Monday, September 29, 2008

ثمن الصداقة في حكم مصر (2): "ساكن قصادي"




من الفوز بمناقصة بناء جسم السد العالي عام 1957 إلى انتخابه عضواً في مجلس الأمة عن دائرة أبو المطامير في محافظة البحيرة في 9 يناير كانون ثانٍ 1969، وقعت أحداث ومحطات كثيرة في حياة عثمان أحمد عثمان

بعض هذه المحطات طريف، مثل عضويته الشرفية في النادي الأهلي في 8 يناير كانون ثانٍ 1966، ورئاسته لمجلس إدارة النادي الإسماعيلي - الذي قدم له خدمات لا تُحصى- في 2 يوليو تموز 1966، ثم رئاسته لنادي "المقاولون العرب" في أول ديسمبر كانون أول 1968 - وفي أغسطس آب 1977 أصبح رئيساً فخرياً للمقاولون العرب لمدى الحياة- كما أصبح رئيساً شرفياً لنادي الاتحاد الليبي في 26 فبراير شباط 1970





لكن كل هذا يبدو عادياً في حياة ومسيرة رجل مثل عثمان أحمد عثمان

وما يهمنا هنا هو علاقة الصداقة المتينة التي جمعت بينه وبين الرئيس المصري أنور السادات

وحكاية عثمان مع السادات تبدأ عندما كان الاثنان يسكنان متجاورين في منطقة الهرم قبل ثورة يوليو 1952، ومن ثم تعارفا وتوطدت العلاقة بينهما لتصبح في فترة من الفترات أشبه بالتوأمة. ويؤكد عثمان أنه كان بينه وبين السادات نوع من "التوافق النفسي"، فقد كانا جارين وبينهما "عشرة عمر"

يقول عثمان: "عندما أُعلِنَت أسماء وأعضاء مجلس قيادة الثورة لم أجد في الأسماء من أعرفه إلا محمد أنور السادات الذي عاش خلال مراحله الأولى فترة في الإسماعيلية، ثم رأيته في بورسعيد عقب العدوان الثلاثي عام 1956. وكنت قد حضرت من السعودية خصيصاً لكي تشارك شركتي في تعمير بورسعيد، وذهبت أزوره في بيته وفتح لي باب منزله بنفسه وهو يرتدي الجلباب. وكلفني ذات يومٍ بإدخال بعض التعديلات على منزله، وطلب أن نبني فيللا لابنته، ثم طلب بناء فيللا لكريمته الثانية. وتكررت الزيارات العائلية"




وعندما استدعاه السادات لكي يشغل منصب وزير التعمير، قال له: "عثمان أنا عاوزك وزير تعمير عشان أضمن إن كل حاجة تمشي مضبوط"

وهكذا اختير عثمان وزيراً للتعمير في حكومة د. عبد القادر حاتم في 28 أكتوبر تشرين أول 1973، ليظل في الوزارة لمدة ثلاث سنوات عاصر أثناءها ثلاث حكومات متعاقبة. فقد اختير وزيراً للإسكان والتعمير في حكومة د. عبد العزيز حجازي في 26 سبتمبر أيلول 1974، ثم احتفظ بالحقيبة الوزارية نفسها في حكومة ممدوح سالم في 16 إبريل نيسان 1975، إلى أن خرج من الوزارة في نوفمبر تشرين ثانٍ 1976

واللافت للانتباه أن عثمان كان ينتقد جميع أعضاء الحكومات الثلاث التي شارك فيها، حيث قال عنهم: إن عقولهم لم تستطع أن تطوع نفسها لكي تتعلم منه (ويقصد السادات)، سياسة الخط المستقيم التي بح صوته وهو يتحدث عنها. شتان ما بين هذا العملاق الذي لا يخاف إلا ربه ويثق في قدراته وبين هؤلاء الأقزام الذين يخافون من كل رجلٍ ناجح (يقصد نفسه) حتى ولو كانوا هم الذين سيجنون ثمار نجاحه

والسادات عند عثمان كان "حاجة ثانية".. فقد كان يقول عنه: "هو الإنسان الوحيد الذي عندما يرى أمراً لا أراه..لا أملك إلا ان أسلم برأيه"!



وبدا طبيعياً أن يرافق عثمان الرئيس السادات في زيارته الشهيرة للقدس في 19 نوفمبر تشرين ثانٍ 1977، والتي يؤكد عثمان أنها وراء استرداد مصر لسيناء. يقول عثمان: "وتحدد موعد زيارته لإسرائيل في نوفمبر عام 1977. وقلتُ له بتلقائية سأذهب معك يا سيادة الرئيس". ويؤيد ذلك ما قالته جيهان السادات قرينة الرئيس المصري لمحاورها أحمد منصور في حلقة برنامج "شاهد على العصر" التي عرضتها قناة الجزيرة الفضائية في 5 مارس آذار 2001: "والله هأقول لحضرتك، عثمان أحمد عثمان هو اللي قال له عايز آجي معاك، وكان قدامي الحديث"


أما اتفاقيات كامب ديفيد التي وقعها السادات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن في 17 سبتمبر أيلول 1978، فهي في نظر "المعلم" عثمان حركة سياسية كبيرة وحركة بارعة من سياسي بارع

ولا بد من القول إنه عندما دخل عثمان الوزارة، تحول إلى رفيق السادات وشريكٍ له في عددٍ من القرارات الاقتصادية، حتى إن الكاتب الصحفي موسى صبري –رجل السادات المخلص- قال إن الموافقة على أي مشروعٍ اقتصادي كانت تمر من بين أصابع عثمان أحمد عثمان

وحين كان عثمان بعيداً عن الوزارة، لم يخل من مناصب أخرى، إذ شغل منصب أمين الحزب الوطني بالإسماعيلية في نوفمبر 1978، كما كان رئيساً للمجموعة البرلمانية بالإسماعيلية عام ‏1976


وفي مارس آذار 1979 أصبح عثمان نقيب المهندسين

وقيل إن الدولة ساندت عثمان في دخول نقابة المهندسين لإجهاض الصوت المعارض للسادات داخلها. وهكذا ظل عثمان نقيباً للمهندسين لسنواتٍ، وانتخب نقيباً لفترة ثانية عام 1983

ولعب عثمان دوراً في التقريب بين السادات و"الإخوان المسلمون" بحكم صداقة عثمان لهم


ويتعين أن نشير هنا إلى أن "المعلم" أفرد في سيرته الذاتية مكاناً لتفاصيل كثيرة عن علاقته بالإخوان المسلمين،‏ حيث كان حسن البنا مؤسس الجماعة ومرشدها الأول هو في الوقت نفسه مدرس اللغة العربية والدين في مدرسة عثمان الإسماعيلية الابتدائية،‏ وكان البنا وقتها لم يزل في العشرينيات.‏ هكذا تفتحت عيناه على الرجل الذي قُدِرَ له أن يؤسس جماعة الإخوان المسلمين. ولعل هذه الصلة بين مدرس وتلميذه تركت أثرها في نفس الصبي، وآتت ثمارها فيما بعد ليرتبط بجماعة الإخوان المسلمين. كان البنا مدرساً للغة العربية والدين في مدرسة الإسماعيلية الإبتدائية، وكان خال عثمان هو الشيخ محمود حسين من علماء الدين في الإسماعيلية. وقدم شقيقه الشيخ محمد حسين إلى حسن البنا، وتأكدت أواصر الصداقة بين الشيخ حسن البنا وبين الشيخ محمد حسين خال عثمان. وكان حسن البنا يذهب كل يوم بعد صلاة العشاء إلى "مندرة" الشيخ محمد حسين ليبحثا في أمور الدين. وأصبحت الجلسة دائرة المنتدى الديني وحسن البنا يتصدر ذلك المنتدى. وتطورت جلسات المنتدى من "المندرة" لتصبح الإسماعيلية كلها منتدى



والثابت أن الجماعات الإسلامية في مصر بدأت تظهر بشكل فعال في عام 1972 بعد أن أفرج السادات بالإفراج عن قيادات الإخوان المسلمين بالمعتقلات، وقرر التحول عن التوجه الاشتراكي للدولة. وفي حوار أُجري معه بعنوان "النبوي إسماعيل وزير الداخلية الأسبق يكشف لأول مرة: اعتقالات سبتمبر ناقشتها لجنة رباعية.. "أنا والسادات ومبارك وأبو غزالة".. والسادات صاحب القرار"، سئل النبوي إسماعيل: "من أشار على السادات بخروج الجماعات من السجون؟" فرد قائلاً: "عثمان أحمد عثمان ومحمد عثمان إسماعيل الذي تولى محافظ أسيوط"



ويتوقف كثيرون عند اجتماعٍ شارك فيه رؤساء اللجان الدائمة بمجلس الشعب، في أعقاب المظاهرات التي اندلعت بالجامعات احتجاجاً على سياسة حكومة د. عزيز صدقي، وكان يتزعم الطلاب قوى اليسار والناصريين إذ كانت تسيطر على اتحاد الطلاب واللجنة الوطنية العليا بجامعة القاهرة

في هذا الاجتماع اقترح بعض الأعضاء، مثل عثمان أحمد عثمان ويوسف مكاوي ومحمد عثمان إسماعيل، إنشاء تنظيم للجماعات الإسلامية في الجامعات بهدف الرد على جماعات اليسار والاشتراكيين، وبادر بعض أعضاء اللجنة بالتبرع بالأموال اللازمة لإنشاء هذا التنظيم. وتم إنشاء تنظيم شباب الإسلام بجامعة القاهرة وجامعات أخرى، وحظي هذا التنظيم بمساندة صريحة من الأمن واستُخدِمَ لمواجهة وتصفية قوى اليساربدأ تنظيم شباب الإسلام بالقيام بالعديد من الأنشطة داخل الجامعة من معسكرات صيفية وتنظيم لرحلات الحج والعمرة وذلك بتمويل مباشر من الدولة


وعملت جماعة شباب الإسلام على تغيير بعض أنماط وأشكال الحياة الجامعية، مثل تغيير البرنامج الدراسي ودعوة الطلاب إلى الاشتراك في الأنشطة ودروس القرآن والحديث وفرضت وقف المحاضرات والأنشطة الأخرى في أوقات الصلاة، والفصل بين الجنسين في قاعات المحاضرات ومنعت إقامة الحفلات الموسيقية والراقصة وأي صور أخرى للهو داخل الجامعات


ومن هنا يمكن فهم دور عثمان في التقريب بين جماعة الإخوان المسلمين والسادات


ففي كتابه "ذكريات لا مذكرات" (دار الاعتصام، القاهرة، 1985) يقول المرشد العام للإخوان المسلمين عمر التلمساني: "وفى مرةٍ أخرى طلب منا السيد" عثمان أحمد عثمان" وقد كان وزيرا للإسكان حينذاك أن تلقاه مجموعة منا فذهبت مع الدكتور أحمد الملط والحاج حسني عبد الباقي والأستاذ صالح أبو رقيق وقابلناه فرأى أنه من الخير أن نقدم للسادات وجهة نظرنا في الإصلاح كتابة حتى يدرس الأمر في رويةٍ وعلى مهل فكتبنا له وجهة نظرنا في تسع صفحات فلوسكاب حملها اليه السيد "عثمان أحمد عثمان" ثم كانت لي مقابلات مع السيد محمد حسني مبارك وكان نائباً لرئيس الجمهورية في ذلك الحين لقيته في منزله في مصر الجديدة منفرداً مراراً . ومعي الأستاذ مصطفى مشهور مرات أخرى لبعض استفسارات عن بعض ما جاء بتلك الصفحات التسع" (ص 61)


الرئيس السادات قال من جهته في تصريحاتٍ مسجلة: "جمعية الإخوان المسلمين غير شرعية زي ما قلت للتلمساني لكن بروح العائلة قلت له روح سجل وخذ الإذن لكن من هنا لهناك خلي الدعوة ماشية بس لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة"


وعلى الرغم من أن هذا الظهور بدأ باتفاق الضوء الأخضر الشهير بين الإخوان المسلمين والرئيس السادات الذي حاول الاستفادة منهم في ضرب اليسار، وبالرغم من أن العثمَانين اللذين توسطا بالاتفاق عثمان أحمد عثمان ومحمد عثمان إسماعيل أبلغا الإخوان بأنه لا موافقة قانونية ولكن سماح بالعمل دون عقبات، فإن الحركة الإسلامية الشابة التي كانت بدأت تموج بها جامعات ومساجد مصر وقتها هي التي جعلت من هذا الضوء الأخضر جماعة حقيقية من لحم ودم، بعد أن كانت الجماعة القديمة قد اختفت أو أوشكت على الاختفاء

وأفرزت الجامعات المصرية في فترة الاحتضان الرسمي تلك، رموز الجيل الوسيط مثل عبد المنعم أبو الفتوح وعصام العريان وإبراهيم الزعفراني وحلمي الجزار، خاصة أبو الفتوح الذي يُنسب الفضل في ضم القسم الأكبر من هذه الحركة إلى الإخوان المسلمين التي ضخت الدماء في شرايين وعروق كانت قد جفت تماماً. ومع تقدم العمر وحكم الموت كان الوافدون الجدد قد أصبحوا كل جسم الحركة تقريباً

وحتى عام 1977 كانت الجماعات الإسلامية التي تساندها الدولة مالياً وأمنياً هي الطرف المسيطر على الجامعات المصرية، بعد أن تمكنت هذه الجماعات بمساعدة الأمن من منع أي نشاط للجماعات اليسارية داخل الجامعات، وجرى منع واستبعاد أعضاء تيار اليسار من الانضمام إلى اتحادات الطلاب، وذلك إما بالشطب أو الاعتقال أو التصادم المباشر

غير أن الطلاق وقع بين الدولة والجماعات الإسلامية في نهاية عام 1977 وتحديداً بعد زيارة الرئيس السادات للقدس ومحادثات السلام مع إسرائيل، لتبدأ تلك الجماعات رحلة المواجهة مع نظام الحكم، وعقد مؤتمرات وتوزيع نشرات ضد الحكومة والمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية




وبعد اختطاف وزير الأوقاف السابق د. حسين الذهبي من منزله الكائن في منطقة حدائق حلوان جنوب القاهرة ، صباح يوم الأحد الثالث من يوليو تموز عام 1977، أصدرت جماعة المسلمين المعروفة إعلامياً باسم التكفير والهجرة بياناً تعلن فيه مسؤوليتها عن الحادث، وحددت مطالب عدة لكي تفرج عن الشيخ المختطف، وهي الإفراج فوراً عن أعضاء الجماعة المقبوض عليهم وكذلك المحكوم عليهم في قضايا سابقة، دفع مئتي ألف جنيه مصري كفدية، وأن تعتذر الصحافة المصرية عما نشرته من إساءات في حق الجماعة، وكذلك نشر كتاب شكري مصطفى "الخلافة" على حلقات في الصحف اليومية


ويقول د. محمد الذهبي نجل وزير الأوقاف السابق "برنامج "الجريمة السياسية: اغتيال الشيخ الذهبي ج 1"، قناة الجزيرة الفضائية، 10 مايو أيار 2007) ما يلي: "في بعض أصدقاء الوالد وزملاؤه يعني أفتكر منهم دكتور اسمه دكتور إبراهيم الخولي وكان في دكتور إبراهيم نجدة كان نائب رئيس جامعة الأزهر وأعتقد يمكن شيخ الأزهر نفسه في ذلك الوقت أعتقد كان الدكتور بيصار (ملاحظة: الإمام عبد الحليم محمود كان شيخاً للأزهر آنذاك، وخَلَفه في المنصب وزير الأوقاف الشيخ محمد عبد الرحمن بيصار في عام 1979) أن هما راحوا يعني حسب ما أنا عرفت أن هما راحوا لعثمان أحمد عثمان لأنه كان برضه علاقته بالوالد كويسة أن هما عرضوا أن عثمان أحمد عثمان عرضوا أنه يدفع المبلغ المطلوب. فاللي فهمته أن رئيس الوزراء في ذلك الوقت قال لهم لا يعني دول شوية عيال وكده وإحنا كله ساعة ولا اثنين وهنمسكهم يعني"

وهذا يعني ببساطة أن البعض رأى في عثمان بنكاً يمكن أن يدفع فدية مالية لجماعة إسلامية اختطفت وزير الأوقاف السابق

من هنا، يرى من رصدوا تلك الفترة من عمر مصر أن عثمان ورفاقه أطلقوا قوى إسلامية لمواجهة تيار اليسار، فإذا بالوحش الذي صنعوه يخرج عن السيطرة

ولعل هذا الأمر يثير في الأذهان سؤالاً له وجاهته ومشروعيته: هل يصلح المقاول في عالم السياسة؟

دعونا نشير هنا إلى واقعة ذات دلالة


في عام ‏1961‏ طلب المهندس عثمان أحمد عثمان، رئيس مجلس إدارة شركة المقاولون العرب‏، التي كانت تقوم بالأعمال الإنشائية الخاصة ببناء جسم السد العالي‏، مقابلة المشير عبد الحكيم عامر الذي كان الإشراف على تنفيذ المشروع،‏ ضمن مهامه السياسية الكثيرة آنذاك‏،‏ ليعترض على اقتراح تقدم به وزير السد العالي‏، بتمديد الفترة اللازمة لتنفيذ المرحلة الأولى منه،‏ بحيث تنتهي عام ‏1966 ‏


وقال عثمان للمشير‏ إن العقبات التي تواجه التنفيذ يمكن التغلب عليها لو أن الدولة وفرت له ما يوازي نصف مليون جنيه من العملات الأجنبية ليشتري معدات متطورة للحفر والنقل، بما يؤدي إلى تسريع الإيقاع‏، وبذلك توفر الدولة أكثر من مئتي مليون جنيه‏، ستضيع في حالة التمديد‏‏


اقتنع المشير عامر برأي عثمان‏، واتصل بوزير الاقتصاد وطلب منه أن يصرف له العملات الصعبة التي يحتاجها، وقال له مداعباً‏:‏ "إيه رأيك نعينك وزيرا للسد العالي يا عثمان؟‏!‏"وقال عثمان‏:‏ "يا سيادة المشير،‏ أنا لا أنفعكم، ولا أنفع مصر إلا كمقاول"‏


ويقول الكاتب الصحفي صلاح عيسى في مقال له بعنوان "كلٌ مُيسر لما خلق له" (مجلة "الأهرام العربي"، 29 سبتمبر أيلول 2007) إنه "من سوء الحظ أن عثمان أحمد عثمان عدل عن هذا التقييم المنصف لنفسه،‏ وللآخرين فيما تلا ذلك من سنوات،‏ ولو أنه تمسك به،‏ لما ترك ما يتقنه،‏ إلى ما لا يعرف فيه، ولما خاض عباب السياسة،‏ وزيرا ونائباً لرئيس الوزراء وقطباً من أقطاب الحزب الحاكم،‏ ليصبح‏-‏ في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السادات‏-‏ أقرب الناس إلى قلبه،‏ وأكثرهم تأثيراً فيه،‏ وأقواهم نفوذاً في بلاطه،‏ على نحو استثار ضيق كثيرين ممن كانوا يحيطون بالرئيس،‏ كانوا يعتقدون‏-‏ عن حق‏-‏ أن تأثيره كان سلبياً،‏ وإن ما كان يقنعه به من آراء في السياسة العامة،‏ كان يفتقد للحصافة،‏ أو على الأقل يصدر عن رجل لا خبرة له بهذه الأمور،‏ ولا علم له بها،‏ فهو قد يكون مقاولاً عظيماً،‏ لكن تفكيره السياسي لم يكن يزيد على تفكير عوام الناس،‏ فضلاً عن هذا فقد كان نفوذ عثمان الكبير في بلاط السادات من الأمور التي أثارت الريب حول نزاهة الحكم،‏ حتى شاع مصطلح الدولة العثمانية على ألسنة الناس في تلك السنوات تعبيراً عن الشك في أن الصلة القوية بين الرجلين،‏ تخفي في ثناياها نوعاً من التربح من المال العام،‏ وهي كلها أقاويل،‏ لم تثبت بعد ذلك صحتها‏"



وبعد السد العالي، دخل عثمان مرحلة حائط الصواريخ بتكليف مباشر من الرئيس السادات


يقول عثمان "إن ميزانية المشروع كانت أربعين مليوناً.. وعندما كلفني بها الرئيس طلب مني إنجازها في شهرين فقط وحذرني من أن يضرب اليأس نفسي لأن الإسرائيليين لن يتركوني أنهي عملي.. ومع ذلك انتهى العمل في أقل من الزمن الذي كان محدداً سلفا.. ورغم كل الصعوبات التي واجهتنا التي كان أقلها ضربات الجيش الإسرائيلي التي أسقطت من كتيبة المقاولون العرب ما يقرب من خمسمئة شهيد"


وكانت إسرائيل تقصف هذا المشروع الضخم بإصرار، حتى إنها هدمت القواعد أكثر من خمس مرات بعد بنائها،‏ وفي كل مرة تعجن مواد البناء بدم القتلى، إلى أن بنيت دشم الطائرات وقواعد الصواريخ على امتداد الجبهة كلها



شهادة الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين تلقي مزيداً من الضوء على صداقة الرجلين

"كنتُ قد كتبتُ خطاب السادات الذي كان سيلقي في السويس وقتها وبعد أن عدت من الإسماعيلية استمعت إلى السادات وهو يلقي خطابه ولم يغير حرفاً واحداً فيه ولم يقدم كلمة ولم يؤخر أخرى، ولكنه غيَّر شيئاً واحداً فقط، ففي الحديث عن مشاركة كل العمال من خلال كل شركات المقاولات في بناء حائط الصواريخ غيَّر الرئيس هذه الجملة وقصر الفضل فيها على ذكر شركة المقاولون العرب وعمال المقاولون العرب عثمان أحمد عثمان"


في تلك الفترة، احتاج السادات جهود عثمان كي يتخلص من رجال ونفوذ عبد الناصر، وقرَّبه إليه كي يساعده في تعمير مدنه المهجرة وبناء مدن جديدة، مثل مدينة العاشر من رمضان،‏ ومدينة السادات،‏ ومدينة الملك خالد،‏ ومدينة العبور،‏ ومدينة ‏15‏ مايو.‏ كما كان السادات في حاجة لعثمان كي يتولى توسعة قناة السويس بعد تطهيرها من الألغام، بهدف استثمارها كممر رئيسي للملاحة الدولية والعلاقة بين السادات وعثمان أحمد عثمان - نجم الانفتاح الكبير- يطول شرحها، لكنها وصلت في مرحلةٍ من المراحل إلى علاقة مصاهرة، بعد أن تزوج نجله محمود عثمان من جيهان ابنة السادات في 2 يناير كانون ثانٍ 1977

واستقر في ذهن الجميع أن عثمان هو رفيق السادات في رياضة المشي اليومية – كان السادات يمشي لمدة ساعتين يومياً- ومستشاره وصهره، وصديقه الذي لا يطيق فراقه،‏ فإذا اختفى من مجلسه سأل عنه بإلحاح وقلق،‏ شأن من يشعر بأن شيئاً منه ينقصه‏


ويرى الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل "إن أكبر إنجاز لعثمان كان في الطريقة التي وثَّق بها علاقته وصداقته بالسادات، حتى أصبح كل شيء في حياته الشخصية والسياسية"‏. أما موسى صبري فيذهب إلى القول بأن عثمان وصل إلى قلب الرئيس لأنه ابن بلد لا يتكلف الكلام المنمق،‏ بل يتحدث بتلقائية وبساطة ويبدي للرئيس آراءه بلا تكلف،‏ ومعنى ذلك أن عثمان كان يخاطب الجانب السطحي في شخصية السادات الذي لم تكن له طاقة على دراسة الأمور،‏ أو التعمق في التفاصيل


في هذه الأثناء، كبرت شركة "المقاولون العرب" وتضخمت، وتحولت إلى ما وصفه ديفيد هيرست مراسل صحيفة "غارديان" البريطانية إلى "شركة الوزراء"، إذ كان يعمل لدى عثمان في وقتٍ من الأوقات - حسب قول الجريدة البريطانية- 30 وزيراً ومستشاراً ومحافظاً ومسؤولاً، شغلوا مواقع حساسة


جاء ذلك في وقتٍ جمع فيه عثمان بين منصب عضو البرلمان ونائب رئيس الوزراء، وأصبح "إكسلانس"، كما سماه ذات مرةٍ توفيق عبد الحي، الذي اتهم بالتربح من بيع طيور جارحة ودواجن منتهية الصلاحية لمعدة المصريين


من جهته، رأى عثمان أنه يستفيد من خبراتٍ وكفاءاتٍ معينة ليس ذنبها أن أصحابها كانوا وزراء ومحافظين. والشيء المؤكد أن "المقاولون العرب" مع مجيء السادات للحكم وصدور القانون رقم 43 لسنة 1974، تحولت إلى شركة متغلغلة في مختلف المجالات الاقتصادية، من المقاولات إلى الاستثمارات والمنتجات الخشبية والعمل المصرفي والمواد الغذائية..إلخ


لقد خرج المارد من القمقم..ولم يعد بمقدور أحدٍ إعادة عقارب الساعة إلى الوراء

ثمن الصداقة في حكم مصر (1): المقاول والرئيس





لم تكن مجرد صداقاتٍ عادية، تلك التي جمعت بين رؤساء وزعماء مصر وبين آخرين في فترات مختلفة من تاريخ المحروسة

الغريب أن هذه الصداقات الغامضة نمت وازدادت تشابكاً لتصل في مراتٍ إلى علاقات مصاهرة، ولتصبح في مراتٍ أخرى مدخلاً إلى علاقاتٍ آثمة

وفي كل الأحوال، كانت مصر هي التي تدفع ثمن تلك الصداقات

إحدى هذه الصداقات تسببت بدرجةٍ أو بأخرى في هزيمةٍ عسكرية قاسية تشبه الجرح الغائر في ذاكرة المصريين
صداقةٌ أخرى، أسقطت ملكاً عن عرشه، وثالثة كانت وراء تورط الدولة في استشارات سياسية معيبة ومشروعات اقتصادية خاسرة

ومع ذلك، استمرت هذه العلاقات "المتينة" بين رؤساء وزعماء مصر وبين آخرين استفادوا من هذه الصداقات، ربما سياسياً أو اجتماعياً، أو اقتصادياً.. لكن الفاتورة الباهظة لهذه الصداقات كانت أغلى من أن نتجاهلها أو نمر عليها مرور الكرام

وربما كانت أجواء الصداقات الجديدة التي تشهدها الساحة السياسية والحزبية في مصر دافعاً لنا كي نفتح هذا الملف الشائك، ونشير بأصابعنا إلى هذه العلاقات: بداياتها، ظروف نموها، تأثيرها على الحياة العامة وصنع القرار السياسي أو الاقتصادي في مصر..والأهم من ذلك كله: حساب "الفاتورة" التي دفعتها مصر ثمناً لتلك الصداقات الغامضة
والمعنى هذه المرة ليس في بطن الشاعر..وإنما على ألسنة الناس

نبدأ بالرئيس المصري أنور السادات والمهندس عثمان أحمد عثمان



يقول عنه الشاعر نجيب سرور في أشهر قصائده الممنوعة:

"أشكول أحمد أشكول
عثمان أحمد عثمان
عثمان يعني التعبان
بالفصحى ومين ها يقول
والباطل فن وكار
وسياسة (...) أفك
ار"

إنه باختصار، أشهر "عثمان" في تاريخ مصر الحديث
حتى إن البعض تحدث متندراً عن "الدولة العثمانية" في عهد السادات
لعب أدواراً مختلفة، وحمل ألقاباً أكثر، وتنقل ما بين وظائف ومناصب أكثر وأكثر، ما بين المهندس،‏ وصبي الميكانيكي‏، والمعلم،‏ والمقاول، والوزير،‏ والأب الروحي‏، ورئيس النادي الإسماعيلي..وصهر الرئيس

ومن حكايته مع السد العالي وحائط الصواريخ، ودوره في الانفتاح الاقتصادي، وعلاقته بعددٍ من رموز الانفتاح ممن هربوا بأموالهم إلى الخارج، مروراً بمشروعات هضبة الأهرام وقبة مسجد الحسين والصالحية..تبدو الشهية مفتوحة لمعرفة أسرار هذا الرجل


بل إنه يكاد لا يوجد شخص وُضِعَت عنه كتبٌ ومؤلفات تتباين فيها الآراء بشأنه، مثل عثمان أحمد عثمان. فإذا كان قد أصدر في إبريل نيسان 1981 كتاباً يحمل عنوان "صفحات من تجربتي" يقع في 648 صفحة من الحجم المتوسط، فإن الكاتب الصحفي عبد الله إمام أصدر في المقابل كتاباً يحمل عنوان "تجربة عثمان: الرد على كتاب المهندس عثمان أحمد عثمان" وصدر عن دار الموقف العربي عام 1981 ويقع في 184 صفحة. وفي العام نفسه أصدر النائب المعروف د. محمود القاضي - الذي رحل عن دنيانا في 9 سبتمبر أيلول 1982- كتابه "البيوت الزجاجية: وجهاً لوجه مع عثمان أحمد عثمان" الصادر عن دار الموقف العربي. كما صدر كتابٌ آخر هو "عثمان..اللغز والأسطورة" للكاتب الصحفي طلعت رميح عن دار سينا للنشر عام 1987

والشاهد أن الفتى اليتيم عثمان أحمد عثمان قَطَعَ رحلةً مثيرة، من حارة عبد العزيز المتفرعة من شارع مكة بحي العرب في مدينة الإسماعيلية..إلى أن وصل إلى ما وصل إليه في قاهرة المعز


