ثمن الصداقة في حكم مصر (13): الباشا يقفز من فوق السور

| |



حينما ينحسر المد نعرف من كان يسبح عارياً

ولقد نجح أحمد حسنين في السباحة في بحر السياسة وإدارة لعبة القصور، من دون أن يغرق أو يجرفه التيار الهادر بعيداً عن مركز الحكم

تمكن حسنين من أن يجعل من الملكة نازلي رهن إشارة من إصبعه، حتى إنه طلَّقَ زوجتَه وأم أولاده فور عودتِه من الرحلة الملكية في ربوع أوروبا، وتفرغ للسيطرة على الملك والقصر من خلال حب الملكة نازلي له
وحين سُئِلَ حسنين عن سبب الطلاق، رد بالقول إنه لم يكن هناك من مفر من ذلك إزاء ما واجهته به لطفية هانم من الطعن والتجريح، فضلاً عن أنها أطلقت لسانها في كل مكانٍ بالطعن في الملك والملكة نازلي، فكان الطلاق هو الرد الوحيد، لأنه إذا احتمل مطاعنها فيه شخصياً فإنه لا يستطيع السكوت على ما يمس شخص الملك وأسرته. وكان أحمد حسنين يعتقد أن ناظر الخاصة الملكية مراد محسن باشا هو المسؤول عن إبلاغ زوجته، ما أثارها عندما عاد من رحلته إلى فيشي، في حين أن مراد باشا حين حضر إلى فيشي، أخذ يسأل أفراد الحاشية عن حقيقة الشائعات التي ملأت القاهرة عن العلاقة بين حسنين باشا والملكة نازلي (د. حسين حسني، "سنوات مع الملك فاروق..شهادة للحقيقة والتاريخ"، ص111)


المفارقة هنا أن طلاق أحمد حسنين باشا بدا مبرراً له كي يعود إلى الإقامة مؤقتاً في القصر الملكي إلى أن يجدَ مسكناً ملائماً. وعلى ذلك فإنه عند انتقال البلاط الملكي إلى الإسكندرية بعد حفلات تولية فاروق ملكاً، عاد أحمد حسنين باشا إلى جناحه بقصر المنتزه حيث كان يقيم منذ عودة الملك من إنجلترا بوصفه الرائد المشرف على شؤون دراسة الملك الشاب. إلا أن الهمسَ تردد والتساؤلات أثيرت بين جنباتِ القصر، في ظل إقامة حسنين بالقصر الكبير في المنتزه، بالرغم من وجود جناحٍ في ناحيةٍ أخرى من الحديقة كان مخصصاً لنزول رجال الحاشية الذين تقضي الضرورة مبيتهم بالقصر، علماً بأن حسنين باشا كانت قد زالت عنه صفة الرائد ولم يعد له سوى مركز الأمين الأول للملك. وما زاد الأمر تعقيداً هو أن أحمد حسنين كان يستقبل أصدقاءه وبينهم عددٌ من رجال الأحزاب المعارضة، الأمر الذي أثار استياءَ وتساؤلَ الحكومة وأنصارها

ولم تكن الملكة نازلي غائبة عن الصورة المعقدة

فقد دأبت نازلي على الخروج مع أحمد حسنين وارتياد الأماكن العامة. بل إن الكاتب الصحفي محمد التابعي اتصل في إحدى المرات بالسكرتير الخاص للملك فاروق وطلب منه أن ينصح أحمد حسنين بمراعاة الابتعاد عن الظهور في صحبة الملكة نازلي في الأماكن العامة التي يراهما فيها كثيرون، إذ شاهدهما يجلسان في سيارة في الشارع الصغير الواقع خلف مقهى "التريانون" يراقبان خلال النافذة المطلة على ذلك الشارع ما يُعرَضُ في ذلك المقهى من فقرات الترفيه من رقصٍ وغناء. وقال التابعي إن ذلك من شأنه أن يثير من اللغط ما يسييء إلى سمعة وكرامة الأسرة المالكة وهو ما يجب تفاديه على أية صورة. وأضاف التابعي أن ما دعاه إلى التنبيه إلى ذلك هو إخلاصه للملك، مشيراً إلى أنه
لم ير أن في استطاعته الاتصال بحسنين مباشرة في ذلك الشأن نظراً إلى ما فيه من إحراجٍ وحساسية. وطلب التابعي عدم ذكر اسمه نهائياً خوفاً من أن يكون سواه قد رآهما وأن يذيع الخبر فيتجه الظنُ إلى أنه هو مصدرُ إشاعته

