئ المحدود الدرجات - بشهادة الكثير من العارفين والدارسين- مستأنسـًا. هذا الاستئناس لقي قبولاً لدى قيادة ثورة يوليو 1952 التي وجدت أمامها مطربـًا شابـًا يحاول اعتماد أوراق شهراته كأي شابٍ يتقدم بأوراقه إلى وزارة القوى العاملة.
وفـي ظل أبوية القائد التي جسدها "الريس" جمال عبدالناصر، ورمز الأمومة الذي لعبته "الست" أم كلثوم، اكتملت الدائرة بالابن الذي يتعاطف معه الجميع، وهو ما تقمصه العندليب عبدالحليم.
وبالفعل تم قبول أوراق عبدالحليم شبانة، الذي سيصبح لاحقـًا معروفـًا باسم عبدالحليم حافظ، خاصةً بعد أن تبين للجميع أن هذا الصوت الغنائي يستطيع تعويض ضعف حنجرته ومحدودية مقامات صوته، بالجاذبية التي تكمن فـي نبرات هذا الصوت، ويستطيع الميكروفون تجسيمها.
لم تكد تنجح ثورة يوليو 1952 حتى بدأ عبدالحليم مسيرته فـي تقديم الأغنيات الوطنية بنشيد "العهد الجديد" بالاشتراك مع عصمت عبد  العليم تأليف محمود عبدالحي وتلحين توفيق عبدالحميد زكي، وكان ترجمة غنائية لشعار "الاتحاد والنظام والعمل" الذي نادى به الرئيس محمد نجيب..  والأغنية الثانية "وفاء" كلمات محمد حلاوة وألحان محمد الموجي، والثالثة "بدلتي الزرقا" كلمات عبدالفتاح مصطفى وألحان عبدالحميد توفيق زكي، ثم أغنية "ثورتنا المصرية..  أهدافها الحرية، وعدالة اجتماعية، ونزاهة وطنية". ويعتبر الناقد الفني كمال رمزي هذه الأغنية وهي من كلمات مأمون الشناوي وألحان رؤوف ذهني أولى وطنيات عبدالحليم بالرغم مما سبقها من أغنيات ثلاث.
وفـي 18 يوليو 1953 أحيا عبدالحليم حفلة "أضواء المدينة" فـي حديقة الأندلس، واعتبرت حفلة رسمية إذ تزامنت مع أول احتفال بإعلان الجمهورية، حيث كان فنان الشعب يوسف وهبي يقدم المطرب الشاب بقوله: "اليوم أزفُ لكم بشرى ميلاد الجمهورية، وأقدم لكم الفنان عبدالحليم حافظ".
ولم يُضيع عبدالحليم الفرصة!
تدريجيـًا تحول عبدالحليم بصوته الذي يشبه البكاء المختنق إلى أحد كبار الموظفين فـي عالم الغناء. صحيحٌ أنه صوتٌ تتعاطف معه وتدندن بالكلمات العاطفية التي يرددها، خاصةً إذا عرفت ما يكفـي عن طفولته اليتيمة وصحته المعتلة، لكنه يظل موظفـًا ربطته السلطة بإحدى الدرجات الوظيفية كي يغني للثورة وإنجازاتها، والقائد وحكمته وحنكته.
وعلى صوت عبدالحليم عاش المصريون فترة من الزمن وهم يشعرون بأن إزالة إسرائيل أو إغراقها فـي البحر - وكان أحد شعارات المرحلة - أسهل من قضم قطعةٍ من الكعك.
وعندما منع زكريا محيي الدين رئيس وزراء مصر عام 1966 عبدالحليم حافظ من الغناء، فـي أعقاب اتهامه بتهريب العملة إلى الخارج – إذ كان يسدد بها لعددٍ من الأشخاص جانبـًا من عائدات مصنع للأسطوانات كان مشاركـًا فـي ملكيته فـي قبرص أو اليونان- تدخل عبدالناصر لإنهاء هذه المسألة، فـي الوقت الذي أجرى فيه عبدالحليم اتصالاتٍ هاتفية مع وزير الثقافة - ثم الإعلام- الدكتور محمد عبدالقادر حاتم وكذلك مع شعراوي جمعة وزير الداخلية فـي ذلك الوقت. وهو الحوار الذي سمع فيه عبدالحليم من شعراوي: "ليس من المعقول أن تقدم مصر مطربـًا يعبر عن ثورتها إلى محاكمة من هذا النوع". وهنا وجّه عبدالحليم الشكر العميق إلى شعراوي جمعة على هذا الموقف، مؤكدًا محبته للزعيم جمال عبدالناصر.