يقول عثمان المولود في ‏6‏ إبريل نيسان ‏1917‏ في مذكراته‏:‏ "رحل والدي وأنا في الثالثة وتركني بلا موارد مع ثلاثة أشقاء وشقيقتين‏.‏ أكبرنا لم يتجاوز الثانية عشرة وحسين الصغير لم يزل رضيعاً،‏ وعندما حاولوا إقناع والدتي بالزواج أجابت لن أسعد نفسي،‏ وأشقي أولادي‏..‏ كان والدي يمتلك محلاً للبقالة وبعد وفاته ترك محمد المدرسة ليدير المحل‏..‏ كان عندنا عنزة ننظر إليها كأحد أفراد العائلة اسمها عيدة وكانت توفر لنا بعض مصادر غذائنا‏..‏ كانت أمي التي تقوم بتربية الطيور وبيعها لتغطي التزاماتنا لا تقرأ ولا تكتب لكنها علمتنا الكثير" (عثمان أحمد عثمان، صفحات من تجربتي، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1981)


نشأ عثمان في منزل مبني من الدبش والطين وسقفه "تعريشة"من الخشب وجريد النخيل..ليس فيه دولاب أو سرير..كان أفراد الأسرة يفترشون الأرض عندما يأكلون وعندما ينامون


وفي عام ‏1935 دخل كلية الهندسة بشهادة فقر، ‏إذ لم يكن يملك قيمة المصروفات المقررة وكانت أربعين جنيهاً. وأقام في شقة شقيقته المتزوجة من الشيخ علي حسب الله الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف. والشقة تقع تحت الربع بباب الخلق، وكان شقيقه إبراهيم عثمان الطالب أيضاً بكلية الهندسة يقيم في هذه الشقة. وشقيقته هذه هي والدة وزير الإسكان سابقاً صلاح حسب الله، والدكتور عبد المنعم حسب الله المدير التخصصي لشركة المقاولون العرب

قاوم عثمان الحقد على الأغنياء بترديده حكمة أمه‏: "غير‏..‏ومتحسدشي"‏، إذ كان يمشي من منزل شقيقته في باب الخلق إلى كلية الهندسة بالجيزة، حتى استطاعت شقيقته تدبير مبلغ مئة وعشرين قرشا كي يشترك في الترام لمدة ثلاثة أشهر. نظر عثمان إلى النقود وظل يفكر كيف يستفيد من هذا المبلغ لأكثر من ثلاثة أشهر حتى هداه تفكيره إلى شراء دراجة، فسأل عن ثمنها فوجده جنيهين، فعاد بالقطار إلى الإسماعيلية وقصد محل "عجلاتي" وطلب من صاحبه شراء دراجة قديمة متهالكة، فاشترى واحدة ثم جمع القطع الناقصة وأعاد إصلاحها ولم تكلفه سوى ستين قرشاً فقط. وظلت الدراجة مع عثمان أحمد عثمان خمس سنواتٍ كاملة هي مدة الدراسة في كلية الهندسة


في عام ‏1948 قرر الزواج عندما رصد‏ ثلاثين جنيها شهريا للإنفاق على بيت جديد، وكانت العروس سامية هي الشقيقة الثالثة لزوجتي شقيقيه إبراهيم وحسين بنات إسماعيل وهبي المحامي،‏ وفي الصباحية نهض من فراشه في الخامسة صباحاً ليذهب إلى عمله كالمعتاد


بدأ حياته العملية في مجال المقاولات ببناء جراج لطبيب يوناني مستعيراً أدوات البناء التي لا تخرج عن ستة عروق خشب ولوح وسقالة وكان مكسبه منها‏ ستة‏ جنيهات،‏ ومنها بدأت العجلة في الدوران. وكان أول تعامل له مع شركة عبود باشا عام 1947، وأدرج عبد القوي باشا اسم عثمان أحمد عثمان ضمن أسماء المقاولين المقيدين في مكتبه. وفي عام 1950 تولى عملية إنشاء مدرسة البنات الابتدائية بالإسماعيلية. وعندما أصبحت المدرسة جاهزة للتسليم قامت قوات الاحتلال البريطاني بالإسماعيلية بالسيطرة عليها عام 1951 بعد أن أعلنت حكومة مصطفى النحاس باشا إلغاء المعاهدة . امتد عمل عثمان خارج الإسماعيلية لبناء سور مصنع السماد بالسويس.‏ جرَّب حظه عام 1951 ‏في السعودية ليرسو عليه عطاء تنفيذ الكلية الحربية بالرياض،‏ وفيها عرف الملايين عبر مقاولة بلغت قيمتها 7.5 مليون ريال سعودي


لقد هبط المال على عثمان أحمد عثمان فجأة - على حد قوله- وبأكثر مما كان يتوقع، ليوقع بعدها باسمه بالخرسانة المسلحة على الرخام والصخر والأسمنت في الكويت والإمارات والعراق والأردن وليبيا ولبنان


وفي مصر، كانت له بصمته في بناء جسم السد العالي،‏ وبناء قواعد للصواريخ في جبهة قناة السويس أثناء حرب الاستنزاف،‏ إضافة إلى تعمير مدن القناة بعد حرب أكتوبر 1973، وشق طرق وترع، وإقامة مطارات وتشييد جسور وكباري علوية وأنفاق ودشم الطائرات،‏ ومصانع ومساجد ومستشفيات وبنوك ومؤسسات حكومية. وهو الذي أعاد بناء كفر عبده بالقرب من السويس في شهرين،‏ وشق في الجبل نفق الشهيد أحمد حمدي الذي تصدع فجأة بعد فترة من بنائه وتم "إسعافه" بعمليات إصلاحٍ عاجلة


ارتبط اسم عثمان‏ بزراعة الجبل خضرة للنادي الإسماعيلي،‏ وإقامة مستشفى المقاولين العرب فوق الجبل. وعملت شركاته على تشييد عددٍ كبير من المنشآت المهمة في دولٍ مختلفة، مثل ستاد أكرا بغانا، مطار الناضور بالمغرب، كلية الهندسة باليمن، مبنى وزارة المالية بالجزائر، وغيرها الكثير


لكن التحدي الأكبر الذي خاضه في مصر كان عنوانه:‏ السد العالي


فقد أُعلِنَ عن فتح الباب للشركات للتقدم بعطاءاتها للمشروع.. ولما تقدم عثمان لها طلبت الدولة من المقاولين بتشكيل اتحادات فيما بينهم كشرط للدخول في المناقصة، فتعاونت ‏11‏ شركة مقاولات مصرية في تكوين اتحاد لتنفيذ بناء السد العالي،‏ في الوقت الذي تقدمت فيه شركة عثمان وحدها لتنفيذ العمل المطروح، بعد أن تحايل على الشرط بالتحالف مع شركات كرواتية على الورق


وفي 12 يناير كانون ثانٍ عام 1961 أشرف وزير الري والسد العالي المهندس موسى عرفة على جلسة فتح مظاريف العطاء، ليتبين أن عطاء اتحاد المقاولين يبلغ 27 مليوناً، في حين كان عطاء عثمان أحمد عثمان 15 مليوناً فقط


يومها قال عثمان إن الفارق غير موجود تقريباً اللهم سوى أرباح كل شركة من الشركات الإحدى عشرة التي دخلت في الاتحاد، بحيث حددت كل شركة لنفسها مليون جنيه أرباحاً.. فإذا حذفت الأرباح تبين أن العطاء واحدٌ بينه وبينهم
‏لم يصدق المسؤولون أن هذا المقاول يمكن أن يقوم بالعمل وحده وبمبلغ يقل بمقدار 12 ‏ مليونا عن منافسيه، فقرروا أن تشترك معه شركة قطاع عام هي شركة مصر للأسمنت المسلح بنسبة ‏30% . رفض عثمان المبدأ وقرر بدلاً من أن تشترك معه شركة لا يعرف عنها شيئاً أن يتنازل عن ‏50%‏ من شركته للدولة، لكن الدولة رفضت هذا العرض، فرضخ في نهاية الأمر


وفي حين يقدم عثمان شركته على أنها الشركة التي تقف وراء بناء السد العالي، يؤكد سامي شرف سكرتير الرئيس عبد الناصر للمعلومات في كتابه"سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر: شهادة سامي شرف" (مكتبة مدبولي، 2006) أن"حجم الأعمال التي أوكلت لشركة "المقاولون العرب" في بناء السد العالي لم تتعد نسبة %12 بميزانية لم تتعد 40 مليون جنيه من جملة التكاليف التي بلغت 330 مليون جنيه. و"المقاولون العرب" قامت بأعمال حفر وهدم. ولم يشرف عثمان أحمد عثمان على أي عملية بل كان المشرفون هم أمين عمر وأحمد عوض

"مصر للأسمنت المسلح كان حجم أعمالها 60 مليون جنيه بنسبة 18 % وهو يعادل مرة ونصف حجم الأعمال الذي أنجزته "المقاولون العرب". وأهم الأعمال كالتبطين للأنفاق وبناء محطات الكهرباء والستارة الرئيسية للحقن قامت بها شركة مصر للأسمنت المسلح والهيئة العامة للسد العالي (ص 109)




على أنه بعد ستة أشهر من توليه بناء السد صدر قرار بتأميم الشركة بعد أن بلغت قيمتها الدفترية أربعة ملايين ونصف المليون جنيه. وهكذا، وبحلول عام 1961 تم تأميم شركته تأميماً نصفياً وأصبح هو رئيساً لمجلس إداراتها، ثم ما لبث أن أصبح التأميم كلياً في عام 1964، كما تغير اسمها من "الشركة الهندسية للصناعات والمقاولات العمومية" إلى "المقاولون العرب" - عثمان أحمد عثمان وشركاه.. وتمكن عثمان من أن يحتفظ بمنصبه فيها أيضاً كرئيس مجلس الإدارة، وتم تجديد رئاسته لمجلس الإدارة مرة أخرى في يوليو تموز 1968


وبذكائه الفطري، حافظ عثمان على توازنه وواصل أداء دوره، رافضا عرض الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود الحصول على الجنسية السعودية وأخذ ما يريد من أموال،‏ وتحمل نفقات معيشته مع أسرته في أي مكان في العالم


وكان عثمان قد ذهب إلى صديقه السادات قبل التأميم بأيام فلم يشأ الأخير أن يفاتحه بما سوف يصيبه باعتبار ذلك سراً ملكاً لعبد الناصر وحده‏..‏ ويسأله عثمان بعدها‏:‏ لماذا أمموني؟ وأنا لست من النوعيات التي ينطبق عليها مثل هذا القرار،‏ فلا أنا إقطاعي ولا رأسمالي ولا مستغل ولا محتكر ولا ذنب للاستعمار وما لدي من أموال كونت بها الشركة وحصلت عليها بعرقي من خارج مصر،‏ وأتيت بها لتستثمر لصالحها فيها،‏ ويجيبه السادات‏:‏ هذه أشياء سوف تنتهي وعليك بالصبر

‏وإذا ما كان عثمان قد نفذ حلم عبد الناصر في بناء السد وظل حتى النهاية مؤيدا له ومتعاونا معه،‏ فإنه من بعد رحيله أظهر نفوره من سياسته، حتى أخذ يشير إليه في كتابه "صفحات من تجربتي" بتعبير نظام الحكم بدلاً من ذكر اسمه الحقيقي. أثار الكتاب زوبعة إثر صدوره في إبريل نيسان 1981، لما جاء فيه من انتقادٍ لعبد الناصر، ما اضطر السادات إلى إصدار أوامر بتشكيل لجنة تقصي حقائق لما ورد في الكتاب الذي نوقش في مجلس الشعب


وفي 12 مايو أيار 1981 صدر النص الكامل للتحقيق في وقائع الكتاب. وجاء في النص أن "الكتاب لم يقصد التعريض بذمة عبد الناصر أو النيل من ثورة يوليو"..لكن عثمان يعترف بأنه غضب لتأميم عبد الناصر شركة "المقاولون العرب"، وقال في حديثٍ صحفي له "بأنني زعلت من عبد الناصر شوية بسبب حكاية التأميم"

غير أن الحقائق تشير إلى أن الاعتماد كان متبادلاً بين عثمان والسلطة في عهدي‏ عبد الناصر والسادات

فقد استفاد الاثنان من جهده وشركاته وعلاقاته، وكان هو يحفظ عن ظهر قلب وصية أمه في الصغر.. "اللي مالوش كبير يشتري له كبير"

وجد عثمان في كلٍ من الكبيرين هدفه وطريقه إلى مزيد من النجاح


ويمكن القول تجاوزاً إن جمال عبد الناصر هو الذي وضع حجر الأساس لدولة "المقاولون العرب" عندما أعطى الشركة امتيازاتٍ عدة وسمح لعثمان بممارسة نشاطه داخل مصر وخارجها من دون قيود. أما السادات فهو الذي أسبغ على هذه "الدولة" صفتها السياسية..وربما يعود ذلك إلى "الخلطة السرية" التي يمتلكها عثمان وجمعت بين ثقافة المهندس وشطارة المقاول

ولذا فسر البعض موقف عثمان بأنه لم يكن كراهية لعبد الناصر، بقدر ما كان ثمناً لموقعه المقرب من السادات

ويروي نائب رئيس تحرير جريدة "الجمهورية" عبد الوهاب عدس في مقال له تفاصيل مهمة حول علاقة عثمان أحمد عثمان بالرئيس عبد الناصر، فيقول: "قلت له (يقصد عثمان) كيف كانت علاقتك بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ذلك الوقت.. فقال لي عثمان أحمد عثمان: في أول زيارة لعبد الناصر للسد العالي وبعد انتهاء جولته.. وقف عبد الناصر يسأل: أين عثمان أحمد عثمان؟.. وكنت بجواره.. فقلت أنا يا ريس.. فاندهش عبد الناصر.. ورد علي قائلا: أنت عثمان.. اللي لابس أفرول.. وبتلف معانا طول النهار أنا كنت فاكر عثمان بكاتينه دهب وجالس في مكتبه في القاهرة.. وأضاف عثمان: أنا هنا يا ريس مقيم في هذه الخيمة إقامة كاملة وسط أبنائي العاملين، فقال عبد الناصر وهو يبتسم برافو عثمان.. وقبل أن يغادر عبد الناصر موقع السد العالي.. التفت لعثمان وقال له: مش عاوز حاجة يا عثمان.. فرد عثمان قبل أن يترك يد الرئيس.. أيوه يا ريس.. الجماعة اللي بيقيموا أصول المقاولون العرب تعبونا يا ريس.. فاتجه الرئيس عبد الناصر إلى المشير عبد الحكيم عامر وزير الحربية في ذلك الوقت والذي كان يرافقه وقال: ريحوا عثمان.. يا عبد الحكيم.. الراجل بيبني لنا السد العالي"


ويقول عثمان إنه بعد أن بنى فيلا لكل من كريمتي عبد الناصر بالأمر على قطعة أرض بمصر الجديدة، استدعته رئاسة الجمهورية وسألته عن التكاليف فرفض تقاضي أجر ورد أنها لم تتكلف شيئاً، فنهره ضابط الرئاسة ووبخه وقال له إنهم لا يريدون هدية من أحد ولابد من دفع ثمن بناء المنزلين
أصيب عثمان بحرجٍ بالغ وتضايق من هذا التقريع وتلك الإهانة، وقال إن البناء تكلف خمسة آلاف جنيه، بواقع ألفين وخمسمئة للفيلا، وهو مبلغ رمزي فقط حتى يتحاشى تطاول لسان ضابط الرئاسة بالرغم من أن الفاتورة الحقيقية هي مئة ألف جنيه، أي بواقع خمسين ألفاً لكل فيلا
ويضيف عثمان أنه مع ذلك، فقد فاصل ضابط الرئاسة لأنه استكثر الثمن الرمزي هذا، وطلب منه خفض المبلغ إلى ألف وخمسمئة جنيه لكل فيلا، فوافق على الفور وتم تسليمه شيكاً من الرئاسة بمبلغ ثلاثة آلاف جنيه
غير أن هذا الكلام أثار ردود فعلٍ واسعة، وانتقاداتٍ حادة لرواية عثمان
وفي كتابه "سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر: شهادة سامي شرف" يقول المؤلف: "وعندما أصدر عثمان أحمد عثمان كتابه "تجربتي" وادعى فيه أن منزلي السيدتين هدى ومنى جمال عبد الناصر لم تُدفَع تكلفتهما الكاملة لأنهما بُنيا لابنتي رئيس الجمهورية السابق.. سارع الرئيس السادات بالتنصل مما جاء في كتاب صهره ورفيق مجلسه الدائم اتقاءً لرد الفعل الشعبي الذي كان قد بدأ يفصح عن نفسه في ذلك الوقت"

وبين زعيم رحل..ورئيس وصل، كان عثمان قادراً على أن يصطاد العصافير التي يريد على شجرة الحكم

Friday, September 26, 2008

سرقات صيفية




وصلني سيلٌ من الرسائل الإلكترونية والاتصالات الهاتفية التي تنبهني إلى أن أحدهم نشر موضوعاً على امتداد الصفحة الثامنة من العدد الأسبوعي لجريدة "الدستور" المصرية، نقل فيه جزءاً كبيراً من تدوينتيّ عن "نساء المتعة" المنشورتين في سبتمبر أيلول 2008

وبعد التأكد من الأمر والتثبت من وجود تناص بين المنشور في الصحيفة ومدونتي في أكثر من موضع من دون إشارة إلى المصدر، وحرصاً على ودٍ قديم بيني وبين القائمين على هذه الصحيفة، أجريت اتصالات مع الزميلين إبراهيم عيسى رئيس تحرير "الدستور"، وإبراهيم منصور رئيس التحرير التنفيذي للجريدة


ربما كان من سوء حظ الصحفي المعني بالأمر أنهما صديقان قديمان قبل أن يكونا زميلي مهنة، وأنني كنت من المجموعة الأساسية التي ساهمت في التجربة المهمة لجريدة "الدستور" المستقلة في إصدارها الأول عام 1996، كما كانت لي كتابات متفرقة في الإصدار الثاني، بينها موضوع "رئيس لا يقرأ" الذي تجدون لعنوانه صورة أعلاه

وكم أحزنني أن يقع هذا الأمر لما فيه من تعدٍ على حقوق الملكية الفكرية والأدبية، ونقل لمادة خاصة بمدونتي "قبل الطوفان" من دون استئذان، إضافة إلى وضع الصحفي المذكور توقيعه على عمل نقل معظمه. وبقدر ما ضايقني هذا التصرف غير المهني، بقدر ما سعدت لاستجابة رئاسة التحرير في "الدستور" لشكواي وتأكيدها أنها، وبروحٍ من المسؤولية والالتزام المهني، ستتولى محاسبة المخطىء على هذا التجاوز الواضح والخطأ الفادح

وإذا كان هذا الأمر قد وقع لي، فإنه لم يكن الأول من نوعه بالنسبة لي أو للزملاء المدونين، الأمر الذي يطرح قضية مهمة وشائكة تتعلق بحقوق الملكية الفكرية والأدبية للمدونين، خصوصاً من تكون لأعمالهم أو كتاباتهم قيمة تغري البعض في وسائل الإعلام بالسطو عليها مع إغفال المصدر وعدم استئذانه أصلاً، بل ووضع أسماء آخرين عليها

إن الأمر سهل، كما يقول رئيس تحرير مطبوعة أخرى، إذ إن بعض المنتسبين إلى عالم الصحافة يركضون إلى محركات البحث، ثم يقعون على مادة معينة، أو يقومون بعمل مونتاج يتضمن التعديل والإضافة، ويضيفون جملة هنا وقفشة هناك..ليخرج موضوع "جديد" يعرضونه على رؤسائهم الذين ينشرونه عادةً بحسن نية على صفحات صحفهم أو مجلاتهم
ما العمل إذاً؟

بطبيعة الحال، تبدو الأزمة في جزءٍ منها مرتبطة بالواقع المؤسف الذي نعيشه في مصر والعالم العربي، من فوضى غير خلاقة وانتهاك للحقوق على اختلاف أنواعها وأشكالها، دون خوفٍ من حسيب أو رقيب

يعلم كثيرون أن تدويناتي المنشورة في المدونة تشكل مادة أساسية لكتبٍ ومؤلفات نشرتها أو أنني في سبيلي إلى نشرها قريباً، الأمر الذي طرح في ذهني تساؤلات عن أفضل الطرق لحفظ حقي الأدبي من أي نقل أو اقتباس أو سرقة لهذه المادة، من دون إذن واضحٍ وموافقة صريحة مني

ولو كان الشخص الذي نقل هذه المادة عن مدونتي أورد المصدر لكان العتاب أقل، ولقلنا ساعتها إنه كان أميناً مع نفسه ومهنته..وأقول أقل، لأن العتاب يبقى ما دمنا نعتبر الصحفي إنساناً دؤوباً يبحث عن المعرفة ويتقصاها من هنا وهناك، لا أن يستسهل نقل مادةٍ مكتوبة مع إضافاتٍ ورتوش بسيطة، لذر الرماد في العيون.. دور الصحفي أن يبحث ويجود ويستزيد، لا أن ينقل مادةً من مصدرٍ معين، حتى مع ذكر هذا المصدر..وليس أدل على أن الرتوش التي أجريت على الموضوع لم تكن كافيةً لإخفاء ما جرى، أن كثيرين اكتشفوا بسرعةٍ وسهولة أن الموضوع منقولٌ بشكلٍ واضح من تدوينتين لي نشرتهما في هذه المدونة

وبالطبع فأنا أتكلم هنا عن روح مهنة الصحافة التي أخلصت لها طوال عمري، وليس عن التفاصيل القانونية التي تناولتها في غير موضعٍ هنا

على أي حال، حرصت على عدم نشر اسم الصحفي موضوع الواقعة، بل إنني حذفت اسمه من الصورة المنشورة للمقال المذكور، لأنني أكتفي وأحترم تعامل "الدستور" الداخلي مع محرريها، علماً بأن نشر صورة الموضوع نفسه هو تأكيد مني لقارئ المدونة على حدوث الواقعة ليس إلا
كلمة أخيرة
ربما حان الوقت للبحث عن وسيلةٍ فعالة ورادعة تحمي حقوق التدوين والمدونات من كل من هب ودب



* عنوان التدوينة مأخوذ عن فيلم للمخرج يسري نصر الله..مع الاعتذار

Sunday, September 21, 2008

الصورة..إن حكت (1): إثم اللون



الصورة:
أمريكي من أصل إفريقي يشربُ الماءَ من صنبورٍ يخص "الملونين"، بموجبِ سياسةِ الفصلِ العنصري في ولاية كارولينا الشمالية عام 1950

تصوير: إليوت إرويت

Photographer: Elliott Erwitt


الماءُ دوماً عَصيٌ على القراءة
وحين نكرهُ، تكونُ للماء ذاكرةُ الغدر، لا ذاكرة الارتواء
كيف ينبجسُ الماء وتُولَدُ الخضرة في مكانٍ ينضحُ بالكراهية؟
كيف تشربُ وتشربُ، ولا ترتوي
تشربُ ولا تشربُ.. كأن الماءَ داخلَك

نحن يا صاحبي نشربُ الماء نفسَه ونَطأُ الأرضَ نفسَها، لكنكَ لا تراني مِثلكَ، ربما لأنكَ أصبحت إلهَ نفسِك..فأنت كل شيء ولا شيء
وحين يعكرُ الماءَ جلادون متعاقبون، تدورُ رأسك بخمرِ الثورة
وكلمةُ الثورةِ إما أن تصبح إلهاماً أو يكون مصيرُها سلةُ المهملات

التاريخُ يُخرِج من داخلِنا بشراً لا نعرفُهم
والماءُ يحاصرُ ذاكرةَ مَن تشتعلُ الحرائقُ في أوردَتِهم منذ لحظةِ الميلاد

في تلك الأيامِ المغطاةِ بالصمت، كان العطشُ عاهتَنا المستديمة
لم يكن الماءُ قادراً على إزاحةِ الحزنِ عن الوجوه، ولا سدِ الثقوبِ العميقة في الروحِ المتصدعة
يقولُ لكَ "الآخر" بلهجةٍ آمرة: ستكونُ عبداً لسيدٍ، وإن كان ذليلاً
ثم يهوي بسوطِ الإكراه أو صوتِ العنصرية، حتى يختلطَ الكلامُ بالأنين

في المدارسِ التي رجموها ونبذوا طلبتها إلى منفى التقسيم العرقي، ثمة شهقةٌ تتسللُ في قصبةِ الروحِ النافرةِ من العصب
في الركنِ القصي من الحافلاتِ، كنا نصطادُ موتَنا المؤجل، ونداوي همومَنا بهمومِنا
دواؤنا دموعُنا..هي الماءُ الوحيدُ الصادقُ الذي نعرفه
صارَ البكاءُ علامةَ موتِنا ونحنُ أحياء
وحدَه الحزنُ كان يلفُ الناسَ بعباءتِه الفضفاضة

نرتشفُ ثلاثَ رشفات
مرة احتجاجاً على "إثم" اللون، ومرة تصالحاً مع كوابيسَ تدورُ في رؤوسِنا مثلَ ساقيةِ الخزي التي رُبِطنا إليها، ومرة حسرةً على أخٍ احتالت عليه الحماقةُ..فأطاعها

الماءُ الذي يخدعُ الأرضَ ويراوغُ الزهرة، يتسربُ الآن إلى حلقي الظامىء الذي غيبَت العنصريةُ عنه حاسةَ التذوق
كأن حواسَكَ لا تعرفُ بعضَها البعض.. حديقة حواسِك بلا ماء
وحدَها الحريةُ تروي العطش

أنا ابنُ الجنوبِ وموسيقى البلوز، أسافرُ بالماءِ حامِلاً ضلوعي باقَةَ جمرٍ تَتَمارى فِيَّ الأكُفُّ
سُعالي الحادُ صارَ نصلاً راحَ يحزُ رقبتي ليلاً، مثلَ طيورٍ تربكُ نعاسَ الأشجار
اللونان الأبيضُ والأسودُ سيدا المشهدِ والمكان
وأنت تدعوني: الملوَن
دعني أسألُك: هل الأبيضُ لون؟ هل الأسودُ لون؟ أم أن التقاءهما يصنعُ ذلك الخليط الخائف والخائب الذي نسميه الرمادي

إن شئتَ، سأحدثكَ قليلاً عن طائر الكاردينال، رمز الولاية، الذي يتباهى ذكوره بقناعٍ أسودَ على الوجهِ لاجتذابِ إناثه..وإن شئتَ، سأترككَ تفكرُ لم استغنى طائرُ الكاردينال عن اللونِ الأبيض في جسدِه البهي

لم أفهمْ يوماً، كيف يكون اللونُ خطيئة، ويصبحُ الأسودُ مرادفاً للجُرمِ والاستهجان: فاسدٌ، فاسقٌ، أثيمٌ، مرعبٌ، شرير
لماذا يخترعُ البعضُ عبادةَ البياض؟
"الأبيض" يريدُ أن يسودَ، لكن كيف تستأثرُ بالمكانِ ما دمتَ ستنتهي مدفوناً تحت أرضِه؟
تلك إذاً خرائبُ الأمكنة، التي تنمو فوقها المباني كنباتٍ وحشي
كلُ ضحيةٍ تمشي مع ظلالِها على تلك الطرقاتِ البعيدة، أو تنزوي بين جنباتِ بقع الظلمة التي تشبهُ الظلم
أما الخوفُ، فينامُ في العيونِ التي تعبت من الصلاةِ طمعاً في الطمأنينة

ها أنا أشربُ الماء، فالأرضُ يجب أن نشربَ منها، حتى تصيرَ منا
ها أنا أشربُ كي أحيا، لكن الذلَ مميت
والرجلُ في الحي الذي تفوحُ منه رائحةُ الفقر، يكدُ ويشقى ويمتصُ الهوانَ كإسفنجة، حتى يسقطَ في الحقل أو يتمددَ فوق سريرٍ باردٍ في الغرفةِ الرطبةِ مثل لوحِ الخشب
وفي الخارجِ، نارُ الحقيقةِ تضطرمُ

لا بد أنكَ تعرفُ أننا نصيرُ جميعاً لوناً واحداً حين نختفي خلفَ قناعِ الموت
والموتُ ليس كافياً للنسيان
ونحن أمواتٌ يَحيونَ بلا مقابِــرَ ولا تعاويذَ

أيها الجلادُ، كم يشبهُ صفيرُ الأغنيةِ التي تدندنُ بها، صفيرَ الريحِ خلفَ نوافذِ بيوتِنا المتداعيةِ التي هدَها التعبُ
الفرقُ الوحيد هو أنه ليس للخوفِ نوافذ. الخوفُ هو المخدِّرُ الذي يَسكنُ في تقويسة عينيك
أريدُ أن أنامَ، لأصبحَ في الأحلامِ حراً
ولكن حين ترفعُ جبلاً طوالَ الليل..كيف تسمي ذلك نوماً؟

وأنتَ..في أي هاويةٍ تنام؟

زهرةُ جسدي، أقطفُها كلَ صباح وألقيها في الشارعِ ليطأها مغرورون، ومُغرمون بوهمِ التفوقِ والهيمنة
في كلِ خطوةٍ أنفضُ عن صدري زهرةً مفتَّتة الأوراق ونُدْبة
كأني محبوسٌ في تلك الزاويةِ من الشهيقِ والزفير فقط، وأتحركُ في مساحةٍ لا تتجاوزُ بصمةَ يدي

في الليالي العاصفةِ قبعتي تطيرُ ببطء، تحييّ السماء، تحلّقُ في الريح باتجاه مدينة ولمنغتون
ربما رأسي العاريةُ تثيرُ إعجابَ الغيوم
لكنني في الوطنِ الجديدِ أجهشُ دوماً بالاغتراب
موقعي في مكانٍ ما، بين الوجودِ والعدم، أي ما بينَ وهمين

قبضةُ اللونِ كانت تجعلُ الرجلَ منا يقفزُ فوق حريته كأنها بركةُ ماءٍ يخافُ من الغرقِ فيها
كم يَسعُ الجسدُ البشريُ خوفاً لا حد له
هل تريدُ أن آخذكَ إلى/ على الماء؟
لعلكَ تدركُ يوماً أنه لا يُوجَدُ في أعماقِنا غير الماءِ، نُولَدُ من الماءِ، ونذهبُ إلى الماءِ، وحين يجفُ ماؤنا نموت


