كتاب الرغبة (10): حبة الفراولة




في روايتها "الأوبة" الصادرة عن دار الساقي في بيروت، تقدم لنا الروائية السعودية وردة عبد الملك- وهو اسم مستعار- عالماً مفزعاً تتداخل فيه اللذة بالألم، والسلطة الدينية بالقهر، والرغبة باللعنات
وعبر 101 صفحة نعيش مأساة سارة، تلك التي انهارت بتواطؤ مريبٍ من الجميع، ممن خنقوا إنسانيتها وتركوها ضائعة، لا تعرف أي الدروب تسلك: التشدد أم المجون!
بطلة الرواية هنا تتذكر، والذي يعود إلى ذكرياتٍ قاسية كالذي يلقي بنفسه مرةً ثانية تحت عجلات قطار ليعيد دهسه مرةً أخرى. ولكن، كيف لك أن تتحاشى عجلات قطارٍ مندفع وكل ما حولك قضبان؟!
إنها تدين مجتمعها والقيود التي كبلتها كإنسانة، وتفضح رموزاً مضللة، لندرك معها أن مرتكبي جرائم التشويه لا يمكن أبداً أن يصبحوا خبراء في التجميل
أول الرواية غضب
إنها تحاسب الجميع، وتدينهم بارتكاب سلسلة من الجرائم بحقها.. والضحية عيناها دوماً ضريرتان عن رؤية شيء أبعد من الجريمة التي وقعت لها، والأذى حذاءٌ عسكري ثقيل يهوي كمطرقةٍ على صدرها وذاكرتها
تحكي سارة عن الزوج الأول عبد الله فتقول: "أما أنتَ فستضحكُ الملائكةُ منكَ حتى تستلقي على أجنحتها الفارهة
لأنك ثورٌ زوجوك وطلقوك" (ص 6)
وفي موضعٍ آخر تخاطبه قائلة: "أعلمه أن الحياة مضت بك بين السجود لعظمته واعتلاء البقرة الولود
بين الملذاتِ العلوية في حضرته والسفلية في حضرة ساقيها المنفرجتين، ثم ما ازددت إلا خبالاً
لكني أعرف جُبنكَ، ستولي هارباً من ربك وترمي بجثتك الضخمة فوقي" (ص 6)
وهي لا تتوقف عنده، إذ تحمل على أخته فلوة التي تصفها لأول مرة في الرواية بالقول: "وأختك الخشبة المسندة متّشحةٌ بالسواد إلى قدميها، تبسمل وتحوقل، بينما تجرني على بطني في وادي الزناة ثم تلقى بي في ركنٍ قصي مظلم" (ص 6). وما بين فترةٍ وأخرى، تقفز هذه المرأة إلى ذاكرتها فتصب عليها جام لعناتها، ومن ذلك قولها في مناجاةٍ مع النفس: "أما فلوة فتستحق المرور بجهنم بضعة أيامٍ حتى تستوي مؤخرتها ويتحجَر برازها الأسود في أمعائها فلا تعبث مع بنات الآخرة عبثها معي" (ص 37)
وفي منتصف الرواية تخبرنا الساردة عن مصير فلوة وأخيها: "عبد الله اختفى مثل فقاعةٍ ذابت في الكون وقد تركته أختُه لتتدارك شيئاً من نعيم الثعبان مع مطوع اعتزل الناس في القصيم بين زرعه ونخيله" (ص 48)
وأثناء رحلة استجمامٍ لها مع أخيها عمر إلى شرم الشيخ، يدور بينهما الحوار التالي:
" – هل تعرف حينما أسترجع حياتي، لا أحد ولا شيء يؤلمني مثل فلوة
- كيف؟
- هي من نهشَ لحمي وسلبني كل إرادةٍ لا هُم
ترددتُ قليلاً قبل أن أكمل بلا خجل:
- لقد أعدّت الحفلة حتى يمتطيني الرجال. وكانت العانس تتلمظ بمتعةٍ مكبوتة وهما يتناوبان عليّ. هل تتخيل هذا الشعور الغريب؟ إنها عمليةٌ تشبه القوادة
ابتسم عمر بعصبيّة:
- لكنّها قوادة شرعية يا سارة!" (ص 31)
إنها تشعر بالظلم الذي وقع عليها، حين عاشت أو عانت "في فراش عبد الله، ثم في فراش القصير السمين. ومن قبل الشبق ومن بعده في لّجة الوساوس السوداء التي ستقتاتُ بشراهةٍ بدمي وأعصابي" (ص 13). كما أنها تحزن للطريق الطويل الذي مشته من دون أن تتوقف لحظة "لكيلا أشعر بروحي التي شاخت
أو أبكي جسدي الذي قدّمته عشيّةً بعد عشيّةٍ قر باناً على مذبح شهواتهم الحلال
لكيلا أستشعر فصامهم الذي شطر ذاتي نصفين. ودجلهم الذي تعاونوا رجالاً ونساءً على حقنه في تلافيف دماغي يوماً بعد يوم" (ص 8- 9)
ثم تنتقم بسلاح الخيال الساخر من الجميع: الزوج الأول وأخته، والزوج الثاني، والداعية الشهيرة في مدينة الرياض
"أنف فلوة في مؤخرة علي، ولسان عبد الله الخشن يجوس بين فخذي فاطمة" (ص 7)
وحين تصف الزوج الثاني "السمين القصير، القصير الدميم، القادم على ظهر بغلته" (ص 5) فإنها تلجأ إلى ألفاظٍ وعبارات في التراث تشير إلى الفعل الجنسي للحديث عن رغباته الجسدية: "قل له إن الدميم في دمه هوى القعود بين شعبها الأربع والعفس الشديد والجمع بين الركبة والوريد، فليخصص له من الحور العين سبعين يلقاهن دحماً دحماً ويعدن في كل مرةٍ أبكاراً" (ص 5)
علاقة شائكةٌ وشبه غامضةٍ تربطها بالأم التي تصفها قائلةً: "أمي في غيها فلا تثريب عليها" (ص 15)، وفي مناجاةٍ مع النفس تقول: "لو أنك يا الله أخذت أمي وتركت لي أبي، ماذا كان سيخرب على ظهر هذه البسيطة؟
لا شيء البتة!
ماذا كان سينقص أو يزيد؟
ولا حبّة خردل
تلك المرأة منذ جهلت وخلقتَها وهي والهامش سواء بسواء
دوماً كانت أقصى من نجمةٍ قصيّة، فلن يليق بمقامها سوى عليائك، سوى أن تغسل رجليك وتدلك ظهرك بالزيوت العطريّة ثم ترقد على سنامك" (ص 36-37)
وعندما يسافر أخوها عمر من دون أن يودعها، تنفجر في وجه أمها: "صرختُ في وجه الكائن المقيت:
- هل أنتِ أمّ؟ هل خرجتُ من رحمكِ؟ لِمَ لم تحضيه على زيارتي وتوديعي؟!
كأنها لا تسمعني" (ص 38)
وهي ترسم صورة عدم مبالاة الأم بها حتى في الآخرة، فتقول: "تنظر إلى التنور فتراني نخلةً والنار تضطرم في رأسي. لا تعبأ كعادتها وتستدير بصفاقةٍ لتقع على بطنها فوق عشرةٍ من غلمان مخصيين لا يشفون لها غليلاً
تأوهاتٌ وأصواتٌ وقُبلٌ فاقعة" (ص 7)
وفي مقابل الأم، تبدو لنا الجدة صايلة أكثر حباً وحناناً، كأنها الأم البديلة
وبعد سماع دفاعها ودفوعها، تبحر بنا سارة في الذاكرة، فنراها طالبةً في المدرسة الثانوية في سلطانة – أحد أحياء
غرب الرياض- وقد ضبطتها الاختصاصيةُ الاجتماعية فلوة بالجُرم المشهود: إخفاء روايتين من روايات "عبير" في دُرجها بالفصل. تلومها فلوة على فعلتها، وتعاقبها مديرة المدرسة، قبل أن تعود الاختصاصية الاجتماعية لتهديء من روعها وتبلغها بأن إدارة المدرسة لن تكلم أهلها، وأنها ستتوسط لها عند المديرة حتى تكتفي بالتعهد الذي كتبته. هنا تحكي الساردة: "وقعتُ على يدها اليمنى أقبّلها بامتنانٍ طفولي
المرة الأولى في حياتي التي أنحني فيها على يد
لا أدري ماذا كان شعورها، أو بماذا فكرت في تلك اللحظات، لكنني الآن أعي أن ذلك كان إيذاناً ببدء تاريخ عبوديتي
ذلك التاريخ السحيق الذي سلب من إنسانيتي حسها ومن روحي رفيفها العلوي، وأطلق العجلة لتدور بسرعةٍ خرافية فوق كل خليةٍ من خلايا جسدي وذاكرتي، ولتشكّل تلك المرأة بيديها القاسيتين مصيري، بلا وجلٍ، وبلا تردد وبلا رحمة، وبلا شعورٍ بالذنب" (ص 12)
منذ ذلك اليوم، أصبحت سارة تدور في فلك الاختصاصية الاجتماعية فلوة، التي أغرقتها بالكتيبات وأشرطة الكاسيت الدينية لمشاهير شيوخ الصحوة، التي صارت الفتاة تخصص لها وقتاً يفوق ما تخصصه لدروسها . وتحت تأثير وسطوة فلوة، تحرق سارة كل ما تملكه من صورٍ وقصص ومجلات وتذكارات ودُمى وأشرطة أغانٍ، حتى تؤكد قدرتها على هزيمة النفس والشيطان
وفي آخر يومٍ من الامتحان النهائي، تباغتها فلوة بلا تمهيد بالقول إنها لن تجد أفضل منها زوجة لأخيها عبد الله. المواصفات تبدو مطابقة، إذ تصف سارة نفسها آنذاك بأنها "مطوعة صغيرة جديدة، وقبيلية مثلها، وجميلة ومهذبة..ونعجة صغيرة!" (ص 15)
تقول لها فلوة إن أخاها يمضي حياته من المسجد للبيت ومن البيت للمسجد، لكن سارة تسخر قائلةً: "وسأعرف بعد ذلك أنه من البيت لعليشة ومن عليشة للبيت" (ص 16)، في إشارةٍ إلى الموقع السابق لمستشفى المصحة النفسية بحي عليشة في الرياض
تتحدى سارة أخاها عمر وتتجاهل نصيحته لها برفض هذا الرجل غريب الأطوار الذي يكبرها بخمسة عشر عاماً، ليتم الزواج وتنتقل الريشة الخفيفة التي تذروها الرياح إلى منزل الزوجية، وهو طابق أرضي في فيلا قديمة بحي الشفاء قرب الرياضهناك تجد نفسها أمام لحظةٍ عصية على النسيان وعلى التأويل:
البعض يتوهم أن ليلة الوصال تعني أن تغادر رأسك إلى حفلة الجسد.. أن تخرج قلبك من المعادلة وتقطف العابرة من براءتها إلى السرير
"خلع ثيابه، وأبقى عليه سروالاً قطنياً ممططاً ومائلاً إلى الصُفرة يصل إلى حدود ركبتيه
لم يقدم لي كأس ماء ولا وردة. ولم أر شوكولاتة ولا فاكهة. ولم أسمع منه كلمة ولا همسة. ولم يداعبني، ولم يلاطفني كما لمثلي أن تحلم أو تتخيل
لكنه برك. هكذا برك كما يبرك البعير الأجرب، وبدأ يمطرني بقُبلٍ متلاحقة مجنونة على وجهي. يأكل فمي، ويمضغ لساني، ويحك أسنانه بأسناني، وأصابعه تعتصر تفّاحتَي بشدة حتى يبلغ الوجع العبقري رقبتي
لم يتركني إلا مع أذان الفجر
إذن هكذا يرحم الله البنات في لياليهن الأولى. يؤذن المؤذن فتُطوى الثعابين السامة ويضممن أرجلهن
أعطيته ظهري دقائق والصداع يكاد يقسم رأسي نصفين. أشعر بالغثيان، وبأن معدتي الفارغة ستلفظ بطانتها قبل ضوء الصباح
قمتُ متثاقلةً إلى الحمام، أسحب رجلي سحباً. الألم بين فخذي لا يُحتمل وكأن أفعى ضخمة، كأن حيواناً برياً قد دخل في أحشائي، ومَزق لحمي، ولم يخرج
رأيته يتفقد السرير والأغطية ووجهه منشرح
لحقتني إلى أرضيةِ الحمام بضعُ قطراتٍ من الدم المائل إلى السواد. اغتسلتُ وكتمت الأنين والماء يلامس جرحي الطري" (ص 19-20)
غير أن الزلزال يقع قرب الساعة الثالثة من صباح أحد الأيام
تستيقظ سارة على صوت أنينٍ مكتوم، لتجد عبد الله ساجداً على الأرض وهو ينشج. وعندما تقترب منه يصرخ بها طالباً منها الابتعاد، قبل أن يقترب منها ويعانقها بطريقته الفظة. "رفع يده إلى الأعلى وبدأ يسب الله بكلماتٍ جنسية ساقطة. لم أصدق نفسي. رأيتُ قبائل من الجن تحوم حولنا في هرجٍ ومرج" (ص25)
وفي الصباح تهاتف فلوة لتخبرها بما جرى، لتكتشف تدريجياً أن عبد الله مريض نفسياً. وتناولها فلوة مظروفاً صغيراً قبل أن تقول لها من دون أن تكلف نفسها عناء التفسير أو حتى طمأنتها: "- اسمعي، سأذهب إلى المدرسة، أما أنتِ فاتركيه حتى يستيقظ وحده. في هذا المظروف بطاقة المستشفى وتقريره الطبي. جهزي له سجادةً وملابس ربّما أدخلوه! سأمر بك بعد الظهر لنرى!" (ص 28)
وقعُ الصدمة كان قوياً على بطلة الرواية
أسئلةٌ وعلامات استفهام تصيبها بالدوار إذ تقول لنفسها: "من ظل يضاجعني إذاً كل ليلةٍ عاماً وشهرين كان "ممن أدخلوهم"!
لا اعتراض لي على دخوله المستشفى والخروج منه، ولا على دخول قضيبه أحشائي وخروجه، لكن لِمَ لم أعلم قبل اليوم؟
الجدران العارية ستتوقف لحظةً عن القهقهة، وتجيبني:
هذه مشكلة النعاج!" (ص 28)
تجلسُ على طرف السرير تتأمل بصمتٍ الزوج النائم وهو في غيبوبةٍ أو في نصف ميتة، وتتساءل: "تراه يحلم؟ أم يتألم ويتوجع؟ أم يحادث ربه ويجادله؟ أم يفكر؟
حسناً فيمَ يفكر؟ في ثعابين القبر، أم في ثعبانه هو، أم في الوادي الضيق بين فخذيّ، أم في مؤخرتي التي يتمناها ويحرّمها، أم في الطهارة؟ أم في الملائكة؟ أم في الخلق؟ أم في شوايةٍ عليها تسعة عشر؟ أم في غلمانٍ كالدر المنثور؟" (ص 29)
أصعب الأحزان أن تستيقظ كل صباحٍ، فتجد نافذة حياتك تطل على هاوية تشرف حوافها على شاطئ مليء بمراكب الموت
بعد مرض عبد الله، تتعذب سارة نفسياً وتشعر بالضيق والحرمان الجسدي. وحين ترى من خلف الستارة خالد ابن أخت الجدة الذي اعتاد زيارتها بانتظام، تُعجبُ بهذا الشاب وتحترق بنار الرغبة
"لم أستعذ بالله ولم أتراجع ولم أغضّ بصري
بل كنتُ ملتذةً بالتلصص
غريزةٌ همجية اضطرمت في داخلي كالجمر وأنا أحدق في الشاب بقامته الطويلة وابتسامته الحلوة وثيابه النظيفة
تذكرتُ أبطال الروايات التي أحرقتُها في معبد فلوة
ثم شعرتُ ب(رطوبة) هناك. برطوبةٍ في الوادي المقدس. شعرتُ برطوبةٍ ونبض أو بنبضٍ ورطوبة. استطالت حبة