وبطريقةٍ غير مباشرة، أثار السكرتير الخاص للملك فاروق الموضوع مع أحمد حسنين، فقال له إنه يبدو أن تردد بعض أصدقائه عليه في القصر من رجال المعارضة السياسيين قد أصبح يثيرُ التساؤلَ حول مدى مشاركة الملك في تلك اللقاءات، ونَصحَه بأن يجعل مثل تلك المقابلات في مكتبه الرسمي بالقصر تجنباً لإثارةِ قلق الحكومة. وأشار إلى أنه من الأفضل أن يسرع حسنين باشا باختيار مسكن له حتى يقطع أسباب القيل والقال. فما كان من أحمد حسنين إلا أن قال وابتسامةٌ ساخرة على وجهه إنه يعلم أن إقامته في القصر تسوء كثيرين ولكنه لن يشفي غليلهم وسيظل مقيماً بالقصر ليموتوا بغيظهم، فأدركَ محدثه من لهجته وابتسامته أنه يعنيه شخصياً بكلامه

إلا أن الأحداثَ أخذت منحىً آخر، بعد أن بدأ فاروق ينتبه إلى ما يدور حوله


وبعد أيام قلائل من المصارحة السابق ذكرها، فوجيء د. حسين حسني بالملك يقول له في نهاية مقابلته له: "صاحبك مستني إيه هنا، قل له يعزل بقى، وأنا عاوزك تبلغه أنه يخرج حالاً وتعرفني النتيجة في أقرب فرصة". وحينما ذكر له سكرتيره الخاص أنه ربما كانت ظروف حسنين الخاصة هي التي استوجبت عودته إلى الإقامة بالقصر، قال: إنه كان يقيم بصفته رائداً ولكن لا مبرر لذلك الآن، وعليه أن يدبر شؤونه ويترك القصر. وبدا أن فاروق يفضل أن يفعل حسنين ذلك - أي الخروج من القصر- من تلقاء نفسه، ولهذا كان يرى أن يتم نصحه بالخروج

وربما كانت العلاقة بين فاروق ورائده في وقت سابق هي السبب في حرص الملك الشاب على تجنب المواجهة مع حسنين وإثارة الموضوع بشكل مباشر


حاول د. حسين حسني إثارة الموضوع من جديد مع حسنين باشا، فرد عليه في غضبٍ قائلاً إنه يعلم أن هناك أشخاصاً يسوؤهم وجوده في القصر ولكنه لن يخضع لرغبتهم ولن يريح بالهم. وعندما سأله الملك عما جرى بينه وبين حسنين، اقترح د. حسني على فاروق إمهال أحمد حسنين تجنباً للإحراج، ولو اقتضى الأمر الانتظار إلى حين العودة إلى القاهرة في نهاية الصيف، لعله يرى في ذلك فرصةً للخروج محتفظاً بكرامته، فوافق الملك على هذا الاقتراح
لكن العاصفة كانت قد بدأت في التجمع منذرة بأزمة داخل القصر


ففي منزل عمر فتحي - الذي أصبح لاحقاً كبير ياوران الملك- أخذ فاروق يسير في إحدى الحجرات ذهاباً وإياباً بخطواتٍ عصبية وقد بدا على وجهه الغم والتجهم، ثم قال أمام عمر فتحي وحسين حسني: "لم أعد أستطيع الصبر، لقد أوشكت على الجنون وأطلب منكما مشاركتي في التفكير، ماذا أصنعُ مع الملكة نازلي وحسنين، هل أقتلهما؟..هل أرسلها إلى مستشفى المجانين؟.. أم هل أبعث به سفيراً إلى اليابان؟..لم أعد أطيق هذه الحالة". أخذ الاثنان يخففان عن فاروق وتهدئة خاطره، مبينين له ما في السلوك العنيف من مخاطر وإثارة للفضائح. وسعى الرجلان إلى نصح الملك الشاب بأن يحتفظ بالهدوء ويلجأ إلى الحكمة، لعله يمكن إيقاظ الملكة نازلي من غفوتها وإرشادها إلى ما تفرضه عليها واجباتها كأرملة لملك وأم لملك وأميرات، أو لعل حسنين من جانبه يصحو ضميره


بدا فاروق في تلك الليلة كأنه وحشٌ ثائر جريح وقد أُحكِمَت حوله أسوار القفص وهو لا يملك منها فكاكاً ولا حيلةً للهرب


كان الجرح غائراً في نفسه. لقد وجد نفسه شاهداً على علاقةٍ تجمع بين أمه التي كان يخصها بالحب والعطف بعد طول إبعاده عنها إلا لماماً، وأستاذه ومرشده الذي كان يوليه من الثقة والتقدير الكثير. وعلى الأرجح، فقد قوضت تلك العلاقة إيمانَه بالمُثل العليا ومبادىء الأخلاق، وأصيب بصدمةٍ خاب معها ظنه وضاع أمله