وفـي عام 1964 وقع خلافٌ بين عبدالحليم وأم كلثوم بعدما أخرَّت دخوله إلى المسرح فـي حفلة عيد الثورة، وقال يومها قبل أدائه أغنية "المسؤولية": "طبعـًا أنا يشرفني ويشرف أي فنان أنه يختم حفلة بتغني فيها سيدة الغناء العربي أم كلثوم.. بس اللي أنا مش متأكد منه إذا كان ده شرف ولا مقلب من السيدة أم كلثوم".
صباح اليوم التالي، اتصل مكتب المشير عبدالحكيم عامر يطلب عبدالحليم حافظ وضرورة الحضور إلى الإسكندرية قبل الساعة 1400 بلغة الجيش. وظن العندليب أن القيادة سوف تكافئه، لكن المشير طلب من عبدالحليم الاعتذار إلى أم كلثوم، وقال له: إن كلماته على المسرح تعتبر إهانة للقيادة.. ولأم كلثوم..  ولا بد من الاعتذار للست. وبحسب مفيد فوزي فـي كتابه السابق ذكره، فقد قال عبدالحليم محتجـًا "أنا صاحب الحفلة..  أنا ابن الثورة. أنا كرامتي قبل فني" (ص 120).
وفـي العام التالي، غاب عبدالحليم عن حفلة عيد الثورة بسبب موقفه من أم كلثوم، إلا أن جمال عبدالناصر رد له اعتباره عندما أعلن عن إقامة حفلة أخرى فـي الإسكندرية بعد الأولى بيومين وأصدر أمرًا بأن يقوم عبدالحليم بإحيائها مع مَن يشاء من المطربين.
وأثناء مساعي الوساطة لتحقيق مصالحة بين عبدالحليم وأم كلثوم، قال الأول للوسيط طه النمر: "أنا صاحب المولد.. وأولى الناس بالغناء فـي الليلة دي..  حاولوا تفهموني"!
ولم تتحقق المصالحة إلا بعد أن ذهب شمس بدران إلى بيت عبدالحليم وصحبه معه إلى فيلا أم كلثوم، التي سامحته على ما بدر منه، لتطوى صفحة هذه القطيعة.
كان العندليب الأسمر يحلو له أن يطلق على نفسه اسم "ابن الثورة"، وكان يرى أن أغنيته فـي حفلة 23 يوليو "هي عنوان لهذا النظام"[1]. وربما تعين تصويب هذا الخطأ غير المقصود بالقول إن عبدالحليم هو "موظف الثورة"، الذي استثمر عادة الانضباط القديمة التي اكتسبها من نفخ الأوبوا ليكون مطرب الأغاني الوطنية والأناشيد الحماسية التي تتحدث عن شعبٍ تورط فـي حروبٍ وصراعات تمتد من اليمن إلى الكونغو، حتى صحا ذات يومٍ على هزيمة يونيو 1967. ومنذ ذلك اليوم انكسرت أحلام الشعب الذي كان يردد أغاني عبدالحليم الوطنية ويصافح بها عنان السماء، وإذا به يجد نفسه فجأةً مُلقى على الأرض جثة بلا حراك.
وإذا كان صلاح جاهين قد شعر بمسؤوليته الأدبية عن الهزيمة وأدرك أن كلماته المشحونة بالحماس التي كان يعطيها لعبدالحليم حافظ كانت أحد أسباب وقوع الجمهور فريسة عالم خيالي نحن فيه الأفضل والأحسن والأقوى وما إلى ذلك من أفعال التفضيل الخادعة، فإن صلاح الذي كتب لعبدالحليم 15 أغنية - بدءًا من "إحنا الشعب" فـي 24 يوليو 1956 بمناسبة تولي عبدالناصر رئاسة الجمهورية، ومرورًا بأغنيات أخرى مثل "بالأحضان"، "صورة"، "المسؤولية"، "بستان الاشتراكية"، "يا أهلاً بالمعارك" - قرر أن يُكفِرَ عن هذه المسؤولية بالغرق فـي حالة من الاكتئاب حتى يوم وفاته.