الفراولة الصغيرة واشتعلت. أحلمُ بفم هذا الشاب الناعم يُقبلُها، ويمصُها ويرشفها. أضغطُ فخذاً بفخذ، فتزداد السخونة
يا رب إن لم تسرع بشفائي فعجل بجنوني
فتحتُ الباب على عبد الله. المرض قد نخله، فبقي سلبياً شبه مستسلم وترك الأمر لي. قمتُ فوقه بتوقٍ وشوق وهو راقد على ظهره. أنشبُ أظفاري في لحم رقبته قائمة قاعدة. قاعدةً قائمة. أغمضُ عيني عن المريض الأشعث، لأضاجع ذاك الناعم النظيف البعيد
أكبرُ لصلاتي فيحجب وجهه عني وجه الله، وإذا ركعتُ وجدته أكبر من الله، وإذا سجدتُ صار أقرب لي من الله
تتسارعُ أنفاسي وأنا على تخومِ اللذة القصوى
أنشبُ أظفاري أكثر. وأشتعلُ كنمرةٍ جائعة
وفي لحظة، لحظة لا تُقال ولا تُوصف ولا تُحكى ولا تُعاد، أتوقف عن القيام والقعود فوقه لأن الجنة ستداعب أقدامي. بدأت الجنةُ تغمرني هكذا، فأسقط على ظهري ثملةً من اللذة لأتوسد ساقيه الممدوتين
إحساسٌ جديد أمطرت معه خزائن السماء ورداً وياسميناً
ولربع ساعةٍ توّجتُ ملكةً على البر والماء" (ص 39-40)

البطلة هنا تبدو وحيدةً كهرةٍ جائعة تموء وسط مقبرة
هذه التجربة ستمر بها في مناسبةٍ أخرى، حين تذهب بسيارة الشاب خالد مع الجدة صايلة إلى مستشفى، للقاء اختصاصية سعودية تنقذها من أزمتها النفسية وتلك الوساوس القهرية
"أعبث بالقفاز الأسود، أمطُه فتخرج أصابعي منه ثم أعيد إدخالها ثانيةً، إن نظرتُ أمامي وقعت عيني على يد الشاب البيضاء تمسك بالمقود فأصرفها مسرعةً
أستعيذ بالله في سرّي بينما أستعيد طيفاً بعيداً لمضاجعته اللذيذة فوق جثة عبد الله، يوم دخلتُ المغارة المسحورة فأمطرتني شلالات عدن
أشعرُ بخيطٍ من الماء الساخن (هناك) فأتلهى بذكر الله" (ص 76)
وفي أعقاب الطلاق، تزداد الوردةُ ذبولاً والمرأة ذهولاً، فتصحبها الجدة إلى أحد الشيوخ في حي الربوة شرق الرياض، لعله يساعدها على الشفاء من وساوسها وأحزانها. وتحكي البطلة كيف أخذ الشيخ في قراءة القرآن عليها، وهو يخفي شبقه
"اقتربَ مني. ثم اقتربَ أكثر
بسملَ وبدأ يقرأ القرآن ورذاذُ فمه يتطاير نحوي
جدتي تهلّل وتستغفر وهو يقرأ. لا ينشرح صدري ولا ينقبض ويقرأ. يلعب بشعر لحيته ويقرأ
أسمعُ صوت أنفاسه اللاهثة ويقرأ. تطفحُ بي الهواجس ويقرأ. يضعُ كفه على فخذي ويقرأ
يمتلىء رأسي بالأخيلة ويقرأ. أشعرُ بضغط أصابعه على لحمي ويقرأ. تجتاحني رائحة عبد الله ويقرأ. تصعد كفه إلى أعلى فخذي ويقرأ. تجوس أصابعه في الوادي الصغير ويقرأ. تسد الثيران الهائجة باب الحجرة ويقرأ" (ص 43)
وبلمح البصر، أصبح الشيخ القصير السمين زوجها الثاني
وجدت سارة نفسها زوجة لرجلٍ متزوج من "شامية"، إضافةً إلى زوجة عجوز تقيم مع ابنتها في بيت الربوة. وفي لقائهما الأول تتحرك الغيرة: "أما حين رأتني الشامية أول مرة فإن ابتسامة متهكمةً ارتسمت على فمها القرمزي:
- الشيخ شو بدو فيكِ؟
هو أعلمُ بأمور دنياه يا هديب الشام
ربما لم تشبعيه ولا هي، لا أفخاذ بريدة ولا مؤخرة دير الزور الفارهة. لا ثقوبك الضيقة الدافئة ولا ثقوب القصيمية الباردة المترهلة
ربما يُستثارُ أكثر إذا ضاجعني أنا، إذا ضاجع مهلوسةً موسوسةً، مريضةً موجوعة مثلي أنا" (ص 47)
تُفاجأ سارة بقيود وأوامر الشيخ أو الزوج الجديد. قائمة طويلة من الممنوعات، لتصبح حبيسة جدران المنزل

وفي منزل الشيخ، تصدمها مفاجأةٌ جديدة
" هبطتُ الدرج على أطراف أصابعي، ودفعتُ الباب الخشبي بلا جلبة، لأمشي بتصميمٍ غريب نحو غرفتهما في آخر الممر سمعتُ الشامية ترتل القرآن بصوتٍ متقطع، فلم تداخلني أية سكينة أو طمأنينة: "تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون". تسارع دقّ قلبي وانا أضع عيني في ثقب الباب وأنظر: "فلا تعلم نفس ما أخفي لها من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون"
علقتُ من شعر رأسي ودارت بي الأرضُ مئة دورةٍ ثم أسقطت في هوةٍ سحيقة
كانت ساجدةً على مصلاها وبغنجٍ قد بلغت قوله: "أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون. أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جناتُ المأوى نُزلاً بما كانوا يعملون"، بينما هو خلفها يمسكها من خاصرتها، ويدفع دفعاً شديداً، موغلاً بثعبانه الضخم في مؤخرتها. "وأما الذين فسقوا فمأواهم النار". لم تكمل الآية لأنها بدأت بالتأوه بصوتٍ عالٍ. رأيتُ إبليس بقرنيه الطويلين ورأسه الأصلع يضحك في وجهي فصرخت
فتح الدميم الباب وهو خائفٌ
يرتدي فانيلةً قطنيّة ونصفه الأسفل عارٍ. أما هي فكما سقطت من بطن أمها
أمسكني من جديلتي الطويلة وبدأ كالمجنون يضرب رأسي بالجدار
يبصق عليَ مخاطه اللزج بحقد
هي تسب وتشتم:
- (يئطع هيك أشكال. دخلك هيدي مرا ولاّ شرموطة)؟
والدم يقطر من سقف فمي ساخناً، وأصابعه تقتلع منابت شعري
دفعني بقدمه فوقعت أرضاً ليبدأ بركلي بعنفٍ صارخاً بأعلى صوته:
- (يا ساقطة، أنت ساقطة وبس، الشرهه على من يتزوج ساقطة مجنونة)
تصاعد الألم إلى كل شبرٍ من جسدي، لكن...
قولي للخبيث أنا لست شامية!
قولي للشيخ أنا لا أسجد!
ساقوني إلى غرفتي كومة لحم. تمددت على سريري، وامتلأ الوجود بآلاف العاريات البيض الساجدات لربهن
تأوهٌ وأنين، صلاة وقرآن، دفع ودفق، والملائكة تنظر إلى فنون النكاح بشبقٍ ووله
نبت الشيطان بين عيني، ولمَ لا أكون شامية؟ إن حور الجنة شاميات قصيرات القامة يركعن ويسجدن ويحملن ويطوين" (ص 50-52)

وبين يدي الاختصاصية السعودية، تفتح سارة خزائن مشاعرها وانكساراتها، وتحكي لها في إحدى الجلسات عن تلصصها على القصير السمين مع الشامية وتأثير ذلك على جسدها وشهوتها
"تعرفين ماذا يحدث حين أغتسل سبع مراتٍ متتاليات بالماء والصابون والسدر ويظل هاجسي هو القذارة التي تنبتُ من حبّة الفراولة بين فخذي حتى تصل إلى آخر شعرةٍ في رأسي
ستعبثُ إصبعي بالفراولة وبين ناظري الثعبان الذي يقرصُ مؤخرة الشامية
وستدعكُ إصبعي حبّة الفراولة وتعصرها وبين عيني شرج الشامية وعضو الشيخ علي
أو عضو الشيخ علي داخل شرج الشامية. ثم سأشم رائحة القرنفل ويعلو صياحي من اللذة" (ص 80)
وتنساب الأسرار مثل جدولٍ صغير
"أوشكتْ أن تحرّك شفتيها لتقول شيئاً ولكنني أردفتُ:
- لم أكن أعلم حينذاك أن للدنيا مسرّاتها حتى اكتشفت إصبعي طريقها إلى حبّة الفراولة
- لقد كنتُ أتحاملُ على نفسي لأمنح الشيخ علي حقه حتى لو كانت الإنفلونزا تدقُ عظمي
ألفُ طرحةً قطنية رخيصةً على أنفي وفمي حتى لا يمرض الدميمُ القصير ثم أتركه ينتهك اللحم بطناً على بطن أو بطناً على ظهر
إذا خلص من قذارته ذهبت إلى البانيو لأدعك حبّة الفراولة وأبكي من اللذة التي لم أعرفها تحت علي ولا فوقه، ولا فوق عبد الله ولا تحته" (ص 83)
وبمساعدة الأخ، تلتقي سارة فارسها: مشاري

