ثمن الصداقة في حكم مصر (6): العُمدة يقود الجيش

| |





تولى عبد الحكيم عامر منصب مدير مكتب القائد العام اللواء محمد نجيب، في أعقاب نجاح ثورة 23 يوليو 1952، وجاء تعيينه لمتانة علاقته مع محمد نجيب، وليكون عيناً عليه في الوقت نفسه

ولعامٍ كامل استمر عبد الحكيم عامر في منصبه إلى أن قرر مجلس قيادة الثورة إعلان الجمهورية وتعيين محمد نجيب كأول رئيس لها في يونيو حزيران 1953


فقد صدرت جريدة "الأهرام" صباح الخميس 18 يونيو حزيران 1953 وعلى صفحتها الأولى تصريح لجمال عبد الناصر يقول فيه: "الجمهورية آتية ولكن موعد إعلانها لم يتقرر بعد"

غير أن مساء اليوم نفسه قطع الشك باليقين

وفي أعقاب اجتماع مجلس قيادة الثورة، عقد وزير الإرشاد صلاح سالم اجتماعاً مع مندوبي الصحف ووكالات الأنباء، أدلى فيه ببيانٍ قال فيه إنه سيتم في ذلك اليوم إلغاء النظام الملكي وإنهاء حكم أسرة محمد علي وإعلان الجمهورية وتولية اللواء محمد نجيب رئاسة الجمهورية. وأضاف قائلاً: "وقد قرر مجلس الثورة تعيين البكباشي جمال عبد الناصر نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للداخلية، وتعيين قائد الجناح عبد اللطيف البغدادي وزيراً للحربية، والصاغ صلاح سالم وزيراً للإرشاد ووزيراً للدولة لشؤون السودان

"كما تقرر تعيين الصاغ عبد الحكيم عامر قائداً عاماً للقوات المسلحة"

وفي تلك الليلة أذاع محمد نجيب بياناً إلى الشعب أعلن فيه إلغاء النظام الملكي وحكم أسرة محمد علي مع إلغاء الألقاب من أفراد هذه الأسرة، وإعلان الجمهورية بتولي نجيب رئاسة البلاد

وهكذا نجح عبد الناصر في ترفيع صديقه عامر لرتبة اللواء وتعيينه قائدا عاما للقوات المسلحة خلفا لنجيب. وعلى مضض وافق نجيب على هذه الخطوة بالرغم من عدم اقتناعه بصواب التعيين، وذلك لحرجه أمام صفيه عامـر، ولعدم قدرته – عند تقدير موازين القوى – على رده


ويقول محمد نجيب في مذكراته ("كلمتي للتاريخ"، دار الكتاب النموذجي، القاهرة، 1975): "ثُرتُ في المجلس ثورةً عنيفةً معارضاً ترقية عبد الحكيم عامر من رتبة الصاغ إلى رتبة اللواء دفعةً واحدة، وتعيينه قائداً عاماً لكل القوات المسلحة، مبيناً أن ذلك سوف يخلق نقمةً عامة في الجيش قد تكون صامتةً ومطويةً في الصدر، ولكنها ستكون قابلةً للانفجار في أية لحظة

"قلت لهم – أي لأعضاء مجلس قيادة الثورة- إني اعترضت على تعيين الفريق محمد حيدر رغم أقدميته لأنه كان بعيداً عن صفوف الجيش، وأنا اليوم أعترض على ترقية عبد الحكيم عامر وتعيينه قائداً عاماً للجيش لأنه ليس مهيأً لذلك، ولم ييأس المجلس من الوصول إلى غرضه، تكرر عرض الموضوع أكثر من مرة، وفي كل مرة كنت أرفض وأثور وحدي بلا نصير يقف معي، وهددت بالاستقالة فتأجل الموضوع ثلاثة أسابيع"



ويضيف محمد نجيب قائلاً: "لم أعترض فقط على ترقية عبد الحكيم عامر أربع رتب مرة واحدة مما ليست له سابقة في الجيش المصري، ولكني اعترضت أيضاً على إعلان النظام الجمهوري. لم أعترض لأني ضد النظام الجمهوري ومؤيداً للنظام الملكي، ولكني اعترضتُ لإيماني بأن تحويل نظام البلد السياسي يجب أن ينص عليه في الدستور، وأن يكون ذلك موضع استفتاء شعبي عام

"لم يُغرني ما عرضوه من تعييني رئيساً للجمهورية، وعبد الحكيم عامر "قائداً عاماً للقوات المسلحة"، فقد كنت أوثرُ أن يظل عامر في موقعه مديراً لمكتبي لشؤون القوات المسلحة