إن محمد صلاح الدين بهجت أحمد حلمي الشهير بـ "صلاح جاهين" كان شديد الإيمان بثورة يوليو، ودافع عنها باستماتة، حتى إنه قال عن عبدالناصر "مصر حترجع تاني تولدك". وحينما عرف أن الحلم بحياةٍ كريمة راح إلى غير رجعة، أصيب بحالة اكتئاب حاد، وطوى صفحة الكلمات الحماسية الرنانة؛ لأنه اكتشف الحقيقة بدون رتوش. بل إن نجيب محفوظ قال لرجاء النقاش فـي اعترافات صريحة وساخنة إن صلاح جاهين انتحر، بعد أن تحطم التمثال الذي ظل يبنيه بأشعاره وأغانيه وإحساسه للوطن..  الذي حلم به وله طويلاً.
لكن عبدالحليم لم يفعل ذلك!
لقد اندفع عبدالحليم فـي تقديم عشرات الأغاني الوطنية والمواكبة للأحداث السياسية الملتهبة ومعارك الثورة داخليـًا وخارجيـًا، إلى درجة يصفها كمال الطويل بقوله: "كان يغني الأغنية زي المنشور السياسي..  الناس ترددها فـي اليوم التالي".
وهنا مكمن الخطورة!
لقد كان عبدالحليم يردد أغنيات دعائية تعمل على تمجيد النظام ورمزه السياسي ويهتف بشعارات لا صلة لها بالواقع فـي كثير من الأحيان.
بلغ مجموع الأغاني الوطنية لعبدالحليم 61 أغنية، موزعة على كمال الطويل بواقع 23 لحنـًا، وبليغ 7 ألحان والموجي 9 ألحان، ومحمد عبدالوهاب 6 ألحان، وآخرين 6 ألحان. غير أن تلك الأغاني الوطنية تحديدًا تبددت مثل سراب، بعد حرب يونيو 1967.
وفـي شهادة مثيرة للشاعر عبدالرحمن الأبنودي لمجلة "روز اليوسف" عام 1999 يقول: عندما أخذت أزمة عام 1967 تشتعل عملنا ورشة عمل، جلسنا نكتب الأغاني فـي بيت كمال الطويل، وفـي الغروب سمع عبدالحليم وأرسل من يحجز الإذاعة، ومن يكتب النوتة الموسيقية، ثم ذهبنا وأقمنا فـي مبنى الإذاعة لمدة ثلاثة أشهر، لقد كنا نحن حقيقة صدقنا كل شيء، فاندفعنا فـي أغانينا "ولا يهمك يا ريس م الأمريكان يا ريس"، "دا الصبر قايد حرايق جوه صدر الخلايق". يضيف الأبنودي: "كان الأمل يملؤنا، ولهذا دهمتنا النكسة كالقطار.. ولكن موقف عبدالحليم حافظ كان مختلفـًا عن جميع من حوله..  لقد رأينا النكسة أنا ومجدي العمروسي فـي أحد ممرات الإذاعة على وجه أحمد سعيد وهرعنا إلى الاستوديو، وأخرج العمروسي عبدالحليم من الاستوديو وقال له: ليس هناك داع لتكملة الغناء، وغضب عبدالحليم غضبـًا عارمـًا، وتساءل بصوت زاعق فيه إيه؟ وقال له مجدي: لقد انهزمنا فـي الحرب يا عبدالحليم".
فـي فيلم "حليم" (إخراج شريف عرفة، 2006) يقول جاهين لعبدالحليم حافظ: "يا حليم إحنا جينا نغني للناس غنينا عليهم"، الأمر الذي أغضب عشاق جاهين الذين عاتبوا ابنه بهاء الذي قام بالدور على ترديده هذه المقولة، مع أنها تنطوي على قدرٍ كبير من الحقيقة المؤلمة.
أما عبدالحليم حافظ فلم يكن ببساطةٍ.. صلاح جاهين.
وربما يجوز القول إن غناءه الوطني أصبح أشبه بوظيفةٍ رسمية. ولذا استمر فـي أداء مثل هذه الأغاني بعينين ذاهلتين تستجديان وتتوسلان الجمهور، واستمر فـي الوقت نفسه فـي تقديم أغنياتٍ عاطفية بوجهه الشاحب الذي يعطيك إحساسه بالمرض واليتم، مراهنـًا على أن الذاكرة القصيرة للجمهور ستمنحه صكوك العفو وتغفر له أغانيه الوظيفية.. أي الوطنية.