"قدمني إليه عمر على هذا النحو:
أختي سارة مطوعة تائبة!"
ابتسم وانحنى على يدي يقبّلها:
- من يتخيل أن المطوعات بهذا الجمال!
أظنني اشتعلتُ مثل عود ثقاب" (ص 44)
وهي تقع في هواه منذ اللحظة الأولى، أو منذ اللقاء الأول في تلك السهرة الخاصة والمستترة في الرياض. "كنتُ أرتدي فستاناً فستقياً بلا كُمَين. أجلسني من كتفي مثل طفلةٍ بلهاء وجلس أمامي
أشعلت أصابعه الحريق في كتفي فهو أكثر فتنةً مما أتصور أو أتخيّل لرجل
أعجبُ بهذا المجنون أم أعيب عليه. جريء أكثر مما ينبغي لرجلٍ مع امرأة. لكنه مهذّب، أو هو مهذّب حتى الساعة
عبد الله أيضاً ظل مهذباً إلى حين.. إلى حين أن برك كبعير. أما القصير السمين فلا يُقاسُ عليه" (ص 46)
كم يترنح الصيادون في الشباك التي بعثرها البحر
وما بين المطاعم ذات الستائر في الرياض، ولندن ذات الحدائق، تنمو الحكاية، بعلم الأخ المتحرر عمر. وربما يتعين هنا أن نشير إلى تكرار الروائيات السعوديات – رجاء الصانع، زينب حفني، سارة العليوي..إلخ- ذكر لندن بشوارعها وأحيائها ومطاعمها، كأنها مدينة الخلاص ورمز التحرر من قيود الحياة في السعودية. ففي حديقة بلومسبري سكوير، تقول سارة لمشاري: "- ليت الله خلقني عشبةً أو ورقةً خضراء في هذه الحديقة!
قال بلؤم وأصابعه تقرص خاصرتي:
- آآآه تفضلين أن تكوني نبتةً إنجليزية على أن تكوني امرأة سعودية؟!
- بل أفضلُ الجمادات على أن أكون مطوعة!" (ص 68)
غير أن زوجة مشاري – هدى- تظل حاجزاً بين الاثنين، ويبرر لها مشاري موقفه بأنه لا يخون زوجته لأنه لم يحبها لحظة واحدة، فترد عليه قائلة:" - لكنها تبقى خيانة
- بغضبٍ مكتوم: خيانة أمام من؟ أمام الله الذي استأثر بالهناء فلا يقاسي ما نقاسيه من عذابٍ ولوعة؟ أمام مجتمعٍ منافق مريض يشذ عن باقي الخلق؟ أمام من قولي؟" (ص 69)
وفي أحد ملاهي لندن أيضاً، تصاب سارة بالجنون فتندفع لتقف في ممر متوسط بين الطاولات. "سكبتُ من النبيذ الأحمر على رأسي ثم نفضته، خلعتُ حذائي وفتحتُ زرّ بلوزتي العلوي والذي يليه، ثم بدأتُ أرقص ببدائية متعمّدة هزّ صدري بعنف" (ص 71)، لتسمع تعليقات ماجنة من ثلاثة شبان عراقيين، قبل أن ينهرها عمر ومشاري، ويقول لها الأخير: "افهمي! التحرر مش مجون ولا عربدة..افهمي يا مجنونة وإلا أفهمتك على طريقتي!" (ص 72)
لكن البعض لا يفهم..أو لا يريد أن يفهم
تزداد حرارة القُبل والملامسات بين العاشقين. وفي أحد الشاليهات المطلة مباشرة على البحر في الخُبر، تقترب سارة من غرفة مشاري، الذي يدعوها إلى الدخول ثم يغازلها فتشتعل كل حرائقُ الكون تحت جلدها، ويجتاحها كإعصارٍ مدمر يربك خارطة جسدها النافر حد الفضيحة المدوية
والجنس نصٌ يكتبه اثنان في لحظةٍ واحدة، كأنهما ساعيا بريد يلتقيان ليسلم كل منهما الآخر طرداً مكتوباً عليه جسداهما
"أجلس على الأرض عند قدميه، تطيش يدي منفلتةً عابثةً في كل اتجاه. أسحب بيجامته للأسفل وهو مستسلمٌ وناعس... أداعب ذلك (الكائن الجميل) بأطراف أصابعي، أقبّله وارشفه حتى أذوق بطرف لساني شيئاً من لزوجته. وبوجلٍ أدفن وجهي في الحديقة البابلية الزكية، فأموتُ ويموت معي ألف ميتةٍ ولا أحييه" (ص 87)
والعاشق كالصوفي، إن كتم وهج حال المقامات المتفجر بداخله مات محتقناً بإشراقاته
كادت سارة تحلق من السعادة بعد أن نجح عمر في تذليل عقبات عودتها إلى الدراسة، لتلتحق بقسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب. قرأ عليها عمر إحدى قصائد بابلو نيرودا، ليفتح أمامها باب الشعر. وأثناء تناول العشاء مع مشاري في مطعمٍ إيراني في شارع التخصصي، حدثته عن أحلامها وهي مزهوة مثل سندريلا، قبل أن تشتعل بينهما شرارة الاشتهاء "يدخلُ برفقٍ أصابعه في بلوزتي، يداعبُ تفّاحتَي، ويقبّلني بحنانٍ على عنقي. وبعد إلحاحٍ منه يشرب النعناع من فمي، ليتمتم:
الله أكبر! نعناع هذا يا مسلمين أم نبيذ؟" (ص 97)
ومع أنها تزوره في منزله بداعي الحصول على مجموعة كتبٍ من مكتبته، فإن سارة تشعر بظلال الزوجة - المقيمة عند أهلها- فتقرر مغادرة المنزل، لأن جروحها مفتوحة على المدى، وتخبر مشاري وهي تطبع قبلةً أسفل خده بحاجتها إلى وقتٍ طويل للتصالح مع ذاتها والعالم، وإعادة بناء روحها المتشظية
وحين تتناثر الروح على أرض الحياة مثل زجاج مكسور، تزداد شروخ الجسد الذي تمزقه الرغبات
وتبقى ملاحظاتٌ ثلاث نوردها على عجالة. الأولى تتعلق بالأسلوب الروائي المتمكن واللغة المكثفة التي استخدمتها وردة عبد الملك، بل إنها قد تكون قد نظمت الشعر، فاللغة وإيقاعها والصور وتكثيف اللحظة، من أدوات الشعراء التي استخدمتها الروائية ببراعة. وفي حوار أجرته معها جريدة "الأخبار" اللبنانية عبر البريد الإلكتروني، اكتفت وردة عبد الملك بالقول: "إني امرأةٌ سعودية في أوائل الثلاثينيات من عمري. أمضيت حياتي كلها في السعودية. اخترت النشر باسم مستعار مراعاة لأمور عدة، أولها الوضع الاجتماعي في السعودية. لا أحد في اعتقادي يستطيع أن يحتمل وزر رواية كهذه في المكان والزمان اللذين أعيش فيهما
"
النقطة الثانية تتعلق بالإفراط في تناول الجنس كمشاعر وتصورات وممارسات، حتى أن القارىء غير المتزمت يشعر أحياناً بأن في ذلك إسرافاً يتجاوز الضرورات الفنية في العمل الروائي ليتحول إلى محاولة صدم للقارىء لإثبات انعتاق المرأة. ويتحول هذا الإسراف أحياناً إلى وصفٍ حي ومبتكر للممارسات الجنسية، يبدو من خلال تكثيفه وتتابع تصويره كأنه مقصودٌ لذاته
أما الملاحظة الثالثة فهي أن النص على جودته، احتوى على جرعةٍ زائدة من التجديف، ومثال ذلك قول البطلة: "قل
لربك تحت أيّ سماءِ أظلتك أن لا يقف لي بالمرصاد، قل له ألا يعاقبني
قل لرّبك الذي تقدس في السماء أن يأخذ الدميم القصير إلى مكانٍ ما تحت عرشه. أو ليلقِ به في زاويةٍ من الجنة. أو في سردابٍ من جهنم. أو لينسه في منزلةٍ بين المنزلتين" (ص 5)
وهي تقول إنه في اليوم الآخر "يكشفُ الله عن ساقه فإذا خلخاله يُحدِثُ شنةً ورنة لكن القوم لاهون" (ص 7)
وفي وقفةٍ مع النفس تتساءل قائلةً: "الساعة أسأل نفسي: ألم يكن لجنتهم العجيبة من بابٍ آخر؟ من نافذةٍ أخرى؟ أو حتى من خرم آخر؟
ما هذا الفردوسُ الوحشي الذي لا ندخله حتى نقتلَ الحياةَ في قلوبنا، وندفن أرواجنا تحت ترابٍ، فوقه تراب؟" (ص 13) وفي سياق الحديث عن جدتها تقول: "مشطت شعري وسقتني اللبن وحدثتني عن ربها الطيب الذي لا يشبه في شيء ربي الكاره الحقود" (ص 39)
وتكر حبات المسبحة: "في ليلةٍ أطول من ألف شهر شعرت كالعادة بضيقٍ شديد، ففررتُ لربي قائمةً ساجدة، لكني كلما اقتربتُ منه زاد في إعراضه، كأنما يلذُ له عذابي" (ص 50) "الأوبة" رواية تصرخ في وجوه الجميع
إنها روايةٌ عن العشق والخديعة والألم، ، تحاسب الجناة، ولسان حال بطلتها يقول: ما عذر جسدي لو انشقت الثياب؟ وما جدوى الثياب إذا ما صرخ الجسد؟

| | تابع القراءة »

كتاب الرغبة (9): ضي..وأخواتها




"ولهذا كانوا طابوراً أدخله من بابي الأمامي، وأتحول بدوري باعثاً للفرجة، متحف وبضع لوحات معلقة جميلة، سلم دوّار يثير الدوخة، قطع لعبة بازل مبعثرة.. أي شيء يترك أثراً حسناً لكنه مضجرٌ في حال استمراره، محل بليد، سهل التشرب، قابل للنسيان، المهم أن ينتهي الطابور بالباب المقابل، حيث لا يافطة تفيد: مَخرَج، الباب الذي يؤدي دوره باتقان لا يملك غير جهة واحدة، الخارج فحسب
قلّة بل أقل من القلة، أولئك الذين اخترقوا قانوني الخاص، وبمرور الوقت كانت الدور السفلية مني تتحول مكبّاً بشرياً. الآخرون حين يصيرون جثثاً مقيمة فيّ ومتعفنة، يأبون أن يغادروا ويأبون أن يتركوني بسلام، ينسون أدوارهم، ربما تقمصوها أكثر مما يستلزم الأمر، أو أنهم لم يفطنوا لها منذ البدء. في الليل يصير الوضع لا يطاق، الزعيق والهرش والتكدس وإعادة رسم الحدود لسطوة كل واحد منهم على جزئه الخاص من مساحتي. كنت أفضل الغبار وبيوت العناكب على جرذان تعترض قلبي من دون هوادة وتخلق شظايا الخشب في كل مكان
ضي كانت إحدى معجزاتي. أو بالأحرى ما حسبته معجزتي. لم تأت من بابٍ لأخرجها من آخر، ربما من العلية، متزحلقة على الدرابزين أو متعلقة بالسقف. كفتا الميزان في يدي كانتا ساكنتين سكوناً تاماً، في حين كانت ضي تجيد المرجحة، وشقلبة الأمور رأساً على عقب، وافتعال سلسلة طويلة من ردود الأفعال للفعل الوحيد الضامر الذي كنته
في الوقت الوجيز الذي كنا فيه جديتين كفاية لأخبرها أنه صار حرياً بها أن تغادر، كانت تبدو حزينة جداً على نحو مفاجئ، لتشير شفقتي عليها، لم يعد الفرق كبيراً بعد كل هذا، ولذا طال مكوثها إلى أن باتت مرضي
نعم، مرضت بكائن اسمه: ضي!" ("الآخرون"- صبا الحرز- ص 5-6)

أخيراً، روايةٌ متماسكة ومقنعة عن رغبات الجسد وصراعها مع الذات

في روايتها الأولى "الآخرون" الصادرة عن "دار الساقي" في بيروت العام 2006، تحمل صبا الحرز مقومات الكاتب الروائي المحترف، ومقومات العمل الروائي الصادم. وفي رأيي أن "الآخرون" من أفضل الروايات التي صاغتها كاتبات شابات في السعودية، بل إنها ذهبت أبعد وأعمق من "بنات الرياض" لرجاء الصانع بأشواط وعلى مستويات عدّة



وصبا الحرز شابةٌ سعودية موهوبة ضربت نرد الأدب بشجاعةٍ وقررت كسر المحظورات على طريقتها، سواء الممارسات الدينية (شيعة وسنة) أو الجنسية (علاقات عاطفية ومثلية) أو السياسية (أحداث 1400هـ في القطيف)

تتعقب الكاتبةُ تجربةَ فتاةٍ مثلية، تسبر أغوارها وتكشف أسرارها من خلال هذا العمل الروائي الجريء. وهي تروي قصة حبٍ عاصفة بين فتاتين سعوديتين، وعلاقاتٍ مثلية أخرى تدور في فلك الحبكة الرئيسية، في الوقت الذي تزيح فيه الستار عن "غيتو" آخر: عالم المجتمع الشيعي في منطقة القطيف. تمضي الروائية في استرسالاتها معريةً عوالم تلك النماذج وكاشفة عن مدى معاناة شخصيتها المحورية. وفي نهاية المطاف تعود كائنةً طبيعية في ميولها وعواطفها
تتوزع أحداث الرواية بين مجتمع القطيف في الحسينيات والغرف، وبين النت وكلية الدمام..وأحياناً حافلات الجامعة التي تُقِلُ الطالبات من وإلى منازلهن. وتمارس بطلة الرواية الانسلاخَ عن السياق الاجتماعي ولو بشكل ضمني، كما بدا واضحاً من الخداع الذي كانت تمارسه البطلة مع والدتها، وفي أروقة الحسينيات، والجامعة

ليس ثمة في الرواية مشاهد ساخنة تتوسل الإثارة، ولا عبارات جنسية فجة ومباشرة. النص هنا هو البطل الذي جاء جميلاً وشاعرياً وذا أبعاد فلسفية، ومن ذلك، رؤية الساردة للموت الذي خطف منها شقيقها حسن

"الموتى لا يقولون. كلمتهم الأخيرة: موتهم. الموتى لا يقولون. إنهم يمددون خطواتهم ناحية عوالم ما ولجناها من قبل ولا يعودون، يبالغون في الصمت، تاركين لنا مساحة معلنة للحديث والشكوى والصراخ والبكاء والتجديف على الله وكل أشكال الرفض غير المجدي. إنهم يحدقون إلى الفراغ، في المدى المطلق محكمين قبضتهم على كل ما لا نعرفه بعد، غير متواطئين معنا ليسربوا لنا من هناك بصيص ضوءٍ أو حل أحجيةٍ واحدة. إنهم يوصدون الباب بصلف، يصفعونه بكلّ طاقة حياتهم عوضاً من أن يمتصها ملاك الموت، فلا يتسنى لنا ثقب مفتاح أو فرجة تحتية لنستكشف السرّ الكبير الذي لا يريد أحد أن يشاركنا في تفاصيله" (ص 37)

أما الأسلوب فهو يتباين وفق مستويات عدة، وكان أغلبه على هيئة تداعي الخواطر والأحداث والحوارات، وهو يتسم بالسلاسة والبساطة والتوهج، حتى في أكثر لحظاته دقّة وحرجاً

وحين يتجاوز القارىء حاجز الصدمة، سيجد أمامه فرصةً استثنائية لفهم حقيقة وجوهر الرواية. إنها كتابة تعري المنغلقين أمام أنفسهم، فالمجتمع الصارم يلد المحرمات في الباطن وداخل الغرف المغلقة. وفي قلب الرواية نشعر بانتقادٍ شديد للأجواء الدينية الضيقة والمتشددة والمتقوقعة على نفسها التي تحتضن، في معزلٍ عن إرادتها، ونكاية بهذا الانغلاق، ميولاً وظواهر وممارسات تتعارض مع مبادئها وتعاليمها


هكذا يبدد النص الروائي وهم التطهر الاجتماعي، عبر سردٍ تشريحي ناقد لمجتمع شمولي منغلق لا يقر الفن، ولا تعددية المنابر، بقدر ما يبالغ في تعقيم الفرد وبرمجته داخل غيتو ثقافي شديد الصرامة

وتكشف الراويةُ عالماً تحتياً أو موازياً، مشحوناً بالسرّي والممنوعات، يحمي بناته من أحكام الخارج القاسية ومن الأهواء والإغراءات، لكنه يسهّلُ في معنى ما، نتيجة هذه الحمائية، انزلاقهن صوب أهواء وإغراءاتٍ من نوع آخر
تعيش بطلة الرواية أو الساردة صراعاً نفسياً بين جسدٍ يباهي "جداً بحلواه" وذاتٍ "نزاعة للتطهر من آثامها".. فالجسد أرضٌ وعرة يتواجه على أديمها المقدّس والمدّنس. والنتيجة شعورٌ طاغٍ بالذنب يطارد فتاةً مأزومة بجسدٍ محقون بالرغبات، أو بتعبير الراوية، فإن البطلة تتمتم بارتباك "وكم كان إثمي مهولاً مقابل سطوة تراكم أخلاقي، يضع في قوانينه الأولى جسدي كحدّ لتقييمي". وعبر صفحات الرواية يطل شعور الفتاة بالذنب – خصوصاً تحت وطأة التقاليد والأعراف وضغوط حكم الجماعة- إزاء مسلسل العلاقات المثلية التي تعيشها، وتصفها غالباً بأنها "مرضية"

الساردةُ طالبةٌ تدرس في كلية الدمام وتمارس الكتابة والخدمات الاجتماعية في المجلات الدينية والحسينيات النسائية التي يقام فيها مراسم العزاء والاحتفالات الشيعية. وهي تعاني من نوبات صرع وتنتابها نوباتٌ قاهرة تجعلها تقول: "كان مرضي نقصاً فادحاً في مقابل اكتمالي الجسدي" (ص 95)، وتدعو الله "كل ليلة، كان دعائي الأخير قبل أن أغمض عيني أن لا يُفتضح أمري، أن لا أُمرر تحت مقصلة الشفقة، أن لا تزج بي نوبتي في متاهة العطف المرهق" (ص 93)