صنبورُ الماءِ واطىء في منتصفِ المسافةِ بين الأرضِ وقامتي.. حتى حين أشربُ تجبرُني على الانحناء!
هذا الماءُ المجروحُ يصيرُ في فمي بطعمِ الدمِ اللزجِ لأسلافٍ ماتوا تحتَ التعذيب وبُتِرَت أطرافهم كي لا يهربوا من جحيمِ الرق
دم، يترك أثرَه في الرملِ مثل أفعى علَمتَها غريزةُ البقاء أن تمحوَ بصمتَها على الأرض
كأن الطمأنينةَ زائرٌ على سفر


نساؤنا في المدينةِ الكبيرة، تشارلوت، تزوجهُن الفقرُ كرهاً وضاجعهن غصباً، فالسيدُ يطمعُ في بطونهن المدورةِ ذاتِ الثنياتِ الوفيرة، ويستهلكُ مثلَ المناديلِ الورقيةِ ذواتِ الفمِ الشهواني الغليظِ والابتسامةِ البُنيةِ البَرية

ذبابُك ينهشُ لحمي الطري، وأنا أحني رأسي للماء..وبياضِك الذي يستميتُ كي يبدو شاهقاً

النهارُ الحارُ يمارسُ سطوتَه في الخارجِ، والماءُ فضةٌ بلونِ الرماد
أُفرِغُ في جَوفي حممَ الأيامِ، لكنَ الماءَ فاترٌ، مثل نظرةِ شرطي لمن هم مثلي

القهرُ ذئبٌ، لا يقتله سوى صياد الوقتِ
يا إلهي: ما أعرفُ.. يُقوِضُ ما أريدُ

أيها الأخُ الضحية: كأن طينَك لم يفترْ منذ الحرقِ الأول. تدخلُ في احتجاجٍ، وتبدأ عصياناً.. ثم تعتصم، قبل أن يُخمِدَ الجلادُ نارَ غضبكَ
يبدو أننا كلما تألمنا أكثر طالبنا أكثر. الاحتجاجُ علامةٌ على أن الإنسانَ خرجَ للتو من قرارةِ جحيم
"القليلُ من الشفقة"، يقولُ أحدُهم
لكننا لا نستجدي الشفقة.. إنها أسوأُ إحساسٍ يشعرُ به فردٌ، يُلصِقون به صفةَ الجنسِ الأدنى مثل طابعٍ بريدي قديم

جرثومةُ العنصريةِ تتكاثرُ على الخارطةِ كالفطرياتِ.. من غرينزبورو إلى دورام، ومن فييتفيل إلى ونستون سيلم

هل قلتُ لكَ إنني قرأتُ يوماً أن الإنسانَ كائنٌ يفرزُ الكارثة؟
شخصياً، أعرفُ أن كلَ كائنٍ تسكنه عقدةُ التفوقِ هو نشيدٌ مُدمِر
كتبُ التاريخ والفلسفةِ التي تنامُ على أرففٍ متهالكةٍ في غرفتي المتواضعة، علَمتني أن كلَ شعبِ، في مرحلةٍ من مراحلِ تطورِه، يذهبُ به الظنُ إلى أنه شعبٌ مختار. عندئذ يعطي أفضلَ وأسوأ ما فيه

لعلك تظنُ أن ماءكَ ليس كأي ماء.. حسنٌ، ماؤك لا يشبهه أي ماء..فهو دمٌ ينز من خاصرتي التي طعنتَها بسكين حقوقي المهدرة
هل تريدُ أن تشربَ من "صنبورك" ماء بارداً؟
تفضل..هذا الماءُ وديعتي في زهرةِ فمكَ
لكن عليكَ أن تتذكرَ جيداً: ينتهي الحبُ بنقطةِ دمعٍ، وتبدأ الكراهيةُ بنقطةِ دمعٍ

تطالعُني بدهشةٍ وأنا أشربُ الماء.. لا تقلق، لن أشربَ أكثرَ من حاجتي وأوامرِكَ
تمتلىء زهرةُ الحريةُ بالماءِ الرقراق، حتى إنني رأيتُ بعضَه يلمعُ، ويسيلُ من زاويةِ فمي اليسرى
رويداً رويداً، سأشربُ، ليستحيلُ الألم أملاً..لن أذوبَ مثلَ قطعةِ سكر في فنجانِ قهوتِكَ الصباحية
لن أختفي..عساني يوماً أكونُ هنا في مركزِ الحياة

تسألُني، لماذا اعتبرُ كارولينا الشمالية وأخواتِها كعكةً عملاقةً مسمومة
إليكَ الإجابةُ: لأن التفرقةَ فيها وصلت إلى رشفةِ الماء
لأن في قلبِ أحدِنا لا تزالُ متوهّجةً جمرةُ الكراهية
لأن الألمَ سيخرجُ يوماً كما يفوحُ الحريقُ من فوهةِ مدخنة

Wednesday, September 17, 2008

أبو غزالة..من "النجم الساطع" إلى "خريف الغضب" (5): رقصة واحدة تكفي






"تحلم راقصات أن تُكنَ أخوات الفجر
كي ترقصن في الأعجوبة المنسية بفعل مكر الأثواب البهية"
(إدمون غابيس، "غياب المكان"، "العتبة - الرمل" ( 1943 - 1988)، مطبوعات غاليمار، عام ١٩٩١)


في السياسة كما في عُلب الليل: رقصةٌ واحدة تكفي

وربما كانت هذه الرقصة، سبباً في تغيير وجه ووجهة السياسة الدولية في واحدة من أدق فترات الحرب الباردة

إنها رقصة صممها من أرادوا أن يحاربوا الاحتلال السوفيتي في أفغانستان، فصنعوا وحشاً آخر

والأكيد أن قرار دعم المقاتلين أو "المجاهدين" الأفغان من صناعة أنظمة عدة في المنطقة وخارجها، بتنسيق أمريكي، لكن أياً من هؤلاء لم يكن يتوقع المساهمة دون أن يدري في صناعة حركة طالبان الأفغانية، أو تنظيم القاعدة..وربما تمهيد الطريق إلى هجمات الحادي عشر من سبتمبر أيلول 2001

والقصة التي بين أيدينا، استغرقت خمسة عشر عاماً من الكاتب جورج كريل - الذي توفي عام 2006- كي يجمع تفاصيلها ويوثقها في كتاب يقع في 550 صفحة

Crile, George. Charlie Wilson's War: The Extraordinary Story of How the Wildest Man in Congress and a Rogue CIA Agent Changed the History of Our Times, New York: Grove Press, 2003

والكتاب الذي بين أيدينا صدر عام 2003 فلم يعارضه أحد، وتحول إلى فيلم يحمل العنوان نفسه، بدأ عرضه في 21 ديسمبر كانون أول 2007 من بطولة توم هانكس وجوليا روبرتس وفيليب سيمور هوفمان، ومن إخراج مايك نيكولز، كما تناولته قناة History في برنامج وثائقي مدته ساعتان في 22 ديسمبر كانون أول 2007، من دون أن يصدر تكذيب رسمي وموثق لتفاصيله حتى الساعة..الأمر الذي يدفعنا إلى اعتماد ما ورد فيه، بالرغم من غرابة ما تتضمنه تلك التفاصيل المذهلة التي جمعها صحفي بارز عمل طوال ثلاثين عاماً مع شبكة CBS وخاصة في برنامج 60 دقيقة


إنها قصة عضو كونغرس عابث من تكساس، يدعى تشارلي ويلسون، وكيف قاد سراً أكبر عملية في تاريخ الاستخبارات المركزية الأمريكية لدعم وتسليح المقاتلين الأفغان ضد الوجود العسكري السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي. وفي عام 1980 تمكن ويلسون بوصفه عضواً في لجنة الاعتمادات الفرعية بالكونغرس، من مضاعفة المبلغ المخصص لدعم المقاتلين الأفغان من خمسة ملايين دولار إلى عشرة ملايين دولار، ثم نجح في تأمين مبلغ 750 مليون دولار سنوياً لهؤلاء "المجاهدين" بحلول نهاية عقد الثمانينيات

ولعل السبب الرئيسي في موقف النائب الديمقراطي تشارلي ويلسون هو عداؤه الشديد للشيوعية، إلى جانب تأثير عشيقته جوان هيرينغ المنتمية إلى اليمين المحافظ، والتي حثته على مساندة المقاتلين الأفغان ضد الوجود العسكري السوفيتي، وساعدته،بوصفها قنصلاً فخرياً لكل من باكستان والمغرب، في أن يلتقي الرئيس الباكستاني الجنرال محمد ضياء الحق ويزور معسكرات اللاجئين الأفغان..لتبدأ العجلة في الدوران

في الفصل العاشر من كتاب جورج كريل "حرب تشارلي ويلسون"، تطل حكاية المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة
في هذا الفصل الذي يحمل عنواناً مثيراً هو "عضو الكونغرس يأخذ راقصته الشرقية إلى الجهاد"، يبدأ الكاتب في جمع خيوط الحكاية وكيف تلاقت مصائر أبطالها

والبداية من كيلغور، شرق تكساس، حيث كانت كارول شانون وهي بعد في السادسة من عمرها تهوى الرقص، ولكن كنيسة الأسرة كانت تعتبر الرقص رجساً من عمل الشيطان، وتنصح الأب بوصفه رب المنزل بطرد هذه الروح الشريرة من رؤوس أبنائه. ولما كان الأب لا يحفظ تعويذة فقد لجأ إلى الضرب

لم تعرف الصغيرة كارول سبباً لثورة أبيها وإعمال حزامه الجلدي في جسدها حتى يدميه، ولا سبب لكمه لها، وأحست بالارتباك لحظتها ولم تجد غير الهرولة إلى غرفتها وإغلاق الباب دون والدها والعودة للرقص على أنغام الموسيقى واستراق النظرات إلى المرآة ، في حين أخذت ضحكاتها تتعالى

بعد سنواتٍ انتصر فيها عنادها على سوط أبيها، وتزوجت كارول الفتاة بالسياسي الشاب الطموح جو شانون وسرعان ما رشح نفسه لمقعد في مجلس الشيوخ. غير أن عضو الكونغرس تشارلي ويلسون قرر مساندة صديق ينافس جو في الدائرة الانتخابية نفسها. وقبل أن يسقط جو من عليائه نتيجة فوز خصمه، قال جو لزوجته كارول: إن ويلسون هذا ليبرالي خطير، وسيتسبب يوماً في تدمير الولايات المتحدة..وأضاف قائلاً: إنه العدو

لكن كارول بدلاً من أن تمقت الرجل، أُعجِبَت به



ومع تدهور علاقتها بزوجها سعت لإرضائه وإغوائه، من خلال الالتحاق بدورة لتعلم الرقص الشرقي. وذات ليلةٍ، طلبت منه أن يغلق التلفاز، ثم أوقدت شموعاً وراحت ترقص له على ضوء الشموع. غير أنه بعد لحظاتٍ أطفأ الشموع وأعاد تشغيل جهاز التلفاز

لم تتخلَ كارول عن هواية الرقص، وكانت فتاة دالاس رائعة الجمال بشهادة فوزها بلقب ملكة البحار ثم ملكة التزلج وملكة النفط، وكانت في الثلاثين من عمرها، يميزها شعر أسود فاحم، وتثير إعجاب الرجال. خُيِلَ إلى كارول أنها عاشت حياة سابقة تحت اسم الملكة الفرعونية نفرتيتي، وكانت حين ترقص تطلق سراح روحها، وتنسى رعب الطفولة الذي عاشته


في عام 1978 دعتها فرقة فورت وورث السيمفونية لأداء رقصةٍ فردية في عرضٍ يحمل اسم "شمشون ودليلة"، وكان هذا سبباً في شهرتها ودخولها المجتمع الراقي. أحس زوجها بالهوان فتركها بعد أسبوع، لكنها في عُرف الرجل الآخر، النائب الذي ساهم في فوز خصم زوجها، بدت وكأنها حلم لا يُقاوَم من "ألف ليلة وليلة". أصبح الاثنان صديقين بعد أحد عروضها، وسرعان ما غرقا في بحر الشهوة إن لم يكن الحب. وعندما كان ويلسون يواجه اتهامات بتعاطي الكوكايين في حوض سباحةٍ في لاس فيغاس – وهي اتهامات أُسقِطَت لاحقاً- لم يكن يلجأ إلى عشيقته سيدة المجتمع الراقي جوان هيرينغ التي كان يُطلق عليها "ملكة تكساس"، وإنما إلى الراقصة كارول شانون


وبعد وصلة رقص خاصة أدتها له كارول، قال لها "والآن يا عزيزتي، إذا كنتِ جادة بالفعل بشأن هذا الرقص الشرقي، تعالي معي إلى القاهرة، وسأجعلكِ ترقصين لوزير الدفاع المصري نفسه". كانت الدعوة نصف جادة، ولكن بمضي الوقت بدأ النائب عن تكساس يسائل نفسه: إنها فكرة لا بأس بها..أن يجلب معه في جولته الخارجية المقبلة راقصته الشرقية الخاصة ..ولم لا؟


بعد شهرين من لقاء حميم جرى بينهما في منزله في العاصمة واشنطن والمطل على نهر بوتوماك ونصب لينكن التذكاري ومبنى الكابيتول والبيت الأبيض، شعرت كارول شانون بأنها تعيش قصة خرافية حين جلست إلى جواره في مقعد بالدرجة الأولى وهما يسافران في رحلة سترقص فيها أمام وزير الدفاع المصري المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة


تصف كارول شعورها قائلةً: كنتُ قد شاهدتُ المسلسل "ملكة ليوم واحد"
Queen for a Day
لكن ويلسون جعلني ملكة لثلاثة أسابيع. وعندما هبطت الطائرة في مطار إسرائيلي التقى عضو الكونغرس دبلوماسياً من السفارة الأمريكية كان يعرف السياسة المتبعة، واكتفى بتحية القادم ثم قدم إليه لفافة أوراق مالية هي عبارة عن المبالغ المالية المعتادة التي تقدم لرجال الكونغرس المسافرين، ثم تركه لأصدقائه الإسرائيليين، وأولهم زيفي رافياح

وكان ويلسون يختفي صباحاً مع زيفي، ويترك كارول مع سائق السفارة لزيارة المناطق المقدسة. وذات يوم عاد من رحلته المعتادة وهو يكاد يطير فرحاً ليحدثها عن صفقات سرية تتعلق بدبابات T-55 وصفقات سرية مع باكستان. تقول كارول في مذكراتها: لم أتحدث يوماً بهذا السر، قبل الآن، وكان ويلسون يبدو وكأنه منقذ العالم

سعى ويلسون مع شخصياتٍ معنية في مؤسسة الصناعات العسكرية الإسرائيلية إلى بحث مشروع تطوير هذا النوع من الدبابات، وأيضاً ملف الطائرة المقاتلة "لافي" Lavi فضلاً عما يمكن أن يوفره عضو الكونغرس، نيابة عن إسرائيل، للرئيس الباكستاني ضياء الحق، ما يمهد لسلسلة تفاهماتٍ سرية بين الجانبين. كما طالب ويلسون إسرائيل بالتفكير في سلاح يمكن أن يستخدمه الأفغان في إسقاط المروحيات العسكرية السوفيتية، على أن يتولى هو إقناع أعضاء الكونغرس بتمويل تصنيع هذا السلاح


كان ويلسون يخطو بذلك فوق أرض محرمة على أمثاله، إذ إنه ليس مسموحاً لأعضاء الكونغرس بتفويض قوى أجنبية بتصميم وتصنيع أسلحة، كما أنه لا يحق لهم التعهد بأن يمول البنتاغون مثل هذه المشروعات العسكرية، لكنه كان يريد ضم الإسرائيليين إلى الحرب الأفغانية ضد القوات السوفيتية، والتي تمولها سراً وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية
وقبيل مغادرته إسرائيل، قدم له الإسرائيليون تصميماً لسلاح بمواصفات مكتملة، وهو صاروخ متعدد القذائف، يمكن أن تحمله البغال على ظهورها، يحمل اسم حصان تشارلي Charlie Horse الأمر الذي أسعد تشارلي ويلسون وجعله يتعهد لهم بعرض فكرة التصميم على وكالة الاستخبارات الأمريكية


في 31 مارس آذار 1983، بدأ دور الراقصة يتبلور، لكنها هذه المرة كانت في قلب الحدث وطرفاً لاعباً فيه. في ذلك اليوم صعدت كارول قدميها على متن أغرب طائرة تجارية من نوعها، فالطائرة لم تكن تحمل علامة توضح هويتها ولا حتى رقماً مجهولاً عند الذيل. وفي تلك الطائرة المتجهة من القدس إلى القاهرة في رحلةٍ مكوكية تتم بمقتضى نصوص معاهدة كامب ديفيد، جمع ويلسون مجموعة غريبة تبدو غير متجانسة، تضم زيفي رافياح الذي كان ويلسون يشك دائماً في أنه عميل للموساد، وزوجة رافياح، والنجمة السينمائية الإسرائيلية غيلا ألماغور، وإلى جوارها كارول شانون، راقصة تكساس الحالمة


كان التباين بين المسافرين واضحاً بل وأقرب إلى موقف كوميدي في مسرحية هزلية، فهذه الفتاة من تكساس يعتريها حماس بريء لمهمة تجهل خفاياها، وعملاء تصطك أسنانهم من الخوف من بلد مجهول بالنسبة لهم يدخلونه لأول مرة وهم يعلمون أنهم ليسوا محل ترحيب، ويكاد الواحد منهم لا يصدق أنه على ظهر طائرة مجهولة الهوية. غير أن عضو الكونغرس كان مطمئناً وأردهم أن يقابلوا صديقهم المصري الكبير الذي سيوفر لهم الحماية، وسيكون شخصياً في استقبالهم على أرض المطاروبحسب الكتاب، فإن ذلك الصديق لم يكن سوى: المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة (ص 143)


ولكن كيف تعارف ويلسون وأبو غزالة؟


يقول الكتاب إن صلة التعارف بينهما كان دينيس نيل، رجل العلاقات وجماعات الضغط في واشنطن، الذي بدأ نشاطه في مصر عام 1980، والذي حث المشير على أن يقابل عضو الكونغرس الذي يملك علاقاتٍ واسعة ونفوذاَ كبيراً. وبالنص، يقول المؤلف جورج كريل: "لم يتطلب الأمر جهداً كبيراً، إذ تبين أن أبو غزاالة كان الرجل المناسب لويلسون: أحد أبطال حرب 1973، كارهٌ حقيقي للشيوعيين، مسلم يحتسي الخمر، محب للنساء، ويملك مخزوناً لا ينتهي من النكات العرقية من كل بلد في العالم. لقد رآه ويلسون شخصاً مرحاً للغاية، وكما فطن نيلن وتوقع فإن صداقة نمت بينهما"


وبعد أن تعمقت العلاقة بينهما، أضيف إلى تشارلي ويلسون لقب آخر: بطل المساعدات الخارجية لمصر..وإسرائيل
ويشير دينيس نيل إلى دور لوبي "جنرال ديناميكس" في تقديم تشارلي إلى مصر، على اعتبار أن طائرات اف-16 تعد محور المساعدات الخارجية لمصر، واف-16 يتم تصنيعها في تكساس. غير أن المكون الضروري الذي أضافه دينيس نيل إلى تلك الصورة هو وجه أبو غزالة المبتسم. وبمجرد أن تنبه ويلسون إلى أهمية هذا الأمر، حتى حرص على أن ينال أبو غزالة قسطاً عادلاً من أموال دافعي الضرائب في الولايات المتحدة. وكلما جاء أبو غزالة في زيارة إلى مكتب ويلسون، كان يحظى بمعاملة توازي ما يلقاه زيفي رافياح من معاملة خاصة، وهذا يعني الكثير (ص 144)


وكان أسلوب أبو غزالة في حشد واستمالة جماعات الضغط مماثلاً لما يفعله العميل الإسرائيلي زيفي رافياح، وحرص العاملون في مكتب ويلسون على الاستجابة لكل ما يطلبه أبو غزالة


وعندما كانت طائرة عضو الكونغرس تقترب من مدرج مطار القاهرة، كان قد رعى للتو صفقة تقضي بمنح مصر مساعدات خارجية تقدر قيمتها بمليار دولار. وكان أبو غزالة يدرك أهمية العرفان بهذه البادرة. وإذا كان هذا يتطلب فرش البساط الأحمر لعضو الكونغرس ومجموعة من الإسرائيليين ممن اصطحبهم ويلسون معه في رحلته لمصر، فليكن
وحين فُتِحَ باب الطائرة التي بلا علامة تدل على هويتها، فوجىء ركابها بفرقة موسيقية عسكرية تعزف لحن "زهرة تكساس صفراء اللون" The Yellow Rose of Texas . كان كبار الضباط المنتشرين فوق مدرج المطار، يؤدون التحية لويلسون كما لو كان هو أيضاً برتبة مشير


عاودت كارول أحلام نفرتيتي

وقالت كارول فيما بعد، وهي تستعيد تلك اللحظات: استقبلوني كملكة

وفي الفندق، سجل ويلسون الراقصة كارول تحت اسم السيدة ويلسون، هامساً لها بأنه مخالفٌ للقانون بأن يناما معاً في غرفة واحدة إن لم يكونا متزوجين. وفي سبيل بث الطمأنينة في نفوس الضيوف الإسرائيليين، وضع أبوغزالة حراساً مسلحين على أبواب غرفهم، وخيُلَ للنجمة غيلا أنها حبيسة وسجانها يقف على الباب، لكن كارول شانون كانت تعيش أحلى أيامها وقد أسعدتها كلمات المشير وهو يقول لها إنه يتطلع إلى مشاهدة رقصها في تلك الليلة

بدا إحضار ويلسون لراقصةٍ شرقية إلى مصر الأمر، مثل بيع الماء في حارة السقائين!

لكن كارول شانون كان تجهز لمفاجأة
في تلك الليلة، قررت كارول أن ترقص على طريقتها الخاصة


في البداية قالت للمشير: "لا تتنفس"، ثم أخرجت سيفاً من غمده وأخذت تهزه على بعد بوصات من وجه أبو غزالة. كان ذلك بعد أقل من عامين من حادث المنصة الذي اغتيل فيه السادات وآخرون في أكتوبر تشرين أول 1981، ما دفع حراس المشير إلى أن يهبوا واقفين من مقاعدهم، محاولين انتزاع السيف من يدها، لكن ويلسون أشار إليهم بأن يبقوا في أماكنهم قائلاً : "دعوها، إنه جزءٌ من الرقصة"، فيما كانت كارول بذراعيها المكشوفتين وبطنها العارية التي تتماوج تتجاوز كل المحظورات، وهي تحاصره بملابس الرقص، وتظهر لعينيه فقط، صدرها العارم وبطنها المترعة بالأحلام (ص 145)


ها هي امرأة تتجسد أمام ناظريه كوعدٍ مُلحٍّ وعابث..كلعنةٍ تارةً، أو لذة مرات
قطعة قطعة، كان يتخفف من أثقاله أمام عريها الأنيق
وبدا أبو غزالة – ولعب دوره في الفيلم اليهودي المغربي أهارون إيبالي- مأخوذاً لدرجة أنه لم يقلق حين حرَكت السيف من منطقة بالقرب من رأسه إلى أذنه، ثم صدره، فمنطقة الحزام، قبل أن تستقر عند موضعٍ حساسٍ في جسده


كانت هذه اللحظة المثيرة أشبه بإمضاء تركته راقصة تكساس، في ذروة رقصتها التي تُصيب بالدوار
وبالنسبة لها، كان لتلك الحركة معنى واحد، إذ تقول: "إنها اللحظة الوحيدة التي يكون لي فيها سلطة حقيقية على رجل"
لكن في تلك الليلة في القاهرة، فاق الأمر طاقة واحتمال الحراس الشخصيين للمشير، حين سحبت سيفها كما لو أنها ستغرسه مباشرة في صدر أبو غزالة. وقف رجال الحراسة على أطراف أصابعهم، ما زاد من حدة تأثير رقصتها، في حين ضحكت هي بجرأة أمام الرجل القوي الذي ترقص أمامه

ويقول المؤلف: "في لحظة، كانت تهدد رجولة المشير، وها هي تعيد الكَرة بضحكة تبدو كأنها دعوة"

أما كارول شانون - التي أدت دورها في الفيلم تريسي فيليبس- فتتذكر قائلة: "لقد بدأ يرغي ويزبد من عينيه"، وتضيف قائلةً: "لقد تعين على تشارلي أن يقول له: "لا تستطيع أن تلمسها". لقد احترم ذلك، لكنه أبلغني أنه يريدني أن أعود إلى مصر لأحل ضيفةً عليه"


وهنا يتعين أن نشير إلى أن الرقابة على المصنفات الفنية في مصر برئاسة علي أبو شادي، وافقت على عرض فيلم Charlie Wilson’s War بعد أن اكتفت بقص مشاهد الرقصة المثيرة للجدل التي قادت إلى صفقة لضخ مزيد من الأسلحة للمقاتلين الأفغان


وبينما انشغلت كارول والزوجان الإسرائيليان رافياح بركوب الجمال في الصحراء وزيارة منطقة الأهرامات، تضمنت الرحلة صفقاتٍ أكثر جدية


ففي وزارة الدفاع المصرية، أبلغ ويلسون المشير برغبته في تجاوز خجل وتردد وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ثم سأله إن كان يوجد في ترسانة الأسلحة المصرية سلاحٌ يمكن أن يحدث فرقاً بالنسبة للأفغان. ابتسم أبو غزالة وأبلغه بأنه لا داعي لأن يبحث أبعد من ذلك، إذ كانت ترسانة السلاح المصرية تحتفظ بأسلحة سوفيتية من فترة ما قبل تغيير السادات موقفه السياسي من موسكو في سبعينيات القرن الماضي، وكانت المصانع الحربية المصرية تصنع أسلحة ومعدات بترخيص سوفيتي. وكانت مصر تزود بالفعل الأفغان بأسلحةٍ عبر المخابرات الأمريكية، لكن المشير أبلغه بأنه لا قيود على ما يمكن أن يقدمه هو من أسلحة، سواء على مستوى الكمية أو التقدم (ص 146)


وبحكم الصداقة التي تجمع بينهما، طمأنه المشير بأنه لن توجد مشكلة في أن تقدم مصر تلك الأسلحة، من دون حاجة لتدخل أي شخص آخر. وأكد أنه لا حاجة لمحادثات على مستوى وزارة الخارجية، وأنه ما على تشارلي سوى توفير المال ليمنحه المشير كل شيء آخر لإسقاط الطائرات السوفيتية المقاتلة


لقد حقق تشارلي ويلسون كل ما يريده من هذه الرحلة، فقد أحضر جواسيس ونجمة سينما من إسرائيل إلى القاهرة، وفوَض الإسرائيليين لتصميم سلاح مضاد للطائرات لمصلحة الاستخبارات الأمريكية، وتفاوض بشأن صفقات سلاح سرية مع وزير الدفاع المصري، كما جعل كارول شانون تحقق حلمها لتعود إلى بلدها قائلةً إنها رقصت في القاهرة وفازت بقلب فرعون من هذا العصر


القصة تناولتها أكثر من صحيفة أمريكية، بينها "واشنطن بوست"، و"وول ستريت جورنال" التي قالت إن جهود إقناع مصر بإرسال سلاح سوفيتي إلى أفغانستان جاءت في إطار التمويه على قيام الغرب بمساعدة المجاهدين الأفغان، وادعاء أن هذا السلاح تمَّ الاستيلاء عليه من الجيش السوفيتي


أما صحيفة "لفكين ديلي نيوز" فقد نقلت تفاصيل أكثر عن الراقصة التي تعيش في شيكاغو، وتبلغ حالياً من العمر 60 عاماً، وهي أم مطلقة لفتاتين تمارسان الرقص الشرقي أيضاً




وفي لقاءٍ آخر، اجتمع دينيس نيل وأبو غزالة على هامش معرض باريس للطائرات مع تشارلي ويلسون الذي حضر إلى باريس برفقة عشيقته جوان هيرينغ، ذات الصلات الواسعة في الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط. وفي اللقاء بدا المشير ودوداً مع جوان، ولم يأتِ على ذكر الراقصة كارول شانون. وشدد أبو غزالة لصديقه ويلسون على أنه يملك السلاح الذي يحتاجه المقاتلون الأفغان، وطلب من عضو الكونغرس أن يحضر إلى القاهرة برفقة جوان هيرينغ ليرى بنفسه (ص 180)


ويتحدث الكتاب عن الصداقة الحميمة بين عضو الكونغرس والمشير، والتي لعبت دوراً مؤثراً في الحشد والتعبئة لدعم المقاتلين الأفغان ضد القوات السوفيتية ، إذ يقول ويلسون: "كنا توأمي روح في كل شيء.النساء والويسكي والمحادثة" (ص 310). وكان تشارلي قد اختار أبو غزالة ليكون إشبينه في حفل زفافه الذي كان مقرراً أن يقام في باكستان، لكن مشروع الزواج لم يكتمل


ويكرر المؤلف أن أبو غزالة كان يعاقر الخمر بكثرة (ص 311). ثم ينبه إلى أنه في الوقت الذي كان ويلسون يؤكد فيه أن أبو غزالة مستعد يملك أسلحة يمكن شراؤها قادرة على إسقاط الطائرات الحربية السوفيتية (ص 305)، كانت وزارة العدل الأمريكية تحقق في تهم بالفساد ترتبط بأعمال شركة شحن كان المشير قد أقامها لنقل البضائع التي توفرها المساعدات الخارجية الأمريكية للقاهرة


