الصورة إن حكت (2): يا وحدي

| |




الصورة: يد طفلة من عائلة الضياء قضت تحت أنقاض منزل عائلتها الذي دمره قصف صاروخي إسرائيلي أطلقته طائرات اف 16 على حي الزيتون شرق قطاع غزة بعد ظهر يوم الثلاثاء السادس من يناير كانون الثاني عام 2009. أودى القصف بحياة 13 من تلك العائلة، بينهم 7 أطفال تتراوح أعمارهم بين عام و12 عاماً، وثلاث نساء

تصوير: محمد صابر
Image: Mohammed Saber/epa/Corbis



كنتُ سماءً قصية
كنتُ أغنية لم ترددها شفاه، وعصفورة تسطعُ ألوانُ العيدِ البعيدِ في عينيها
ألثغُ بالراء في اسمي، لكن كلماتي تتشابكُ كأنها شالٌ غزلته أمٌ لابنتها ليدفئها في ليلِ الشتاء
أحلمُ بأبٍ يربتُ على كتفي في حنو، وفي الغدِ زوج تستكينُ كفي إلى دفء كفه
وأحِنُ إلى أمٍ تقولُ لكل منهما: لا تترك رقبتها هكذا من دون جوهرة تليقُ بها، وهي بلاغةُ البهجة
في حي الزيتون، أشجارٌ اختلست هيئةَ الغابة، وكلُ قُبلةٍ من أمي تُغذي شجرةً في تلك الغابة
إخوتي يطاردون معي السائلَ الأزرق الناعم الذي يُلونُ السماء، لتضحكَ أفلامُ الغرامِ والانتقام مثل أي طفل شقي
نسرحُ في البريّة بالحرّية ذاتِها التي تسرحُ بها الشمسُ في مدارِها، نوشوشُ تجاويف الشجر بأسرارِنا، ونُلاحِقُ العصافيرَ وهي تنفضُ الطلعَ على الجدران
وضحكُنا الصاخِبُ يبحَثُ عن فضاءٍ لا يَصنَعُ فِيه البَارودُ قُبّة الخَوفِ
يدسُ أبي يديه في جيوبه التي مزّقها الدهرُ ليمنحنا وينفحنا ما نشتري به قطعة حلوى نخففُ بها مرارة الحياة
وتمسحُ أمي على جبهتي وهي تغني لصغيرتِها بصوتٍ كالتَّـوَاشِيحِ التي بينها وبين القلبِ عهدٌ
في حي الزيتون، النهارُ دائماً يصفعُك، حتى يحينَ الليلُ الأكثر تسامحاً مع خطاياك
فتية يُلِحُّون في سَعْيهِم ليَشبّوا عن الطوْقِ، وشبابٌ يمشون بتُؤدة وكأنهم في حِلٍ من أمور الدنيا، ونساء تلمحُ أثر حرق على أصابعهن من مغامراتِ المطبخ، وشيوخٌ تشردوا بين بلادٍ يسكنونها ولا تسكنهم، وبلادٍ تسكنهم ولا يسكنونها، وعجائز يخفين مفاتيحَ علاها الصدأ للبيوتِ القديمة التي ينامُ فيها الغرباء
هي الذكرياتُ التي يحرقها ذوو القلوب المسكونة بالفجيعة، ويحتفظون برمادِها في غرفِ المعيشة على سبيل الذكرى
النارُ لا تفكرُ وهي تضطرم، وكذلك الذكريات، فهي مجردُ وقودٍ نعبئه داخلنا، لنواصلَ كابوسَ الحياة
الناس يعيشون في الأماكن، أما في غزة فنحن نعيشُ المكان: الحقيقة ما نعيشه لا ما نتعلمه
شعبٌ يليقُ بمأساة، حائرٌ بين القطيع وقاطع الطريق
ومدينة كانت، بزهْوٍ، خادعة ومخيبة للآمال وقد بدت كأنها الحياة ذاتها، إلا أنها كانت حرباً فوق حرب، بناءً من العداوات- بالوهمِ
الحظ الجائح أو الجانح يطلُ في دربنا
السمُ في كل الكؤوس، فما عسانا نشرب؟
لقد استغرقني الأمرُ زمناً قصيراً للغاية كي أفهمَ قلوباً كثيرة، وأدرك أن كل ما نستطيع تصنيفه قابلٌ للتلف لا يدوم، إلا ما هو قابلٌ لتعددِ التأويل
ونحن لا نكرهُ سوى العدو، من دون أن نأبه لحقيقة أنك حين تكره أحداً فأنت تكره فيه ما يشبهك