وفي فورة شبابها تنجرُ البطلة – التي تبقى حتى النهاية بلا اسم، كأنها لا أحد، أو الجميع- في علاقاتٍ مثلية متوهجة وقوية مع ضي التي سيطرت عليها، منذ لقائهما الأول في الحسينية. تقول ضي في حوارٍ طويل مع الذات: "الآن وأنتِ مُلكي، صرتُ أعرف أن وحمتكِ تلك أقرب إلى نهدكِ الأيسر، وصار بوسعي لمس نملتكِ الحمراء، وتقبيل نملتكِ الحمراء، ولعق نملتكِ الحمراء، والنوم على نملتكِ الحمراء، وأخاف بعد هذا أن تتعبي مني وتتركيني" (ص 149)

وفي سياق العلاقة تنمو نبتةُ التجريب وروح المغامرة بين الفتاتين

"أعرفُ الآن من اللون السماوي لقميصها القطني أنها رائقة، ومن شعرها المُضفر أنها مرحة، ومن حركة أصابعها على درزات بنطالي الجينز أنها تسبر طريقاً ناحيتي، وكان عليّ أن أسبقها قبل أن تصل
- لنذهب إلى هناك
- قلتُ وأنا أشير بيدي إلى جوار المرآة، التفتت وعلى وجهها سؤالٌ مشكك: "هل أنت أكيدة؟"، لكني، وقبل أن تطرحه، أخذتُها من يدها حدّ المرآة. أحتاج إلى شيء يخلصني مني، أريد أن أعبر من التجربة برصيدٍ وافر. ولعبة الكر والفر، الدفع بالأمور إلى حدّها الأخير ومن ثم التمنّ، صارت مبتذلة جداً. أرخيتُ زراً وتركتُ بقية المهمة بيد ضي، وما بدا أنه سيأخذ وقتاً لا نهائياً كان قد حدث بالفعل مُباغتاً انتباهي. تشبثت بالمرآة، عريي الفاضح يدفع بي إلى نشوةٍ غير مسبوقة، نشوة أن أراني مُشتهاة ومنفلتة من قوانين جسدي نفسه" (ص 8)
ولوهلةٍ، يبدو لنا النص أنثى ممددة بإغواء أمام عين الرجل البصاصة، أو هكذا أرادته الروائية خطاباً للمرأة مع يقينها بأن الرجل يسترق السمع


وتقيم الساردةُ علاقةً أخرى خفيفةً ووادعة مع الفنانة دارين

"جذبتني من كفي إلى بابٍ ينفتح في ردهةٍ صغيرة في المطبخ، وصفقت الباب وراءنا، واندفعنا في قبلةٍ محمومة، كانت أيدينا، تتحرك بانفلات، وأنفاسنا تتقطع، وقبتُها وقبلتها وقبلتها، ونزلت إلى عنقها ثم إلى صدرها: كنتٌ من الجنون بحيث شككتُ معه في أية واحدةٍ منا طلبت القبلة وأية واحدة منحتها. كانت طيعةً ورخوة وتستجيبُ جنوني على نحو يسحق أعصابي، وكانت لذيذة بحيث لم أرفع شفتي عنها إلا حين استهلكت كلّ رصيدي المخزّن من الهواء، وانا أقول بسكر: "يخرب بيتك..جننتيني!" وضحكتْ، لسعتني ضحكتها، ضخت في دمي رغبةً جبارة في مزيدٍ من الجنون" (ص 137)

وفي تجربتها مع دارين تشعر بالفارق بينها وبين ضي

"مع دارين، شعرتُ أني أملك طمأنينةً وافرة لأضع قلبي بجوارنا على الطاولة، من دون خوف أن تسرقه حين أغفل عنه وعنها، ليس لأنها لا تستطيع، ولا لأنها لا تريد، وإنما لأنها فطنت منذ البدء كم أنا مُهرة خاسرة في هذا المضمار، فكفتني مشقة الرهان عليّ

ومعها، بدأتُ أكتشف جسدي من جديد، كانت تغويني ببطء، وتشعل شمعتين، وتهمس لي بفضائح يرتعش لها جلدي. وكانت تقف على الحياد دائماً إذا ما أردتُ توريطها كطرفٍ ثالث بيني وبين جسدي. معها، كان لأعضاء جسدي أسماؤها واحداً واحداً، حتى أكثرها سرية، وللحظاتنا تعابيرها الخاصة، وما اعتقدته بذاءةً رخيصة لا تليق بدارين وشاسع لطفها، كنتُ أكتشف فيه نوعاً من الإثارة الفاحشة القذرة، من قال إن القذارة لا تثير؟ وكانت علاقتنا الجسدية: "جنساً"، وليست كما اعتدتُ تسميته تلميحاً: "ذلك"!" (ص 178)

كانت دارين مرآتها التي تشبهها لحد أنها تمنت أن تستمر العلاقة بينهما طويلاً، إذ تقول: "خبئيني في أصابعكِ، ارسمي على جسدي، فوق جلدي مباشرة بلا مسافاتٍ ولا عوازل، ارسمي بألوانكِ كلها، بأصابعكِ كلها. ارسمي على جسدي وكأني آخر لوحاتكِ على الإطلاق. سيمحو رسمكِ عبثَ سواكِ" (ص 212)

لقد اشتهتْ فيها رجلاً لن يأتي، وفي المقابل اشتهت دارين أن تكون ذلك الرجل المنتظر

فجأة، تنتبهُ الساردة "إلى الكائن الناقص في حياتي، لم يكن أبداً ثمة رجل، في آخر أمنياتي وأشدها ضآلة وخفاء لم يكن ثمة رجل" (ص 216)

وعلى شبكة الإنترنت، ثم عبر المكالمات الهاتفية، تتعرف إلى ريان، الذي تقول إنه "كان حكاية من فصل واحد" (ص 215). وفي النهاية تقع في علاقة حبٍ مع عمر السُني المخالف لها في المذهب الديني، ليتقاربا جسدياً في لحظة اشتهاء
"- خُذني، عُمَر، خُذني كُلّي!
وأخذني، أخذني ليس كما أخذتني ضي في كل عراكاتنا في الفراش، ولا بحالة الخِفة التي مررتها عليَ دارين، ولا في الخوف والخزي لوطء كعب عالٍ لأعوام على جسدي. بين حينٍ وآخر، لفرط الشهوة أو لفرط الحبن كنتُ على وشك أن أقول: افعل شيئاً كي لا تظل خارجي! لا تسرق أطفالك مني!"، لو لم تفزعه الكلمات الكبيرة التي أنطقُ بها" (ص 284)
وتختم الروائية روايتها بحوار بين الساردة وحبيبها عُمَر يدور كالتالي:
"- عُمَر، لا تغادرني! ولا...
- لن أفعل، ثقي بي
- ولن تموت! لا أحب الذين يموتون! قل إنك لا تموت!" (ص 287)

تهتم صبا الحرز – وهو اسم مستعار على أي حال- بالتفاصيل الدقيقة في العلاقات التي تربط بين بطلتها وغيرها، فهي على سبيل المثال تستشعر عُري جسد ضي، وثقل ضلوعها فوقها، وتتأمل الشعرات القليلة المبعثرة حول حاجبيها، وتدوخ بسبابتها العابثة في فمها، وكأنها أرادت " الآخرون" نصاً مكتوبا بالحواس، لينبض بالحياة

"الغريب، أني لا أفتقد فعلنا الجسديّ...ولا أشعر بأن جسدي تواقٌ لما كان. ما أفتقده على وجه الخصوص تلك الأشياء الصغيرة. التفاصيل التي لا تلفتُ في اشتباك الصورة وفوضويتها. أصابعي على غمازتي خديها.... حزنها، وجهها المتكدر حين تحزن. افتقدنا نائمتين، أنا على ظهري وهي على بطنها، كل منا تنظر للأخرى، والعالم مختفٍ وفارغ إلا منا، أفتقد صوتها، أفتقد أكثر بحة صوتها في أول الصحو....أفتقد عبثها بكُم قميصي وهي تثرثر، أفتقد سبابتها في فمي" (ص 160)


حاولت الرواية التطرق إلى موضوعاتٍ شتى: الاستغلال، العنف، الحياة المزدوجة، الحبّ في حالاته الأقرب للمرضيّة والأخرى غير المقبولة، الخوف، الضغط الاجتماعي لتشكيل صورة مثاليّة ومتشابهة لأفراده، فقد الذات... إلخ؛ وهذه جميعها ليست حكراً على المرأة دون الرجل. لا تحكي الرواية عن نساء بكّاءات ورجال ظالمين، حتّى إنه بالكاد يوجد رجلٌ فاعل ومتحرك بشكل رئيسي في الرواية


تحكي الساردة عن أصدقاءٍ أحست بهم ينسلون من بين أصابعها مثل الماء:
سندس التي أغرتها بالانضمام إلى "الأخوات" في العمل التطوعي، واستكتبتها في مجلة صحوية بمشاركة عقيل. هداية التي فرضت عليها الوصاية الفكرية، فكانت علامة من علامات السلطة. وتحكي أيضاً عن صديقتها هبة قائلة: "لم نكن متضادتين تماماً ولا متشابهتين بعض الشيء، كنا منطقتين متباينتين لا يجمعهما الكثير من السمات المشتركة. الحصيلة؛ مؤشر اتفاقنا في أعلى أسهمه لا يتعدى واحدة من الأصابع العشر. إلا أنها كانت تهبني، مصداقاً لاسمها، ما كانت اتفاقات العالم وتحالفاته غير قادرة على وهبي إياه: أمان وافر بحجم كف طرية، سائغ في شكل لوح شوكولاتة، ومُضاء على شاشة من ألوان تتماوج" (ص 22)

تبدو الرواية في مضمونها إدانةً للمثلية. إدانة تتجلى بوضوح في شعور البطلة بالذنب، أو عندما تروي ضي مثلاً كيف أغوتها بلقيس، ابنة الجيران التي تكبرها بعشرة أعوام، التي علمتها الرياضيات وأبجديات الجسد، فأهدتها أول قبلة، لتكون تمثالها الأنثوي، الذي نقلها من خانة المتفرج إلى خانة الفاعل.. وكما تقول ضي: "روضتني بلقيس" (ص 145)


هذه العلاقة مع ابنة الجيران الأكبر سناً، تحيلنا إلى حقيقة الإحصائيات التي تقول إن أكبر عدد من الأطفال الذين يتم استغلالهم يتعرضون لذلك على أيدي أشخاص مقربين ومحل ثقة. المشكلة هو أن بلقيس علمتها الرغبة التي تختلط بالعنف والضرب بهدف تحقيق نشوة استثنائية. "كانت تللك البداية البائسة. كلما اعتدت ذلك كانت ترفع عتبة الألم، إلى أن فقد جسدي نصيبه من الرضا، يجنّ إذا لم يؤذَ، وتتهالك طمأنينته إذا لم يتوجع. الوجع بات حرفته ومساره ناحية اللذة" (ص 145)


وهي تتألم لما فعلته بها بلقيس، فهي تقول: "وأنا أدمنت جسد بلقيس" (ص 146)


لكن الأخيرة تبتعد عنها تدريجياً، "لاحظتُ متأخرة تقززها المتصاعد إلى حد الغثيان مني، من جسدي من اكتمال أنوثتي" وتنتهي إلى القول: "يقولون إن الذاكرة تتثاءب وتنام، ثم تضمحل بين الأحلام وأنصاف اليقظات إذا لم تُشحذ، وانا أتذكر بلقيس في كل يوم" (ص 147)

ومثلما آذتها بلقيس، احترفت ضي ممارسة طقوس الألم مع صديقاتها، ومنهن بطلة الرواية

تعرّف صبا الحرز بنفسها، على أنها كاتبة سعودية شابة، ولدت في القطيف عام 1980، ودأبت على الكتابة في الإنترنت منذ عام 2001، ولكنها اقتحمت عالم الروايات الأدبية، فكانت "الآخرون" عملها الأول. وتقول في إحدى الحوارات الصحفية النادرة التي أجريت معها: "لستُ معنية أبداً بهاجس كتابة رواية، أردتُ فقط أن أجرب نوعاً كتابياً، أختبر فيه نفسي، صابت، أم خابت. تقييم ذلك يعد أمراً تالياً للمحاولة، لا أتوقف عندها كثيراً. وتضيف: كتبتُ الرواية بنيّة أن تكون خاصّة، من دون الانشغال بنشرها... لفرط ما سمعتُ عن صعوبات النشر وتكاليفه. لاحقاً، باعتباري فرداً افتراضيا على أيّة حال كنتُ قد قررت نشرها إلكترونياً. وأخيراً، عبر سعي صديق أوصلها إلى "دار الساقي" تكفلت الدار بنشرها"

في الحوار الذي أجراه معها ميرزا الخويلدي ونشرته جريدة "الشرق الأوسط" (مطلع يونيو حزيران 2006) تقول صبا الحرز:
"تشكلت فكرة الرواية بدايات عام 2004. بالطبع، كنتُ أستصعب الخوض في كتابة طويلة وشاقة، أنا طارئة المزاج؛ تضافر الأمر مع صعوبة بعض مواضيع الرواية وحساسيتها، وهذا تحد آخر. قرأتُ الكثير، سمعت الكثير أيضاً.. في محاولة لخلق أكبر قدر من الفهم. وحين اكتملت الرغبة، كتبت نواة الرواية بشكل مختصر، وشرعتُ بوضع مخطط أوليّ: الشخوص، الفترة الزمنية، التفاصيل العامة، تقسيمها، الحيز المُتاح لكلّ شخصية... أمور كهذه. حشدتُ أكبر قدر من التفاصيل والخيوط الصغيرة المتشابكة وبدأت الكتابة في حالة كتمان، ليس لشيء غير أن الحديث عما أكتبه أو أنوي كتابته يفسد دائماً مشاريعي"

في "الآخرون" نقرأ: "أن تختار عزلتك، لا يعني أن تكفّ عن الحضور في قلب العالم، إنها في أبسط أشكالها، تعني أن تحضر باختيارك، وأن تباشر حضورك ضمن حدودك الخاصة بحيث لا يسع أحداً أن يسرقك من ذاتك على غفلة، أو يشكل وجهك وفق ما يريد، أو يؤذيك أو يلوي عنق بوصلتك" (ص 40)