"ولاحظتُ أن العلاقة مع أعضاء المجلس في هذه الفترة بدأت تأخذُ طابع المجاملة والاحترام الشديد لي. وأذكرُ قبل ذلك بأسابيع أننا كنا في زيارةٍ لقرية جمال عبد الناصر (بني مُر) وأنه وقف يخطبُ قائلاً كلماتٍ أسجلها هنا للتاريخ وهو يوجهها لي:



"باسم أبناء هذا الإقليم أرحبُ بك من كل قلبي وأعلنُ باسم جميع الفلاحين أننا آمنا بك فقد حررتنا من الفزع والخوف وآمنا بك مصلحاً لمصر ونذيراً لأعدائها"



"سيدي القائد.. باسم الفلاحين أقولُ سر ونحن معك جنودك، فقد حفظنا أول درسٍ لقنتنا إياه وهو أن تحرير مصر وخروج قوات الاحتلال عن بلادنا أمرٌ واجبٌ وأصبحت أملاً في أن نحقق لمصر حريتها على يديك، إن مصر كلها تناصرك للقضاء على قوات الاحتلال"

ويضيف اللواء محمد نجيب قائلاً: "رنت هذه الكلمات في أذني وأنا أجدُ نفسي محاصراً ومُطَالباً بإعلان النظام الجمهوري وتعيين عبد الحكيم عامر قائداً عاماً للقوات المسلحة، وأشهدُ أني قبلتُ تحت ضغطٍ وإلحاحٍ استمر ثلاثة أسابيع بعد أن فكرتُ كثيراً في الاستقالة، وأعترفُ الآن أن هذا كان خطئي الكبير الذي وقعتُ فيه، فقد شعرتُ بعد قليل أنني أصبحتُ في مركزٍ أقل قوة بعد أن تركتُ قيادة الجيش.."





وبدا أن هدف عبد الناصر هو إبعاد كل أعضاء مجلس الثورة – وليس فقط نجيب – عن القوات المسلحة وتسليم كل مقاليدها لعامر ليكون القناة الوحيدة للاتصال بها. لم يكن هناك أجدر من عامر لتأمين القوات المسلحة سياسيا فهو الأقرب والأوثق إلى عبد الناصر وهو الأكثر شعبية بين الضباط وخصوصا متوسطي وصغار الرُتب

ولعل شهادة رئيس تحرير صحيفة "المصري" أحمد أبو الفتح تكتسبُ أهميتها من علاقته القوية بعبد الناصر ومعرفته بما كان يجري في كواليس الثورة في تلك الفترة. يقول أبو القتح: "كما اقترح عبد الناصر أن يتولى عبد الحكيم عامر منصب القائد العام للقوات المسلحة، وقد أثار هذا القرار ضجة داخل مجلس القيادة، إذ إن عبد الحكيم كانت رتبته في الجيش (صاغ)، فكيف يصبحُ قائداً ورئيساً على كل الرتب الأعلى منه. عندئذٍ اقترح عبد الناصر أن تصبح رتبة عبد الحكيم (لواء) وبذلك يستطيع أن يرأس القوات المسلحة


"ولكن هذه كانت خطة عبد الناصر. إذ يصبح هو نائب رئيس الوزراء، وعن طريق هذا المنصب يسلب من محمد نجيب تدريجياً سلطاته ويصبح عبد الحكيم عامر صديقه الصدوق في ذلك الوقت القائد العام للقوات المسلحة، وبهذا يضمن السيطرة على الجيش، وبتعيينه صلاح سالم وجمال سالم وعبد اللطيف بغدادي وزراء يكون قد أرضى المناكفين الذين يثيرون نقاشاً داخل مجلس قيادة الثورة"

في صباح يوم 19 يونيو حزيران 1953، ذهب اللواء أركان حرب عامر القائد العام للقوات المسلحة إلى مكتبه في مقر القيادة بكوبري القبة. وبحسب جريدة "المصري"، فقد كان في استقباله كبار قادة مختلف الأسلحة وضباط الجيش الذين قدموا لتهنئة قائدهم العام بمنصبه الجديد. كما قدم رئيس هيئة أركان حرب الجيش لتهنئته على هذا المنصب