فـي عام النكسة قدم عبدالحليم بالتعاون مع عبدالرحمن الأبنودي وكمال الطويل عشر أغنيات متعلقة بالمعركة، لعل أشهرها أغنية "أحلف بسماها"، إضافة إلى أغنيات "إنذار"، "راية العرب"، "بالدم"، "اضرب"، "بركان الغضب"، "ابنك يقولك يا بطل".
وبعيد حرب أكتوبر 1973 غنى عبدالحليم "عاش اللي قال" من كلمات محمد حمزة وألحان بليغ حمدي، وكانت أول أغنية أشاد بها بدور الرئيس أنور السادات فـي تحقيق النصر العسكري.. وجاء موعد آخر عمل بين عبدالحليم وكمال الطويل مع أغنية "صباح الخير يا سينا" وذلك فـي عام 1974. وبعد افتتاح قناة السويس أمام الملاحة العالمية عام 1975 غنى عبدالحليم آخر أغانيه الوطنية تحت عنوان "النجمة مالت على القمر" من كلمات محسن الخياط وألحان محمد الموجي، وأغنية "المركبة عدت" من كلمات مصطفى الضمراني وألحان محمد عبدالوهاب.
والأكيد أننا لم نسمع عن شعبٍ متقدم - أو متأخر- يملك هذا الرصيد الهائل من الأغاني الوطنية والحماسية.


مبدئيـًا، لا بأس أن يؤدي أحدهم أغنية وطنية، ولكن من المهم أن نسأل عن مضمون ورسالة الأغنية. ولا بد أن نتذكر أن الأغاني الوطنية التي قدمها عبدالحليم وغيره تحولت إلى جرحٍ غائر فـي جسد المواطن المصري بعد حرب يونيو 1967، وبعضها أصبحت مثار سخرية مزعجة، لأن المواطن اكتشف فارق السنوات الضوئية بين الواقع والدعاية الصوتية التي كانت تتردد على مسامعه ليل نهار. صحيحٌ أن الأحلام مطلوبةٌ فـي تطلعات الشعوب، لكنها يجب أن تحترم العقل وأن تكون طبقـًا للواقع ووفقـًا للإمكانات.
إننا نتكلم عن فنان ارتضى لنفسه السقوط فـي براثن الدعاية السياسية وبيع الأوهام للمواطن العادي. ولعل البعض ينتبه إلى أن عددًا لا يستهان به من أغنيات عبدالحليم "الوطنية" كانت تردد اسم الرئيس أو القائد، كأن الوطن يتلخص فـي شخص هذا القائد.. ومن ذلك أنه غنى "ناصر يا حرية" و"أبو خالد نوارة بلدي" و"ريسنا ملاح ومعدينا.. عامل وفلاح من أهلينا" و"ضربة كانت من معلم"، إلى جانب غنائه كلمات "أحلف بكل صبي وصبية.. بعيونهم الحلوة العربية.. وبجمال وجرح قديم فـي جبينه" فـي أغنية "المسؤولية".
إننا نتحدث عن عبدالحليم الذي غني فـي 23 يوليو 1963 أغنية "المسؤولية" التي تقول كلماتها الحالمة:
"صناعة كبرى.. . ملاعب خضرا
تماثيل رخام ع الترعة وأوبرا
فـي كل قرية عربية
دي مهيش أماني..  وكلام أغاني
ده بر تاني..  ده بر تاني
طب ما قريب يا معداوية يا معداوية"!
لقد صعدت بنا حنجرة عبدالحليم بألحان وكلمات أسماء نحترمها جميعـًا إلى عنان السماء، فإذا بالحقيقة المُرة تتكشف بعد أن نهوي على أرض الواقع لنجد آباء وأشقاء وأصدقاء لنا عائدين من أرض المعركة سيرًا على الأقدام، منهكين ومصدومين، وهم يشعرون فـي حلوقهم بمرارة الهزيمة.
ولا جدال فـي أن كوميديا الأخطاء السياسية والاقتصادية والاجتماعية - ونضيف الغنائية- ساهمت فـي رسم صورة خيالية بعيدة كل البعد عن الواقع، فلما نظرنا فـي المرآة بعد الانكسار وجدنا الحقيقة ماثلةً أمامنا.
اللافت للانتباه أن عبدالحليم لم يجد مانعـًا فـي أن يغني للحاكم والنظام بغض النظر عن اسم النظام وهوية الحاكم، ولذا تجده فعل ذلك فـي مصر مثلما كرر الأمر نفسه فـي المغرب فـي ظل الملك الحسن الثاني.. من دون أن يشعر بالفارق الهائل بين الرؤيتين والنظامين السياسيين.