"الآخرون" محاولة لمواجهة الأذى والعزلة، وصرخة عالية في الجدران، لتكون أقل سماكة وأكثر شفافيّة لنكون مرئيين على الجانب الآخر منها، وأن يعبر لنا أشخاص من الخارج طالما أننا لا نملك هذه القدرة على الخروج

| | تابع القراءة »

كتاب الرغبة (8): حبيَبة نسوان






جسدُ المرأة دُرةٌ، لا صَدَفة


ويدُ العابرين فوق الجسدِ تعشقُ الغوص من أجل درة، بحثاً عن مُتعةِ الصقل، أو حباً في الاحتراقِ بنار التلمظ..أو رغبةً في لعبِ دور المُنقِذ

في روايتِها "ملامح" الصادرة عن دار الساقي، بيروت، عام 2006، تقدمُ لنا السعودية زينب حفني حكاياتٍ متأثرة بأسلوب الأفلام العربية. بل إن الخط العام للرواية يتشابه إلى حد كبير مع أحد أفلام سبعينيات القرن الماضي، ونعني بذلك فيلم "امرأة سيئة السمعة" (شمس البارودي، محمود ياسين، يوسف شعبان، عماد حمدي، إخراج هنري بركات، إنتاج 1973)

وفي الروايةِ أحداثٌ تبدو لكثيرين غير منطقية ومشاهد يصعب تصديق بعضها، خصوصاً إن وضعناها في السياق الزمني إذ تتصاعدُ الأحداث بدءاً من ستينيات القرن الماضي، وفي إطار المكان (مكة المكرمة وجدة). وعلى الأقل، فإن تلك الفترة والأماكن لم تكن قد عرفت بعد ارتداء النساء لثوب السباحة في الشاليهات – على سبيل المثال- أو المدير الذي يلتهمُ الزوجة مع كؤوس الخمر بتواطؤ من زوجٍ ديوث


لكن "ملامح" نجحت وباعت آلاف النسخ.. لأسبابٍ لا تخفى على أحد


تبدأ الرواية في مدينة جدة، في بداية شهر مارس، حين تفاجأ ثريا بزوجها حسين يقف قبالتها، "نظراته متحفزة، يحمل في يده ورقةً مطوية، رماها على الطاولة، قائلاً بنبرة مستفزة: ها هي ورقة خلاصي منك" (ص 7). وبعد سيلٍ من الإهانات، يحدد لها الأموال والممتلكات التي كتبها باسمها قبل أن يطلقها، قائلاً: "أعتقد أنني تصرفت برجولة معك"
"قهقهتُ لحظتذاك معلقةً بنبرةٍ هازئة: رجولة؟ منذ متى تعلمتها؟ هذه كلمة دخيلة على هذا البيت
حدجني بنظراتٍ تقطر عداوةً، نهضتُ من مقعدي، أعطيتُه ظهري، هززتُ له عجيزتي، ضربتُها بكفي، قائلةً: لولا مواهبي هذه لكنتَ لا تزال إلى الآن موظفاً صغيراً، ولما أصبحت تتمرغ في هذا النعيم
تلفَت يمنةً ويسرة، تحسباً من أن يسمعنا الخدم، قائلاً بصوت خافت: أنت امرأةٌ سافلة بلا أخلاق
- نعم، أنا كل هذا، لكن لا تنسَ أني تلميذتك النجيبة، التي تعلمت على يديك دروس الانحطاط" (ص 8)


هكذا تبدو لنا صورة علاقة مهترئة وهي في لحظة الانهيار


وفي أول ليلةٍ لها في فيلا حي الروضة، التي تركها لها حسين، تحاصر ثريا الهواجس من كل جانب، إذ تجد نفسها مقبلةً على حياة جديدة تبدو لها غامضة. "وجدتُها فرصةً سانحة لكي أتحسس معالم أنوثتي، إلقاء نظرةٍ متفحصةٍ على خبايا أعماقي، إقامة مناظرة مع نفسي. خلعتُ ملابسي، وقفتُ عاريةٍ قبالة المرآة، تمعَنتُ في تضاريس جسدي، اكتشفتُ أنه ما زال غضاً، ممشوقاً، عجيزتي مرفوعةٌ، ثدياي لم يصبهما الترهل، فخذاي مشدودتان، وهذا ما يعني أنني ما زلتُ ورقةً رابحة" (ص 13-14)
تستعيد ثريا ذكريات الطفولة والمراهقة، وتتكلم بحبٍ عن أمها سيدة البيت المدبرة، وأبيها موظف الحكومة الذي أرهقته مطالب الحياة ومتطلبات الأسرة المؤلفة من خمسة أبناء، بينهم ثريا المتمردة التي كانت تتطلع على الدوام إلى حياةٍ مرفهة وثروة طائلة

وتحكي ثريا عن أمها قائلةً: "أتذكر أنها كانت مساء كل خميس، تسدل شعرها الكستنائي الكثيف المنبسط، خلف ظهرها، وتلبس قميص نومها الزهري، اللون المفضل لأبي، تضع الحمرة على شفتيها الرفيعتين، وتجلس بجانبه ليستمعا معاً إلى أم كلثوم، وهي تغني عبر الأثير. كنتٌ أراهما يتمازحان، يتضاحكان، ونحن حولهما نلهو ونلعب" (ص 19)
وحين تتفتح وردة المراهقة، تلتقي ثريا فتاة في مثل عمرها تدعى نور، تسألها في لقائهما الأول قائلةً: "هل لديك صديق؟" (ص 26). وسرعان ما تقودها إلى هذا العالم عندما تدبر ذات يومٍ لقاءً بين ثريا وفؤاد، في الشاليه الذي يملكه خالد صديق نور
"في اللقاء التالي، كنتُ أكثر تحرراً، أحضرت لي نور مايوهاً على مقاسي، ترددتُ في ارتدائه بداية الأمر، ثم أذعنتُ لإلحاحها كالعادة، نزلنا نحن الأربعة إلى البحر، كان الماء بارداً، انطلقت مني صرخةُ، على غفلةٍ مني التقط فؤاد يدي، قبض عليها بقوةٍ تملكتني مشاعر لذيذة، نظرت في وجهه، كانت عيناه تتصفح مجرى هضبتي، تضاريس جسدي، بلعتُ ريقي، بدأت شفتاي ترتعشان، عينان تُطلقان إشارات نداءٍ ملتهبة، وجدتُ نفسي بلا وعي، أرتمي في حضنه، لم نتحدث طويلاً، تركنا شفاهنا تُعبَر عما نريده. حين ألفيتُ يده تحاول أن تعبث أكثر في خبايا أنوثتي، أزحتها برفق، كانت تعليمات أمي برغم كل ما جرى معي، مسيطرةً على عقلي" (ص 29)

وتتعلم ثريا من نور المزيد عبر حواراتهما، إذ تحكي لها الأخيرة قائلةً: "واحدة من صديقات أمي المقربات، تشكو دائماً من أن زوجها لا يُشبع رغباتها، لا يُضاجعها إلا في أوقاتٍ متباعدة، يؤدي دوره على نحوٍ آلي، كواجبٍ مفروض عليه. استسلمت نهاية المطاف لقدرها، برغم معرفتها أن له حياة أخرى سرية، يبعثر فيها ذكورته. غدت تُشبع حاجتها الغريزية بالعادة السرية، حتى باتت هذه عادةً مستديمة عندها. ثانية تتحدث عن زوجها باستهزاء، تُبدي تذمرها منه، إنها لم تعد تصل إلى الذروة معه، منذ أن أصابه داء السكري، الذي أفقده جزءاً كبيراً من قدراته الجنسية. ثالثة تعترف، صراحةً، أن زوجها لم يقربها منذ تزوج بأخرى في عمر بناته، لكنها لا تملكُ الشجاعة الكافية لطلاب الطلاق، حتى لا تخسر ما بنته معه في سنوات شبابها. رابعة تفاقمت الخلافات بينها وبين زوجها، فأصبحا يعيشان كغريبين تحت سقفٍ واحد، لكنهما قررا الاستمرار معاً من أجل أبنائهما. ارتأت هذه المرأة أن تتجه إلى عالم المثليات، بعدما وصلت إلى طريق مسدود مع زوجها، اختارت لنفسها صديقة دائمة، ترتاح إلى صحبتها، تخرج معها، تسهر معها، تُنفِسُ معها عن رغباتها المكبوتة في وضح النهار، من دون أن تخشى تقريعاً من أحد" (ص 31-32)

وعندما تسألها ثريا بفضول عن عالم المثليات، تضحك نور معلقةً: "فهمتُ أنها تعني اتخاذ امرأةٍ، امرأةً أخرى خليلةً لها، تعاملها على غرار ما يُعامل الرجل امرأته. هنالك نساء في دول الخليج تحديداً، يلجأن إلى هذا العالم، كونه لا يشكَل خطراً عليهن أو تهديداً لحياتهن، حتى لو اكتشف الزوج أن زوجته على علاقةٍ بامرأةٍ أخرى، بعكس موقفه إن علم أن زوجته تخونه مع رجلٍ آخر" (ص 32)

حرَكت نور نزعة الفضول لدى صديقتها، وأججت رغبتها في دخول هذه المنطقة المحرمة

ثم جاء المشهد الذي هز حياة وجسد ابنة السابعة عشرة: الأم والأب على سرير اللذة

"تعودت أمي ألا تنام قبل أن تطمئن إلينا جميعاً، وتتأكد أننا خلدنا إلى النوم قبلها، ليلتذاك لم أنم، مشيت على رؤوس أصابعي، مددتُ عيني صوب فتحة باب غرفة نومهما، كان ضوء الصالة ينعكس على مخدعهما، رأيت أبي يُقبَلُ أمي في أنحاء جسدها، ثم يضمها بقوة إليه، وأمي تتأوه من اللذة بين ذراعيه، تابعت مشهد الالتحام بتفاصيله الدقيقة حتى نهايته، حين وجدتُ أمي تهبُ من مكانها لتغتسل، أسرعت جرياً إلى حجرتي ولهاثي يسبقني" (ص 33)

هذا التلصص فجَر براكينَ المراهقة.. والمراهقةُ جحيم

"كانت هناك كتلةٌ من اللهب تستعر في بدني، تسري في شراييني؟ فرَ النوم من مقلتيَ، لم أستطع النوم قبل أن أُخمد سعير شهوتي بيدي. ليلتذاك تكوَن لدي اقتناع بأن الحياةَ مكتظةٌ برجالٍ من نوعية أبي، قادرين على جعل حيوات نسائهم سعيدة، حتى لو كان المال قد جافى حياتهم. منذ ذلك اليوم، غدت فكرة التلصص عادةً مستديمةً عندي، فكنتُ بين حينٍ وآخر أستمتع برؤية صور الانصهار، أعود بعدها إلى غرفتي، وأستسلم لمداعبة نفسي، وأغمض عينيَ، متخيلةً أني في حضن فؤاد" (ص 33-34)

بل إنها أصبحت تغضُ الطرف وتفسح المجال لفؤاد، كي يعبث بحريةٍ أكبر في تضاريس جسدها
والشهوة تمنح الضوء بهجته، وتثقب أعصى الفلزات قسوة

ثم جاء العريس حسين، ابن حي المنشية في مكة، الذي عاش طفولةً قاسية في كنف عمه عقب وفاة والديه في حادث حريق. في شبابه عرف طَعم النساء لأول مرة مع فاطمة، الخادمة الصومالية التي تعود أن يطفيء فيها رغباته، مقابل مبلغٍ زهيد من المال. "أتذكر ضاحكاً، المواقعة الأولى، كان العرقُ يتصبب من جبيني، وأنا أتحسسُ بأصابعي المرتعشة كومتي صدرها، أحدقُ مذهولاً في شعر عانتها، وفي تكويرة بطنها، وفي ضخامة إليتيها. كنتٌ مأخوذاً مثل الطفل الذي يمسكُ بدميةٍ بين يديه ليكتشف مكوناتها. ساقتني ليلتذاك وبمهارةٍ إلى جميع دروب أنوثتها" (ص 78)

ومثلما كانت ثريا تطفيء نارها بيديها، حدث الأمر نفسه مع حسين. "أتذكر عندما جاءتني علامة البلوغ، لاحظت فورةَ الرغبات تتملكني متى خلوت إلى نفسي، بل تؤرّق ليلي، وكثيراً ما كانت تُباغتني حركةٌ غريبة تحت سروالي السفلي، أفقدُ السيطرة عليها متى مرت قبالتي إحدى الحاجات الإفريقيات، ورأيت استها ترتجف، أو تخترق أنفي رائحةُ عرقها. لازمتني العادة السرية طويلاً، لم تكن ظروفي المادية تسمحُ لي أن أدفع لمومس" (ص 80)

بعد الزواج من ثريا وُلِدَ الابن زاهر، لتزداد مصاعب الحياة بسبب راتب حسين الضئيل. هنا يظهر في الصورة مدير حسين في العمل. وبغض النظر عن الروايتين المرتبكتين إلى حد التناقض لكلٍ من ثريا وحسين بشأن طريقة تعرفهما إلى "السيد علوي"، فإن ما يهمنا هو أن الرجل يبدأ في التردد على منزل هذه العائلة، والسهر مع الزوجين، ومرة تلو الأخرى، وبفعل كؤوس الخمر التي ترافق السهرات، تزداد جرأته ووقاحته مع زوجة حسين، الذي يخبر ثريا أن هذا الرجل يستطيع منحه ترقية كبيرة، طالباً منها مجاراته!