في غضون ذلك، سافر غست مع تشارلي إلى القاهرة لتفقد الأسلحة المعروضة، وكان المشير يحاول إقناعهما بأن أفضل سلاح للأفغان سيكون ZSU-23 الذي يمكن أن تحمله البغال، غير أن تجربة ميدانية في الصحراء أثبتت فشل هذا الاقتراح (ص 313).كما فشلت محاولة المشير بيع الاستخبارات الأمريكية شحنة تشمل 800 صاروخ سوفيتي محمول على الكتف ومضاد للطائرات، تعود إلى فترة حرب أكتوبر 1973 لأنها لم تكن بحالٍ جيدة أو تصلح للاستخدام


على أن الصورة تغيرت حين التقى غست أفراكوتوس وتشارلي ويلسون مع خبراء الهجمات المضادة، الذين عرضوا أسلحة تناسب المقاتلين الأفغان ومن ذلك صواريخ الكاتيوشا التي يصل مداها إلى عشرة كيلومترات، وألغام مصرية تم تطويرها لاحقاً بحيث يتم لصقها مغناطيسياً إلى الشاحنات السوفيتية في طريق سالانغ


ويقول المؤلف إن عميل الاستخبارات الأمريكية غست أفراكوتوس استفاد من الأموال التي تمكن تشارلي ويلسون من الحصول عليها لدعم المقاتلين الأفغان. وبحلول فبراير شباط 1985 فوَض أفراكوتوس الجانب المصري لإنشاء خط إنتاج لتصنيع الكاتيوشا – قبل أن تنتعش أسهم صواريخ ستينغر في الحرب الأفغانية ضد السوفيت اعتباراً من عام 1986- وقدم طلبية بالحصول على 700 قطعة منها بحلول نهاية العام


كما لعب أفراكوتوس دوراً في تفويض الاستخبارات الأمريكية لوزارة الدفاع المصرية لإقامة خط إنتاج لتصنيع الذخيرة اللازمة لبنادق إينفيلد Enfield وبذا تخلص من عبء التعامل مع ابتزاز السوق السوداء، وبدأ يتعامل بموجب اتفاق بين حكومتين وبسعر ثابت (ص 267)

وفي بلد يتسم بطبيعة جبلية وعرة، بدت البغال أنسب وسيلة بالنسبة إلى المقاتلين الأفغان كخطوط إمداد ونقل الأسلحة

ولذا اضطرت باكستان، إلى استيراد آلاف من الحمير والبغال بأسعارٍ باهظة من البرازيل ومصر في عام 1985 لدعم حرب "المجاهدين" ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان. ويقول الكتاب إن "شحنة واحدة في وقت مبكر من هذه المخلوقات البائسة تم شراؤها في البرازيل، لكنها نفقت بالكامل قبل وصولها إلى باكستان


في نهاية المطاف، استخدم "المجاهدون" البغال التي تم جلبها من ولاية تينيسي لنقل الإمدادات، وفي أروقة لانغلي (مقر وكالة الاستخبارات الأمريكية)، سرعان ما ترددت شائعات (أكدها في وقت لاحق أكدت جواسيس الوكالة) تفيد بأن "مقاتلين من أجل الحرية" كانوا يمارسون الجنس مع هذه الحيوانات"


استعان أفراكوتوس بوكلاء في جميع أنحاء العالم بحثاً عن أفضل صفقة من البغال. وعندما قدم المصريون واحدة من أولى الصفقات الرئيسية في هذا المجال، أصيب الباكستانيون بجنون الغيرة، وبدأت إسلام آباد تشكو من المخاطر الصحية بسبب نفوق عدد من البغال بعد وقت قصير من وصولها، وأصرت على شهادات صحية للدفعة التالية، مفترضةً أن ذلك سيدفع الاستخبارات الأمريكية إلى شرائها من أسواق باكستانية


إلا أن المسؤول المصري عن مبيعات السلاح، اللواء يحيى الجمل - أحد مساعدي أبو غزالة- كان يتطلع إلى إتمام الصفقة المقبلة التي تتضمن 2500 بغلاً بسعر 1300 دولار للبغل الواحد، تقدم قيمتها فور التسليم عداً ونقداً، ولذا أدار المسألة بحنكة


وقدمت مصر مع كل حمار وبغل بطاقة هوية وشهادة تطعيم، وكما لو أن هذا لم يكن كافياً للسخرية من الباكستانيين، أمر اللواء يحيى بتزويد كل حمار بقطعة من البلاستيك تحمل اسماً عربياً. ويضيف أفراكوتوس قائلاً: "بل إن يحيى أعطى كل بغل أو حمار جواز سفر"

وعندما وجد ويلسون ذات مرةٍ أن سياسة الهاتف ليست مناسبة في معالجة أزمة مستوى الجودة بالنسبة لمبيعات السلاح، دعا أبو غزالة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في منتجعٍ تحيط به غاباتُ الصنوبر شرق تكساس، وهو مكانٌ يقصده عادةً الكبار طلباً للراحة وركوب الخيل والصيد. كان المنتجع باهظ التكاليف، لكن ويلسون لم يهتم لذلك وجمع للمشير بعض تجار السلاح.. وكانوا قطعة من الغاتوه، ولم يشأ أن يترك الغاتوه دون تحلية، فدعا الراقصة كارول شانون التي نالت إعجاب المشير، وهمس في أذن ضيفه: هنا لا يسترق أحد السمع، ولا تُلتقط الصور، وأردف قائلاً: كلمة شرف

ولكن في مذكرات كارول وفي كتاب "حرب تشارلي ويلسون" صورة نادرة للمشير والابتسامة تملأ وجهه، وهو يتابع كارول وهي ترقص له في المنتجع


هكذا، تتكلم الصورة ويصمت الكلام

Monday, September 15, 2008

أبو غزالة..من "النجم الساطع" إلى "خريف الغضب" (4): لوسي آرتين..والباشا







تتشابه قصة صعود وهبوط المشير عبد الحليم أبو غزالة في بعض جوانبها، مع قصة صعود وهبوط المشير عبد الحكيم عامر، وخاصةً ما أثير حول علاقاتهما النسائية المتشعبة

فقد تزوج عبد الحكيم عامر أكثر من مرة، غير أن زواجه من الفنانة برلنتي عبد الحميد كان الأشهر، وقد أثمر ولداً في إبريل نيسان ١٩٦٧، هو عمرو عبد الحكيم عامر

ولبرلنتي عبد الحميد كتاب بعنوان "المشير وأنا" صدر عام ١٩٩٣، كما أصدرت في عام 2002 كتاباً آخر بعنوان "الطريق إلى قدري...إلى عامر". ولعبد الحكيم عامر ثلاثة أبناء وأربع بنات آخرون من زوجته السابقة، وهي زينب عبد الوهاب

أما المشير أبو غزالة فقد تزوج مرة واحدة من أشجان أحمد صبري، ورُزِقَ بثلاثة أبناء هم هشام وطارق وأشرف، وثلاث بنات هن ليلى، وحنان، وإيمان. غير أن اسم أبو غزالة ارتبط بأكثر من امرأة، أشهرهن لوسي آرتين

وإذا كان أبو غزالة قد أصبح مساعداً لرئيس الجمهورية، وهو منصبٌ دون طموحاته أو دون ما توقعه له كثيرون، فإن عامر أصبح في عام ١٩٦٤ نائباً أول لرئيس الجمهورية، غير أن ما عطلَ رحلة صعوده هذه بل دمرها، ووضع نهاية لمستقبله وحياته هو حرب يونيو حزيران ١٩٦٧، حيث أعفي من جميع مناصبه وأحيل إلى التقاعد ووضع قيد الإقامة الجبرية في منزله. وتراوحت التفسيرات حول موته في 14 سبتمبر أيلول ١٩٦٧، غير أن الشائع من القول إنه انتحر، فيما ذهبت تفسيراتٌ أخرى إلى أنه مات مسموماً





وإذا كان المشير عامر قد انتحر- وربما نُحِرَ- بعد إلقاء القبض عليه، فإن المشير أبو غزالة ضرب حول نفسه طوقاً من الصمت منذ اعتزاله عام 1993


مصيران يتشابهان في تفاصيل عدة ومثيرة، ويلتقيان عند نقطة واحدة: النساء


وأشهر امرأة في ملف أبو غزالة هي لوسي آرتين


لقد بدت فضيحة لوسي آرتين أشبه بقنبلةٍ انفجرت في مستودع ذخيرة..ما إن وقع الانفجار الأول حتى توالت الانفجارات
ففي مطلع عام 1993، كان شتاء مصر ساخناً على غير العادة، بعد أن لفحته حرارة الحكايات والأقاويل التي ترددت حول فضيحة من العيار الثقيل


تلك القضية كانت وجبة دسمة على مائدة الحوار في شوارع مصر ومنازلها ومكاتبها، بعد أن شملت الفضيحة قائمة طويلة ممن وقعوا في شباك هذه المرأة


لم يكن المشير أبو غزالة وحده هو الذي وقع في شباكها.. كان هناك الرجلان الثاني والثالث في وزارة الداخلية بعد الوزير، اللواء حلمي الفقي واللواء فادي الحبشي.. إضافة إلى ثلاثة قضاة سهلوا لها كل شيء


كل هؤلاء أوقعتهم امرأة على أعتابها


وعندما ألقي القبض عليها مع قاضٍ شهير في حالة تلبس بإحدى الشقق في هليوبوليس بحي مصر الجديدة، لم تنكر علاقاتها بهذه الشخصيات الكبيرة لكنها كشفتهم وعرتهم أمام الرأي العام، وقالت في التحقيقات: "الرجال الكبار اتجننوا.. كلهم وقعوا في حبي.. دول بيعيشوا حالة مراهقة على كبر.. وبعدين أنا ذنبي إيه!"


وبالفعل، تحول الكبار إلى مراهقين على صدر السيدة الجميلة وتحت قدميها



ولوسي آرتين، صاحبة الفضيحة التي تُوصَف بأنها أخطر قضايا الفساد في مصر خلال الخمس والعشرين سنة الأخيرة، هي سيدة جميلة تنتمي للطائفة الأرمنية في مصر، وهي ابنة شقيقة الممثلة لبلبة وقريبة الممثلة الاستعراضية نيللي


كان الصحفي وائل الإبراشي أول من كشف على صفحات مجلة "روز اليوسف" فضيحة لوسي آرتين واتصالاتها مع كبار رجال الدولة للتأثير على حكم قضائي في نزاع عائلي بينها وبين زوجها. وفي ذلك الحين، نشر الإبراشي على جزأين نصوص مكالماتٍ هاتفية سجلتها جهة رقابية بين هؤلاء المسؤولين وبين لوسي آرتين، باعتبارها نموذجاً لعلاقات بعض رجال السلطة بسيدة تواجه مشكلات مع زوجها أحبت اختراق القضاء والمؤسسات السياسية والشرطة، فلجأت إلى كل هذا الكم من المسؤولين



صعق القراء بتفاصيل هذه الأحاديث المسجلة الهاتفية المحمومة وعبارات الغزل الملتهبة التي تداولها أبطال الفضيحة، وإن كانت الجمل المنشورة مبتورة والأحاديث مليئة بالنقاط، التي تدل على أن الكلمات يصعب نشرها لاعتباراتٍ أخلاقية

يقول الإبراشي: كانت لوسي تريد من يتوسط لها لدى القضاء، فقام أبو غزالة بهذه المهمة، واستغلت هي هذه العلاقة في فرض نفوذها لدى مسؤولين آخرين، مثل فادي الحبشي مدير المباحث الجنائية آنذاك الذي سمعها تتحدث هاتفياً لأبو غزالة، فأخذ يتقرب لها لأنه يرغب في أن يصبح وزيراً للداخلية، وكانت هذه أيضاً رغبة المرحوم حلمي الفقي مدير الأمن العام، أي أنها أخذت تستغل اسم أبو غزالة حتى في تحقيق طموحات الغير، مقابل أن يخدموها في نزاعها مع زوجها

ومن خلال المكالمات الهاتفية بين أبو غزالة ولوسي آرتين تبدو العلاقة الخاصة واضحة جداً، لكن حرصاً على اسمه استُبدِلَ في أوراق القضية بكلمة "الباشا". وكانت تطلبه في أي وقت وأمام الناس مستغلة ذلك في فرض نفوذها على تلك الأسماء المهمة

استُدعيَ الإبراشي ثلاث مرات لمباحث أمن الدولة بسبب نشره وثائق هذه القضية، وفي أحد الاستدعاءات صدر ضده حبس احتياطي، لكنه ألغي بعد تدخل بعض الشخصيات وكبار الصحفيين. وهو يقول إنه حذف التعبيرات الجنسية التي تضمنتها بعض مكالمات لوسي آرتين لفجاجتها، لكن لم يصل حديثها لهذا المستوى مع أبو غزالة الذي كان قليل الكلام. وفي إحدى المكالمات يخبرها المشير أنه سيتوسط لها مع أحمد تحسين شنن محافظ السويس الأسبق ليتحدث مع القاضي المقيم في هذه المحافظة

وشنن من مواليد 14 يوليو 1930 وقد ولد في حلوان. تخرج في الكلية الحربية عام 1952، وتدرج في وظائف القيادات العسكرية‏، ويعتبر أحد أبرز قادة القوات المسلحة في حرب أكتوبر 1973. عين شنن محافظاً للسويس في الفترة بين 10 يوليو تموز 1986 ومارس آذار 1990، حتى أصبح رئيس نادي المعادي اعتباراً من 1990
ولكن، لنبدأ حكاية لوسي آرتين من البداية

ففي عام 1984 تزوجت لوسي آرتين من برنانت هواجيم سرمحجيان. وبالرغم من أنهما بعد عام واحد أنجبا طفلتهما الأولى، فإن المشكلات وخاصة المادية منها كانت قد نشبت بينهما. وعندما جاءت الابنة الثانية في 1987 كانت الخلافات بين الزوجين قد وصلت إلى طريق مسدود.. وبدأت بينهما سلسلة من المحاضر والقضايا.. كانت لوسي تستغل فيها علاقتها بكبار رجال الدولة وخاصة المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة

أرادت أن تؤذي عائلة زوجها بأي طريقة. اتصلت بشخصيةٍ مهمة في رئاسة الجمهورية في ديسمبر كانون أول 1991، تبين لنا لاحقاً أنه الدكتور مصطفى الفقي الذي كان يشغل آنذاك منصب سكرتير الرئيس لشؤون المعلومات، وقدمت نفسها له باسم مستعار.. ثم كشفت عن اسمها الحقيقي وقالت إنها مصرية وليست أجنبية وإنها تعرف المشير أبو غزالة معرفة عائلية وإنه في مقام عمها.. وكان البلاغ الذي أرادت لوسي أن يصل إلى المسؤولين هو أن والد زوجها الثري متهربٌ من ضرائب استهلاك في حدود 35 مليون جنيه

عجزت لوسي أن تثبت تهرب حماها من ضرائب الاستهلاك، لكنها ألقت في طريقه بقضية أخرى، كان لدى والد زوجها مصنع دخان، فأحيت له قضية خاصة بقوانين سلعة الدخان. وبالرغم من أن القضية مضى عليها ثلاث سنوات، فإنه خسر الاستئناف ونفذ حكم السجن وظل فيه ثلاث سنوات حتى برأته محكمة النقض

كانت لوسي مصدراً للمتاعب لعائلة زوجها. ولما سافرت بجواز سفر يحمل صفة "آنسة" مع أنها متزوجة وقدمت أسرة زوجها شكوى لوزارة الداخلية.. لم تحقق الداخلية في الشكوى، لكن لوسي اتهمت زوجها في محضر رسمي بالسب والقذف في حقها عندما قال إنها سافرت، لأن هذا يوحي بأنها امرأة مستهترة تترك بيتها وأولادها طوال مدة ستة شهور
في 1987 رفعت لوسي ضد زوجها قضية نفقة لها ولطفلتيها الدعوى رقم 288 لسنة 87.. وحكم لها بنفقة شهرية 600 جنيه ولطفلتيها 500 جنيه.. وأصبح على الزوج أن يدفع 1100 جنيه شهرياً.. لكن الحكم لم يعجبها ورفضت استلام المبلغ ورفعت قضية جديدة.. ومن خلال علاقتها بالمسؤولين الكبار في وزارة الداخلية استخرجت أوراقاً من المباحث وضرائب الاستهلاك تثبت أن دخل زوجها 36 ألف جنيه شهرياً.. وضمت هذه الأوراق إلى ملف القضية رقم

9/89/91 مصر الجديدة
حكمت المحكمة برفع النفقة إلى 9100 جنيه شهرياً.. وبأثر رجعي من تاريخ رفع الدعوى الأولي وكان على الزوج إما أن يدفع وإما أن يدخل السجن.. لم يفعل هذه ولا تلك، لكنه اختار السفر إلى الخارج.. ذهب إلى أستراليا، فوصفته لوسي في الأوراق الرسمية بأنه هارب وممتنع عن تنفيذ حكم النفقة. بلغ متجمد النفقة 470 ألف جنيه لأن الزوج هارب ولا يدفع

قررت لوسي رفع دعوى رقم 109 لسنة 1992 على والد زوجها ليحل محله في دفع النفقة. وفي 16 فبراير 1992 حكمت المحكمة لصالحها، كان الحكم غيابياً فعارضه والد الزوج في شهر مايو أيار.. وقبل أن تحكم الدائرة الثالثة أحوال شخصية بمحكمة شمال القاهرة في الدعوى أرادت لوسي أن تستولي على عقار لزوجها في مصر الجديدة مقابل متجمد النفقة، لكنها فوجئت بشقيقة زوجها آليس قد سبقتها بطلب إلى الشهر العقاري لنقل ملكية العقار باسمها بعد أن قدمت عقداً ابتدائياً بالبيع موقعاً من شقيقها بتاريخ سابق على حكم النفقة

لجأت لوسي آرتين إلى الحيلة والخداع.. طلبت من موظفة في الشهر العقاري اسمها فاتن تضليل شقيقة زوجها، وساعدها أيضاً بعض الموظفين في مكتب البريد الذين عبثوا بإخطارات الشهر العقاري المرسلة إلى آليس حتى تضيع عليها المدة القانونية ولا تستكمل الإجراءات


ولأول مرة كان سوء الحظ يقف في طريق لوسي آرتين


فقد ظهرت آثار الثراء المفاجىء على موظفة الشهر العقاري وبدأت الرقابة الإدارية تتحرى عنها وتراقب تصرفاتها وبالطبع وضعت تليفونها تحت المراقبة.. كانت التحريات تبحث عن فاتن موظفة الشهر العقاري.. لكن القدر ألقى في طريقها بامرأة شابة وحسناء تتردد على مكتبها ومنزلها، وهي لوسي آرتين.. وضع تليفون لوسي تحت المراقبة.. وكانت المفاجأة التي تشبه الزلزال





وفي 16 مارس آذار عام 1993 كانت مقاعد مجلس الشعب المصري كاملة العدد استعداداً لسماع طلب الإحاطة الذي تقدم به النائب كمال خالد نائب دمياط


بدأ النائب كمال خالد كلامه بالقول إن "موضوع الطلب أولاً هو موجه للأستاذ الجليل عاطف صدقي رئيس مجلس الوزراء عن انتشار الفساد والرشوة واستغلال النفوذ وانعدام الرقابة الجادة والمخلصة وترك الحبل على الغارب لكبار المسؤولين في الدولة لينفلت الكثيرون منهم عن جادة الصواب، ويعيثون في الأرض فساداً وإفساداً لكل القيم والمعاني الأصلية في الشعب المصري.. لدرجة أن فاحت رائحة الفساد والرشوة والوساطة والمحسوبية واستغلال النفوذ وانتشرت الشائعات بين الشعب عن العديد من الوقائع والأحداث التي تؤكد هذا الانحراف الذي استشرى في ظل إهمالٍ جسيم وتسبب في زعزعة الثقة في نزاهة الحكم ويؤثر في الاستقرار والأمن، وهو الأمر الخطير الذي يتعين معه إحاطة الحكومة وعرضه في أقرب جلسة"


وهكذا استمع النواب لطلب إحاطة يكشف بوضوح عن العلاقة بين المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة و"حسناء بيانكي" الأرمنية لوسي آرتين والتي تبين أن العلاقة بين أبو غزالة ولوسي كانت أوثق مما ينبغي

وفي إحدى تلك المكالمات بين أبو غزالة ولوسي، والتي نشرت نصها لاحقاً جريدة "الأهالي"، يدور الحوار التالي:
- لوسي: أنت تعرف المشكلة بيني وبين زوجي وقد حصلت على حكم يلزم أباه بدفع النفقة.. لكنه استأنف الحكم وهو راجل واصل بفلوسه
- أبو غزالة: هي قضيتك قدام مين من القضاة؟
- لوسي: أمام قاضي الأحوال الشخصية!
- أبو غزالة: والقاضي ده بلده إيه؟
- لوسي: السويس
- أبو غزالة: طيب أنا أعرف اللواء تحسين شنن اللي كان محافظ السويس وحأكلمه يمكن يعرف حد على معرفة بالقاضي يكلمه ويطلب منه أن يراعي الله في قضيتك



بعد أيام تحدث أبو غزالة مع لوسي مرة ثانية قال لها:
"أنا كلمت صديقي تحسين المحافظ السابق، وقال لي إنه يعرف واحد اسمه مصطفى موظف كبير في محافظة السويس وبالمصادفة يسكن في بيته، وممكن تروحي تقابليه تكلميه عشان يكلم القاضي"
قابلت لوسي الموظف الكبير الذي قابلها بالقاضي..وفي أول لقاء قال لها: "اسمعي، أنا راجل مش مرتشي ولا أجامل أحد.. لكن تأكدي لو كان ليكي حق في هذه القضية حتاخديه مهما كان نفوذ خصمك"

كان هذا حكم أول لقاء ومنطقه.. بعد ذلك تعددت اللقاءات

وفي المحكمة قدم رئيس النيابة مذكرةً في قضية كفالة الأب من خمس صفحات جاء فيها أن الحكم بالزام والد الزوج بدفع النفقة باطل ومخالف للقانون، كما أن الأب لم يكن ممثلاً في الدعوى الأصلية وبالتالي لا يجوز إلزامه بالكفالة. وانتهت المذكرة بقبول الاستئناف وإلغاء الحكم، لكن حدثت تدخلاتٌ مريبة كانت نتيجتها سحب المذكرة من ملف القضية وإخفاؤها تماماً بعيداً عن سير الدعوى. تم تقديم مذكرة أخرى، لكن صورة المذكرة وصلت إلى والد الزوج الذي استخدمها من جانبه للتدليل على اختراق الدائرة القضائية

وفي جلسة مجلس الشعب المذكورة عرض النائب كمال خالد نص حواراتٍ هاتفية ساخنة بين مساعدي وزير الداخلية آنذاك وهما اللواءان حلمي الفقي وفادي الحبشي.. وتضمنت التسجيلات أحاديث عما يدور في غرف النوم وأنواع وألوان الملابس الداخلية وشكل الأوضاع الجنسية
في طلب إحاطته قال كمال خالد: "إنني لن أقول كلمة دون مستندات- ومستندات رسمية خمس محافظ مستندات ما فيش كلمة من غير دليل، خصوصاً كل ما يتعلق بالأعراض والمساس بالشرف".. كان كلام كمال خالد يدور حول لوسي آرتين والذين حولها.. أطلق عليها لقب "حسناء بيانكي" التي اكتسبت من صداقتها بكبار المسؤولين مكانة تفوق أي تصور وأصبحت موضع إجلال وانحناء كل من كانت تتصل بهم أو تستدعيهم أو تشرفهم بالزيارة سواء كان وزيراً أو غير ذلك من المناصب. وكانت لوسي آرتين- كما يقول كمال خالد- توزع الوعود بتعيين هذا أو ذاك وزيراً أو محافظاً، فوعدت مدير الأمن العام بمنصب وزير الداخلية أو محافظ على الأقل


ونعود إلى جلسة مجلس الشعب المصري في 16 مارس آذار عام 1993 التي ترددت فيها أسماء أشخاصٍ آخرين، بينهم المفتي آنذاك د. محمد سيد طنطاوي الذي أصبح شيخاً للأزهر

نقرأ في مضبطة المجلس ما يشير إلى ما يلي:
"العضو كمال خالد: السطوة والنفوذ ليس لهما حدود.. تفتقت الأذهان عن رفع دعوى كفالة، ستسمعون عجباً تفتقت الأذهان عن رفع دعوى كفالة ضد والد الزوج بعد أن تجمد مبلغ...
"صوت من بعض الأعضاء: على مهلك"
العضو كمال خالد: بالراحة ومتقولوليش استعجل.. حاضر.. تفتقت الأذهان عن رفع دعوى كفالة
رئيس المجلس: نحن في رمضان، وأرجو السيد العضو أن يحاسب في كلامه
العضو كمال خالد: اللهم إني صائم.. تفتقت الأذهان عن رفع دعوى كفالة ضد والد الزوج
"صوت من أحد السادة الأعضاء: أعراض الناس"
العضو كمال خالد: مش حقول أي كلمة يا إخوانا نابية والله أبداً، حاضر.. بعد أن تجمد مبلغ 470 ألف جنيه متجمد النفقة المحكوم بها للزوجة وابنتيها، واخترقت الدائرة التي أقيمت هذه الدعوى رقم 109 لسنة 1992 ملي مصر الجديدة، وقضت غيابياً بجلسة 16/2/1992 بإلزام والد الزوج بأداء النفقات المحكوم بها للمدعية وطفلتيها وهذه دائرة ثانية، عارض والد الزوج ورفضت المعارضة فوراً في شهر مايو سنة 1992 محكوم الرفض، مفيش شهرين استأنف بالاستئناف 1323/92 ملي مستأنف شمال القاهرة


وأرجو أن تتذكروا مستأنف الدائرة الثالثة كلي شمال القاهرة. تذكروها لأن المصيبة ليست في هذه القضية.. ولكن المصيبة اللي سيكون لمجلس الشعب شرف كشفها وإحاطة الأستاذ الجليل الدكتور رئيس مجلس الوزراء (عاطف صدقي) علماً بها، أرجو أن تتذكروا الدائرة 3 أحوال شخصية شمال القاهرة برئاسة رئيس المحكمة الموجود في السجن حالياً ولا داعي لذكر اسمه، فلقد قيل اسمه في كل الصحف، وأنا محرم عليّ أن أقوله في مجلس الشعب.. حاضر يا كمال بيه (يقصد كمال الشاذلي).. المقبوض عليه حالياً بعد ضبطه متلبساً مع فاتنة بيانكي.. في إحدى الشقق بهليوبوليس وهي شقة شقيقها اللي راجع من أميركا والذي سأوضح لكم كيف قام بتجنيدها لحساب جهات أجنبية يهمها أن تشعل النار في مصر
في هذه الدعوى قدمت النيابة مذكرة برأيها.. رئيس نيابة قاضي.. قدم مذكرة من خمس صفحات.. "آه" هذه المذكرة المختفية من ملف القضية يا إخواني
"وهنا لوح النائب كمال خالد بملفٍ به أوراق في يده"
أهي صورتها.. مذكرة من خمس صفحات يقول فيها "إيه الكلام الفارغ ده" راجل أب تحكموا عليه بكفالة ابنه، نفقة 9100 جنيه في الشهر، 470 ألف جنيه- ما بعرفش أقول الأرقام الكبيرة دي- باعتبار أنه كفيل.. ده الكفالة يا سادة وكل الزملاء المحامين، يعلمون أنها عقد تبرع والراجل قايل كده.. نذر من النذور.. وكان من الممكن أن يصبح كفيلاً لو جاء في المحكمة وقال: أتعهد وأكفل ابني بما عسى أن يحكم به.. وتبرع.. إنما راجل تقضي عليه حكماً غيابياً ولم يكن ممثلاً في الدعوى السابقة ولم يقر بكفالة، تلزموه أن يدفع نفقة 470 ألف جنيه، جبتوها منين دي؟ ده الشرع آهه بيقول كذا.. والقانون آهه بيقول كذا..والقضاء بيقول كذا

رئيس المجلس: إنك بهذا تكون قد دخلت في المحارم بسبب الفصل بين السلطات يا أستاذ كمال خالد
العضو كمال خالد: أبداً أبداً. إنني سأقدم المذكرة إليكم.. وانتهي إلى قبول الاستئناف شكلاً وإلغاء الحكم المستأنف.. هذه القضية مع الاختراق وهذه المذكرة الخمس صفحات بخط يده سحبت.. ولجأ المشير لاستخراج فتوى من المفتي قدمت للنيابة العامة.. مكتب النائب العام.. لتقدم مذكرة تقلب الآيات رأساً على عقب فتوى واثنتين وثلاث
رئيس المجلس: ما أساس هذه الواقعة يا أستاذ كمال؟ هل الكلام يقال مرسلاً هكذا؟
العضو كمال خالد: آه أقوال.. أقوال. الفتوى موجودة في الملف الآن.. وطلب الفتوى
رئيس المجلس: من الذي طلب الفتوى؟
العضو كمال خالد: طلب الفتوى موقع عليه من محمد فريد المحامي والذي لم يوقع عليه، والذي قالت له لوسي تفضل بالذهاب إلى فضيلة المفتي لإحضار الفتوى لأن المشير قام بالواجب.. ولا يستطيع أن يسلم الفتوى لأي شخصٍ إلا لك لأنها مكتوبة باسمك.. وهذه أقوال محمد فريد
رئيس المجلس: هل تعني أن المحامي هو الذي طلب الفتوى؟