هكذا يعيش البعض على أكتاف السلطة.. وفـي أكنافها!
لقد ظل عبدالحليم الصوت الأكثر جاذبية لدى المستمعين الذين كانوا يرونه عاشقـًا بالنيابة عنهم..  يهمس "أهواك" ويشكو "بتلوموني ليه" وينكسر فـي "تخونوه" ويصرخ من الألم "جبار"!


ومع ذلك لم يستثمر عبدالحليم هذه الموهبة الفطرية التي يمكن أن توصف بالقبول أو الجاذبية، فتوقف عن دغدغة مشاعر الجمهور سواء بالأغاني الحماسية الوطنية التي أدت إلى نتائج عكسية بعد حرب يونيو 1967 أو بالأغاني العاطفية التي كان يشدو بها سواء فـي حفلاته الغنائية أو أفلامه التي تكاد تكون نسخة طبق الأصل. فهو يقدم لنا نفسه دائمـًا فـي صورة الشاب الضعيف المكافح الذي يعاني فقد الحبيبة أو هجرها فيكتم أحزانه ولا يترجمها إلا غناء، حتى يأذن له الله بالنجاح والشهرة المدوية.
دعونا لا ننسى أن الجمهور شاهد عبدالحليم على شاشة السينما لأول مرة فـي 3 مارس 1955 لدى عرض فيلم "لحن الوفاء" (إخراج إبراهيم عمارة) فـي دار عرض الكورسال، وقدم فـي مسيرته السينمائية نحو 16 فيلمـًا – إضافة إلى مشاركته بالغناء فقط فـي أفلام أخرى مثل "بائعة الخبز"، "بعد الوداع"، "فجر"- كان آخرها هو "أبي فوق الشجرة" (إخراج حسين كمال) والذي عُرِضَ فـي 17 فبراير 1969. وطوال تلك الفترة لم يكبر عبدالحليم، إذ يكفـي أن نشير إلى أنه أدى فـي فيلمه الأخير دور طالب، فـي حين أنه كان فـي الأربعين من عمره، إذ إنه من مواليد 21 يونيو 1929.
وإذا كان تقديرنا للرجل واحترامنا للثورة أمرًا قائمـًا، فإن هذا لا يعني بالضرورة "الدروشة" عند الاستماع إلى أغاني العندليب أو خطب الثورة، ثم نقول بعد ذلك "آمين". إن فضيلة التفكير تثير حفيظة البعض ممن اطمأنوا إلى موروثهم السياسي والاجتماعي والغنائي، ثم تثاءبوا واستغرقوا فـي سُباتٍ عميق، قبل أن توقظهم الحقيقة أو الرؤية المختلفة. ونحن نعتذر لهؤلاء بشدة إن كنا بهذه السطور قد أقلقنا منامهم وأرقنا مضجعهم، لأن حديثنا هنا منصبٌ على قضية أساسية، وهي توظيف الفنان سياسيـًا واستغلاله فـي الدعاية لمصلحة النظام والترويج للحاكم والحديث عن الإنجازات، وإغماض العين عن العيوب والعثرات.. والنكسات.
إن مشكلة عبدالحليم حافظ فـي جزء منها مصدرها جمهوره الذي يرفض أن يسمع ولو كلمة واحدة تقدم رؤية مغايرة للصورة التي يعرفها عن العندليب، ويتحول إلى ما يشبه الكاوبوي الذي يتحسس مسدسه عندما يواجه خصومه، لأن هذا الجمهور يفضل الصورة المرسومة فـي ذهنه عن مطربه المفضل، حتى ولو كانت تلك الصورة لوحة زيتية تدخلت فيها الريشة فـي أكثر من موضع لتضفـي لمسات جمالية أو تجميلية تخفـي عيوبـًا تظهر فـي الأصل.
ووسط هذا الجمهور الغفير من عشاق "حليم"، برزت أسماء معينة أسست فـي غفلةٍ من الزمن "رابطة المنتفعين بعبدالحليم حافظ"، فهي تروي قصصـًا وحكايات لا أول لها ولا آخر وتؤلف كتبـًا كشهود عيان على الكفاح الفني الذي خاضه العندليب الأسمر، ورحلة مرضه، وحتى غرامياته التي أفرد أحدهم كتابـًا تُفاجأ عندما تقرؤه بأن جزءاً من المغامرات الواردة فيه من بطولة المؤلف نفسه، ونعني بذلك منير عامر فـي كتابه "نساء فـي حياة عبدالحليم".