حتى كانت تلك الأمسية التي أتى فيها علوي بلا موعد، قائلاً إن لديه موعدٌ مع حسين. وسرعان ما وقع المحظور بين الرجل وثريا، خصوصا بعد أن وعدها بأن يلبي لها كل طلباتها. تركته يلتهم جسدها فوق الأريكة، وقبل أن يغادر أهداها علبةً من القطيفة الحمراء. انفجرت المرأة باكية بعد انصرافه، ووقفت تحت الدش وهي بكامل ملابسها، ليختلط بكاؤها بصوت الماء المنسكب. غير أنها عندما عادت لتفتح العلبة، شهقت بعد اكتشافها أن الهدية عبارة عن خاتم من الألماس
تبدد من أعماقها الندم، وحلت مكانه فرحة اقتناء خاتم الألماس، لأول مرةٍ في حياتها


أما حسين، فهو يعترف في الرواية بأنه تعمدَ التغيب عن البيت أثناء قدوم مديره في ذلك المساء. وبمرور الوقت، اعتادَ حسين دفن كبريائه ورجولته، في حين شهدت حياة ثريا أنواعاً مختلفة من الرجال، وتغيرت الأحوال المادية للزوجين..وتغيرت معها علاقتُهما الجسدية. "قررنا أن ننام في جناحين منفصلين، لا يأتي جناحي، إلا إذا تحركت غريزته نحوي، وكان هذا يحدث في فتراتٍ متباعدة. فكان إذا ما أتمَ عملية الإنزال، وأراق ماءه داخلي، أُسرعُ إلى دورة المياه، أفرغُ كل ما في جوفي في كرسي المبولة" (ص 54)


وبينما كانت ثريا تتلصص مشاهد الرغبة في مراهقتها، كان حسين يختلس مشاهد مماثلة وهو زوج


"كنتُ أوهم زوجتي وضيفها بأن أمراً يستدعي خروجي، لأتركهما يتصرفان على سجيتهما، لكنني في حقيقة الأمر كنتٌ أعود متسللاً، أمشي مشية سارقٍ محترف، أمدُ رأسي، لأشاهد بأم عينيَ براعة زوجتي، قدرتها على إمتاع الرجل الذي معها. كانت هذه المشاهد تثيرني، وعندما أختلي بزوجتي، أندفع نحوها كالمسعور، ومشاهد التصاقها بالآخر تُلهب مخيلتي" (ص 87)


مع تكدس الأموال، وتعدد الرجال، زادت مساحة الجفاء والاحتقار بين الزوجين، حتى يقول حسين: "غدوت أشعر بأنني أعيش مع مومس تحت سقفٍ واحد" (ص 88). وفي المقابل، كانت لحسين حياته السرية وحفلاته الماجنة، إلى أن أصيب بمرضٍ تناسلي، سارع إلى تلقي العلاج منه في باريس، ليصبح بعد ذلك أكثر حذراً في علاقاته الجنسية


بعد الطلاق، التقت ثريا حبيبها الأول فؤاد على متن طائرةٍ متجهة إلى لندن، لتتقد جذوة الحب داخلها. والعشقُ يهبُ الرمان أسطورةَ استدارةِ النهد، ويعصفُ بخرائطِ االجسد، حتى تصبحَ عين العاشقِ لمعانَ الشهوة

وسرعان ما قادتُه داخل جسدها

"للمرة الأولى في حياتي أعطي رجلاً من دون مقابل، شرَعت له نوافذ أنوثتي على رحابها، تركت نفسي تتصرف على سجيتها معه، كان عبقُ الماضي يزكم أنفي، وأنا بين ذراعيه، لمساته تحلق بي بعيداً، إلى تربة طفولتي، تستحضرُ براءتي، التي دفنتها منذ أمدٍ بعيد على قارعة الطريق" (ص 107)


غير أن ثريا تدخل عالم المثليات الذي سمعت عنه لأول مرةٍ من صديقتها نور. دخلت هند بيت ثريا بصحبة قريبتها لشراء بعض الملابس التي كانت صاحبة المنزل تستوردها لتبيعها للراغبات في السعودية. تصفُ الساردةُ هند فتقول إنها كانت تقارب الأربعين من عمرها، لكنها ذات جسدٍ جميل مغطى بجلدٍ خمري، وشعرٍ ناعم الملمس فاحم طويل يصل إلى منتصف جذعها، وإليتين شديدتي البروز، تظهران جلياً من فوق عباءتها، ولها عينان واسعتان نظراتهما عميقة تشع منهما شهوةٌ مكبوتة تحاول جاهدةً مداراتها

تجرها البطلة بعد تقاربهما كصديقتين إلى المنطقة المحظورة، إذ تسألها: ألم تعرفي الحب في حياتك؟..فاجأها السؤال وبدأت شفتاها تهتزان ويداها ترتعشان وأنفاسها تتلاحق وصدرها يعلو ويهبط، ودفنت رأسها في صدر البطلة وانفجرت في البكاء. ضمتها بين ذراعيها..كانت يداها تضغطان بقوةٍ على ظهرها وبدأت تقبلها قبلاتٍ بطيئة في وجهها. تقول البطلة: في المساء وأنا على فراشي أعدتُ في خيالي تفاصيل ما جرى، وجدتني أنتفض، أريق مائي على ملامحها. وتتساءل: متى حدث اللقاء الأول؟ من المؤكد أنها لم تكن هي المبادرة..بل أنا..كانت لهفتي فائقة لاكتشاف دنيا جديدة وتذوق متعةٍ إضافية من متع الحياة

وهكذا تشعل ثريا المدى المسحور بأجنحةٍ تخفق في غابات هند العذراء، لترتعش المجرة بلمساتٍ تنظم القصائد

وتستعرض لنا الساردةُ نماذج أخرى من المثليات اللاتي تعرفت إليهن، مثل سماهر التي اغتصبها أبوها وهي في العاشرة وصولاً إلى سن الخامسة عشرة، حتى أصبحت منجذبةً إلى عالم النساء نافرةً من دنيا الرجال

. وبالعودة إلى الوراء قليلاً، يتبين لنا أن هند كانت حبيسة المنزل في مراهقتها، ولم يكن مسموحاً لصديقاتها بزيارتها باستثناء قريبتها إقبال، التي قادتها وهي تبيتُ عندها ذات ليلةٍ إلى عالم الشهوة

"كنتُ مستغرقةً في النوم، بعد جهدٍ ذهني مضنٍ، عندما شعرت بيدين تتحسسان جسدي، كفين تطبقان على نهديَ، أنفاس ساخنة تهبّ على وجهي، عرفتُ أنها إقبال من لمعان عينيها، الذي عكسه الضوء المتسلل من فوانيس الحديقة، كانت الغرفة باردةً، صوت جهاز التبريد طغى على حركة الشارع، أحسستُ بأنني أحلقُ بعيداً، كنتُ زهرةً في أوان تفتّحها، مشتاقة إلى تذوق مباهج الحياة، سلّمتُ إليها نفسي، تركتُها تعتصرني بين ذراعيها، تلتهم شفتي، وكلما سمعت تأوهاتي لدى بلوغي أعالي الرعشة أعادت إحياء شهوتي مجدداً، وهكذا.. حتى ترنحت وخارت قواي مع تسلل خيوط الفجر الأولى لمخدعي" ( ص 129)


طمعاً في الإرث، يتغاضى إخوة هند عن شذوذها، إذ نجدهم حريصين على الحفاظ على ممتلكاتها، والاستحواذ عليها، بدل أن تذهب إلى زوج (غريب). هنا تكمن عقدة هند ومأساتها. تقول هند:" أحياناً وأنا أنظر في وجوه إخوتي، يحيرني سؤال غبي، إن كان لديهم علم بعلاقاتي المثلية. أستخف من سذاجتي. بالتأكيد هم يغضون النظر ما دام ميراثي بخير، بعيداً كل البعد عن متناول رجل يطمع في الحصول عليه." ص (130)


وهكذا اعتادت هند أن تسمع مقولة "هند حبّيبة نسوان" – باللهجة المحكية في السعودية- في إشارة إلى مثليتها وعشقها للنساء. ومع أنها دخلت في علاقة مع ثريا، فإن الأخيرة تندهش لأنها لم تقم يوماً علاقة مع أي رجل، وتعلق ضاحكةً: "المرأة التي لم تتذوق ريق رجل امرأةٌ تعسة" (ص 133)، ثم تقول لها بوضوح: "لا تعتقدي أن أهمية الرجل تكمن في أنه يحملُ إكسير الحياة فحسب، بل هو أيضاً الحياة نفسها" (ص 134). لم تكن ثريا لتتردد في أن تقول لهند إنها لم تُخلق لتموتَ بين ذراعي امرأة. لم تستوعبْ هند الأمرَ إلا حين هجرتها ثريا، لتحاولَ الأولى الانتحار بفعل تأثير الصدمة




ثريا لن تتوبَ عن استخدام ما تعتبره "ورقة رابحة"، إلا حين يذوي منها الجسد، وتصبحُ عجوزاً وحيدة، بلا مؤنس، أو صديق أو حبيب


رواية زينب حفني التي تنسجُ حكايات من هنا وهناك، تبدو للقارىء المتمعن خليطاً من الأحداث المفتعلة والمشاهد التي قد نكون رأيناها من قبل في أفلام عربية وربما غربية، مع جرعةٍ مركزة من الجنس، تزدادُ أهميتها لدى البعض بسبب جنسية الروائية والمضايقات التي تعرضت لها بسبب قصصها ورواياتها، ما دفعها للإقامة خارج السعودية


غير أن المضايقات - كما الرغبات- لا تصنع في نهاية الأمر عملاً روائياً مكتمل الملامح

| | تابع القراءة »

كتاب الرغبة (7): مشروع فضيحة



لا أحد يستطيع أن يمزق رسائل البرق قبل أن تلمس الأرض

ورسالة رجاء الصانع وصلت بجدارة، حتى وإن رأى نقاد الأدب أنها ليست سوى مذكرات مراهقةٍ في عالم يعتبر أي شىء مشروع فضيحة. وربما لم يتعرض عملٌ روائي لنقدٍ في قليله جاد وفي كثيره حاد، كما تعرضت له رواية "بنات الرياض" لهذه الروائية السعودية


تتناول طبيبة الأسنان الشابة في روايتها الصادرة في بيروت عن دار الساقي بأسلوبٍ تلامس طرافته تخوم التهكم ولغة بعيدة عن الادعاء، قصص أربع صديقاتٍ سعوديات أو ''أربع ورقات كوتشينة" كما أسمتهن، أقمن في الرياض، ثم الخبر وجدة، والمواقف الصعبة التي مرت عليهن في مشوار بحثهن عن فارس الأحلام الذي يقول ما يعني ويعني ما يقول

تنتمي الفتيات الأربع - (قمرة) القصمنجي، و(سديم) الحريملي، و(لميس) جداوي، و(ميشيل) العبد الرحمن- إلى الطبقة المخملية من طبقات المجتمع السعودي، والتي لا يعرف أخبارها عادة، سوى من ينتمي إليها
ويضم العمل شخصياتٍ أخرى ثانوية تنضم إلى الصديقات الأربع، مثل أم نوير – وهي أم ولدٍ يتشبه بالنساء، مّا دفع بالناس إلى مُناداتها بأم نوير بدلاً من أم نوري- وتماضر، إلى جانب الشخصيات الذكورية التي تحضر بقوة لارتباطها بالفتيات

لا تدعي الصانع - وهذا يُحسب لها- أن "بنات الرياض" هي رواية متكاملة أدبيا وفنياً. وهي تجعل الساردة تحكي لنا من خلف شاشة الكمبيوتر ما تعتبره عالم صديقاتها السري على مدار عام، إذ تكتب الساردة على شكل إيميلات (كل نهار جمعة) حكاياتٍ ترسلها إلى معظم مستخدمي الإنترنت في السعودية

تصف الساردةُ استعدادَها للبداية بسَرد الفضائح "نكشتُ شعري، ولطّختُ شفتي بالأحمر الصارخ، وإلى جانبي صحن من رقائق البطاطس المَرشوشة بالليمون والشّطة. كلّ شيء جاهز للفضيحة الأولى" (ص13)

وهي تكتب في بداية الرواية ''سيرة وانفضحت'' على الرغم من أن الرواية لا تحمل أي فضيحةٍ في طياتها، وليست سوى نقلٍ بسيط لتفاصيل مجتمع ظل مغلقاً على نفسه وعلى الآخرين وبقيت مشكلاتُ المرأة فيه عامة والرجل غير مطروحةٍ وغير مقروءة، والعين عنها مغلقة، مراعاة للتقاليد والعادات التي تحكم قبضتها على هذا المجتمع

تحدثت الروائية عن حياة البنات أمام مجتمع عُرِفَ عنه السكوت عن الحديث عن أمور كهذه، ذلك المجتمع المستور الذي وصفه الروائي فهد العتيق في ثنايا روايته "كائن مؤجل" بأنه ينام على قليل من الكلام الذي قيل وكثير من الكلام الذي لم يقل

تعكس الرواية التناقضات العميقة في حياة الشخصيات الروائية التي تبدو لنا وكأنها متدينة، فـ"لميس" تتحجب و"سديم" حريصة على الصلاة حتى إن "فراس" يوقظها لصلاة الفجر ويؤدي العمرة، ومع هذا فإن هذا التديّن لم يقف حائلاً في طريق فتح صندوق الرغبات والاستجابة لنداء الجسد. ولنتذكر على سبيل المثال "فراس" الزوج المتدين يظل على علاقة خاصة مع "سديم". إن هذا التناقض الفكري الذي تعيشه هذه الشخصيات من حيث إنها شكلياً متدينة وعملياً تخضع لرغباتها، هو أحد محاور الرواية


وعبر صفحات روايتها، تنتقد رجاء الصانع أوضاعاً صارمة تُحرّم أيّ مَظهر للحبّ أو ما يمتّ له. فعيد الحبّ ممنوع الاحتفال به، حتى أنّ اللون الأحمر مُنِعَ وصودرت الورود والملابس الحمراء، وعوقبت الفتاة التي خالفت التعليمات. وتشير إلى أن الاختلاط بين الجنسين مُحرّم، حتى إذا توفر في كلية الطب مثلا فإلى حد محدود جداً. وكل مَن تُضبَط برفقة رجلٍ تُعاقب ويتعَهّد ذووها بالتّحفظ عليها. هذا الكبتُ الشديد كانت تُقابله الفتاةُ بالتعليقات الساخرة والمُنتقدة في الجلسات النسائية البيتية، أو بخلع ملابسها التقليدية بمجرد دخولها الطائرة في طريقها إلى خارج البلاد وارتداء الملابس المقبولة في المجتمع الأوروبي، والتزيّن بأفخر وأغلى الحلي والعطور

بطلاتُ الرواية الأربع اتفقن في الصداقة، واختلفن في التجارب..والنهايات

لميس، تمنّعت بما يكفي ورفعت شعار "الصبر مفتاح الزواج"، لكي توقع نزار في حبها ويتزوجا، وتتخذ بعد ذلك قراراً شخصياً بارتداء الحجاب