العضو كمال خالد المحامي: لا.. المشير هو الذي طلب الفتوى باسم المحامي ووقع باسم المحامي، والمفتي أدلى بالفتوى التي تقلب الآيات ولا حول ولا قوة إلا بالله، لطفك يا رب.. لطفك وعطفك يا رب.. نبعد عن التحقيق والقضية وأتكلم عن لوسي صاحبة النفوذ، ولا أقول بفضل جمالها أو فتنتها أو إغرائها وإنما أقول بفضل علاقتها بالسادة الكبار.. تدخلت لدى المهندس الدكتور يوسف والي نائب رئيس مجلس الوزراء لحل مشكلة عويصة، نزاع مزمن علي أرض زراعية خاصة بكنيسة الأرمن، لم تجد الكنيسة واسطة أفضل من لوسي، وبالطبع تفضل الدكتور يوسف والي مشكوراً بحل المشكلة فوراً، أصلها لوسي حلالة العقد.. لوسي مخصص لها قطعة أرض في السويس وشمال سيناء، لوسي كان واحد كبير قوي قوي قوي يقول لها رجلك.. لأ، جزمتك.. يا هانم فوق دماغي.. عبارة لها مدلولها الكريم أو الذليل
لوسي آرتين حسناء بيانكي تركب سيارة ملاكي بثلاثة أرقام.. سيارة ملاكي بثلاثة أرقام في القاهرة.. وكلكم تعلمون يعني إيه رقم ملوكي.. لا تحصل على هذا إلا بتوقيع وموافقة شخصية من نائب وزير الداخلية"

والكلام واضح، فقد تدخل المشير لدى المفتي و"قام بالواجب" لاستصدار فتوى تصب في مصلحة لوسي آرتين


شهدت القضية قراراً من النائب العام بحظر النشر فيها، وهي القضية التي كانت في حينها تفتح شهية أي صحفي للكتابة عنها

وبدلاً من أن يضع قرار النائب العام بحظر النشر حداً للحديث عن القضية المثيرة، صنع منها قضية الموسم، ولفت إليها أنظار الملايين الذين عرفوا من تفاصيلها شفاهة أضعاف ما كانوا سيعرفونه لو كانت تحقيقات الجهات السيادية بالكامل قد نشرت في جميع صحف مصر بطولها وعرضها

كان الهدف من حظر النشر وقتها هو منع خروج تسجيلات تليفونية جرت بين كل هذه الأطراف إلى النور، وتظهر مدى استخدام لوسي آرتين أسلحتها الأنثوية واستعانتها بكل ما أوتيت من قوة وذكاء وأيضاً إغراء. ورغم انقضاء فترة طويلة على إغلاق ملف القضية، وبالرغم من قرار الحظر الذي صدر، فإن القضية المثيرة لا تزال حتى هذه اللحظة تحظى باهتمام الجميع، حتى إن الدكتور مصطفى الفقي اعترف مؤخراً بأنها كانت سبباً في خروجه من رئاسة الجمهورية بغير رجعة


ففي إحدى الأمسيات الرمضانية في نهاية سبتمبر أيلول 2007 تحدث رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشعب المصري مصطفى الفقي - سكرتير الرئيس المصري للمعلومات سابقاً- لمحاوره محمود سعد في برنامج "البيت بيتك" قائلاً إن سبب دفعه إلى ترك منصبه هو تلقيه اتصالاً من سيدة كانت تتقدم بشكوى، وإن خطأه الوحيد هو أنه أخذ يستمع إلى شكواها دون أن يدري أن جهاتٍ أخرى تتابع الموضوع عن كثب وترصد المكالمة

وفي 26 يناير كانون ثانٍ 2008 كشف الفقي للكاتب الصحفي حمدي رزق في برنامج "القاهرة اليوم" عن اعتزامه كتابة مذكراته، التي قال إنها لن تهمل يوماً واحداً من حياته، وستتضمن فصلاً كاملاً عن علاقته بالرئيس مبارك، وتفاصيل فترة عمله في مكتب الرئيس كسكرتير للمعلومات طوال ٨ سنوات من أوائل ١٩٨٥ حتي ١٩٩٢، متضمناً ما أثير عن خروجه بسبب "مكالمات السيدة لوسي آرتين". وقال الفقي إنه مدفوع لكتابة تلك المذكرات بكل تجرد، للرد علي حملات "التشكيك والأكاذيب" التي عاني منها في الفترة الأخيرة

ثم عاد الفقي في لقائه بأعضاء نادي روتاري مصر الجديدة ليقول: "كان فصلي من الرئاسة بسبب قضية لوسي أرتين، أيوه كانت بتكلمني في التليفون، وكانت بتكلم المشير، لا أنكر، وهو خطأ إداري بحت، لكن ماكنشي فيه بيني وبينها حاجة" (جريدة البديل"، 24 يوليو تموز 2008)

كانت الفضيحة صارخة، وأجبرت أبو غزالة على الاستقالة والاختفاء. لقد شنقوه على أعمدة الصحف وعلقوه على قبة البرلمان، وتسلى الناس بحكايته مع الفستق واللب وقمر الدين في ليالي رمضان الممتدة حتى مطلع الفجر، ثم قام كل منهم ليتوضأ ويصلي وينتوي الصيام

أما هو، فقد كان وحيداً تأكله الأحزان، يبتلع سيفاً من نار، لا مفر أمامه إلا أن يأكل الزجاج أو يمشي عليه، بعد أن أصبحت أبواب النجاة مغلقةً ومختومةً بالشمع الأحمر

هكذا انكسرت الصورة الملونة التي كان عليها أبو غزالة قبل سنواتٍ قلائل ونفدت كمية الوقود في الصاروخ المندفع إلى فضاء المجد ومدار السلطة، ولم يعد يبقى منها في سنواته الأخيرة سوى رجل يكاد لا يظهر في المناسبات العامة سوى أثناء المشي في الجنازات والتعزية في المآتم التي يحضرها، وسرادقات التعزية التي يظهر فيها


كما عكف أبو غزالة على تأليف وترجمة الكتب العسكرية ومن أهم مؤلفاته "تاريخ فن الحرب" (أربعة أجزاء)، وهي عمل موسوعي رفيع المستوى، ودراسته التي حلل فيها حرب "درع وعاصفة الصحراء"، ومؤلفه عن "حرب الخليج الثانية والأمن القومي العربي"، و"استخدام الطرق الرياضية في الأعمال الحربية"، فضلاً عن كتابه "وانطلقت المدافع عند الظهيرة"، الذي يتحدث فيه عن دور المدفعية المصرية التاريخي في حرب أكتوبر 1973، بالإضافة إلى الترجمة الشهيرة للكتاب القيَم "الحرب وضد الحرب"، الذي يتحدث عن أسرار وعوامل البقاء في القرن الواحد والعشرين

ولأسبابٍ معقدة ومتشابكة انحسر نفوذ أبو غزالة وخسر الفقي والحبشي منصبيهما المرموقين.. لكن لوسي آرتين بقيت محتفظةً بنجوميتها كواحدة من حسناوات المجتمع وحفلات البيزنس وغيرها..وظلت تتصرف بتلقائيةٍ شديدة خاصةً بعد أن انتخبت عقب إسدال الستار على هذه الفضيحة لرئاسة نادي الأرمن في حي مصر الجديدة. كما أصبحت ضيفة صالونات المجتمع الراقي، وخاضت محاولات لتصبح ممثلة مستفيدة من الأضواء التي أحيطت بها واهتمام الصحف المصرية


ظلت قضية لوسي آرتين تمثل لغزاً، خصوصاً أن المشير رفض تماماً التعليق عليها، فيما عدا مرة واحدة عندما بدأت حملة تشهير ضده فى صحف ومجلات حكومية ..سأله أحدهم، فقال المشير: "اسأل الحاجة".. في إشارة إلى زوجته، وبما يعني أنها تثق به وأنه لا يمكن أن يتورط في هذه الفضيحة، وهو الرجل المعروف عنه انضباطه والتزامه

غير أن لوسي آرتين لم تكن المرأة الوحيدة التي أثارت الغبار في حياة المشير أبو غزالة

Saturday, September 13, 2008

أبو غزالة.. من "النجم الساطع" إلى "خريف الغضب" (3): ذهب مع الصاروخ




كان أبو غزالة شريكاً في السلطة

وبدا مألوفاً أن يستقبل رؤساء وسفراء أجانب ويدير جانباً من السياسة المصرية في أهم الملفات الإقليمية وقتها، ويصرح لوسائل الإعلام حول الموقف من مختلف القضايا العسكرية وغير العسكرية، ويسافر إلى الخارج لعقد مباحثات ومفاوضات مع دول العالم باسم مصر

وأشرف أبو غزالة على التصنيع الحربي. وبالإضافة إلى المصانع الحربية والهيئة العربية للتصنيع فقد وقف وراء إنشاء مصانع وزارة الدفاع، ومنها مصنع 200 الخاص بتجميع الدبابة إبرامز أ1، ومصنع 99 المتقدم. ومع اندلاع المقاومة الأفغانية للغزو السوفيتي، واندلاع الحرب العراقية الإيرانية، ازدهر الإنتاج الحربي لمصر في عهد أبو غزالة لتتعدى صادرات مصر العسكرية بليون دولار عام 1984

والشيء المؤكد أن هذه المشروعات المختلفة والخدمات المتنوعة للعسكريين والمدنيين على حد سواء زادت من رصيد وشعبية المشير أبو غزالة، الذي اعتمد على جاذبيته الشخصية وحضوره الطاغي إلى جانب دهائه السياسي في زيادة مساحة هذه الشعبية داخلياً، وتعزيز شبكة السلطة الأبوية التي أقامها في مواقع مختلفة من الحياة المدنية والعسكرية
وأبو غزالة كان أقوى المرشحين لمنصب نائب الرئيس

وقد سُئِلَ منذ سنواتٍ طويلة عن ذلك، فقال: "إن من الصعب شغل هذا المنصب الشاغر إلا بعد عمرٍ طويل". ومرت سنوات أخرى على هذه الإجابة، من دون أن يٌعيَن نائباً للرئيس. على أن إجابة المشير كانت توحي بالثقة في أن هذا المنصب لن يكون من نصيب أي شخص غيره، ولو بعد حين

لكن هذه الثقة دخلت غرفة الإنعاش بمجرد أن ترك أبو غزالة وزارة الدفاع، ثم تبخرت تماماً بعد خروجه من منصب مساعد رئيس الجمهورية

وسبقت ذلك الخروج مؤشراتٌ ظلت كالبخار المكتوم، عن خلافاتٍ بين الرئيس والمشير، جعلت مبارك يتخلى تدريجياً عن حذره الريفي ويضيق ذرعاً بصديقه القديم

مصور الرؤساء فاروق إبراهيم عمل مع الرئيس مبارك لفترة قصيرة كمصور خاص للرئاسة عقب منع مصوري الصحف من الاقتراب من الرئيس. وكما يقول فاروق إبراهيم، فقد منع مصورو الصحف بعد نشر جريدة "الأهرام" صورة للرئيس مبارك مع المشير أبو غزالة يبدو منها أن هناك تشاحناً بينهما، وأثارت الصورة وقتها ضجة كبيرة

والمؤكد أن الرئيس مبارك نفى حينها أي أصل لقصة الصراع بينه وبين أبو غزالة، كما فعل في حوار مع مجلة "الصياد" اللبنانية عام 1986 حين قال: "هذا كلام فارغ.. وأنا أسمعه.. من قال إنني لا أسمع به.. أسمعه وأضحك.. مصر دولة لها مؤسساتها.. أنا الذي أصدر الأمر للجيش، وفي الخارج يقولون خلافات، طبعاً يزيدون في الخلافات ويقولون إنها عميقة بين الرئيس ووزير دفاعه المشير.. لكن الكلام ده كله ماباكلش منه حتي لو كتبوا كل يوم عشر صفحات"، أو كما قال قبلها في حوار مع "التضامن" اللندنية عام 1983 : "المشير أبو غزالة هو أحد أبطال حرب أكتوبر وهو وزير الدفاع وليس عليه أي غبار". ويمكنك توقع حقيقة ما آلت إليه العلاقة بين الرجلين فعلاً عندما تقرأ في الحوار نفسه أن الرئيس "متشدد في التعامل مع أولاده لحساب الموقع العام الذي يشغله.. إلى الحد الذي لا يعرف فيه أحد حتى أسماءهم"، وهو ما فسره مبارك بـ"أننا أسرة محافظة لا نحب الدعاية"


طبعاً، الأيام دارت، ليعرف المصريون جيداً اسم نجلي مبارك: علاء وجمال

نعود إلى أبو غزالة، لنتساءل: كيف خرج الرجل القوي من منصبه المؤثر بهدوء ودون ضجيج، بعد أن ذهب محللون بعيداً، ظناً منهم أن المشير في طريقه إلى درجةٍ وربما درجات أعلى، وليس إلى التقهقر والتراجع والانزواء عن الأضواء، بعد سنواتٍ من المجد والشعبية الكبيرة

الأجدر بنا أن نتابع سرد الأحداث وفق تسلسلها التدريجي لتوضيح أبعاد هذا التطور المفاجىء الذي أوقف قطار نجومية المشير عند محطة وزير الدفاع

يمكن القول أن أبو غزالة كان أقوى شخصية في مصر حتى 16 إبريل نيسان 1989 عندما قرر الرئيس حسني مبارك إعفاءه من منصبه، وتعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية، وهو القرار الذي أسال الكثير من الحبر. ولكن أبو غزالة اعتصم بالصمت، بالرغم من أن العديد من المراقبين رأوا أن الرئيس مبارك أصبح يخشى على نفسه من شعبية أبو غزالة المتعاظمة داخل القوات المسلحة، وأيضاً في الشارع المصري، وخاصة بعد أحداث قوات الأمن المركزي، ومهاجمتهم منشآت وكازينوهات شارع الهرم في فبراير شباط 1986، ما استدعى تدخل القوات المسلحة للسيطرة على الموقف
غير أن هناك من يرى أن سبب إقالة أبو غزالة هو تمرده على الولايات المتحدة

إذ إن أبو غزالة سعى إلى تطوير برنامج الصواريخ المصري، ولم يتورع منذ 15 فبراير شباط 1984 عن الدخول في برنامج تطوير صاروخ "بدر 2000" أو "كوندور 2" البعيد المدى بالتعاون مع العراق والأرجنتين

وتحدثت تقارير صحفية غربية حينها عن صلةٍ ما لأبو غزالة بمحاولات الحصول على تكنولوجيا الصواريخ الأميركية بطريقةٍ تخالف قوانين حظر التصدير الأميركية، وخصوصاً بعد إلقاء القبض على عالم الصواريخ عبد القادر حلمي عام 1988
ففي 24 يونيو حزيران 1988، اعتقلت أجهزة الأمن المعنية في كاليفورنيا عالم الصواريخ الأمريكي المصري عبد القادر حلمي بتهمة تجنيده من قِبل المشير عبد الحليم أبو غزالة للحصول على مواد محظورة لبرنامج الصاروخ المصري"بدر 2000" المعروف في العراق باسم "سعد 16" وفي الأرجنتين باسم "كوندور 2"

وعبد القادر حلمي المولود في قرية الأشمونين في ملوي بمحافظة المنيا في 10 فبراير شباط 1948، كان ضمن العشرة الأوائل في الثانوية العامة في مصر. التحق بالكلية الفنية العسكرية وتخصص في دراسة الهندسة النووية والكيميائية وتخرج عام 1970 وانخرط في خدمة القوات المسلحة المصرية. حصل على الماجستير في الهندسة الكيميائية بامتياز وسافر بعدها للحصول على الدكتوراه في الهندسة الكيميائية في تخصص دقيق (مكونات الصواريخ). وبالفعل نال الدكتوراه بامتياز وكان لبحوثه بالغ الأثر في تطوير أداء وقدرة الصواريخ المصرية في حرب أكتوبر 1973
استقال عبد القادر حلمي من خدمة القوات المسلحة عام 1975 وعمل في الهيئة العربية للتصنيع لمدة ثلاث سنوات سافر بعدها إلى كندا ليعمل في مجال التصنيع الحربي

وبعد ستة شهور سافر إلى الولايات المتحدة وتدرج في المناصب هناك، حتى أصبح مهندس صواريخ يحمل تصريحاً أمنياً رفيع المستوى من وزارة الدفاع الأمريكية بدخول مواقع ومنشآت عسكرية



اتُهِمَ حلمي بالعمل على تصدير مواد صواريخ أمريكية محظورة إلى مصر، وحوكِمَ بتهمة تحميل غير قانوني لشحنة
ألياف كربونية " كربون كربون" - التي تستخدم في صناعة مقدمة الصواريخ وتلعب دوراً في تقليل البصمة الرادارية للصاروخ وأيضاً زيادة دقته في إصابة هدفه- على متن طائرة نقل عسكرية متجهة إلى القاهرة

دعونا نقرأ تفاصيل تقرير – ننشره لأول مرةٍ مترجماً إلى اللغة العربية- لوكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية صدر في العاصمة الأمريكية واشنطن في 19 سبتمبر أيلول 1988، ووصل إلى المدعي الأمريكي في منطقة شرق كاليفورنيا، كما نوقش أثناء محاكمة حلمي

"إن وزارة الدفاع المصرية، بالتعاون مع ممولين من العراق، تعاقدت مع الأرجنتين لإنتاج صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس حربية وزنها 500 كيلوغرام ويصل مداها إلى 1000 كيلومتر. وهذا الصاروخ يشار إليه عادة على أنه الصاروخ "كوندور". ويستوفي الصاروخ كوندور الحد الأدنى من المعايير المنصوص عليها في الفئة 1 من نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ (MTCR)

"ويخضع برنامج كوندور لرصدٍ دقيق من جانب الدول السبع الأعضاء في نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ المتحدة (الولايات المتحدة، جمهورية ألمانيا الاتحادية، فرنسا، كندا ، بريطانيا العظمى، إيطاليا واليابان) وهي المسؤولة عن مراقبة أنشطة انتشار الصواريخ في جميع أنحاء العالم. وهذا الصاروخ تحديداً، من شأنه أن يمثل تحسناً كبيراً في الوقت الراهن للقدرات الصاروخية المتوقعة لمصر. وترى وكالة الاستخبارات الدفاعية أن حلمي كان يشتري هذه المواد للصاروخ كوندور"

التقرير الذي أعده مايكل هيغنز محلل استخبارات الأمن التكنولوجي، كان واضحاً في تفسير ما جرى

"برنامج الصاروخ كوندور قائم منذ عام 1984 على الأقل. وقد كان التقدم بطيئاً ويرجع ذلك جزئياً إلى عدم وجود التكنولوجيا الأصلية، والحاجة إلى الحصول خفيةً على التكنولوجيا والمواد التي تستخدم في إنتاج الصواريخ الباليستية في الخارج. وتتفق أنشطه الدكتور حلمي مع الأنشطة المرصودة، التي ترعاها مصر والعراق، لتسهيل إنتاج الصاروخ كوندور. ومن دون أنشطة الدكتور حلمي والمتآمرين معه في شراء التكنولوجيا المحظورة، فإن استكمال برنامج الصاروخ كوندور أمرٌ مشكوك فيه. إن الاستعداد الواضح للدكتور حلمي لتوفير موادَ خطيرةٍ لازمةٍ لإنتاج الصاروخ كوندور كان من المهم للأهداف المرسومة على المدى الطويل لإنتاج قدرات صاروخية أصلية بعيدة المدى في الأرجنتين ومصر والعراق

"إن وكالة الاستخبارات الدفاعية تعتقد أن إدخال صواريخ باليستية، قادرة على حمل رؤوس تقليدية أو كيميائية أو رؤوس حربية نووية، سواء إلى مصر أو العراق، من شأنه ان يزيد من حدة التوترات الإقليمية ويضيف مزيدا من الوقود إلى سباق التسلح الإقليمي. إن إسرائيل وإيران، اللتين ُنظر إليهما كخصمين لمصر والعراق، سوف تستجيبان بالتأكيد لامتلاك هذه التقنيات بتصعيد في المواقف، من خلال دراسة توجيه ضربات استباقية، والبدء أو التعجيل في برامج الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، أو امتلاك عددٍ مساوٍ أو أكبر من الصواريخ الباليستية. إن عدم الاستقرار الإقليمي الذي كان يمكن أن تتسبب فيه أنشطة د. حلمي، كان سيضر المصالح الأمريكية وجهود السلام في المنطقة"

وبعد ذلك بعام، اعترف حلمي بأنه مذنبٌ في تهمة واحدة هي التصدير غير القانوني لنحو 420 رطلاً من الألياف الكربونية. تمسكت الحكومة المصرية بالحصانة الدبلوماسية لحلمي، إلا أن القضاء الأمريكي حـكم عليه في يونيو حزيران 1989 بالسجن لمدة 46 شهراً وبغرامة قدرها 350,000 دولار. كما صودر من حساباته معظم المليون دولار التي قال الإدعاء إنها كانت دفعات أرسلت له من ضباط الاستخبارات المصرية عن طريق بنوك سويسرية. جيمس هوفمان، زميل حلمي الذي ساعد على التصدير، حـُكِمَ عليه بالسجن 41 شهراً وبغرامة 7,500 دولار
القاضي الذي حكم في القضية في كاليفورنيا، وصف مخطط حلمي للحصول على مواد حساسة لصناعة الصواريخ الأمريكية بأنه "مؤامرة كبيرة ومعقدة ومتداخلة" طورتها مصر بدعم مالي من العراق
أثارت هذه الخطوة حفيظة الدوائر الغربية وقلقها، رغم أن المشارك فيها نيابة عن مصر يُوصف بأنه أوثق حلفاء الولايات المتحدة في بلاده. وبدأت بعض الصحف الأميركية في أكتوبر تشرين أول 1988 حملة على أبو غزالة عكست قلق الإدارة الأميركية من طموحاته التسليحية. يُذكر أنه في 11 يوليو تموز 1988، ألغت وزارة الدفاع المصرية رسمياً تعاقدها مع شركة IFAT – المتخصصة في التكنولوجيا العسكرية، ومقرها زوغ في سويسرا- ثم انسحبت في فترة ما بين عامي 1989 و1990 من مشروع التعاون مع العراق والأرجنتين في مجال تكنولوجيا الصواريخ، وهو ما سجلته تقارير ومجلات عسكرية متخصصة، ومنها على سبيل المثال

"Egypt 'Has Pulled Out of Condor Program'," Jane's Defense Weekly, 30 September 1989, p. 630
Ottaway, David B. "Egypt Drops Out of Missile Project; State Department Official Offers No Details on Iraqi Program." Washington Post, September 20, 1989, p. A32
المفاجأة أن الرئيس مبارك لم يكن يعرف شيئاً عن تفاصيل هذه العملية التي بسببها انقلبت الولايات المتحدة على أبو غزالة بشكل كامل


وعندما كان مبارك يزور واشنطن في عام 1989 اصطحبه الرئيس بوش الأب إلى حديقة البيت الأبيض وأخذا يمشيان، ثم سأله فجأة: ما هي أخبار عبد الحليم أبو غزالة؟ فرد الرئيس مبارك مندهشاً: إنه رجلكم. فرد بوش قائلاً: كلا، إنه ليس رجلنا، ومن الأفضل أن يترك منصبه في أسرع وقت (محمد الباز،
المشير - قصة صعود وانهيار أبو غزالة، ط 2، كنوز للنشر والتوزيع،2007)


لم تكن مقابلة الرئيس مبارك لبوش الأب وطلبه منه أن يعزل أبو غزالة هي دافع مبارك الوحيد، ففي الملف كانت هناك أوراق كثيرة.. فبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات، التقى مبارك الرئيس العراقي صدام حسين، الذي شكر الرئيس المصري على جهوده وعلى ما قام به أبو غزالة.. وبدأ صدام حسين في سرد قصة تطوير الصواريخ على مسامع الرئيس مبارك الذي لم يكن يعرف عنها أي شيء. ويبدو أن صدام أدرك أن الرئيس مبارك يسمع الكلام لأول مرة.. فلم يُخفِ اندهاشه، وقال لمبارك: سيادة الرئيس، اسمح لي، أنت رئيس الجمهورية أم عبد الحليم أبو غزالة؟!.. لم يعلق الرئيس مبارك على ما قاله صدام، وأضمر الأمر في نفسه


إلا أن هناك من رأى أن السبب المباشر لإقصاء أبو غزالة عن منصبه يعود- كما ذكر الكاتب الصحفي عادل حمودة- إلى أنه كان يتصرف في أراضي الدولة في الغردقة من دون استشارة أحد، فضلاً عن أنه تكاسل عن السفر مع الرئيس مبارك في ذلك الوقت إلى عمان، فكان أن سافر معه محافظ القاهرة يوسف صبري أبو طالب. وعندما عاد مبارك إلى القاهرة، عينَ أبو طالب وزيراً للدفاع بعد ترقيته إلى رتبة فريق أول، وعينَ أبو غزالة مساعداً لرئيس الجمهورية

وبينما كان المشير خارجاً من بيته في أحد أيام ربيع 1989 وكان مرتدياً زيه العسكري متجها إلى وزارة الدفاع، طلبه اللواء جمال عبد العزيز سكرتير الرئيس، وقال له: سيادة الرئيس عاوز حضرتك النهارده، بس يا ريت تكون بالملابس المدنية. سأله المشير: تعرف ليه يا جمال؟..فرد عليه قائلاً: خير يا أفندم إن شاء الله.. فرد ضاحكاً: لكن لابد من حكاية الملابس المدنية دي.. فقال له جمال عبد العزيز: الأوامر كده يا أفندم

عاد أبو غزالة إلى بيته وارتدى الزي المدني واتجه إلى القصر الجمهوري، حيث قابلوه هناك وأدخلوه غرفة وأغلقوا عليه الباب. وفي الساعة الثانية إلا ربعاً فتح الباب.. وبعد نحو عشر دقائق مر الرئيس مبارك وكأنه فوجئ بوجود أبو غزالة في القصر الجمهوري.. فقال له: الله.. أنت هنا يا محمد، فرد المشير، أيوه يا أفندم حضرتك اللي طلبتني.. فقال له: آه.. أنا عايزك تحلف اليمين علشان عينتك مساعد لي

وبعد أن حلف المشير أبو غزالة اليمين، أعطاه الرئيس مبارك مظروفاً مغلقاً، وقال له: أعطه للرئيس صدام حسين.. فقد أراد مبارك أن يرد بشكل عملي على سؤال صدام عن الرئيس في مصر، هل هو مبارك أم عبدالحليم أبو غزالة!