في القطاع الغارق في البؤس، كلما تَقدَمَ الناس في السن فإنهم يدركون واقعهم، ويستسلمون لحقيقة أنهم ليسوا متحررين من أي شيء
والظلُ يسيرُ خلفك متحدياً خُطاكَ المتسارعة مثل خفقات قلبٍ خائف
لكن، لا طفلَ هنا يكفنه الخوف
أنت تخافُ فقط حين تفقد نفسك في سوق مزدحمة
وفي دارِنا، كانت الساعةُ تلعقُ الوقتَ وتحدقُ في أحزاننا
كانت للخزانة القديمة الممسوخة بالرطوبة رائحة احتفظت بها على مر السنين. رائحة تظل عالقة بالملابس الباهتة التي أذهبَ الزمنُ لونها
الجوعُ ضيفنا الثقيل، يسكنُ في الحجراتِ والمطابخ، ويجوبُ في الشوارع الخالية إلا من الفقر
الماءُ شحيحٌ، والفرحُ مراوغٌ كَعُرُوقِ اُلسَّرَاب
نركضُ إلى البحر الذي نشتاقُ إليه، مثل زجاجة خمر تؤرق السكارى طالما بها هذا السائل
ذيلُ فستاني المُوشَّى بالورود يغوصُ تحت كعبيّ وأنا أدوس حافيةً
ينحسرُ الماء عن قدميّ فلا يبقى سوى ملمس الرمال الناعمة
الشقوق المجرّحة: الزينة الوحيدة للأقدام الحافية
نتأملُ زوارق قضمتها الديدان، ونبعثرُ أمنياتٍ زرقاء في الأعيادِ النادرة
ثم نعودُ إلى بيوتنا ببعض حبات الرمل والحصى الذي يُحيرنا لونه، وما تبقى من الحزن
لا يأخذُ الحزنُ من ملح الشّاطئ.. فالملح ينكأ الجراح
أحياناً تصبحُ دفقة الحياة في شرايين اعتادت الانسدادَ خطراً حقيقياً على الإنسان
في المدرسةِ يُعلمونَك كُلَ صباح كيف تكونُ يائساً كالخشبِ، كالحجارةِ، كالدمعةِ في صلادتِها
لكن الأطفالَ يغافلون صرامة المُعلم ويُطلون من النافذةِ التي تهشمَ زجاجُها ذاتَ قصف: لا شيء سوى حفنة مقاتلين في داخلهم تَغرَقُ البِحار، وتحترِقُ الجُزُرُ
نقتفي بعيونِنا آثار أحذيةٍ على الرمالِ تؤكّدُ أن مسلحين لم يُهذبوا لحاهم مَرّوا من هنا، في طريقِهِم إلى الحدودِ والأسلاكِ الشائكةِ
المشهدُ من نافذةِ الصفِ الدراسي ممتلىء دوماً برفيفِ أجنحةِ الملائكة وصيحاتِ الأتباعِ والخاطئين، والمخلصين والمرتدّين
الموتُ هنا ابتكارٌ يأتي مصادفة.. ألمٌ لم يَعُدْ يدهش أحداً
الألمُ الحقيقي هو الذي يُبقي الأشياءَ يقظةً، ويُلهمك أن تُردَ له ضربته
في الأزقة تعلمنا أن الشقوة ليست في أن نموت، ولكن في أن ننتظر الموت
إلى أن جاءت الحرب التي تشتهي أرواحنا
سَمها ما شئت: الرصاص المتدفق، الفرقان، أو فقط القتل
المهم أننا ضحاياها، أنا وأمي وأبي وإخوتي وجيراني، وجيران جيراني
ضحايا بلا ثمن، تحت أنقاض المنازل، أو على أبوابِ المشرحة، نستجدي اسماً وهوية، فمن لا اسمَ له لا وجودَ له
في أرضنا، البعضُ يُدمن مزية السقوط: نحن لا نتشاجرُ إلا داخلنا
والحربُ هنا أخطبوطٌ، تمتدُ أذرعُه وتشتبِكُ حتى تحارَ أيها قاتُلك
وحينما تُدرِكُ أن الحربَ يخوضُها أكثر من طرفين، تيقن أن الطرف الفعلي يقبع في الخفاء
عصر الثلاثاء السادس من يناير عام ألفين وتسعة، كانت الوجوهُ المتخفية في صباحاتنا اليائسة تميلُ شطرَ القيلولة
وحده أبي جلس يراقبُ القلق وهو يُحيلُ الأرض مسوَّدة لحزنٍ هائل
تبتلعُ الطائراتُ خيوطَ الشمس..غربان تتسلقُ جدارَ الموتِ وتكسرُ الهواء