بل إن مؤلفـًا آخر هو مفيد فوزي، خصص فصلاً كاملاً بعنوان "موت صحفي" فـي كتابه "صديقي الموعود بالعذاب عبدالحليم" يتحدث فيه عن مأساته الشخصية حين تعرض للفصل من مؤسسته الصحفية التي يعمل بها. عضو ثالث من الأعضاء المؤسسين للرابطة المذكورة - وهو مجدي العمروسي- ظل لسنواتٍ طويلة يعتبر عبدالحليم مياهه الإقليمية التي لا يجوز لأحد الاقتراب منها، بعد أن نصب نفسه حاكمـًا بأمر "السبوبة" على تراثه وأعماله الفنية، وكان ثمرة هذا الاحتكار العاطفـي كتابه "أعز الحبايب" (1994).
وأعضاء هذه الرابطة يثيرون الضحك - وأحيانـًا الغضب- عندما يتحدثون حتى يومنا هذا فـي وسائل الإعلام المختلفة عن مطربهم المفضل، فيقسمون بأغلظ الأيمان أنه لا يوجد طرب ولا يحزنون بعد رحيل عبدالحليم حافظ فـي 31 مارس 1977 ليحكموا ببساطة متناهية بالإعدام على كل الأصوات الجيدة والموهوبة التي أتت بعده.
إن من قرأوا وتابعوا حياة عبدالحليم حافظ يدركون جيدًا أنه اعتمد على ماكينة الإعلام بتروسها الثقيلة بهدف ضمان شهرته. لقد رغب عبدالحليم فـي تكوين بلاط شخصي له، الأمر الذي جعله يمارس نوعـًا يقترب من التسلط على أغلب من يحيطون به، ولذا فقد جند جيشـًا هائلاً من الصحفيين والإعلاميين والفنانين، كان منهم الهواة الذين حملوا على عاتقهم المهمة فـي بداياتها بمنتهى الإصرار بفضل حماس الهواة وعنادهم. ثم جاء جيش المحترفين الكبار فـي وزن أو على شاكلة مفيد فوزي ومحمد حمزة ومنير عامر ومجدي العمروسي ووجدي الحكيم، إضافة إلى ملحنين فـي قامة كمال الطويل ومحمد الموجي، لتبقى التروس دائرة، من دون أن يحول ذلك دون اعتماد البعض منهم نهج الاسترزاق و"السبوبة". ولذا تجد شهر فـي مارس من كل عام مولد "سيدي عبدالحليم"..  وهو مولد بالفعل، إذ يوجد ضريح ومقام ومجاذيب طريقة وأفاقون وجمهور وجوقة، لتكتمل حالة التغني بالعندليب "كامل الأوصاف".


والشاهد أن عبدالحليم الذي اتسم بالذكاء الفني، كان أكثر الناس سعادة بما يكتب عنه فـي حياته، وأنه لم يكن يمانع فـي أن يكون نصف ما هو مكتوب عنه مديحـًا لغنائه، والنصف الآخر تصويرًا لمعاناته فـي طفولته ورحلته مع المرض..  فالاثنان يصنعان فـي أذهان الجمهور البسيط نجمـًا قريبـًا إلى القلب والنفس، بعد أن رسم جمهور الأغنية لعبدالحليم صورة الإنسان الذي تعذب حتى يغني لهم، غير متوقعين أنه فـي غنائه الوطني كان "يغني عليهم".
ولن أنسى ما حييت ما قرأته ذات مرةٍ على لسان الشاعر الراحل كامل الشناوي، عندما قال: "لا تصدقوا عبدالحليم حافظ إلا فـي حالةٍ واحدة فقط.. حين يغني.. إنه يكذب علينا كثيرًا فـي الحياة.. ويبدو أنه ضعيف وهو الذي نسج من ضعفه أعتى قوة..  إنه يتواضع ولكنه تواضع المغرور".
رحم الله عبدالحليم حافظ، فقد كان صوتـًا جذابـًا..  وموظفـًا حكوميـًا!

هوامش






[1] مفيد فوزي، صديقي الموعود بالعذاب، مطابع روز اليوسف، القاهرة،1991، ص 118.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

57 التعليقات على "عبدالحليم حافظ.. موظف الثورة"

أكتب تعليقا