وفي صبيحة يوم تعيين الملك فاروق علي ماهر رئيساً للديوان الملكي، قال أحمد حسنين باشا لسكرتير الملك الخاص د. حسين حسني وقد بدت عليه أمارات المرارة الشديدة: "عملتها يا سي حسني..طيب ارتاح بقى خلاص؟!" وكان يقصد بذلك أن الأخير كان وراء تعيين علي ماهر في هذا المنصب الذي كان حسنين يتطلع إليه بكل قلبه

في غضون ذلك، كانت مسألة مكان إقامة أحمد حسنين تثير أزمة خطيرة

إذ لم يخرج أحمد حسنين باشا من القصر إلى مسكن خاص كما كان منتظراً قبل عودة الملك وعائلته من الإسكندرية، بل إنه طلب نقل أمتعته إلى قصر القبة ونزل هناك. وكانت الملكة نازلي من ناحيتها نزلت مع الأميرات في قصر أبيها في الدقي وأعلنت اعتزامها الإقامة الدائمة هناك. وعلى الرغم من أن الملك أمر بإجراء إصلاحات شاملة في القصر بمناسبة قرب زفافه، ما استدعى إخلاء الجناح الذي يقيم حسنين باشا، بل على الرغم من إبلاغه ذلك على لسان الملك فإن حسنين باشا لم يصدر منه ما يدل على قرب مغادرته القصر وظل يخرج ويدخل كما يشاء بل كان يحضر في وقتٍ متأخر من المساء. وسرعان ما أمر الملك بإغلاق أبواب القصر في الساعة العاشرة مساء وهو الموعد الذي قلما يعود فيه حسنين باشا. ودار همسٌ في القصر بعدها بأنه عندما فوجىء الملك بما علمه من أن الباشا حضر ليلاً، متأخراً، وتسوَّر أحد الأبواب ليستطيع الدخول، لم يطق صبراً وأمر بأن تجمع أمتعته في الحال وتنقل إلى جوار أحد أبواب الحرملك، بقصر عابدين، فوجد حسنين باشا في ذلك إهانةً بالغةً له على مرأى ومسمع من الخدم وصغار الحاشية، فاتخذ مسكناً له في مصر الجديدة واعتكف فيه زمناً بحجة المرض وامتنع خلال ذلك عن الذهاب إلى القصر


غير أن الملك رضخ للعبة لي الذراع التي مارسها مرشده في سن المراهقة

وبعد بضعة أسابيع من العزلة المعتمدة، زار الملك أحمد حسنين لترضيه وإقناعه بالعودة إلى عمله. وعلى الأرجح فإن الملكة نازلي لعبت دوراً في الضغط على ابنها فاروق، الذي بدا عاجزاً عن كبح جماح أمه أو إيجاد وسيلةٍ لاتقاء شر الفضيحة فيما لو اشتد الصراع بينهما
استأجر حسنين باشا بعد ذلك فيلا أنيقة في ميدان المساحة بالدقي، وهي التي ظل بها إلى حين وفاته. وبعد فترة من سكنى الفيلا، ذاع بين رجال القصر في حذرٍ شديد أن الملكة نازلي تزوجت من حسنين باشا بعقدٍ عرفي. ولعل ذلك كان الحل الوحيد الذي لم يرَ الملك بداً من التسليم به ليضع حداً للصراع النفسي الرهيب الذي كان يعانيه منذ أمدٍ طويل. وقيل إن فاروق نفسه هو الذي اقترح الزواج وأصر عليه بعد أن تعددت نزوات الملكة نازلي، ووجدت أخبار غرامياتها طريقها إلى الصحافة
ولاشك أن ما صنع هذه الصورة المهزوزة للملك هو خليطٌ من شخصية الملك فاروق التي لم تنضج على نارٍ هادئة، وانقياده ليصبح ألعوبةً في يد أحمد حسنين الذي نجح بدوره في السيطرة على الملكة نازلي عاطفياً، مستغلاً طيشها الذي دفعها إلى فعل ما يروق لها من دون رادع