ولم تنشر الصحف اليومية في مصر سوى خبرٍ مقتضب من بضعة أسطر عن خبر تعيين أبو غزالة مساعداً للرئيس، في حين حار كثيرون في تفسير هذه الخطوة، وأثيرت تساؤلاتٌ عن معنى وقيمة منصب أبو غزالة الجديد

إلا أن الإعلام الغربي كان واضحاً في تفسير أسباب إبعاد أبو غزالة عن وزارة الدفاع، حتى إن الصحفي آلان كاول كتب في صحيفة "نيويورك تايمز" بتاريخ 18 إبريل نيسان 1989 مقالاً بعنوان "إطاحة المساعد في القاهرة مرتبطة بجهود الحصول على أجزاء صاروخية في الولايات المتحدة"

Cowell, Alan. "Cairo Aide's Ouster Tied to Effort to Get Missile Parts in U.S.," New York Times, April 18, 1989, p. A8.
وقد بحث البروتوكول عن قسمٍ لمساعد الرئيس ليؤديه أبو غزالة فلم يجدوا لهذا المنصب قَسَماً، لأنه ليس منصباً مؤثراً وأقرب إلى الوظائف الشرفية – ونضيف إلى ذلك أنه لم يحدث في تاريخ مصر المعاصر سوى مراتٍ قلائل، مثلما حدث مع ممدوح سالم وسيد مرعي – فكان أن دبروا له قسماً ليقوله أبو غزالة وسط ذهول الجميع، ممن لم يصدقوا أن إزاحته يمكن أن تكون بمثل هذه السهولة

وقد نسي هؤلاء أن الرئيس في مصر يستطيع أن يفاجىء الجميع، حتى وإن كانوا من ذوي القوة والنفوذ. لقد حسم الرئيس الراحل أنور السادات معركته على السلطة وتخلص من خصومه بضربةٍ واحدة في مايو أيار 1971، مع أنهم كانوا يسيطرون على الجيش والإعلام والمخابرات والداخلية والرئاسة والتنظيم السياسي


لكن هذا المثال الصارخ غاب عن ذهن الجميع وهم يجدون مبارك يخرج وزير دفاعه القوي من محيط نفوذه بالضربة الفنية القاضية، ليحل مكانه ضابطٌ متقاعد ترك الخدمة منذ 12 عاماً. وكان أن وُصِفَ هذا القرار بأنه أخطر قرارات الرئيس مبارك، الذي أثبت -على حد تعليق إحدى الصحف العربية- أنه اللاعب الأول والأخير في مجرى السياسة المصرية


منح الرئيس مبارك قلادة الجمهورية للمشير أبو غزالة وسلمها له في أكتوبر تشرين أول 1991، واختفى اسم أبو غزالة تماماً عن الساحة، إلى حين

ثم ظهرت لوسي آرتين

Friday, September 12, 2008

أبو غزالة.. من "النجم الساطع" إلى "خريف الغضب" (2): لا يوجد الآن غيرك


كان المشير أبو غزالة وزيراً للدفاع عندما اغتيل الرئيس أنور السادات في 6 أكتوبر تشرين أول 1981. وفي حادث المنصة، كان أبو غزالة يجلس على يسار السادات، وتبادل معه – في الدقائق التي سبقت الاغتيال- التعليقات حول شحنات الأسلحة الأمريكية الجديدة ومواعيد وصولها، وعن احتفالات الانسحاب الإسرائيلي المرتقب من سيناء في 25 إبريل نيسان 1982، والترقيات الاستثنائية التي سيحظى بها بعض كبار الضباط بهذه المناسبة

وعندما بدأ تنفيذ خطة الاغتيال، انتبه أبو غزالة وأحس أن ثمة شيئاً غير طبيعي يحدث، عندما رأى الرشاش في يد الملازم أول خالد الإسلامبولي، واكتشف أنه عاري الرأس ولا يضع "البيريه" كالمعتاد
أشاح خالد الإسلامبولي لأبو غزالة بيده، قائلاً: "ابعد"، قبل أن يمطر هو وزملاؤه المنصة بسيل من الرصاص الذي أودى بحياة الرئيس المصري أنور السادات وعدد من الحضور، فضلاً عن إصابة 28 شخصية أخرى في حادث المنصة، بينهم أبو غزالة الذي كانت إصابته سطحية، على عكس "الكاب" العسكري الخاص به، والذي أصيب بشظايا متطايرة من مقذوف رصاصات كانت قد تناثرت نتيجة ارتطامها بسور المنصة


أصيب "الكاب" بطلقٍ ناري نافذ بالرفرف خارج منطقة استدارة الرأس. روى تفاصيل ذلك عادل حمودة في كتابه "اغتيال رئيس"، الصحفيان الإسرائيليان عوديد غرانوت وجاك راينيش في كتابهما "يوم قتل الرئيس" (1984)، في حين نشرت جريدة "الأهرام" على صفحتها الأخيرة بعد أيام من الاغتيال صورة "كاب" المشير الذي أصيب بالرصاص ليفلت صاحبه من الموت


بعد اغتيال السادات، تزعم رئيس الوزراء المصري د. فؤاد محيي الدين حملة لتنصيب نائب الرئيس حسني مبارك في منصب رئيس الجمهورية. وكانت وجهة نظر رئيس مجلس الشعب د. صوفي أبو طالب - الذي تولى بموجب الدستور رئاسة الجمهورية مؤقتاً- وبعض الأطراف الأخرى المؤثرة في السلطة هو المفاضلة بين النائب حسني مبارك وأبو غزالة، ورأى البعض أن ذلك أمر يخص المؤسسة العسكرية ولذلك يجب أن تجتمع رموزها وتختار مَن تريد مِن الاثنين


أدرك فؤاد محيي الدين أن كفة محمد عبد الحليم أبو غزالة من الممكن أن تكون هي الراجحة.. لذلك لجأ إلى حيلة حيث تحدث مع أبو غزالة أمام الذين يعرف أنهم يميلون إلى ترشيحه، وقال له: سيادة الوزير، الرأي اجتمع على اختيار النائب حسني مبارك رئيساً للجمهورية، ويسعدنا سماع وجهة نظرك.. فرد عبد الحليم أبو غزالة: "ودي فيها وجهة نظر.. طبعاً الأخ حسني مناسب جداً ليكون رئيساً للجمهورية"

وفي قولٍ آخر، سأله فؤاد محيي الدين:"يا أفندم لا يوجد الآن غيرك أنت والأخ مبارك!" ليجيب أبو غزالة- بدافع الإحراج على ما يبدو، قائلاً: الأخ مبارك"

وحتى اليوم، يرى كُتابٌ وباحثون أن أبو غزالة كان ببساطة: قَدَرُ مصر ..الذي لم يأتِ




والشاهد أن المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة تولى وزارة الدفاع، وقيادة القوات المسلحة في وقت عصيب في تاريخ مصر، وخاصة بعد اغتيال الرئيس السادات. وكان الجميع يعلم أن أبو غزالة هو رجل أمريكا في القوات المسلحة المصرية، حيث سبق له أن عمل ملحقاً عسكرياً في سفارة مصر بواشنطن، قبل أن يعين وزيراً للدفاع. وكان الرئيس السادات يعتمد عليه في إعادة تسليح الجيش المصري بالأسلحة الأمريكية، وتحديث القوات المسلحة لتستغني عن السلاح السوفيتي
على أن حادث الاغتيال لفت انتباه البعض إلى أمر آخر
إذ نشر الكاتب د. روبرت سبرنغبورغ عام 1987 دراسة مهمة على امتداد 12 صفحة في مجلة "ميدل ايست ريبورت" كان عنوانها "الرئيس والمشير.. العلاقات المدنية العسكرية في مصر اليوم"
Robert Springborg, The President and the Field Marshal: Civil-Military Relations in Egypt Today, MERIP Middle East Report, No. 147, Egypt's Critical Moment (Jul. - Aug., 1987), pp. 4-11+14-16+42 (article consists of 12 pages)

وضع سبرنغبورغ يده على أوجه التشابه والاختلاف بين مبارك وأبو غزالة في مقاله المذكور وأيضاً في كتاب صدر في الولايات المتحدة عام 1989 تحت عنوان: "مصر مبارك وتكسير النظام السياسي"
Springborg, Robert. Mubarak's Egypt: Fragmentation of the Political Order. Boulder: Westview Press 1989


كان من المتفق تماماً مع الخلفية العسكرية لمبارك، أن يسعى ضمن ما كان يسعى إليه في أعقاب توليه السلطة في مصر، إلى استعادة ما فقده الجيش من تقديرٍ لدوره بالإضافة إلى بعض النفوذ السياسي
وكان أبو غزالة المرشح النموذجي ليصبح رجل مبارك.. حيث أكد الفارق بينهما في السن -عامان فقط- والرتبة سلطة مبارك، ولم يحدث أن كان أبو غزالة ومبارك متنافسين في القوات المسلحة، حيث كان أبو غزالة متخصصاً فى المدفعية في حين كان مبارك طياراً حربياً، وقد تلقى كل منهما تدريباً في الاتحاد السوفيتي، انتهيا
منه في توقيت متقارب عام 1961

ويقول سبرنغبورغ: "منذ 1979، حين كان أبو غزالة ملحقاً عسكرياً في واشنطن، ومبارك نائباً للرئيس، عمل الاثنان معاً في تطوير برنامج المعونة العسكرية مع الولايات المتحدة"

اختلفت القناعات السياسية والسلوك السياسي لكل من مبارك وأبو غزالة في الشكل والمضمون
إذ يقول سبرنغبورغ: "وبالرغم من أن مبارك وأبو غزالة يمتلك كل منهما صفات شخصية متميزة، ويشتركان في الخبرات، الأمر الذي سهل قيام هذه العلاقة السياسية الحميمة، فإنه في الواقع، كان الرجلان مختلفين اختلافاً كبيراً. فأبو غزالة شخصية ذات منطق واضح، قوية وطموح. كما أن مقابلاته غير المسجلة مع الصحفيين الأمريكيين، تعطي المشاهد انطباعاً بقدرته على مواجهة المسائل مباشرة وبشكل محدد - بعكس مبارك - الذي يعطي انطباعاً بأنه حمل عناء الرئاسة كرهاً، وقرر - بصرف النظر عن الواجب - أداء الوظيفة بأفضل ما يمكنه. ويعطي أبو غزالة انطباعاً بأنه يتطلع إلى السلطة، ويريد تنفيذ برنامجه، ويتمتع أبو غزالة بجاذبيةٍ شخصية مختلفة عن الشخصية التي يوحي بها المظهر لمبارك. وإثر اغتيال السادات مباشرة، وقف أبو غزالة منتصباً، مشيراً بعصا المارشالية إلى القاتل الفار، مصدراً الأوامر بمطاردته، بينما لم يفعل مبارك ذلك. سعى مبارك - الذي يتمتع بمزاج إداري- إلى دمج اتجاهات عدة في السياسة المصرية، وإعادة بعض التوازن إلى العلاقات المصرية الخارجية، فيما يعد أبو غزالة محافظاً صريحاً، شديد العداء للشيوعية، وبالمقابل موالياً للولايات المتحدة، وقد أكد أن أمن مصر لا ينفصل عن أمن الولايات المتحدة وحلف الأطلنطي. وبعكس تفضيل مبارك الواضح للعلمانية، فقد اكتسب أبو غزالة صورة التدين، وهو يتمتع بالشعبية داخل العديد من الدوائر الدينية، وترتدي زوجته وحدها تقريباً بين زوجات الوزراء الحجاب الإسلامي في المناسبات العامة"



الطريف أن الباحث الأميركي يشير إلى قضية كرة القدم والتفاؤل، وتأثيرهما على شعبية الرجلين، فقد "كان أبو غزالة يتمتع بحسن الطالع، إذ
كان يتناوب مع الرئيس في حضور مباريات كرة القدم المهمة، وتصادف أن فاز منتخب مصر لكرة القدم في عددٍ من المباريات المهمة التي كان المشير يتقدم فيها الحضور، ما زاد من شعبيته. وقد استمر هذا الارتباط حتى أصبح في عام 1986 نكتة شائعة. وفي صيف تلك السنة فاز الفريق المصري بمعجزة بكأس إفريقيا بينما كان مبارك يشجعه، وأطلق على الكأس فوراً لقب كأس مبارك"
وبالرغم من أنّه كان حريصاً على عدم الظهور في موقع المنافس السياسي لمبارك وكذلك التقليل من صلاحياته، فإن المراقبين كانوا ينظرون إلى أبو غزالة على أنّه الخليفة الطبيعي للرئيس مبارك

وبينما انصرف الرئيس مبارك بعد توليه الرئاسة لتوطيد دعائم النظام والحفاظ على الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل بعد تلك النقطة الفاصلة، تفرغ الرجل الأول في المؤسسة العسكرية لتحديثها وربط خططها التدريبية والتسليحية بالولايات المتحدة في إطار القطيعة مع الحليف السوفيتي السابق وحلفائه الإقليميين

كان أبو غزالة رجل أمريكا الأول في مصر



ففي عهده دخلت التدريبات العسكرية المشتركة مع القوات الأميركية إلى حيز التنفيذ الدوري، وظهرت في أجواء مصر مراراً طائرات
الفانتوم إلى جانب الميغ السوفيتية الصنع، وتزايدت أيضاً حركة انتقال الضباط المصريين لتلقي التدريب في المعاهد العسكرية الأمريكية والأوروبية

وكان يُنظر في الدوائر السياسية الأمريكية إلى المشير أبو غزالة بعين الارتياح

وساعدت واشنطن على تأكيد وضع أبو غزالة منذ يونيو حزيران 1986.. حيث لم يتم استقباله عند زيارته للولايات المتحدة بواسطة وزير الدفاع كاسبار واينبرغر وحده وإنما أيضاً وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي ونائب الرئيس الأمريكي جورج بوش (الأب) وعدد من أعضاء مجلس النواب والشيوخ. كما أنه لم يبحث تخفيض فوائد الدين العسكري فحسب وإنما ناقش قضايا اقتصادية عامة.. في حين تُرِكَ لأعضاء الوفد المصري من المدنيين، وبينهم وزير التخطيط والتعاون الدولي د.كمال الجنزوري ووزير المالية صلاح حامد ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء د. عاطف عبيد، بحث المسائل الفنية بعد أن توصل أبو غزالة ومجموعة ريغان إلى اتفاق حول المبادئ العامة
وعند عودة أبو غزالة إلى مصر، كان مجلس الوزراء بأكمله في انتظار المشير على أرض المطار لتحيته


وفي نوفمبر تشرين ثانٍ من العام نفسه، عاد أبو غزالة إلى واشنطن لاستئناف المباحثات وكانت رحلة مبارك لنفس الغرض قد تم تأجيلها، إذ لم ترغب واشنطن في استقباله قبل الاتفاق على الإصلاحات الاقتصادية


وفي عهد أبو غزالة أيضاً سجل الالتزام الصارم بمعاهدة السلام مع إسرائيل، بحيث لم تجرؤ أية جهة على مساءلته عن الظروف الغامضة لموت العسكري المصري الشاب سليمان خاطر في 7 يناير كانون ثانٍ 1986 "انتحاراً" في السجن بعد شهور من قيامه بقتل سبعة إسرائيليين اجتازوا حدود مصر في سيناء في 5 أكتوبر تشرين أول

1985

وعندما تولى د. علي لطفي رئاسة الحكومة خلفاً لكمال حسن علي في سبتمبر أيلول 1985، أصبح الطريق مفتوحاً أمام أبو غزالة لاكتساب قدرٍ من الهيمنة داخل مجلس الوزراء، فأصبح اسمه يتردد على صفحات الصحف اليومية أكثر من رئيس الوزراء. وقد بدا هذا الاتجاه ملحوظاً بصورةٍ أكبر في وزارة د. عاطف صدقي، الذي اختير خلف د. علي لطفي


ومرة أخرى، أسهمت أحداث الأمن المركزي في فبراير شباط 1986، في تأكيد دور الجيش في حماية الأمن الداخلي لمصر، بعدما طلب مبارك من الجيش التدخل للسيطرة على الموقف بعد أن طالت أعمال العنف والتخريب مناطق مختلفة خصوصاً في شارع الهرم وأحياء مختلفة من العاصمة المصرية


اعتقد كثيرون أن هذه الأزمة انعكست سلباً على رصيد مبارك، ودفعت

بأبو غزالة إلى الواجهة

وازدادت الضجة الإعلامية حول المهام الجديدة الملقاة على عاتق الجيش، بدءاً من علاج المدنيين بالمستشفيات العسكرية وليس انتهاءً بتطهير الشواطىء التي تعرضت للتلوث


وفي عام 1986، أصبحت الاحتفالات بافتتاح المشروعات العسكرية الجديدة - التي تتضمن مزارع الدواجن والمدن الجديدة في الصحراء- مناسبات يطوف فيها الوزراء المختصون خلف أبو غزالة مباركين

وداخل صفوف الجيش، نجح أبو غزالة في كسب شعبيةٍ طاغية بفضل تمكنه من إقناع مجلس الوزراء برفع مرتبات الضباط، كما حقق التعاون العسكري المتزايد بين مصر والغرب مزايا إضافية للضباط، إذ جرى تدريب ما يربو على 200 من الضباط سنوياً في الولايات المتحدة. كذلك تحسنت امتيازات العسكريين وتطورت الأسلحة الحديثة التي كان الجيش يملكها آنذاك، في الوقت الذي نال فيه الضباط شققاً في مشروعات إسكانية جيدة المستوى ومدعومة مادياً، خاصةً في حي مدينة نصر، كما أصبحت الجمعيات التعاونية الاستهلاكية الخاصة بالضباط مصدراً مناسباً لتوفير مستلزمات الحياة اليومية للضباط وعائلاتهم. وتشمل القائمة أيضاً المستشفيات العسكرية بخدماتها العلاجية الراقية، ومصايف الجيش المميزة


وهكذا أمكن للمشير لأن يمد مظلة سلطته الأبوية على ضباط الجيش، في الوقت الذي شهدت شعبيته في صفوف المدنيين ارتفاعاً ملحوظاً، بفضل مشروعات الجيش في مجالات الصحة والزراعة واستصلاح الأراضي والصناعة والمواد الغذائية


لقد لمس المصري بنفسه أثناء فترة تولي أبو غزالة وزارة الدفاع حجم مساهمة القوات المسلحة في توفير الخدمات وتجديد المرافق للمواطنين، مثل تجديد خطوط السكة الحديد، وإخلاء التكدس بالموانىء، وإنشاء شبكات التليفون، والمساهمة في حل مشكلات إنتاج الخبز وشق الطرق وإقامة الكباري العلوية وحفر الآبار في الصحراء

ثم إن القوات المسلحة أصبحت أثناء تلك الفترة أهم مصدر لإعداد وتدريب العمالة الماهرة والكوادر الفنية في جميع التخصصات

شاركت القوات المسلحة في عدد من المشروعات الإسكانية للمواطنين والنقابات، مثل مدينة التجاريين، المقطم، ومدينة العمال في أبو زعبل ومساكن العاملين، ومنشآت جامعية في مدينة نصر، وأبراج القضاء في الإسكندرية


يضاف إلى ذلك أن القوات المسلحة أيام كان المشير أبو غزالة وزيراً للدفاع، أسهمت في العديد من الخدمات والمشروعات الأخرى. ومن ذلك ما ذكره أنيس منصور في عموده اليومي "مواقف" في جريدة "الأهرام" في 21 سبتمبر أيلول 1986، عندما وجه الشكر إلى المشير أبو غزالة "الذي أسعف المواطنين بمئة ألف زجاجة قطرة من إنتاج القوات المسلحة ولاستعمالها الخاص. وقد عودتنا القوات المسلحة أن تهب لإنقاذنا في الأزمات"


ورصد كثيرون صعود هذا "النجم الساطع" - نسبة إلى المناورات العسكرية المشتركة بين مصر والولايات المتحدة التي بدأت في مطلع
الثمانينيات- لدرجة أن د. سعيد إسماعيل علي كتب في جريدة "الأهالي" في 8 أكتوبر تشرين أول 1986 مقالاً نبَه فيه إلى الظاهرة، وناقش دور المشير على رأس المؤسسة العسكرية وقيادته "جهازاً يغزو الحياة الاجتماعية المصرية: في طرقها وكباريها، وتليفوناتها ومدارسها، وخبزها ولحمها، وفولها، وعدسها وبصلها"

وفي خطواته على المستوى العام، تمتع أبو غزالة بحسٍ دقيق في مجال العلاقات العامة، ويعد توقيت حضوره حفلات الافتتاح والأحداث المماثلة ناجحاً تماماً. ففي أثناء الخلاف الدائر حول تلوث الشواطىء المصرية الواقعة على البحر المتوسط، أعلن أبو غزالة أن طائرات الهليكوبتر التابعة للجيش سوف تقوم بعمليات الرش في طول الساحل الغربي لمواجهة التلوث بالزيت، وخصوصاً في المناطق التي يأتي منها التلوث من خارج المياه الإقليمية


وبينما كان الجدل دائراً حول تدهور نوعية الرعاية الصحية في مستشفيات مصر، أصدر أبو غزالة أمراً بمنح المستشفى الذي تديره الجمعية الخيرية الإسلامية في أبو زعبل جهازاً للكلى بلغ ثمنه 25 ألف جنيه. كما أعلن أن المستشفيات العسكرية يمكن أن تعالج الحالات التي تتطلب العلاج في الخارج على نفقة الدولة


وكان طبيعياً أن يشعل نجاح المشير نار الصراع على رأس السلطة

Wednesday, September 10, 2008

أبو غزالة.. من "النجم الساطع" إلى "خريف الغضب" (1): نكات الطوبجي




لم تكن مجرد "حالة" تصفيق عادية، بل "تياراً" سرى إلى وجدان الجميع

في تلك الليلة من ليالي أكتوبر تشرين أول عام 1998 التي شهدت احتفالاً باليوبيل الفضي لحرب أكتوبر 1973، شعر الجميع أن التصفيق الحار الذي ناله وزير الدفاع المصري الأسبق المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، ترحيبٌ عفوي وتقديرٌ صادق..وربما رسالة إلى من يهمه الأمر


لم يتصور كثيرون أن يستمر التصفيق بضع دقائق للمشير الذي عاد إلى الظهور بعد غيابٍ أو ابتعادٍ مقصود عن الساحة العامة، في أعقاب إعفائه من منصبه كوزيرٍ للدفاع وقائد عام للقوات المسلحة في 16 إبريل نيسان 1989، ثم عقب نشر استقالته من منصبه كمساعدٍ لرئيس الجمهورية في فبراير شباط 1993


غير أن عودة المشير إلى الأضواء ولو للحظاتٍ أثارت حالة من الحنين لدى كثيرين، من قبيل الوفاء لهذا الرجل أو العرفان بفضله

في كل الأحوال، أثبت أبو غزالة – الذي رحل عن دنيانا في 6 سبتمبر أيلول 2008– في بضع دقائق تلقى أثناءها تحية وتصفيق الجميع أن سنوات الغياب لم تؤثر على شعبيته الكبيرة التي نالها وخطط لها طوال عقد الثمانينيات من القرن الماضي..أو ما يمكن أن نطلق عليه اصطلاحاً عقد "صعود نجم المشير"


هي سنوات قلائل بالفعل، لكنها شهدت أهم التطورات في حياة المشير أبو غزالة..إنها سنواتُ الصعود والتألق والنفوذ ومد مظلة الشعبية إلى قطاعات مختلفة.. وفي تلك الفترة الذهبية من مشواره السياسي، لم يكن هناك نقاش بشأن نفوذ "الرجل القوي" في السنوات العشر الأولى لحكم الرئيس مبارك، والذي اعتبِرَ "كاتم أسرار المؤسسة العسكرية المصرية" في لحظات تاريخية فارقة


صعودٌ قوي، أعقبه انحسارٌ مفاجىء تراجعَ فيه النفوذ وأفلت النجومية، قبل أن تطوى الصفحة نهائياً في عقد التسعينيات، بعد فتح صفحة المرأة التي دقت المسمار الأخير في نعش طموحات المشير



وبكلمات أدق، تحولت تلك الفترة في نهايتها إلى موسيقى جنائزية حزينة لتطلعات رجلٍ كان كثيرون يعتقدون أنه لن يوقفه شيء، حتى فوجئوا ذات صباح بأن القطار قد توقف وأحيل إلى الاستيداع بهدوء ودون مبررات واضحة

ومنذ ذلك الوقت، وأبو غزالة محورٌ مهم من النقاش في مصر، حتى وإن كان الرجل نفسه مبتعداً عن الأضواء، إلى أن وافته المنية في مستشفى الجلاء العسكري بمصر الجديدة، بعد صراع دام عامين مع سرطان الحنجرة عن عمر يناهز الثامنة والسبعين، وشيعت جنازته من مسجد آل رشدان بمدينة نصر بالقاهرة، بمشاركة المئات من القيادات السياسية والعسكرية، يتقدمهم الرئيس المصري حسني مبارك




مسافة طويلة ومفاجآتٌ لا تنتهي، تفصل بين دقائق التصفيق الحار التي نالها أبو غزالة في احتفالات أكتوبر عام 1998 ودقائق الجنازة العشر التي كان جثمانه فيها ملفوفاً بعلم مصر ومحمولاً على عربة مدفع، وأمامه حَملة الأوسمة والنياشين التي حصل عليها الفقيد

لقد حصل المشير على 11 وساماً ونوطاً وميدالية عسكرية مصرية، بينها وسام نجمة الشرف العسكرية تقديراً لجهوده خلال حرب أكتوبر 1973، حينما كان برتبة العميد قائداً لمدفعية الجيش الثاني الميداني

عرف أبو غزالة كيف يطرقُ الحديد، لكنه ذابَ أمام ملمس الحرير
وأتقن المشير فنونَ الحرب، لكنه أخفق في جنونِ الحب
وبين الحب والحرب، حرفٌ واحد..أما بين الحب والحب، فهناك شيطانٌ آخر
وفرقٌ كبير بين إدارة الجيوش، وإدارة ما يجيش به القلب
قوة الرجل أنه يهدي المرأةَ وردةً يتصورُ أنها ستذبل في الإناء
قوةُالمرأةِ أنها تعرف أنك ستذبلُ أنتَ والوردة. ساعتها فقط تدركُ أنكَ كنتَ الإناء


والشاهد أن أبو غزالة كان رجلاً هادىء الملامح، خفيض الصوت، قليل الانفعالات، لا يحرك يديه عندما يتكلم، ولا يتململ في جلسته، وكان غير مدخن، يتقبل الهجوم دون أن يتغير، ثم إنه كضابط مدفعية أو "طوبجي" قديم محترف، يرد بكمية الكلام أو كمية النيران اللازمة للإسكات

وهو في نظر من يعرفونه عن قرب: ابن بلد

ربما يعود ذلك إلى ما يؤكده هؤلاء من شهامته ومساعدته للآخرين، وتواضعه وحبه الشديد لجنوده حيث قدم العديد من المساعدات ولجنود الصف والضباط واهتم بمظهر ومكانة الجندي المصري ومدى أهميته

ويُقال إنه كلما زادت النجوم على كتف هذا الضابط، كلما ازداد تواضعه




وكان القائد العسكري الذي عمل على تطوير مدرسة المدفعية في ألماظة، يشارك الجنود في لعب كرة القدم حين كان رئيساً لأركان المدفعية.. ولم يكن مستغرباً أن يتصايح اللاعبون في مدرسة المدفعية وهم من الجنود فيما بينهم، مرددين "العب يا فندم" أو "باصي يا فندم"، عندما كان رئيس أركان سلاح المدفعية المصرية يشاركهم تلك اللحظات الرياضية


عشق أبو غزالة لعب كرة القدم، وعُرِفَ عنه أنه أهلاوي صميم. وكانت مباريات النادي الأهلي هي الوليمة التي يجتمع عندها الأحباب ويدعى لها الأقارب والأصحاب. وعندما ينفعل الحاضرون بالتشجيع والهتاف والانتقاد أيضاً وهم يشاهدون المباراة على شاشة التليفزيون، كان أبو غزالة أشدهم انفعالاً، إلا أنه إذا أراد أن ينتقد لاعباً فإن أقسى الألفاظ عنده هو أن يقول: "ريعو النهاردة وحش". وقد كانت الستينيات زمن ريعو والسايس والفناجيلي والشيخ طه

وربما زادت خفة ظله من شعبيته، فقد كان حاضر الذهن سريع البديهة، فضلاً عن تذوقه للنكتة بابتسامة خفيفة


حدث أن فاز الأهلي على الزمالك في الستينيات بثلاثة أهداف نظيفة، فأرسل تلغرافاً يسوق فيه التعازي إلى زوج أخته، إذ كان من مشجعي الزمالك. وعندما تلقى زوج الأخت التلغراف لم يجد فيه سوى عبارة "تعازينا في الثلاثي المرح"

ويحكي أحد أقاربه وهو محمد فاروق غزالة لجريدة "المصري اليوم" (9 سبتمبر أيلول 2008) أنه جاءه ذات يومٍ أحد أبناء قريته " قبور الأمراء" التابعة لمركز الدلنجات في محافظة البحيرة - والتي تحول اسمها بعد ذلك على يديه إلى "زهور الأمراء"- وطلب منه تعيين ابنه في وظيفة محترمة، وكان هذا الابن أمياً. عرض عليه المشير تعيينه عاملاً في الأوقاف، أو الكهرباء، لكن الرجل رفض وقال للمشير: "عاوز وظيفة كبيرة"، فقال له المشير: "خلاص استنى، عندي وزير حيخرج معاش بعد شهر هاعينك مكانه"، فضحك الرجل وقال: "أيوه كده هي دي الوظيفة"


ويحسب له البعض أنه عمل على الارتقاء بمستوى ضابط القوات المسلحة، الذي لم يكن يمتلك غير راتبه الشهري. فهو أول وزير مصري أقر مكافأة نهاية الخدمة للعسكريين، ورفعها لتكون ٤٠ شهراً، فضلا عن صفقات السيارات التي أمد بها ضباط القوات المسلحة فأدخل السيارات موديل (١٢٧) و(مازدا) بقسط شهري قيمته ٥٠ جنيهاً - وهو الذي لم يملك سيارة في حياته حتى تخطى رتبة لواء - إلى جانب الوحدات السكنية، إذ بنى أول مدينة للإسكان التعاوني في الإسكندرية، بعد أن كان ضابط القوات المسلحة قبل عهده يخرج من الخدمة بدون أي مكافآت لائقة، أصبح ضابط القوات المسلحة في عهده يمتلك الشقة والسيارة ومكافأة نهاية الخدمة


ويذكر له العسكريون بالتقدير أنه كان أول من طالب بإنشاء وحدات إسكان مهني من خلال جمعيات تعاونية تتولى إنشاء وحدات رخيصة الثمن للبسطاء، كما أنه أول من طالب بتجديد معسكرات القوات المسلحة بعد حرب أكتوبر


ويتوقف البعض بإعجاب عند مواقف بعينها في حياة أبو غزالة، ومنها أن أم وزير الدفاع أُدخِلَت مستشفى الحلمية العسكري لتُعالَج من آلام في الركبة، شأنها شأن باقي أمهات وأفراد أسر الضباط. وقد توفيت في مستشفى "مصطفى كامل" العسكري بالإسكندرية، حيث كانت ثُعالَج من أمراضٍ عدة


هوايته الأولى كانت القراءة، وكان محباً للسهر، إلى جانب مشاهدته التليفزيون أحياناً، حتى إنه لم يكن ينام أكثر من أربع ساعاتٍ يومياً من الثانية صباحاً إلى السادسة صباحاً



وكان أبو غزالة يتخير لهوايته ما يتفق مع مواهبه ويأنس إلى لعبة الشطرنج، كما كان من هواة حل الكلمات المتقاطعة في الصحف، وساعدته ثقافته المتنوعة في أن يطعن تلك المسابقة بسهم المعرفة في دقائق

وبالرغم من تدهور حالته الصحية في العامين الأخيرين، فإنه ظل يقضي ساعات الصباح الأولى في ممارسة رياضة المشي المفضلة لديه في نادي النصر التابع للقوات المسلحة في شارع المطار، ويجلس مع بعض أصدقائه بعض الوقت، ثم يعود إلى منزله بعد الظهر، ويبقى فيه حتي اليوم التالي


وأبو غزالة ريفي الأصل والطبع، شرقي محافظٌ مع أسرته، لم يغيره السفر إلى أهم عواصم العالم. وربما كان القرار العسكري الأبرز الذي اتخذه داخل بيته هو قرار الحمية، إذ فرض على نفسه "الريجيم" بهدف التعامل بشكلٍ متوازن مع السعرات الحرارية. وكان من أقسى قراراته أيضاً على نفسه أن يستمر في خدمة سلاح المدفعية رغم إصابته بالتهاب في الأذن الوسطى، فلم يمنعه ذلك المرض من مواصلة التعامل مع دوي المدافع

الطريف أنه حتى لحظة توليه رئاسة أركان سلاح المدفعية، لم تكن زوجته تعرف ماذا يعمل. ولم تكن زوجته التي ترتدي الحجاب تظهر في المناسبات العامة إلا نادراً، وحين تحضر تلك المناسبات كانت تظل صامتةً في مقعدها، وهذا ما جعل زوجها يكتسب في ذهن قطاع كبير من المواطنين ووسائل الإعلام صورة "المتدين"، ليتمتع بشعبية جارفة داخل العديد من الدوائر الدينية والكتاب المحسوبين على التيار الديني، مثلما كتب محمد عبد القدوس في جريدة "الشعب" بتاريخ 14 أكتوبر تشرين أول 1986 تحت عنوان "تعظيم سلام للمشير"، مشيداً بحجاب زوجة أبو غزالة التي وصفها "بالسيدة الفاضلة"