الجنودُ يعملون بأسلحةِ المستقْبَلِ والصواريخ "الذكية" على إزالةِ حي ضاربٍ بجذوره في الماضي
شاشةُ الرادار ترصد هشاشتنا وتحرق كل شيء، حتى دميتي المحشوة بالقطن..هل كان صندوقُ اللعبِ في غرفتنا خطراً على أمن القتلة؟
المدينة تتلوّى وتصرخُ "يا وحدي"، والمقاتلُ لم تنبتْ لعنةُ الحبِ تحت إبطيه
بدأ القصفُ الجوّيُّ هادئاً ثم اشتدَّ فجأةً. الجيرانُ كلّهم في شارعنا المزدحمِ، لم يسمعوا صافرات إنذار لتحذيرهم ولم يجدوا خنادق لتحميهم من هدير الطائرات
فقط الموتُ يهبطُ بجناحيه العملاقين وظلالِه التي لا تؤنِس
لم يَدَعوا أحداً يتلو وصيته
تحت نيران القصف، أتركُ ظلي وأختبيء في الصورة
أرى بشراً يسيلون وهم يسيرون
تسقطُ أمي وأبي وإخوتي وسط الوجوهِ المارقةِ على عَجَل
نصبحُ أكواماً من اللحمِ الحي لها رائحة الشواء، يهرعون بها إلى ثلاجة الموتى
بين اللهيبِ والصقيعِ ينامُ الحمامُ الذبيح
الضياء: عائلة منذورة للحزنِ والأسى
والموتُ أسهلُ من فراق
نصيرُ نحيباً في صدورِ من لا يملكون أن يحتفظوا في جيوبهم بذاكرة غير القوت
عندما انزلقتْ ذراعي بفعل شظية تركتُها تتدلّى بجانبي، واهنةً، عديمةَ الجدوى، وغريبة
لو كانت أمامي دقيقة إضافية لكنتُ التقطت دفترَ التلوين ورسمتُ دماً يتدفّق وجلاّدين يتقاتلون كالوحوش
دمي الذي ينزُ، يلطخُ وجوهَ وأيدي القتلة..ولا أحد يأبهُ للبراءةِ التي غَابَتْ فِي الرَّمَاد
بعضهم لا يعرفُ كم هو متورطٌ في القتل: السلطان الذي تدمره السلطة، الغني الذي يقتله الغِنى، الخاضع الذي يسحقه الخضوع..ومن يتلذذ تبدده اللذة
أيها القتلة: اتركوني أكبرُ قليلاً
أريدُ أن أصيرَ أماً، وأمُرَ بيدٍ حانية على ملمس غطاء مهد صغيري
أريدُ أن أصيرَ زوجة لرجلٍ وسادتُه شاهدُ قبر طالما أنه لا يرقد ناعساً وسط شعر حبيبته
ثَمّة شخصٌ ما، هنا.. يمتدح الأصابع النحيلة لمن يضغط على الزناد
ينامُ القناصُ في جُحره، وأنامُ على أرضٍ لا تنتهي، مضمومة مثل جنين
كم تتسعُ عينا القناصِ في الظلام وكم تضيقان نهاراً. وعيونُ الجناة تتغذى على السواد
أيها القاتلُ الذي لا يدري: خيطُ الماء في صنبور حمامِك لا يسيلُ منه سوى دمي
أيها القاتلُ الذي لا يريدُ أن يعرفَ الحقيقة: لماذا أصواتنا عالية كمئذنة، وأفعالنا واطئة كحظيرة
أيها القاتلُ الذي يبكينا: دموعُك، هذا الحزنُ الحارق المندفعُ كالبركان، هو كأسي الأخيرة
أيها القاتلُ الذي يبتسم: لن تُعطيكَ الخَوذَةُ مَذَاقَ الانتِصَار
أيها القاتلُ الذي يُحصي جثثنا على الفضائيات: جرائمك تزدادُ باطراد
أيها اللاهي بالسلاح: أنتَ ضيّعتني، ثم ضعتْ
أيها الصغير الذي يسمعُ عن حكايتنا: أنت بادلتني الحلمَ، فلا تخذلني
أيها الراقدُ في رحمِ أمك: ها هي العتمةُ تأسرُك، فتحرر منها في سِفرِ الخروج
أيها الراقدون في كل مكان: لا تحاولوا أن ترموا حنانَ الزهرة على قبري
ربما أكونُ قد متُ، لكنكم لن تعيشوا بعدي

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

24 التعليقات على "الصورة إن حكت (2): يا وحدي"

أكتب تعليقا