وقمرة التي رضيت بخطيبها الذي اختاره أهلها لها وتزوجته، اكتشفت بعد زواجها وسفرها معه للإقامة والدراسة خارج البلاد أنّه يخونها مع صديقته اليابانية. وكان ردّ فعله على كشفها خيانته أنْ طلقها وأعادَها وابنَهما الصغير إلى أهلها في السعودية لتقاسي من تعليقات الناس ومراقبتهم وحياة الوحدة حتى أصبحت على استعداد كما تقول: "أنا على العموم ما عندي مانع يجيني أيّا كان، يجي نظيف، يجي وسخ، يجي محرول بس المهم أنه يجي! أنا مستعدّة أرضى بأيّ رجّال! ملّيت يا بنات! طقّت تسبدي (أي: كبدي)! ترى خلاص! ما باقي إلاّ شويّ وانحرف" (ص268). وهكذا تجد نفسها موسومة لما تبقى من حياتها بالمطلّقة، متنفسها الوحيد الإنترنت وعالم الـ"تشات" الذي تقول أمها مدافعةً عنه أنه أفضل من "الدوران في الشوارع في أنصاف الليالي"

سديم، التي طلّقها زوجها لأنها سلّمته نفسها قبل حفل الزفاف على الرغم من أن قرانهما كان معقوداً، والتي عادت تعيش قصة حب عاصفة مع فراس قبل أن يتخلى عنها لأن مركزه الاجتماعي لا يسمح له بالزواج بمطلقة، تقرر في النهاية القبول بالزواج من ابن خالتها طارق الذي تقول عنه إنه "ليس هذا ما كنت أحلم به طوال عمري. طارق ليس بالشخص الذي سأبكي فرحاً يوم عقد قراني عليه! إنه إنسان لطيف، إنسان عادي. زواجي من طارق لا يستلزم سوى ثوب زفاف مبهر وجهاز مرتب وحفل زواج في قاعة فخمة. لن يكون هناك فرح ولا حزن، سيكون كل شيء عادياً مثل حبي له" (ص 314)

حتى ميشيل أو مشاعل، المولودة من أم أميركية، والأجرأ بينهن على انتقاد "هذا المجتمع الفاسد الذي يربي أبناءه على الكونترادكشنز والدوبل ستاندرز، التناقضات وازدواجية المعايير مثل ما يقولون. المجتمع الذي يطلّق فيه الواحد زوجته لأنها ما تجاوبت معه بالشكل الذي يثيره في الفراش بينما يطلق الثاني زوجته لأنها ما أخفت عنه تجاوبها معه وما تصنعت البراءة والاشمئزاز!"( ص 206)

ميشيل هذه، التي بعد قصة حب مع فيصل لم يجرؤ فيها على تحدي عائلته والزواج من فتاة أمها أميركية، تقول إنها بعدما عرفت الحب الحقيقي لن ترضى بأقل منه، فتصب اهتمامها بعد ان تنتقل العائلة إلى دبي، على العمل الإعلامي والبرنامج الخاص الذي تُعدّه. ومع كل جرأتها فإنها تذعن في النهاية وترتضي البقاء وراء الشاشة

ولنتوقف قليلاً عند حكاية سديم

حين يتحدد موعد زفاف سديم ووليد بعد انتهاء امتحانات آخر السنة، بناء على رغبة سديم التي تخشى أن تتزوج في عطلة الحج، فلا تتمكن من الاستعداد بشكل جيد للامتحانات النهائية، تقرر الفتاة استرضاء حبيبها الذي عقد قرانه عليها، خصوصاً أنه كان متلهفاً على الزواج بأسرع وقت ممكن

وهنا نقرأ في الرواية:
"ارتدت في تلك الليلة قميص النوم الأسود الشفاف، الذي اشتراه لها، ورفضت أن ترتديه أمامه يومها، ودعته للسهر، في بيتها دون علم والدها، الذي كان يقضي الليلة، مُخَيماً في البر، مع أصدقائه. الورد الأحمر الذي نثرته على الأريكة، والشموع المنتشرة هنا وهناك، والموسيقى الخافتة التي تنبعث من جهاز التسجيل المخفي، كلها أمور لم تثر انتباه وليد، كما أثاره القميص الأسود، الذي يكشف من جسمها أكثر مما يخفي، وبما أن سديم كانت قد نذرت نفسها تلك الليلة لاسترضاء حبيبها وليد، فقد سمحت له بالتمادي معها حتى تزيل ما في قلبه من ضيق تجاه تأجيلها لزفافهما. لم تحاول صده كما اعتادت أن تفعل من قبل، إذا ما حاول تجاوز الخطوط الحمراء، التي كانت قد حددتها لنفسها وله، في بداية أيامهم بعد عقد القران، كانت قد وضعت في ذهنها أنها لن تنال رضاه الكامل، حتى تعرض عليه المزيد من (أنوثتها)، ولا مانع من ذلك، في سبيل إرضاء وليد الحبيب، ومن أجل عين، تكرم مدينة" (ص 40-41)

غير أن تداعيات تلك الليلة لم تمر على خير

فقد فوجئت سديم بوليد يتهرب منها ويختفي عن الأنظار تماماً، لتدور الدنيا بسديم وسط سيل من التساؤلات: "هل أخطأت بأن سلمته نفسها قبل الزواج؟ ويلاه! جُن وليد؟؟ أيعقل أن يكون هذا ما دفعه للتهرب منها منذ ذلك اليوم؟ ولكن لماذا؟ أليس هو زوجها شرعاً منذ عقد القران؟ أم أن الزواج هو القاعة الضخمة والمدعوات والمطربة والعشاء؟؟ ما هو الزواج؟ وهل ما فعلته يستحق أن يعاقبها عليه؟ ألم يكن هو البادئ بالفعل؟ ألم يكن هو الطرف الأقوى؟ لِمَ أجبرها على ارتكاب الخطأ، ثم تخلى عنها بعده؟ من منهما المخطئ؟ وهل ما حدث خطأ في الأصل؟؟ هل كان يمتحنها؟ وإذا كانت قد فشلت في الامتحان، فهل يعني ذلك أنها لا تستحقه؟ لا بد وأنه ظن أنها فتاة سهلة! ولكن ما هذا الغباء؟! أليست زوجته وحلاله؟ ألم تبصم ذلك اليوم في الدفتر الضخم، إلى جانب توقيعه؟ ألم يكن هناك قبول وإيجاب؟ وشهود وإشهار؟ أم أن كل ذلك لا يعني أنها أصبحت زوجةً شرعاً دون حفل الزفاف؟. لم يخبرها أحدٌ عن ذلك من قبل. هل سيحاسبها وليد على ما تجهل؟ لو أن والدتها كانت على قيد الحياة لتحذرها وتوجهها كما كانت تفعل خالتها أم قمرة، مع ابنتها لما حدث ما حدث، ثم أنها سمعت قصصاً كثيرة عن فتيات قمن بمثل ما قامت به مع وليد وأكثر، في فترة المِلكة وقبل الزفاف! حتى أنها سمعت عن كثيرات ينجبن أطفالاً مكتملي النمو بعد العرس بسبعة أشهر، فلا يكترث سوى قلة ممن يلاحظون مثل هذه الأمور فأين الخطأ؟" (ص 41-42)

هنا تثير رجاء الصانع عقدة يعاني منها من تعصف بهم الشكوك، إذا عبرت المرأة عن غرائزها ورغباتها الكامنة – حتى مع زوجها- وتفاعلت مع الرجل حسب احتياجاتها واحتياجاته. كما تورد الرواية أكثر من مثالٍ على شبابٍ سعودي يضحي بقلبه وقلب من اختار شريكة عمره ليرضي أسرةً تهمها المعايير القبلية والمصالح االشخصية في مشروع الزواج
وحتى فراس الشاب المتعلم الذي تعرّفت عليه سديم في لندن وأحبها حتى الوله وبادلته الحب بمثله فضّل أن تكون عشيقة له، وتزوّج من فتاة عادية. لم يختلف فراس إذاً عن فيصل حبيب ميشيل، فهو كما تصفه "من الفصيلة نفسها، لا فرق بين أفراد تلك الفصيلة سوى بالشكل. يبدو أنّ الرجال جميعهم من صنف واحد وقد جعل الله لهم وجوها مختلفة حتى يتسنّى لنا التفريق بينهم فقط" (ص 234)

في نهاية روايتها تقول رجاء الصانع: ''لقد قررت أخيراً أن أكشف لكم عن هويتي بعد أن يتم طبع هذه الرسائل كرواية مثلما اقترح عليَ الكثيرون، لكني أخشي مغبة تسميتها رواية فهي مجرد جمعٍ لهذه الإيميلات المكتوبة بعفوية وصدق. إنها مجرد تأريخٍ لجنون فتاة في بداية العشرينات، ولن أقبل إخضاعها لقيود العمل الروائي الرزين أو إلباسها ثوباً يبديها أكبر مما هي عليه'' (ص 318)

الروائية، وفي سياق حرصها على تمتين نصها السردي، تُكثر من الاستشهاد لكتّاب عرب وأجانب -نزار قباني، القصيبي، إبراهيم ناجي، ت.س. إليوت، أوسكار وايلد، وطاغور- إضافة إلى كلمات بضع أغانٍ. كما تسند كتابتها بالأحاديث والتفسيرات القرآنية، في التقاطع بين ثقافتين، وفي الاختلاف البائن بين الديني المسند وبين الأدب الذاهب في كسر المحظور

وهي تبرر ذلك في الرواية حين كانت ترد على ''رسائل القراء'' بالقول: ''من بين الانتقادات الكثيرة التي صارت تصلني يومياً عبر بريدي الإلكتروني ، كان انتقاد فئة كبيرة من القراء لي بسبب استشهادي بأبيات نزار قباني وترحمي عليه في أول إيميل . لا أعرف سبب هذه الثورة غير المبررة! أنا أصر علي أنني لم أقرأ يوماً من الشعر الحديث شعراً ببساطة شعره بوضوح بلاغته، ولا أتأثر يوماً بهؤلاء الشعراء الحداثيين الذين يكتبون قصيدة من ثلاثين بيتاً تتحدث عن لا شئ! لا أحب القراءة عن صديد الجبين المتقرح المنبثق من وراء خصر الحزن السرمدي!" (ص 72)

وفي إيميل آخر أوضحت أن الآيات والأحاديث والاقتباسات الدينية التي توردها في إيميلاتها تلهمها، وأيضاً المقولات المشهورة والأغاني التي تحتويها رسائلها

تحاول الروائية الشابة الدمج بين الواقع والمتخيل عبر سرد أحداث تقع في أماكن محددة داخل الرياض وفي بلاد أخرى. والقارئ عندما يمر بشارع التحلية في الرياض بواجهاته الزجاجية ومقاهيه المتناثرة، يستصحب أجواء الإثارة لبطلات "بنات الرياض" عندما قامت ميشيل وأعضاء شلّتها الرباعية بقيادة جيب X5 ذي النوافذ المظللة والسير في ذلك الشارع الصاخب، ثم طلب المشروب الساخن من أحد المقاهي

وهي تتحدث عن مكتبة "الساقي" التي تدخلها سديم عندما تزور لندن لتشتري رواية "العدامة" للكاتب السعودي تركي الحمد وكذلك "شقة الحرية" للكاتب غازي القصيبي و"ذاكرة الجسد" للروائية الجزائرية أحلام مستغانمي. وعندما تلتقي بالشاب السعودي فراس في أحد مقاهي لندن تجده يقرأ "الحياة" و"الشرق الأوسط"

ولا تخلو رواية "بنات الرياض" من السخرية والطابع الهجائي، فالعنوان أصلاً مأخوذ من أغنية للمطرب عبد المجيد عبد الله، وعنوان الموقع الإلكتروني سمته الرواية "سيرة وانفضحت" وهو تحريف لعنوان البرنامج التليفزيوني اللبناني "سيرة وانفتحت". ومقدمات الرسائل نفسها حافلة بالدعابة، كأن تقول "الساردة" في مستهل الرسائل: "سيداتي سادتي..." أو تقول: "بعدما وضعت احمري الصارخ أكمل من حيث توقفت...". والسخرية ستتخلل الحكايات أيضا وبعض المشاهد: مشهد الكاميرا التي تتعطل في العرس، الزفة وخوف العروس من الوقوع، الأغاني..إلخ

تقول الرواية على لسان الساردة: "أنا لا أكتب شيئاً عجيباً أو مستنكراً كل ما أقوله تعرفه البنات جيداً في مجتمعي أو في محيطي" (ص 206)
وهذا يبدو حقيقياً إلى حد كبير.. لولا أن الرواية لا تخلو من مبالغات

إذ تجعل الروائية سديم مجبرة على البصم على قبول الزواج وعدم التوقيع، على الرغم من احتجاجها على عدم السماح لها بالتوقيع، فتقول لها خالتها: "يا بنيتي ابصمي وبس. الشيخ يقول تبصم ما توقع. الرجال بس هم اللي يوقعون" (ص 39)..غير أن الواقع يقول غير ذلك، فالمرأة السعودية أصبحت منذ زمن توقع ولا تبصم على وثيقة الزواج

وتخطيء الروائية في "بنات الرياض" في الانتقال من ضمير الغائب إلى المتكلم في الحكاية نتيجة ما يشبه زلات قلمها أو أصابعها وهي تكتب فصولها: "هذه هي الحال لدينا في الأسواق.. لا يمكن لفتاة أن تسير في أسواقنا بأمان الله" (ص 25)، "مثلما يؤمن البعض بوجود علاقة طردية بين البدانة وخفة الدم؟ أنا شخصياً أؤمن بذلك" (55)، "لو أن أحداً أخبرني أن قمرة المسكينة" (ص 95)، "إن مجتمعنا السعودي أشبه بكوكتيل الطبقات" (ص 56)، "حتى نحن صديقاتها لم نعتقد أنها تسرعت في ذلك» (ص 165)، "عندما نتحدث عن حب ماتي لميشيل" (ص 188)، "وأتخيل أن رائحة سديم ظلت تدغدغ أنفه وتؤكد أنها ما زالت تحبه" (ص 310)

غير أن رجاء الصانع في هذا العمل الروائي البسيط ألقت بحجر في بركةٍ راكدة، وحركت دوائر كثيرة، وأثارت تساؤلات أكثر عن مصير الحب والعاطفة وأزمات الجسد

هكذا تنبتُ وردة الحبِ في حُضن كتاب

| | تابع القراءة »

كتاب الرغبة (6): برهان العسل






حين تفرغ من قراءة "برهان العسل" لا تتعب نفسك كثيراً في تصنيف هذا العمل وما إذا كان بحثاً أم رواية أم مجرد خواطر

على أن المستفيد الأول هو مؤلفة العمل سلوى النعيمي التي تظل مخلصة لمقولة وردت في كتابها جاء فيها:

"هناك من يستحضر الأرواحَ، أنا أستحضر الاجسادَ. لا أعرف روحي ولا أرواح الآخرين. أعرف جسدي وأجسادهم"