ولزواج أبو غزالة حكاية طريفة

إذ كان قد وصل إلى رتبة نقيب، ووالدته الحاجة مبروكة تريده أن يتزوج، وفي أحد الأيام كانت تشتري بعض حاجياتها من شركة "عمر أفندي" في مدينة دمنهور، فشاهدت إحدى الفتيات فأُعجبت بها، وسألتها عن اسمها فقالت لها إنها أشجان ابنة أحمد صبري، مفتش دوائر أملاك الأمير عمر طوسون. وحدث تبادلٌ للزيارات بينهما، وتمت خطبتها، وكان يوم الزفاف مشهوداً حيث دوت فيه الطلقات النارية ابتهاجاً بالعُرس

رزق أبو غزالة بثلاثة أبناء هم هشام وطارق وأشرف، وثلاث بنات هن ليلى، وحنان، وإيمان


عاشت عائلته الصغيرة لسنواتٍ طويلة في المنزل رقم 13 في شارع المهدي بمنطقة حلمية الزيتون، قبل أن ينتقل إلى شقةٍ في حي مدينة نصر. وشارع المهدي هو شارع صغير خلف مسجد الشيخ بخيت بميدان حلمية الزيتون بنى فيه الضابط الشاب منزلاً من ثلاثة طوابق، سكن في الأخير منها، ولم يأنف من تلك الحارة الضيقة والتي لا يزيد عرضها عن أربعة أمتار حتى بعد أن وصل إلى رتبة لواء. كان سكان المنطقة يشاهدونه وهو يرتدي الجلباب الأبيض في كل جمعة ليصلي في مسجد "الشيخ بخيت" في ميدان حلمية الزيتون، والذي يبعد عن شارع المهدي نحو عشر خطوات

وإذا كان أبو غزالة عاش حتى رأى بناته يتخرجن ويتزوجن وينجبن له الأحفاد، وشاهد ابنه طارق يتخرج في كلية الطب ونجله أشرف يتخرج في كلية الطيران، فإن حياته العائلية لم تخلُ من مآسٍ واختبارات مؤلمة، منها وفاة أكبر أبنائه هشام في حادث سيارة في منتصف ستينيات القرن الماضي. فقد كان الطفل يلهو بدراجته أمام منزله حين صدمته حافلة يقودها سائق يعمل في هيئة النقل العام، فاعتدى رجال الأمن بالضرب على السائق، ولم ينقذه منهم سوى المشير شخصياً، الذي هدَأ من روع السائق، وقال له إن هشام هو المخطئ، وعفا عن السائق وتركه ينصرف دون أن يوجه إليه كلمة عتاب

ولم يمنعه الألم أو الأسى من أن يصافح السائق القاتل في سرادق العزاء


ولعل كثيرين لا يعرفون أن أبو غزالة ارتبط بعلاقة مصاهرةٍ مع المحامي مختار نوح القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين، كما أن نوح تزوج ابنة أخت المشير، الذي كان يمتُ بصلة قرابةٍ لوالد نوح وصديقاً له في الوقت نفسه. وفي زمنٍ مضى، كان مختار نوح ينادي أبو غزالة باسم "خالي ثروت"

فقد اشتهر أبو غزالة في القرية ووسط دائرته المقربة باسمٍ آخر: ثروت

اتسم أبو غزالة بالحرص في حياته وتصرفاته


يروي عادل حمودة في كتابه "حكومات غرف النوم..المرأة والسلطة"، على لسان أحد الضباط الأحرار في سلاح المدفعية رواية تؤكد صفة الحرص في شخصية أبو غزالة، فقد كان في باريس حين قرر مع أحد الأصدقاء السهر في ملهى شهير في حي بيغال اسمه "سفنكس". وهذا الملهى سبق أن سهرت فيه الملكة نازلي وأحمد حسنين باشا في أول رحلةٍ للملك فاروق إلى أوروبا بعد وفاة أبيه الملك فؤاد. ويصف الكاتب الصحفي محمد التابعي هذا الملهى بأنه مثير، يقدم استعراضاتٍ لنساء بلا ثياب، إلا من ورقة التوت


فوجىء أبو غزالة وصديقه وهما في الملهى بوجود العاهل الأردني الملك حسين، ومع أنهما كانا بالملابس المدنية فقد هبَا ليدفعا الحساب وغادرا المكان، إذ إن العلاقات لم تكن طيبةً بين الرئيس المصري جمال عبد الناصر والملك حسين، فوجدا أنه من الأفضل أن يتركا السهرة منعاً لأية شبهة ترصدها المخابرات المصرية في مثل هذه الظروف


ويبدو أن الملك حسين عرف أنه أفسد السهرة على ضابطين مصريين، فكلف الملحق العسكري الأردني في باريس علي أبو نوار بأن يتصل بالملحق العسكري المصري ثروت عكاشة ومساعده عيسى سراج الدين لدعوتهما على الغداء في مطعم "الأوريه دو روا" الفاخر في إحدى غابات باريس، تعويضاً عن إفساد السهرة على أبو غزالة - الذي لم يكن يعرفه- وزميله


غير أننا سنعرف فيما بعد، أنه إذا كانت غلطة الشاطر بألف..فإن خطأ المشير بمليون


ينتمي المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة إلى إحدى عائلات محافظة البحيرة، التي ترجع أصولها إلى قبائل أولاد علي

كان والده عبد الحليم هو الأخ الأكبر في عائلة تضم ١٤ أخاً وأختاً، ٧ أولاد ومثلهم من البنات. وعندما رزق عبد الحليم بابنه في 15 يناير كانون ثان عام ١٩٣٠، فرح به فرحاً شديداً وسماه أبو غزالة، بدلاً من "غزالة" لقب العائلة. وكان عبد الحليم يعمل في مصلحة البريد، ووصل إلى منصب مدير المصلحة في الإسكندرية

حصل على الابتدائية من الدلنجات، ونال شهادة التوجيهية من مدرسة عمر مكرم في دمنهور عام 1946، وكان ترتيبه الثالث عشر على المملكة المصرية، ثم التحق بالكلية الحربية

يقول عمه فوزي محمد غزالة: "كنت ألعب أنا وهو بجوار ترعة الحاجر، وكنت أجيد السباحة فيما لم يكن هو كذلك، ونزلت الترعة للاستحمام فأصر على النزول، وبعد لحظات وجدته يغرق، فصرخت وجاء عمنا عبدالعظيم لإنقاذه فتعلم السباحة بعدها، وكان في هذا الوقت في الصف الأول الثانوي"

التحق أبو غزالة إذاً بالكلية الحربية وتخرج فيها في 1 فبراير شباط 1949، وكان ترتيبه الأول على الدفعة، وهي الدفعة التي ضمت الرئيس مبارك. شارك في حرب فلسطين وهو طالب في الكلية الحربية، كما درس في مدرسة المدفعية في فرنسا عام 1955 أي أن عمره آنذاك كان 25 عاماً. وما بين هذين التاريخين، مارس أبو غزالة أول أدواره السياسية، حين انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار الذي قاد ثورة 23 يوليو 1952 ضد النظام الملكي في مصر


وفي الفترة من ١٩٥٧ و١٩٦١ سافر أبو غزالة إلى الاتحاد السوفيتي، ما سيجعله فيما بعد محسوباً على المعسكر الشرقي، وحصل هناك على إجازة القادة للتشكيلات المدفعية من أكاديمية

وعقب عودته من روسيا عمل مدرساً بمعهد المدفعية ثم تولى رئاسة فرع التعليم بالمعهد إبان حرب ١٩٦٧، وهي الحرب الوحيدة في تاريخ مصر الحديث التي لم يشارك فيها أبو غزالة، نظراً لوجوده بالمنطقة الغربية أثناء الحرب وانقطاع الاتصال بينه وبين قيادته ليعود بعد ذلك ويفاجأ بالهزيمة



وإذا كان الفريق محمد فوزي قد وضع اسمه على قائمة المحالين على المعاش عام 1968، بعد أن وجه نقداً حاداً للقيادتين العسكرية والسياسية محملاً إياهما مسؤولية هزيمة 1967، فإن الرئيس جمال عبدالناصر شطب على اسمه من القائمة، إيماناً منه بقدراته العسكرية المتفوقة

ولم يخيب أبو غزالة توقعات المطمئنين إلى قدراته العسكرية، وبرز دوره بشكل خاص في حرب أكتوبر 1973 التي شغل أثناءها منصب قائد مدفعية الجيش الثاني

بعدها عُين أبو غزالة رئيس أركان حرب سلاح المدفعية عام 1974، ثم اختير ملحقاً حربياً لمصر في الولايات المتحدة في 27 يونيو حزيران 1976. وأثناء إقامته في الولايات المتحدة، كان أول عسكري غير أمريكي ينال دبلوم الشرف من كلية كارلايل العسكرية الأمريكية

واستمرت رحلة الصعود

أصبح مديراً للمخابرات الحربية والاستطلاع عام 1979، ثم عُين رئيس أركان حرب القوات المسلحة 15 مايو أيار 1980، ورُقي إلى رتبة الفريق في 17 مايو أيار 1980

وفي مستهل أكتوبر تشرين أول ١٩٨١ وقبل اغتيال السادات بأيام قليلة، وافق المؤتمر الثاني للحزب الوطني على تعيينه عضواً بالمكتب السياسي للحزب، ليكون بعد ذلك وزيراً للدفاع والإنتاج الحربي في الوزارة التي تشكلت برئاسة حسني مبارك، خاصة بعد رحيل وزير الدفاع الأسبق الفريق أحمد بدوي في حادث سقوط طائرة هليكوبتر في 2 مارس آذار 1981

وفي إبريل نيسان 1982 صدر قرار ترقية الفريق أبو غزالة إلى رتبة مشير، حيث أصدر قرار الترقية الرئيس حسني مبارك. وفي 1 سبتمبر أيلول، صدر قرار تعيينه نائباً لرئيس الوزراء ووزير الدفاع والإنتاج الحربي والقائد العام للقوات المسلحة، قبل أن يعينه مبارك مساعداً لرئيس الجمهورية عام 1989



وفي 6 أكتوبر تشرين أول 1981 تغيرت ملامح المشهد السياسي المصري، بعد اللقاء الأخير الذي جمع بين أبو غزالة واللواء حسني مبارك نائب رئيس الجمهورية آنذاك وقائد القوات الجوية سابقاً، والرئيس أنور السادات


كان حادث المنصة بداية الفراق بين الثلاثة

أحدهم وافاه الأجل، وثانيهم دانت له الرئاسة، وثالثهم اختار الصعود.. إلى المجهول

Saturday, September 06, 2008

نساء المتعة (2): حريق القلوب






بين النساء والمجوهرات والتحف الفنية أوجهُ شبهٍ لا تُحصى

وربما لهذا السبب انجذب تجار المجوهرات والتحف الفنية إلى الفنانات

الفنانة سهير البابلي التي كانت واحدة من ألمع نجمات المسرح المصري طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات، تزوجت من خالد السرجاني الذي كان يملك محال للمشغولات الذهبية والماسية. وأدى زواجه منها وهي في أوج مجدها الفني إلى زيادة إقبال النساء على محاله وخاصة نساء الوسط الفني وزوجات السفراء العرب والعائلات الخليجية التي كانت شغوفة بفن سهير البابلي. وعندما توفي السرجاني قيل إن سهير البابلي ورثت عنه ثروة طائلة، في حين يجادل البعض بأنه كان قد استفاد من زواجه منها الكثير

وسهير البابلي، امرأةٌ لا تربكُ أيَّ شيءٍ سوى وجودِها المتغيِّر

رجل الأعمال مصطفى البليدي بدا شغوفاً بنجمات السينما المصرية، وكانت هوايته أن يقتني أكثرهن جمالاً وشهرة فهو تاجرٌ للتحف النادرة. وقد بدأ هوايته بالزواج عام 1991 من الممثلة هدى رمزي شقيقة الموزع السينمائي الشهير محمد حسن رمزي. إلا أن الزيجة لم تستمر طويلاً، إذ طلقها البليدي ثلاث مرات خلال عام واحد عاشته معه
بعدها وضع البليدي عينيه على ميرفت أمين

وميرفت أمين هي اللغة التي تجعلك ترى.. ثمّ لا ترى

ولم تكن المقارنة بينه وبين أزواج ميرفت أمين السابقين - مثل حسين فهمي أو عازف الجيتار الراحل عمر خورشيد- في مصلحته، ولذا فقد أغدق عليها بالمجوهرات والهدايا واشترى لها شقة فاخرة كي ينال رضاها. وقيل إن ميرفت أمين حصلت على مهر قدره عشرة ملايين جنيه مصري مقابل الموافقة على الزواج الذي أثار دهشة الجميع ولكنه حقق للبليدي ما يتطلع إليه، إلى أن غطت أخباره مع البنوك التي حصل منها على قروض على أخبار زيجاته المتعددة من نجمات السينما

دعونا لا ننسى أن ميرفت أمين تزوجت أيضاً المنتج السينمائي ورجل الأعمال الفلسطيني حسين القلا

المذيعة التليفزيونية المصرية نجوى إبراهيم اعتزلت العمل الإعلامي وتزوجت من رجل الأعمال السعودي عاصم قزاز، ابن الشيخ حسين قزاز صاحب امبراطورية قزاز السعودية، بعد أن تعارفا من خلال حفلات شقيقها نزيه إبراهيم أشهر مدير صالات قمار في مصر، والذي كان يدير صالة قمار شيراتون القاهرة

غير أن العقبة الحقيقية في طريق هذه الزيجة تمثلت في رفض أسرة الزوج لهذه العلاقة، حتى وصل الأمر إلى أن والد الزوج أعلن رفضه لهذه الزيجة بإعلانات مدفوعة نشرتها الصحف ومنها صحيفة "الشرق الأوسط" التي نشرت فيها العائلة إعلاناً يتضمن إشارة إلى فارق العمر بين الزوجين في هذه الزيجة. بعدها عزل الأب ابنه من مؤسسته "قزاز" للعطور، لكن الزوج استمر في تحديه للعائلة وعاش مع نجوى لمدة عام في الولايات المتحدة، قبل أن يقع الطلاق وتحصل نجوى إبراهيم على مؤخر صداق يقدر بمليون دولار، وتخلع الحجاب.. وتعود إلى التليفزيون

وكانت نجوى إبراهيم في بداية مشوارها الفني حين تزوجت من رجل أعمال كويتي قبل أن تنفصل عنه وتتزوج من الفلسطيني مروان كنفاني حارس مرمي النادي الأهلي سابقاً، وأحد كبار مساعدي الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات

ونجوى إبراهيم، براءةٌ يتساقطُ الخبثُ من كأسِها

وتزوجت فيفي عبده من رجل الأعمال الفلسطيني محمد الديراوي، في حين تزوجت نادية الجندي من رجل الأعمال محمد مختار، الذي انفصل عنها ليتزوج الفنانة رانيا يوسف رغم فارق السن الكبير بينهما. الفنانة لوسي متزوجة من رجل الأعمال سلطان الكاشف صاحب أكبر الملاهي الليلية في شارع الهرم، والفنانة أميرة فتحي تزوجت المنتج ورجل الأعمال وائل محب

أميرة العايدي امتنعت عن الزواج لفترة عقب انفصالها عن زوجها الفنان وائل نور، وقالت إنها ستتفرغ لتربية ولديها منه يوسف وسارة، ولكنها سرعان ما تزوجت من رجل أعمال قالت إنه قريبها ومن عائلتها في سوهاج، علماً بأنه يقيمُ في إيطاليا منذ ما يقرب من عشرين عاماً

وفي منطقة رمادية بين التصديق والتشكيك، تبقى الزيجة السرية الأشهر من حيث تأثيرها السلبي على أهل الفن بين الراقصة دينا ورجل الأعمال حسام أبو الفتوح، والتي افتضحت بقرص ممغنط "سي دي" تم تسريبه يحمل مشاهد حميمة بين دينا وحسام

ومع دينا، تشعر أنَّ حياتها قد أُفسِدَتْ حتى قبل أنْ تبدأ

وكانت دينا قد تزوجت قبل ذلك من رجل الأعمال سمير عبد الله، واستمر زواجهما بضعة أعوام سرياً، حتى تم اكتشافه

وربما كانت أسرع حالات الزواج والطلاق بين الفن والبيزنس، الزواج الذي تم لليلة واحدة بين الفنانة نهلة سلامة ورجل الأعمال مصطفى النجار. فقد فوجئ الزوج بزوجته يوم "الصباحية" تترك منزل الزوجية وتذهب إلى منزل أسرتها وتطلب الطلاق، وهو ما رفضه الزوج وأصر على أن تعود نهلة سلامة إلى منزل الزوجية لعدة أيام ثم بعد ذلك يتم الطلاق، وهو ما حدث بالفعل

ونهلة سلامة، وجه يُشنَقُ في الفراغِ كأنه خريفٌ عَتيق

وربما تنتهي العلاقة بين الفنانة ورجل الأعمال بفاجعة، كما هي الحال حين استيقظ سكان حي الزمالك فجر يوم الجمعة 28 نوفمبر من عام 2003، على جريمة قتل ارتكبها رجل الأعمال أيمن السويدي

فقد أطلق أيمن السويدي - الذي ينتمي إلى عائلة تحتكر صناعة كابلات الكهرباء في مصر- وابلاً من الرصاص على زوجته المطربة التونسية ذكرى ومدير مكتبه عمرو الخولي وزوجة مدير أعماله خديجة صلاح الدين، قبل أن ينتحر برصاصة في الفم

جريمة قتل بشعة وانتحار، ربما بسبب شعور أيمن السويدي – الذي تزوج من قبل الفنانة حنان ترك لمدة أسبوع واحد- أنه سوف يخسر نقطة الضوء الوحيدة في حياته، فقرر أن يطفئها وينطفىء معها


ولم تخل قضية قتل المغنية اللبنانية سوزان تميم في 28 يوليو تموز 2008 في مدينة دبي، من إشارة إلى وجود أكثر من رجل أعمال في حياتها. وهكذا وجدنا من استغلها لجمع المال، ومن اتخذها وسيلة للصعود الاجتماعي، ومن استخدمها للمتعة الجنسية.. ومهما كان حجم ما أنفقوه لمعاشرتها أو لتصفيتها فقد نهبوا ثرواتها الجسدية والنفسية

لقد احتضن الرجال سوزان تميم كعشاقٍ فى لوحة رسام مبتدئ

كانت أيديهم تريد القبض على تفاصيلها حتى تقرأ لهم جسدها الناري الأحرف، فإذا تعذر ذلك تطلعوا إلى الضغط على عنقها


والأكيد هو أن صفقات من هذا النوع تمثل امتهاناً صارخاً للمرأة كإنسان، بتحويلها إلى مجرد سلعة تباع وتشتري، وشيء يتم امتلاكه، ومن حق المالك أن يتصرف فيها كما يشاء، وإن كان بالقتل

المفارقة المؤسفة هو أنه في زمن الجواري والرقيق، لم يكن من حق الرجل الاعتداء على حياة الجارية، ولكن في زمن تمكين المرأة فإن سادة هذا الزمن يذبحون الجواري

على أن بعض هذه الزيجات من رجال الأعمال صمدت في وجه الزمن، مثل زيجة الفنانة صفاء أبو السعود من رجل الأعمال السعودي الشهير صالح كامل صاحب شبكة راديو وتلفزيون العرب، في حين تزوجت جيهان نصر في عام 1997 من الملياردير السعودي سعود الشربتلي بعد أن تعارفا في بيروت أثناء عرض مسرحية "المحظوظة". اعتزلت جيهان نصر الفن، واكتفت في تلك الزيجة بدور الزوجة الثانية

وتزوجت الفنانة شيريهان من رجل الأعمال السعودي علال الفاسي الذي طلقها بسبب غيرته الشديدة عليها، ثم ارتبط اسمها برجل الأعمال حسام أبو الفتوح، الذي تعرضت معه لحادث مروع. وبعد شفائها من الحادث تزوجت من رجل الأعمال الأردني علاء الخواجة والذي كان متزوجاً في الوقت نفسه من الفنانة إسعاد يونس، ولم تعلن هذه العلاقة إلا بعد أنجبت منه شيريهان طفلتهما لولوة التي عاشت معها في قصرها في المنصورية

وشيريهان امرأةٌ تَتَمَاوَجُ كَمَاءِ هَائِج، قبل أن تجمعَ تفاصيلَك كحباتِ الرمل..وتنقشَ اسمَها كالوشمِ على جسدكَ

كان الخواجة قد ارتبط قبل شيريهان وإسعاد يونس بالراقصة سحر حمدي، التي طلّقها بعد زواج سريع وخاطف في العاصمة الأردنية عمان

وتزوجت شيرين سيف النصر من رجل الأعمال السعودي عبدالعزيز البراهيم - مالك فندق "جراند حياة" في القاهرة- لتنسحب من مسلسل "ألف ليلة وليلة" بعدما كانت قد قطعت شوطاً كبيراً في تصوير أحداثه، ودفعت الشرط الجزائي. عاشت شيرين مع البراهيم في لندن نحو عام ونصف العام، وانتهى الأمر بالطلاق، والعودة إلى الفن

وشيرين سيف النصر عودُ ثقابٍ يشتعلُ في الليل فيلتهمُ الزوايا، ثم يجلسُ على مقعدٍ هزاز كي يراقب حريق القلوب

كما ارتبطت ميار الببلاوي برجل الأعمال والمنتج السعودي عبد الله الكاتب، قبل أن ترتدي الحجاب وتقدم برامج دينية. واكتفت النجمة الشابة ياسمين عبد العزيز بالزواج مرة واحدة من رجل الأعمال محمد حلاوة، واعترضت طريق الزواج أمور عدة، وردد البعض اسم نجم الاسكواش السابق أحمد برادة الذي تعرض لهجوم طعناً بسكين في حادث غامض


الفنانة العشرينية مي كساب خُطبَت لفترة إلى رجل الأعمال سعيد جميل (50 عاماً) والذي تزوج مرات عدة من قبل، إحداها من الفنانة داليا البحيري في صفقة زواج لم تدم سوى بضعة أشهر انتهت بالطلاق



نأتي إلى إلهام شاهين

وإلهام تمتلكُ صمتاً يحتشد بالإيحاء، من النوع الذي يلقنك درساً مفاده أن السكينة المغرية كمائن الحيتان التي تباغت الصياد دائماً وأبداً

ارتبطت إلهام بالخبير السياحي د. عادل حسني صاحب شركات سفنكس للسياحة، قبل أن يقررا الانفصال في منتصف التسعينيات. ولم يعلن الاثنان هذا الانفصال لأحد حتى وجها الدعوة لنحو 300 شخص من داخل الوسط الفني وخارجه لحضور احتفال كبير بأحد فنادق الإسكندرية الشهيرة، حيث حضر الجميع دون أن يعرفوا سر هذه الدعوات أو موضوع الحفل

وبعد أن اكتمل حضور المدعوين صعد عادل حسني إلى أعلى مكان في القاعة وقال لهم: "مؤكد أنكم تساءلتم كثيراً عن سر هذا الحفل. والآن أعلنها أمامكم - ثم قام بجذب إلهام شاهين إلى جواره- وواصل الحديث قائلاً: "لقد اتفقنا أنا وإلهام على الانفصال، على أن نبقى زميلين في الفن، ولهذا السبب أقمنا هذا الحفل"

من جانبها، ابتسمت إلهام، وقبَلت عادل، وقالت: "لقد قضينا معاً أجمل سنوات العمر، وقدمنا معاً أجمل الأفلام، لهذا كان لا بد من أن تنتهي العلاقة بيننا بهذا الشكل الجميل"

غير أن النهاية السعيدة لم تتكرر في حياة إلهام شاهين - التي ارتبط اسمها لفترة برجل الأعمال رامي لكح- إذ تزوجت عرفياً من رجل الأعمال اللبناني عزت قدورة، الذي كان يكبرها بأكثر من ثلاثين عاماً، وظل الزواج سرياً إلى أن افتضح الأمر، حين كادت تصبح ضحية غريزة الحب والانتقام، عندما حاول قدورة تشويه وجهها عن طريق ماء النار بواسطة أحد البلطجية، لكنها نجت بأعجوبة إثر ضبط رجال الأمن هذا البلطجي في أسفل العمارة التي تسكنها

وعلى ذكر عادل حسني، فقد سبق له الزواج سراً من الفنانة نيللي التي شعرت بحسرة كبيرة عندما تعرض لحادث مؤلم، فهي لم تكن تستطيع حتى الذهاب إليه في المستشفى، وذلك لأنه كان متزوجاً أيضاً من امرأة أخرى. وبسبب هذا الحادث اكتشف هذا الزواج


نيللي تزوجت من رجل الأعمال المصري خالد بركات الذي استقرت معه في لندن واعتزلت الفن، ولكن بعد عامين وقع الطلاق بينهما لتعود إلى مصر والفن مرة أخرى. وتزوج خالد بركات بعدها من الفنانة الشابة عزة بهاء التي لم يستمر زواجه منها أكثر من ثلاث سنوات


وتزوجت الفنانة يسرا عام 1993 من رجل الأعمال الفلسطيني فادي الصفدي الذي يمتلك مصانع نسيج في بعض الدول الأجنبية، لكنها انفصلت عنه بعد أن راوغها حلم الإنجاب وأجهضت أكثر من مرة. أما زوجها الثاني فهو رجل الأعمال خالد سليم ابن رئيس النادي الأهلي صالح سليم، الذي تزوجته سراً لسنوات، قبل أن تكشف سطورُ نعي نشرته جريدة "الأهرام" حقيقة الزواج الذي يجمع بينهما

ويسرا، صخبٌ يرعى الصخب


أما ليلى علوي فقد أعلنت في صيف عام 2007 زواجها من رجل الأعمال المصري المقيم في بلجيكا منصور الجمال، وهو عم خديجة الجمال زوجة جمال مبارك، علماً بأن الزوج كان يبلغ من العمر لدى إعلان الزواج ثلاثة وستين عاماً وتزوج مرتين من قبل وله ولدان وبنت متزوجة ويقيم بشكل دائم في بلجيكا، ويملك يختاً ضمن ممتلكاته العديدة يبلغ ثمنه أكثر من عشرة ملايين يورو

وليلى علوي ريحٌ تطفئ الشموع، لكنها تؤجج النار في النفوس

هالة صدقي تزوجت هي الأخرى من رجل الأعمال سامح سامي زكريا الذي يصغرها في العمر بسنواتٍ عدة، منهيةً بذلك فترة إضراب طويلة عن الزواج، بسبب المشكلات الكثيرة والقضايا التي حدثت في زيجتها السابقة من مجدي وليم، والتي اضطرت معها إلى تغيير ملتها لتحصل على الطلاق

سمية الخشاب أثيرت شائعات كثيرة حول ارتباطها بفنانين ورجال أعمال، إلا أنها كانت تنفي دائماً أي علاقة لها بأي أحد، ثم عادت لتعلن خبر زواجها من رجل أعمال سعودي مقيم في لندن، إلا أنها اعتبرت اسمه سراً حربياً

وسمية الخشاب فردوسٌ يحاول الإفلات من الغرق


وكان الفشل مصير زواج حنان ترك من رجل الأعمال خالد خطاب، بعد ارتباطٍ استمر لفترة طويلة وأثمر عن طفلين. كما انفصلت الفنانة صابرين عن رجل الأعمال ياسر عبد اللطيف بعد زواج استمر خمسة عشر عاماً. أما الفنانة السورية رغدة فقد تزوجت من رجل صناعة السجاد المعروف محمود الكحال ابن عائلة الكحال المعروفة بصناعة السجاد اليدوى الثمين. استمر الزواج عشرين عاماً وأثمر ثلاثة أبناء قبل أن ينفصل الزوجان رسمياً


غادة عبد الرازق تزوجت من رجل الأعمال وليد التابعي، وتم الحديث عنها في قضية محافظ الجيزة السابق المستشار ماهر الجندي، كما تطرق الحديث عنها أيضاً في أول بلاغ تم تقديمه ضد رجل الأعمال حسام أبو الفتوح. وعلى الرغم من أن عبد الرازق قامت بتكذيب علاقتها بالقضية، فإن ثمة من يؤكد أنّ اسمها ورد فيها



وإذا نظرنا إلى لبنان مثلاً، فإننا سنجد زيجات بين الفنانات ورجال الأعمال، ومن ذلك زواج المغنية ديانا حداد من المخرج والمنتج الإماراتي سهيل العبدول

المطربة اللبنانية دومينيك حوراني تزوجت في عام 2007 من ملياردير نمساوي من أصل إيراني اسمه رضا جونيور، اشترى لها مبنى كاملا بوسط بيروت إضافة إلى شاليه للمصمم روبير أبي نادر. وفي ذكرى زواجها الأولى أقامت دومينيك حفلاً في مدينة كان الفرنسية، ارتدت فيه فستاناً مرصعاً بالألماس والمجوهرات الثمينة. دومينيك نصحت في حوار صحفي لها كل الفنانات بالزواج من رجال أعمال أثرياء، وقالت إنه "على الفنانة أن تعيش حياة مرفهة، كما أن الكثير من المعجبين بها يحافظون على رفاهيتها ويحضرون لها الهدايا، وهناك الكثير يصرفون علينا، كما أن هناك كثيراً من الفنانات يصاحبن رجالاً متزوجين كي يصرفوا عليهن"


الفنانة اللبنانية أمل حجازي تزوجت من تاجر المجوهرات والألماس محمد البسّام بالفن والشهرة. وقد تعرّفت إليه أمل في زيارة خاصة لمحله الكائن في منطقة فردان بالعاصمة اللبنانية بيروت. وبعد ثلاثة أشهر من تعارفهما اتّفقا معاً على الخطوبة التي تمّت يوم الخميس الموافق 14 أغسطس آب 2008 واقتصرت الخطوبة في منزل ذويها في الضاحية الجنوبية على أهلها فقط، ثم عقدا قرانهما يوم الاثنين الموافق 18 أغسطس آب 2008 في مكتب المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله الذي زوَجهما شرعياً