ونقرأ الكثير عن هذا الأمر في كتاب "أحمد حسنين: أسرار السياسة والحب" للصحفي محمود صلاح (كتاب الهلال، عدد أغسطس 2005)، كما نطالع ما أورده محمد التابعي عن هذه العلاقة وتأثيرها علي الملك فاروق، إذ يقول:"تهدلت نازلي ملكة مصر وتهتكت في حب حسنين، ولم تخجل من أن تعلن حبها له أمام رجال القصر، ثم أمام ابنها الملك فاروق، ونسيت مقامها كملكةٍ وأرملة ملك وأم ملك ونسيت حرمة سنها وقد تجاوزت الأربعين
"وكانت الصدمة النفسية قاسية عنيفة على فاروق الذي كان يومئذٍ في الثامنة عشرة من عمره، وكان فاروق يحب أمه، ولم يكن يفوق حبه سوى احترامه لها كانت نازلي تناديه أمام الحاشية وأمامنا: فاروق!
"وكان هو يناديها دائماً: ماجستيه، أي صاحبة الجلالة
"وكان فاروق يخشاها ويتقي غضبها ويعمل لها حساباً"وكانت كلمتها عنده لا ترد

"وكثيراً ما سمعتها أثناء رحلتنا إلى سويسرا وفرنسا وانجلترا تنهاه أمامنا علناً عن قيادة سيارته بنفسه، أو تنهره وتطلب منه أن يترك سيارته ويركب معها في سيارتها، لأنها كانت تخاف عليه من تهوره في قيادة السيارات بسرعةٍ جنونية
"وكان فاروق دائماً يخضع ويطيعها ولا يرى غضاضة أو بأساً وهو الملك في أن ينزل على إرادتها مثل أي طفل صغير
"هكذا كان مقدار حب فاروق واحترامه لأمه نازلي
"ثم ها هي تتدلهُ وتنتهك في حب موظف من موظفي القصر ولا تخجل من أن تعلن أمام موظفي القصر أنها عاشقة ملهوفة على أحمد حسنين
"بل ولا تخجل من أن تصارحه هو ابنها الملك بأنها تحب هذا الموظف أحمد حسنين، وأنها قدمت نفسها له، لكنه يرفض، فتصرخ وتصيح أنها من لحم ودم، وتطلب من ابنها ان يزوجها من حسنين
"كانت صدمة قاسية لفاروق تهاوت المثل العليا التي كان يراها في أمه صاحبة الجلالة"


وربما يمكن القول إن هناك حدثين أثرا كثيراً في شخصية فاروق ونتج عنهما تحولات نوعية في سلوكه، وفي كلا الحدثين كان أحمد حسنين حاضراً بقوة. الحدث الأول سياسي، ونعني به أزمة 4 فبراير عام 1942 حين حاصرت الدبابات قصر عابدين وفرض الإنجليز عليه وزارة مصطفى النحاس بالقوة بعد تخييره بين التنازل عن العرش أو قبول الوزارة الوفدية. وهنا نصحه أحمد حسنين بالخضوع وقبول الأمر الواقع، ولكن فاروق شعر بانكسار شرعيته السياسية، إذ عامله المندوب السامي البريطاني السير مايلز لامبسون (اللورد كيلرن لاحقاً) معاملة طفلٍ شقي لا يستحق قطعة الحلوى بقدر ما يحتاج إلى علقةٍ ساخنة

وكان لامبسون يقول: "إن فاروق ولد جبان ويجب إخافته بين الحين والآخر"


والحدث الثاني الذي أدى إلى نقلة كبيرة في حياة الملك فاروق ذو طابع إنساني. فقد أحس فاروق بمهانة نتيجة طيش أمه الملكة نازلي، وإصرارها على إقامة علاقة مع رئيس ديوانه أحمد حسنين. علاقة غير شرعية هزت الملك، وإن كان قد جرى لاحقاً التغطية عليها بعقد زواجٍ عرفي

بعد هذين الحدثين أصيب فاروق بإحباطٍ ويأسٍ شديدين واستيقظ لديه حرمانه القديم، وراح يمارس تعويضاً في الانغماس في السهر والقمار والإسراف في الطعام حتى بدا بديناً مرهقاً في سنواته التالية، وقد أدى هذا السلوك إلى اضطراب علاقته بزوجته فريدة؛ فخانته مع ضابط إنجليزي، وكان هذا حدثاً ثالثاً يضاف إلى الحدثين السابقين اللذين أثرا في حياة فاروق وأدى إلى تحولات هائلة في سلوكه

وبعد أزمةٍ عنيفةٍ وضغوط سياسية من بريطانيا، تم تكليف حسن صبري باشا بتشكيل وزارةٍ ائتلافية في 28 يونيو حزيران 1940، فسعى إلى الحصول على موافقة فاروق على تعيين أحمد حسنين رئيساً للديوان الملكي، ليبعد بذلك شبح احتمال عودة علي ماهر إلى القصر

غير أن أهل القصر اكتشفوا متأخراً أنهم تخلصوا من ذئب، فجاء مكانه ثعلب

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

8 التعليقات على "ثمن الصداقة في حكم مصر (13): الباشا يقفز من فوق السور"

أكتب تعليقا