وهكذا تستحضر سلوى النعيمي في كتابها الصادر عن دار الريس في العام 2007 حكايات عن الأجساد والرغبات وعالم المتعة

جسد المرأة هنا يجاهر بطقوسه الإباحيّة

ومع ذلك، فإن هذا الكتاب الذي حقق مبيعات ضخمة وأثار زوابع وتعرض للمصادرة هنا وهناك، لا يعد في رأيي روايةً – وإن كان قد سمي كذلك- إذ يبدو أن جوهره كان مجرد بحثٍ أو دراسة عن الجنس في الأدب والتراث العربي، ثم أضيفت إليه في وقت لاحق أفكار وتجارب خاصة ومسحة إبداعية، ليخرج من هذا الخليط كتابٌ نال نصيبه من النجاح، لأن القارىء العربي اشتم فيه رائحة الجنس

نسي البعض مضمون الكتاب –وإن كان عملاً سردياًً مفككاً- وركز على الألفاظ الصريحة في الرواية لمسميات الأعضاء الجنسية والفعل الجنسي، واستحضار المحرّم والمدّنس، مع أن سلوى النعيمي أرادت أن تؤكد أن العرب لم يجدوا في عصورٍ سابقة حرجاً في تناول الجنس وتسمية الأشياء بأسمائها

ومنذ اللحظة الأولى ، تبدأ الكاتبة قصفها السردي العنيف الذي تفصح فيه البطلة عن رغباتها السرية، وعن الذين عاشرتهم. وسرعان ما تقول للقارىء إنهم ليسوا عشاقاً بل مجرد أدواتٍ جنسية

يحكي الكتاب عن امرأةٍ - تكاد تكون المؤلفة نفسها، من دون أن يعني ذلك أننا أمام سيرةٍ ذاتية للكاتبة السورية المقيمة في باريس ــ تبوح بأسرار علاقاتها الجنسية، أو حياتها الموازية، خصوصاً مع من تسميه "المفكر" الذي يدفعها إلى تقسيم حياتها إلى مرحلتين: ما قبل المفكر وما بعده

وجهٌ آخر للتشابه بين بطلة الكتاب وسلوى النعيمي يتمثل في أن الأخيرة قالت في أحاديث وحواراتٍ صحفية إنها التقطت خيط البداية في هذا العمل حين دُعيت إلى إنجاز بحث عن الجنس في التراث العربي. وفي الكتاب، نجد البطلة تنطلق من نقطة تكليفها بإعداد بحثٍ عن كتب الجنس في التراث العربي التي ذاعت علاقتها بها، لتقدمه على هامش معرضٍ تحت عنوان "جهنم الكتب" كان مقرراً أن يقام في نيويورك، لكنه ألغي لاحقاً بسبب الإرهاب


البطلة تقف مع نفسها وقفة تأمل لتسائل نفسها قائلةً: "لماذا أُعلن عن ولعي بجورج باتاي وهنري ميلر والماركيز دو ساد وكازانوفا والكاماسوترا، وأتناسى السيوطي والنفزاوي"

لا عجب في ذلك، فهي مهتمةٌ بتلك المؤلفات حتى أصبحت "خبيرةً في كتب الباه"


المرأة التي يفتك بها الشبق تحكي عن ولعها برجل تسميه "المفكر" كانت قد التقته في أحد المؤتمرات، وهو يحتل المساحة الأوسع في حياتها وجسدها. الطريف أنه ليس مفكراً بالمعنى الدارج وإنما تبرر لنا في سياق الكتاب سبب التسمية في أنه أثناء العلاقة الحميمة بينهما كان يقترح عليها فجأة وضعاً أو فعلاً جنسياً معيناً، بادئاً الاقتراح بجملة: "عندي فكرة"!


وفي إطار هلوسة الجسد، تحكي لنا في خلطٍ بين تلك العلاقة الجنسية وما تعرفه عن آداب الجماع في الإسلام فقرةً تقول فيها: "كنت أصل إليه مبلّلة، وأول ما يفعله هو أن يمد إصبعه بين ساقي، يتفقد العسل كما كان يسميه، يذوقه ويقبّلني ويوغل عميقاً في فمي". أما هي فتقول له: "من الواضح أنك تطبّق وصايا الرسول: "لا يقع أحد منكم على أهله كما تقع البهيمة، وليكن بينكما رسول: القبلة والحديث". وعن عائشة: إن رسول الله كان إذا قبّل الواحدة منا مصَّ لسانها"

وتراوح البطلة بين علاقتها الجسدية بين "المفكر" وقراءاتها النهمة في كتب التراث، وبحسب تعبيرها: "تداخلت التجربة العملية مع القاعدة النظرية"، لكنها تأخذ الرغبة إلى حدودها القصوى، فتتجنّب الحب. ولذا تقول في الكتاب: " أحرِّكُ جسدي بخيوطٍ لا مرئية بمهارة صانع العرائس الموهوب". وحين يسألها المفكر إن كان ما بينهما جنساً فقط، تخبره بأنها لا تحب إلا جسدها

إذن هي امرأة تحكي عن جسدها الذي هو هويتها. تقول على لسان "المفكر" الذي اكتشفت معه جسدها: " لم أعرف قبلكِ امرأة يعلن وجهها انتصابها "

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن "المفكر" وإن كان أبرز محاور تجاربها الجسدية، فإنه لم يكن الوحيد. هناك أيضاً "الجوّاب" و"السريع" و"البعيد". ألقاب تشير وتدل، وتلجأ إلى لغة الرموز

دعونا لا ننسى الزوج أيضاً

فالرواية تتضمن مؤشراتٍ واضحة تدل على وجوده، حتى وإن بقي على الهامش


وكما أسلفنا، فإن البطلة تتشابه في كثير من تفاصيل حياتها مع شخصية الكاتبة، لحد أن البعض شعر بأنها تتحدث عن تجاربها وحياتها. وسنجد أن البطلة التي تعمل في مكتبة في باريس، تعيش لحظات المتعة في الغرب وهي تستحضر ذكرياتها مع الشرق، كأنها ترسم ملامح المفارقات والتباين بين ثقافتين وحضارتين متباعدتين مثل ساقي راقصة في وصلة متسارعة الإيقاع

ينقسم الكتاب الذي جاء في 150 صفحة متوسطة القطع وبغلاف ملون هو رسمٌ لامرأة عارية، إلى أحد عشر باباً على طريقة كتب التراث: "باب أزواج المتعة وكتب الباه – باب المفكر والتاريخ الشخصي – باب الجنس والمدينة العربية – باب الماء – باب الحكايات – باب المدلكة وزوجها الزاني – باب شطحات الجسد – باب زمن التقية في المجتمعات العربية – باب اللسانيات – باب التربية والتعليم – باب الحيَل"


وفي كل باب، تختلط الاستشهادات بكتب وكُتاب التراث - النفزاوي والتيفاشي والطوسي والتيجاني والسيوطي والقزويني- مع أحداثٍ وخواطر تمر بها البطلة أو تستحضرها. وفي كثير من الأحيان، نجد أن التراث هو الأصل في حين يبدو الحاضر مجرد فرعٍ على غصن الكتاب أو ظل لوجه التراث بكل حضوره الأخاذ

وتظل الكاتبة وفيةً لفكرة الرغبة في هذا العمل، إذ تكرر في سرديات مختلفة من الرواية ما يؤكد استحواذ الجنس على العقل:
"كنت أعرف أني جسدي فقط ".. "هل الفضيحة في عمل الشيء أم في التحدث عنه".."إنني جسدي فحسب".. " أكبر لذةٍ بعد ممارسة الحب هي الحديث عنه".."أنا لا أنام مع رجل أنا أصحو".. "إنها بحاجة للتمرغ سنواتٍ على جسد رجلٍ كي تنجلي "

غير أن سلوى النعيمي تعود لتنقض ما نسجته طوال صفحات الكتاب، حين تعلن على لسان بطلة العمل في الباب الأخير – "باب الحِيَل"- أن "المفكر كان حيلة من حيل الكتابة وأنه لم يوجد أبداً، ولذلك كان لابد لي من أن أخترعه"

وحين يرحل "المفكر" تقول البطلة في مونولوج طويل: "كنت واثقة من أن المفكر سيطلع أمامي ذات يوم في منعطف مفاجئ ليقول لي، كما في المرة الأولى، إن الغصة في حلقه، ليسألني عن عسلي وكأنه تركني أمس، وأرد أن عليه أن يجد الجواب بنفسه، أن عليه أن يمد يده بين ساقيّ ليتذوقه. برهان حلاوة العسل هو العسل نفسه، يقول ابن عربي، كنت أرددها أمامه. صار هو الذي يعيدها عليّ عندما أنساها ليعلمني حتى ما أعلم الآن

يخطر لي أن زمن ما بعد المفكر بدأ الآن فعلاً بعد أن كتبته

الآن يخطر لي أن هذا الكتاب كتابه. وكأنه هو الذي زرع بذرته فيّ. وكنت بحاجةٍ إلى كل تلك السنوات التي مرت كي يتكون في داخلي"


وتعتبر البطلة أن من حقها أن تقول لا، حتى وإن بادر البعض إلى تفسير أسباب الرفض على هواه، مثلما حدث لها مع شخصية "الجوّاب"، إذ يدور الحوار التالي بينهما:

"قال الجوّاب إنني لم أعرف رجلاً إلا زوجي
قال إنني أرفض كل رجل يشتهيني لأن لدي حساً أخلاقياً عالياً يجعلني أخاف من المجتمع ومن حكم الرجل عليّ لو قبلت عرضه
قال إنها بقايا تربيتي الطهرانية القديمة
قال إن هذا يشلني ويكبحني ويقيدني
قال إنني أعد قبولي الجنسي نوعاً من الخضوع
قال إنني أخاف أن يخفت ألقي في عينيّ الرجل الذي أقبل به
قال إنني لا أملك الثقة الكافية بجسدي ولا أجرؤ على تعريته أمام رجل
قال إنني أرفض نموذج صديقتي التي تقول نعم لأي رجل وأعتبرها مستهترة رخيصة."

وترد البطلة على كل هذه التفسيرات والاتهامات المبطنة بكلمة "ربما"، وتفسر قائلةً:

"كنت أقول: ربما، لأنني لا أريد أن أوضح للآخرين. ماذا أقول لهم؟. إنه ليس لديّ أي مرجعٍ أعود إليه إلا نفسي وما أريده أنا؟، لا مفاهيمهم، ولا قيمهم، ولا أخلاقياتهم. لا المجتمع ولا الدين ولا التقاليد؟. لا الخوف من ألسنة الناس، ولا رهبة العقاب، ولا نار جهنم؟"

لا تكتفي البطلة بسرد حكايتها. هناك سليمى اللبنانية وزوجها المغربي. وهناك المدلّكة التونسية التي سُجِنَ زوجُها بجرم الزنا. حادثة الزنا تُستخدم في إطار أجواء الجنس التي تفوح من الرواية. وتسخر البطلة من الشروط المطلوبة لإثبات واقعة الزنا، وتروي فتوى الخميني بأن "التقبيل والمضاجعة والمعانقة وغيرها من الاستمتاعات دون الفرج ليست بزنا"
ولا تنسى بطبيعة الحال استعادة تستعيد حادثة السيجار الشهيرة بين الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون والمتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي. كما أنها تذكّر القارئ بـ"السؤال الذي يكرره أحد الصحافيين الفرنسيين على ضيوف برنامجه التليفزيوني: هل يعتبر المصّ خيانة"

الألفاظ الصريحة قد تعجب البعض، لكنها تنتقص من قيمة الكتاب، فلا أحاسيس ناعمة ولا مشاعر تصيبنا بالدوار

فالعاشقة الحقيقية يقول لسان حالها لمن تحب: هناك أماكن للهوى لم يلمسها بشر. خذني إليها..لأموت هناك

وصدرُ المرأة مرصعٌ دوماً بأقفالٍ من فضة، لكن ضلوع العاشقة التي لا أزرار لها تضيق به

وعلى غلاف كتاب الحب نقرأ أن أروع الأحاسيس هي التي تستعصي على التصنيف

ولعل أحد أسباب الصدمة وخيبة الأمل في كتاب سلوى النعيمي هو أنها وهي تتماهى مع البطلة وتحيل القارئ إلى أن الذات الساردة في العمل روائية أيضاً، تسوق حديثاً مع زميلةٍ لها تحذرها فيه الأخيرة من أن الرقابة ستمنع كتابها المثير، فترد عليها البطلة ساخرة: "ساعتها سأصير مشهورة "

الشهرة هنا أحد مفاتيح ودوافع كتابة "برهان العسل"

لغة الكتاب خفيفةٌ ويصعب القول إنه ترسخ في الذاكرة بعد الانتهاء من القراءة جمل أو عبارات ذات جمالياتٍ في الأسلوب أو عمق في الطرح. لقد أخفقت الكاتبة في تكثيف لغتها والتقاط لحظات مجازية عالية . وإذا كان الكتاب أقل من أن يكون عملاً روائياً متكاملاً، فإنه يبدو أحياناً أشبه ببحثٍ ومقالاتٍ وثرثرات اجتماعية جميلة وحكايات تشبه كثيرات مثلها. والمؤلفة تقطع غالباً حبل السرد لتتفرغ لانتقاد المجتمع أو الرقابة مثلاً

وما يهمنا هو أن سلوى النعيمي ترفع شعار نبش المكبوت والمسكوت عنه، وتنتقد ما تسميه "مجتمع التُقية" العربي الذي تقول إنه لم يكتشف بعد "أنّه لم يبق من الثالوث المحرم إلا اثنان: الدين والسياسة.. سقط الجنس من منخل الرقابة، أو إنّها وسّعت فتحاته". وربما لهذا السبب تطالب المؤلفة عبر كتابها بالكفّ عن كتابة الجنس والحديث عنه بالمواربة، مستندةً بذلك إلى عددٍ من كتب التراث العربي التي تذكر مباشرةً أسماء الأعضاء وأوضاع الجماع وأكثرها لذة وفائدة للجسد

وعلى رغم أن الكتاب عمل جريء وفيه عوامل النجاح والشهرة التي تمنتها البطلة، فإن كثرة الكلام السافر حيث لا مبرر فنياً وواقعياً له، يجعل الأمر كأنه غاية في حد ذاته



صحيحٌ أن هناك دوماً رغبة تغتسل في عتمة الصبح، إلا أن‏‏‏ سلوى النعيمي نسيت في كتابها وكتابتها أن هناك دائماً أساليب للإثارة أجمل من التعري

| | تابع القراءة »