أمل سافرت بعد ذلك إلى لندن برفقة زوجها محمد البسّام لتقديم أوراق رسمية للحكومة البريطانية كي تتمكّن من الحصول على الجنسية البريطانية كونه حائزاً عليها


ومن مشروعات الزواج التي لم تكتمل بين الفن والبيزنس، الخطبة بين الفنانة ليلى علوي ورجل الأعمال السكندري أكرم الحجار، والخطبة بين الممثلة اللبنانية ميرنا ورجل الأعمال السعودي علال الفاسي، طليق شيريهان


وبدت الفنانة اللبنانية هيفاء وهبي لفترة على وشك الارتباط برجل الأعمال السعودي طارق الجفالي، الذي يعمل وكيلاً حصرياً لعدد من الشركات العالمية للسيارات في السعودية، غير أن الخطوبة التي تمت بينهما في يوليو تموز 2005 لم تستمر أكثر من بضعة أشهر

وكان خبر خطوبته لهيفاء قد حظي بضجة واسعة بسبب نجوميتهما كلٌ في مجاله من جهة، وللهدايا الفاخرة التي قدّمها لخطيبته والتي ظلّت خبراً دسماً تتناقلها الصحافة مدة طويلة. إذ أهدى طارق خطيبته شقة فخمة مطلّة على البحر في لبنان في منطقة "سوليدير" -المنطقة الأغلى في لبنان- قيمتها 3 ملايين دولار أمريكي، تمّ تسجيلها في الدوائر العقارية باسمها، إلا أن العقد ينصّ على أنه لا يحق لهيفاء التصرّف بها إلا بموافقة طارق


وأرفق طارق الجفالي هديته هذه بمبلغ 7 ملايين دولار لتختار هيفاء ما يحلو لها من أثاثٍ لتجهيز الشقة الجديدة التي كان مقرراً أن تجمعهما في حال تكلّلت خطوبتهما بالزواج. يُذكر أن طارق لم يسترد الشقة بعد فسخ خطوبته من هيفاء. كما قدّم طارق لها مهراً عبارة عن مجموعة من المجوهرات تتألف من عقد وأقراط وخاتم وإسوارة اشتراها لها من أشهر متجر للمجوهرات في لندن. وقيل إن ثمن هذه المجموعة بلغ 22 مليون جنيه أسترليني


وبعد هيفاء وهبي، ارتبط اسم الجفالي بغريمتها رولا سعد، قبل أن يُتوفى رجل الأعمال السعودي في 30 مايو أيار 2008 في لندن بسبب ما قالت وسائل الإعلام إنها جرعةٍ زائدة من الأدوية المهدئة، تاركاً وراءه زوجته اللبنانية دينا، الحامل بتوأمين، والتي كانت تعمل من قبل سكرتيرة لديه


وخُطِبَت نيرمين الفقي إلى رجل أعمال سكندري، ولكن بعد عدة أشهر تم الانفصال بفضيحة كبيرة، حيث رفضت إعادة خاتم الخطوبة الألماس الذي تبلغ قيمته خمسين ألف جنيه


كل هذا والأرض تدور، والتجارب تتكرر بأسماء لاعبين جدد
فالعشاق يحبون المسرة، ويرفضون إحصاء سجل الخسائر

نساء المتعة (1): ورقة المأذون.. وأوراق البنكنوت




لم تكن السلطة بعيدة يوماً عن الأنوثة

وثمة دوماً علاقة بين الرجال الذين يملكون ابتسامةً كأسنان التماسيح، والفراشات التي تحمل الفصولَ بين أجنحتها

كم يحلمُ الجبلُ بأن يطاردَ فراشة
والسلطة، سواء أكانت المال أو النفوذ أو السياسة، دأبت على النظر إلى المرأة كوسيلة للمتعة وإشباع الإحساس بالقوة والتملك والانفراد بشيء جميل ومرغوب من الآخرين

وهكذا شهدت مصر منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى الوقت الراهن، محاولات أكثر تنظيماً - سواء من أجهزة مخابرات عالمية ثم من جهاز المخابرات المصري نفسه- إلى استغلال المرأة وتجنيدها كي تصبح مادة للغواية ووسيلة للإيقاع بآخرين

ولم يكن هناك بدٌ من اللجوء إلى الوسط الفني بحثاً عن امرأة تلعب دور الطُعم لاصطياد بعض الحيتان

غير أنه عندما تلعب مع الكبار، فإن المخاطرة تظل دوماً قائمة، بدليل النهاية المأساوية والغامضة التي انتهت إليها الفنانة أسمهان، شقيقة فريد الأطرش

ففي صباح يوم الجمعة ‏14 يوليو‏ تموز 1944،‏ وهو ذاته يوم عيد ميلاد كاميليا ابنة اسمهان الوحيدة التي كانت تعيش مع والدها حسن الأطرش في سوريا‏، توجهت أسمهان بسيارتها لقضاء إجازة مع صديقة لها تدعى ماري قلادة في مصيف رأس البر‏. وفي الطريق انقلبت السيارة وسقطت في ترعة الساحل الموجودة حالياً في مدينة طلخا، حيث لاقت أسمهان وصديقتها حتفهما أما السائق فلم يصب بأذى وبعد الحادثة اختفى تماماً

ماتت أسمهان، لكنك حين تسمع صوتها، تزورك نساءُ الأرض كلهن في تلك الليلة


وبطريقةٍ مشابهة راحت الفنانة كاميليا، التي تنافس الجميع على حبها بداية من الملك فاروق وأحمد سالم ويوسف وهبي وأنور وجدي وكامل الشناوي

وكاميليا امرأةٌ حملت على عاتقها حياة ودفء هذا العالم

في صباح يوم الخميس 31 أغسطس آب 1950 استقلت كاميليا طائرة تقل خمسة وخمسين شخصاً، لكن الطائرة تحطمت بعد إقلاعها بدقائق معدودة من مطار القاهرة وسط الحقول في مدينة الدلنجات بمحافظة البحيرة واحترقت، ولم يُعثَر إلا على فردة حذاء ساتان أخضر بلون الفستان الذي كانت ترتديه كاميليا

وبحسب حلمي النمنم في مقاله "ويذبحون الجواري" المنشور في جريدة "المصري اليوم" بتاريخ 14 أغسطس آب 2008 فإن راقصتين مصريتين شهيرتين كانتا على وشك التعرض للمصير نفسه في تلك الفترة


وفي أعقاب ٢٣ يوليو ١٩٥٢ سعى بعض الضباط الأحرار إلى الارتباط سراً أو علانية بعددٍ من الفنانات وسيدات المجتمع

جوع العسكر إلى اللذة وحياة الراحة وأضواء الشهرة، كان الثغرة التي نفذ منها الضعف الأزلي للرجل أمام النساء

وحين نتذوق طعم الراحة نفقد الذاكرة عمداً، ونفقد معها قدرتنا على الصلابة والجَلَد

لقد تعامل عددٌ من رجال الثورة مع نساء الفن والمجتمع والقصور باعتبارهن في حُكمِ الجواري اللاتي وقعن في الأسر



ولعل ما جرى بين عضو مجلس قيادة الثورة ورئيس لجنة المصادرة وملكة مصر السابقة فريدة خير دليل على ذلك. فقد زارها جمال سالم لإبلاغها بقرار أصدره جمال عبدالناصر يتعلق بترتيب حياتها، وخلال تلك الزيارة طلبها للزوج، الأمر الذي جعل الملكة فريدة تثور ثورة عارمة بعد سماعها هذا الطلب، وطردته من البيت.. وبعدها توالت النكبات

وتفاصيل هذه الحكاية نجدها في كتاب د. لوتس عبد الكريم "الملكة فريدة وأنا: سيرة ذاتية لم تكتبها ملكة مصر" الصادر ضمن سلسلة كتاب أخبار اليوم عام
2008
إن الثقافة اليابانية تطلق اسم إيانفو على نساء المتعة، أو تطلق على نساء المتعة للعسكريين اسم جوغن-إيانفو Jūgun-Ianfu وهي صيغة مخففة للنساء اللاتي كن يعملن للترفيه عن أفراد الجيش الياباني في الحرب العالمية الثانية
شيء من هذا حدث في مصر في أعقاب الثورة

وفي أجواء مليئة بالرغبات، جمع عدد من الضباط غنائم وأسلاباً من لحم النساء، وتسلل البعض إلى فراش الفن بورقة مأذون أو أوراق بنكنوت


وهكذا تزوج المشير عبد الحكيم عامر من برلنتي عبد الحميد- التي ظلت حتى اليوم حريصة على أن يناديها الناس بلقب مدام عامر- وارتبط مدير مكتبه علي شفيق بالمطربة مها صبري، كما تزوج عبد المنعم أبو زيد من سهير فخري


دعونا نتوقف قليلاً عند الزيجة الأخيرة

إذ إنه من ضمن مستندات الصرف التي وُجِدَت بعد انتحار المشير عبد الحكيم عامر، فواتير إحدى مصحات الأمراض النفسية والعقلية بالقاهرة والخاصة "بعلاج" كاتب السيناريو محمد كامل حسن المحامي الذي كان قد تزوج الممثلة الشابة سهير فخري، وكانت فائقة الجمال كما كانت صديقة للممثلة برلنتي عبد الحميد الزوجة الثانية للمشير عامر والتي كانت علاقته بها ثم زواجه منها سبباً في توتر العلاقات بين المشير عامر وجمال عبد الناصر

وطبقاً لما رواه الكاتب الصحفي والمحرر العسكري بمجلة "المصور" حمدي لطفي في مقال نشر بمجلة "الوادي" الشهرية عدد أغسطس آب 1982، فإن سكرتير المشير عامر وحارسه الشخصي عبد المنعم أبو زيد عندما رأى الممثلة سهير فخري، انبهر بجمالها ورغب فيها وطلب أن يتزوجها، لكنها أخبرته أنها متزوجة.. فطلب عبد المنعم أبوزيد من زوجها الكاتب والمؤلف محمد كامل حسن المحامي أن يطلق زوجته الثانية سهير فخري لكي يتزوجها هو

وفي المقابل، رفض محمد كامل حسن المحامي بغضب أن يطلق زوجته، فألقي القبض عليه وأودع إحدى مصحات الأمراض العقلية وأجبرت زوجته سهير فخري على رفع دعوى قضائية لطلب الطلاق.. وجرى بالفعل طلاقها، في حين ظل محمد كامل حسن حبيس مصحة الامراض العقلية، قبل أن يخرج في عام 1969 مطروداً إلى لبنان

وبعد الأزمة النفسية التي مرت بها المطربة الراحلة ليلى مراد إثر طلاقها من أنور وجدي عام 1952، كانت في حالة نفسية يُرثى لها كادت تعصف بها، خاصة أن أنور وجدي لم يكتف بطلاقها بل تزوج في الحال من ليلى فوزي، وخسرت بذلك زوجاً كانت تعشقه ومخرجاً ومنتجاً لأفلامها الناجحة

وفي خضم إحساسها بانهزام أنوثتها وقيمتها كنجمة يعشقها الملايين اقترب منها عاشقٌ جديد يعرض عليها حبه، والأهم من ذلك أنه كان من رجال السلطة الجدد الذين بدأ يلمع نجمهم بعد الثورة، وهو وجيه أباظة الذي كان مفتوناً بها كصاحبة صوت ساحر، وكانت وقتها تحتفظ ببعض بريقها

سرعان ما انجذب كل منهما للآخر، فتزوجا عام 1953 وأثمرت الزيجة عن ابنهما شريف، لكن مثلما تم الزواج سريعاً جاء الطلاق أيضاً سريعاً

وكانت النقلة الجديدة هي تخطيط مدير المخابرات العامة صلاح نصر لتجنيد عدد من الفنانات والراقصات لتنفيذ فكرة التجسس بالجنس، فتناثرت أسماء من عينة سعاد حسني وشريفة ماهر

وأخطر ما في الحياة، أن تمارس المرأة دوراً في نصف الضوء.. أو نصف العتمة

كان عدد فتيات ونجمات المتعة في المخابرات لا يقل عن مئة شخصية مثيرة، كانت مهمتهن تصوير مسؤولين أجانب في أوضاع مخجلة كي يكونوا تابعين وعملاء، لكن الضباط والمسؤولين أيضاً كان لهم نصيب من المتعة

أدرك صلاح نصر أيامها أنه حين تقترب المرأة بدلالها، فإنها تجعل الرجل يشعر بنفسه قوياً كعروق النخيل، وهي تبقيه مشتعلاً، قبل أن ينطفىء مثل شجرةٍ عاجزة

وفي دروب الحياة تنمو رغباتٌ لا يمكن أن تتغير طبيعتها الهاجمة. شهوات ترفض أن تكون شيئاً ألطف. وجوهٌ تعرف أنك لن تقدر على النظر إليها، مهما نظرت، سوى من فتحة الشبق الحارق

وفي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، نام الفن في حضن المنتج

إذ كان المنتج أو الممول الفني الذي يمتلك الأموال ويوجهها في مجال الإنتاج السينمائي، محط أنظار الفنانات خصوصاً من كانت منهن في بداية مشوارها الفني حتى تتاح لها فرصة البطولة واختصار الطريق. وهذه القائمة تضم الفنانة لبنى عبد العزيز التي تزوجت في بداية مشوارها الفني مطلع الستينيات من المنتج رمسيس نجيب الذي أشهر إسلامه حتى يتمكن من الزواج منها، وبعدما تزوجها منحها البطولة في عدد من أفلامه منها "الوسادة الخالية"، "هدى"، "بهية"، "غرام الأسياد"

ولبنى عبد العزيز دُخَّانٌ يَصعَدُ، وَلاَ وُجُودَ لناَرٍ

وفي بداية الستينيات أيضاً تزوجت الفنانة الناشئة وقتها زبيدة ثروت من المنتج صبحي فرحات الذي أنتج لها أفلاماً عدة قامت ببطولتها وساهمت في صنع نجوميتها، وقبلهما تزوجت الفنانة سميرة أحمد في الستينيات من السيناريست والمنتج السينمائي شريف والي الذي كان يمتلك شركة "أفلام الهلال" وأنتج لها أول فيلم قامت ببطولته وهو فيلم "شم النسيم" ثم "ريا وسكينة" الذي قامت ببطولته أمام أنور وجدي وشكري سرحان. وقد تزوجت سميرة أحمد في مشوارها الفني من منتج آخر هو صفوت غطاس الذي أنتج لها العديد من الأعمال الفنية

أما عفاف شعيب فتزوجت هي الأخرى من رجل الأعمال والمنتج الراحل رياض العريان

وفي أوائل السبعينيات تزوجت الفنانة نادية لطفي من رجل الأعمال المهندس إبراهيم صادق، شقيق حاتم صادق، زوج ابنة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. ويعتبر هذا الزواج أطول زيجات نادية لطفي الثلاث من حيث المدة

وفي عقد السبعينيات، ارتبط عددٌ من أصحاب المال والأعمال في الخليج بفنانات مصريات. كان النفط يسيل من أصابع الثري أو الشيخ أو الأمير، فيما تجوس أنامله في جسد الفنانة، كمنجلٍ يستأثر بالحديقة

وفي تلك الفترة، كان لمصر وجهُ بلادٍ تتصيّدُ الغرباءَ، وتفتح لهم حضنها، فلا يدري أحدٌ هل هي بريئة أم مستباحة


كان أشهر تلك الزيجات زواج الراقصة الاستعراضية نجوى فؤاد من رجل الأعمال الكويتي محمد الملا، كما ارتبطت برجل الفنادق اللبناني سامي الزغبي مدير فندق شيراتون القاهرة

ربما تشعر الراقصة في أحيان كثيرة أن الرقصة تنبت من سرتها ومن ثم تنتشر في باقي الجسد أو أن الرقصة تنبت من إبهام قدميها لتتسلق ساقيها وتستدير على محيط خصرها وتنمو على ردفيها الناعمين.. هذا الاهتزاز لا يعدو أكثر من نداء الغابة، بحثاً عمن يمكنه ترويض هذا الجسد الفائر
الأمير السعودي خالد بن سعود الذي اشتهر بزيجاته المتعددة من الفنانات ارتبط بسهير رمزي لمدة عام، قبل أن تتزوج الكويتي محمد الملا، إلا أن هذا الزواج لم يستمر سوى خمسة أشهر فقط

كان ذلك، قبل أن تحمل السنوات الأخيرة رياح التغيير

كان ذلك، قبل أن يظهر رجالٌ يلقون كل مساء بفحولتهم إلى الهاوية

إذ اتجه بعض رجال الأعمال إلى الفنانات وسيدات المجتمع للارتباط بهن، بغض النظر عن مُسمى هذا الارتباط وشكله، فانتقلَ ما كان يقومُ به بعض رجال الدولة وعدد أجهزتها إلى فريقٍ من رجال الأعمال

وبدا للبعض أن فائض المال والرغبة في الاقتناء وربما التباهي، تضافر مع تطلع بعض الفنانات إلى الثراء والنفوذ وتحقيق الأحلام الشخصية والفنية، لتنشأ شبكة مصالح بين نساءٍ جميلات ينبضن بحياةٍ لا تتحمَّلُها أسلاكُ أعصاب عددٍ من رجال الأعمال

وفسر البعض الأمر بأن الليل تسقطُ عند أعتابه شؤون المال والأعمال، أملاً في أن يبتسم لهؤلاء الأثرياء نهار اليوم التالي
نساء يبحثن عن الثروة ووضع اجتماعي مميز، ورجال أعمال يبحثون عن الشهرة ويلهثون وراء المتعة ويتطلعون إلى الوجاهة الاجتماعية
هذه هي المعادلة التي تدفع طرفيها إلى عناق قد يحير البعض

ولعل ما يسترعي الانتباه هو أن رجال الأعمال الذين اندفعوا في هذا المسار، هم بشكل أو بآخر من المقربين إلى نفر من كبار رجال الدولة، وبعضهم يتمتعون بحظوة في مواقع حيوية من السلطة أو الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، الأمر الذي جعل المحللين يعتبرون مسلكهم على هذا النحو محسوباً بدرجةٍ ما على الدولة ذاتها

وإذا كان البعض يوجه اللوم إلى رجل الأعمال الفاسد الذي يسعى وراء غرائزه، فإن المسؤولية تقع أيضاً على المرأة
التي تتاجر بنفسها على طريقة البيع بحق الانتفاع المؤقت B O T
وفي كثير من الأحيان تبدو العلاقة بين الفنانة ورجل الأعمال أو رجل السلطة صفقةً غير معلنة، فكل من الطرفين ينجذب إلى الآخر ويبحث عنه بشغف، ويستفيد منه ويفيده في الوقت نفسه

تلك شروط اللعبة

يمارسها البعض بوعي شديد وينزلق إليها البعض بلا وعي


خذ عندك مثلاً سهير رمزي، الظل الذي رحل يوماً وترك امرأة تشبه شـرفةً لا تُطلُّ على نفسـها


فقد تزوجت سهير من رجل الأعمال البورسعيدي سيد متولي الذي عاشت معه أعواماً عدة، وكان الطلاق ثم العودة، ثم الطلاق فالعودة، قبل أن يقع الطلاق للمرة الثالثة والأخيرة، لتتزوج بعد ذلك من الفنان فاروق الفيشاوي، وهو الزواج الذي لم يستمر سوى أشهر معدودة وقع بعدها الطلاق واعتزال الفن، قبل أن تتزوج من رجل الأعمال والسياحة علاء الشربيني

ولعل معظم الأخبار التي تناثرت عن عودة نجمة السبعينيات للأضواء بعد سنوات طويلة من الاعتزال، لا تخلو من ذكر لزوجها رجل الأعمال الذي يحرص على أن يقف بجوارها في كل صورة تنشر لها وهو يبتسم

بدا الأمر في نظر البعض كأنه لقاء نجمة السينما التي غربت شمس شهرتها، ورجل الأعمال الشاب الذي يحتاج إلى دعمٍ يضعه في مصاف رجال الأعمال البارزين

وحين يقول لسان حال الرجل: يا حَارِسَ حَظِّي
يكون لسان حال المرأة: يا حَارِثَ ضَعْفِي

Monday, September 01, 2008

وزراء في المصيدة



رجال أعمال ومكتشفو آثار ولصوص تائبون

هؤلاء هم أبرز من نجحوا في النصب والاحتيال على وزراء مصر

فالوزير في بلادنا قد يصبح في لحظةٍ ما صيداً ثميناً لنصاب أو محتال، يرغب في استغلال هذا الوزير ومنصبه

وهكذا لم يكن الشاب محمد جاد الرب القادم من أسوان هو أول نصابٍ في حياة وزير الثقافة المصري فاروق حسني. فقبل هذا النصاب الذي زعم للوزير اكتشافه مقبرةً أثرية في سبتمبر أيلول عام 1996 سعياً وراء اقتناص مكاسب مالية، قبل أن يختفي ويحرج الوزير أمام وسائل الإعلام، جاءت الأثرية اليونانية ليانا سوفاليتزي لترفع شعار: وجدتها

كانت ليانا سوفاليتزي تروج لفكرةٍ مفادها أن مقبرة الإسكندر الأكبر موجودةٌ في واحة سيوة. وقف فاروق حسني إلى جانب الباحثة اليونانية وساندها في وجه كل من رفضوا حكاية مقبرة الإسكندر في سيوة، مع أن فريق المعارضين ضم علماء آثار وباحثين بارزين، بينهم الأثري المعروف المولود في الإسكندرية هاري تزالاس مدير معهد أبحاث الاسكندرية في العصور الوسطى، والذي قدم الأدلة الكافية من وجهة نظره على أن قبر الإسكندر الأكبر كان موجوداً محل مسجد النبي دانيال في قلب الإسكندرية

صدقها فاروق حسني، ربما لأن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر آنذاك د. عبدالحليم نور الدين، كان من أنصار نظرية سوفاليتزي

غير أن سوفاليتزي – التي ظلت تحفر وتنقب في سيوة خلال الفترة بين عامي 1989 و1995- بررت الاعتراضات التي واجهتها بالتنافس المهني الشرس، فقالت إن وراء الحملة التي هدفت إلى إلغاء ترخيص العمل الخاص بها مجموعة من الأثريين اليونانيين عز عليهم أن ينسب هذا النجاح إليها‏،‏ فحرَكوا الحكومة اليونانية، والتي بدورها خاطبت الحكومة المصرية لإلغاء ترخيص البحث الممنوح لها من هيئة الآثار المصرية

وأصدرت الباحثة اليونانية كتاباً باللغة اليونانية‏ بعنوان "قبر الإسكندر الأكبر في واحة سيوة قصة الحفريات الأثرية والخلفية السياسية"، سردت فيه قصة الإسكندر ومعشوقته خميسة التي مازال يطلق اسمها على التل الأكبر في واحة سيوة، وعدَدت من الأدلة والبراهين ما رأت أنه يؤيد فكرتها
زعمت سوفاليتزي في مطلع فبراير شباط 1995 اكتشافها لموقع مقبرة الإسكندر الأكبر، إلا أن وفداً أثرياً رفيع المستوى انتدبته الحكومة اليونانية تفقد الموقع المزعوم في 7 فبراير شباط 1995 وخرج ليقول إنه لم يجد ما يثبت صحة مقولة سوفاليتزي، بل إن الوفد اليوناني قال إنه ليس واضحاً إن كان ما عثرت عليه سوفاليتزي هو معبد أم مقبرة، كما أن ما جرى العثور عليه ينتمي على الأرجح إلى العصر الروماني، أي بعد نحو 300 عام من وفاة الإسكندر الأكبر

وبعد تفنيد نظرية سوفاليتزي، اختفت تماماُ عن الأنظار بعد أن حصلت على ضجةٍ إعلامية ودعائية استفادت منها في إنجاز بعض مشروعات "البيزنس" الخاصة بها في مصر

وأدى ذلك إلى وضع وزارة الثقافة في موقفٍ حرج، سرعان ما دفع الحكومة إلى مراجعة سياساتها بشأن السماح بإجراء أي حفريات أثرية في مصر


وحكاية وزراء مصر مع النصابين حكاية طويلة، ويتذكر البعض كيف أوقع رجل الأعمال نبيل مشرقي رئيس الوزراء السابق د. عاطف صدقي في شراكه، إذ جعله يقص شريط الافتتاح لمشروعاته الوهمية لتلتقط له الصور الفوتوغرافية التي استغلها رجل الأعمال المذكور بعد أن تحولت إلى "عدة النصب" بالنسبة له.. قبل أن يلوذ بالفرار ومعه الملايين من أموال المخدوعين وصورة مكبرة له وهو يتبادل حديثاً باسماً مع رئيس وزراء مصر السابق


نائب رئيس الوزراء وزير الزراعة د. يوسف والي اضطر بدوره إلى نشر تكذيبٍ على صفحات الصحف القومية - نشرته صحيفة "الأهرام" على صفحتها الأخيرة- لمزاعم إحدى السيدات، بعد أن اكتشف والي أن هذه السيدة تدعي أنها زوجته وتستغل ذلك في الحصول على أموال وتسهيلات من جهات مختلفة..علماً بأن والي لم يسبق له الزواج


بعض النصابين يستغل تشابه الأسماء في النصب باسم هذا الوزير أو ذاك، وهو ما حدث مع د. ماهر مهران وزير السكان السابق – أيام كان لدى مصر وزارة للسكان- وقبله بزمنٍ طويل نال أحد النصابين علقةً ساخنةً عندما زعم أنه شقيق الوزير صلاح سالم في حكومة الثورة


أما الذي تولى مهمة تأديب النصاب بنفسه بعد أن اعتقلته أجهزة الأمن في أواخر خمسينيات القرن الماضي، فكان جمال سالم شقيق الوزير صلاح سالم


ومن النصابين باستخدام أسماء الوزراء، نذكر حكاية ياسر كمال الشاذلي

فقد وقع كثيرون ضحية لهذا المحامي النصاب، بعد أن أوهمهم بأن والده ليس هو أباه هو كمال الشاذلي الذي شغل منصب وزير الدولة لشؤون مجلس الشعب كما تولى منصب الأمين العام المساعد للحزب الوطني وأمين التنظيم، قبل أن يصبح المشرف العام على المجالس القومية المتخصصة


وفي الفترة بين عامي 2003 و2004 تقدم للنيابة 22 شاكياً اتهموا ياسر كمال الشاذلي بالنصب والاحتيال


النيابة وجدت نفسها أمام ثلاثة يحملون اسم كمال الشاذلي، الأول هو الوزير الذي استغل النصاب اسمه، والثاني هو والد النصاب ويدعى كمال الشاذلي، أما الثالث فكان مفاجأة، وكان اسمه المركب "كمال الشاذلي" وهو نجل النصاب، ويبدو أن والده كان يأمل في أن يستغل نجله يوماً تشابه الأسماء


الغريب أن المتهم أصر أمام النيابة على وجود علاقة معرفةٍ وثيقة بين عائلته وعائلة الوزير كمال الشاذلي، وقدم نسختين من جريدة "الأهرام"..في الأولى يعزي كمال الشاذلي - الوزير- كمال الشاذلي والد النصاب في وفاة عمة النصاب، والثانية يهنىء فيها كمال الشاذلي - أبو النصاب- كمال الشاذلي الوزير


وفي ظل الفساد، وغياب الشفافية، وانتشار الرشوة، يكونُ للأسماء والمناصب مفعول السحر


غير أن هناك فريقاً آخر من النصابين يرى أن أقصر الطرق إلى النصب تبدأ من الوزير نفسه، ولذا فإن الخطوة الأولى تكون عادة بتقديم النصاب نفسه للوزير أو المحافظ في صورةٍ أنيقة تعطي انطباعاً بالوجاهة والثراء. ثم تبدأ سلسلة خطواتٍ للإيقاع بالوزير أو المسؤول


وفي منتصف يونيو حزيران 2008 نشرت الصحف والمواقع الإلكترونية خبراً مفاده أن الأجهزة الأمنية في أسوان ألقت القبض على شخص حاول النصب عل محافظ أسوان، حيث ادعى أنه عضو مجلس شعب ومستثمر للحصول على مساحة أرض تبلغ 500 ألف متر مربع بطريق أسوان أبو سمبل السريع، بدعوى إنشاء مصنع للإسمنت بأسوان

أبلغ محافظ أسوان مدير أمن أسوان بالواقعة، وتم إعداد كمين لضبطه داخل مكتب المحافظ بعد صدور إذن من رئيس محكمة أسوان الجزئية بتسجيل لقائه مع المحافظ بالصوت والصورة. وحين ألقي القبض على المتهم، تبين أنه موظف سابق من مدينة حلوان


ومن ملف النصب على الوزراء، قصة "اللص التائب" الذي صافحه وزير الداخلية السابق محمد عبد الحليم موسى ومنحه مكافاةً مالية ليبدأ حياةً جديدة، وأصدر توجيهاته بأن تتكفلَ وزارة الداخلية بجميع نفقات أدائه فريضة الحج، ليكتشف الوزير نفسه بعد فترةٍ من الوقت أن هذا اللص -الذي ظهر في برامج تليفزيونية، مثل برنامج "فكر ثواني" مع نجوى إبراهيم- لم يكن تائباً وإنما محباً للشهرة والأضواء، وراغباً في صرف أنظار أجهزة الأمن عنه، حتى يواصلَ ممارسة هوايته في السطو على المساكن بهدوء..بعيداً عن رقابة رجال الشرطة والتحريات


اللافت للانتباه أن وزراء المجموعة الاقتصادية هم الأقل تعرضاً للنصب، ربما بحكم حذرهم في المسائل المالية والقانونية، خصوصاً فيما يتعلقُ بالأموال السائلة والشيكات وحساباتهم المعقدة لأية خطوة من الخطوات التي يتخذونها..هذا إذا استثنينا وزير اقتصاد سابقاً تردد في منتصف التسعينيات أنه تورط في صفقةٍ ساخرة مع أحد كبار تجار العملة، قبل أن يختفي هذا الحوت الكبير بعد أن حوَل أمواله إلى الخارج، كأنه فص ملح وذاب