وقالت جريدة "المصري": "والمعروف أن اللواء عبد الحكيم عامر كان عضو مجلس قيادة الثورة المختص بشؤون الجيش، وهو يمثل في الوقت نفسه مركزاً ممتازاً في قلوب إخوانه من مختلف ضباط الجيش..هذا ولما كان بترقيته قد صدر في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، فقد أهدى الرئيس اللواء أركان حرب محمد نجيب رئيس الجمهورية إلى عبد الحكيم عامر قبعته "الكاب" المُحلاة بالقصب المذهب والشريط الأحمر، والتي يلبسها لواءات الجيش، فضلاً عن علامة رتبة اللواء التي تُوضَع على الكتف، ليستطيع عبد الحكيم عامر لبسها عند حضوره أمس"

يضيف أبو الفتح أنه عندما تعالت أصواتُ معارضة داخل المجلس لتعيين عامر قائداً عاماً للقوات المسلحة، رد عبد الناصر بالقول: "إننا لا نستطيع أن نترك الجيش دون رقابتنا وإن الخطر سيهددنا جميعاً إذا لم نشرف إشرافاً فعالاً على الجيش، وإنكم تلاحظون أن تذمراً وراء تذمر بدأ يظهر، وإنه لا بد من إحكام الرقابة على الوحدات وأنا لا أستبعد أن يقوم فريق من الجيش ذات ليلةٍ قيلقى علينا القبض ونصبح نحن جميعاً في السجون، والجيش كله يحب عبد الحكيم ولذلك أُصِرُ على تعيينه قائداً عاماً للجيش"


"وقال عبد الحكيم عامر إنه على استعداد للتفرغ لشؤون الجيش وإنه سيعمل على توطيد علاقته بجميع الوحدات ومراقبتها دون حاجةٍ إلى تولي هذا المنصب، ولكن جمال أصر وعاد يهدد بالتخلي عن العمل، وتكاثر الضباط على عبد الحكيم، إذ كانوا قد اقتنعوا بما قاله جمال من ضرورة الإشراف على الجيش ومراقبة حركاته مراقبة دقيقة

"وقف محمد نجيب وحيداً في صفوف المعارضة، ولم يؤيده من أعضاء مجلس قيادة الثورة سوى خالد محيي الدين الذي كان يسعى إلى إعادة الحياة النيابية

وفي 18 يونيو 1953 أصبحت هذه القرارات أمراً واقعاً. وعند إعلان ترقية عبد الحكيم عامر إلى رتبة لواء وتوليه رئاسة القوات المسلحة، قدم قائد سلاح الطيران اللواء حسن محمود استقالته، ورفض كل المساعي لسحبها، وتم تعيين اللواء محمد صدقي محمود مكانه


أما حلمي سلام –الذي كان يُنظرُ إليه على أنه رجل عبد الحكيم عامر في عالم الصحافة كما كان محمد حسنين هيكل رجل عبد الناصر- فيقدم شهادة على قدرٍ من الأهمية بشأن تعيين عامر قائداً عاماً للجيش، إذ يقول:

"عندما رُقي عبد الحكيم عامر في يونيو 1953 من رتبة (الرائد) إلى رتبة (اللواء) وعين قائداً عاماً للقوات المسلحة، تملك كثيرين الظن بأن هذا التعيين لم يتم إلا لأن عبد الحكيم هو أقوى زملائه أعضاء مجلس الثورة بعد عبد الناصر، وأن هذه الترقية إلى هذا المنصب الخطير جداً، والحساس جداً، لم تجئه إلا كإقرار من هؤلاء الزملاء بقوته. وليس هذا الظن الذي تملك كثيرين صحيحاً، فلم يكن عبد الحكيم عامر هو أقوى الرفاق بعد عبد الناصر، وإنما المؤكد أنه – من وجهة نظر عبد الناصر الخاصة، وأيضاً بمقاييسه الخاصة- كان أصلحهم لتولي هذا المنصب الخطير، إذ كان عامر بلا أدنى شك هو أشد الرفاق وفاءً لشخص عبد الناصر، وأكثرهم بعثاً للطمأنينة في نفسه بأن (خطراً ما) من ناحية القوات المسلحة مستحيل أن يأتيه، ما دام بقي على رأسها هذا الصديق الذي عرفه يسري الوفاء بين أضلعه، مسرى الدماء في العروق"






ويضيف حلمي سلام قائلاً: "المسألة إذن وبكل تأكيد كانت مسألة ثقة من جانب عبد الناصر في شخص عامر، ولم تكن مسألة قوة تميز بها عامر على بقية رفاقه، لكن اقتراح عبد الناصر بتعيين (صديق عمره) قائداً عاماً للقوات المسلحة لم يمر في مجلس الثورة بغير اعتراض، فلقد اعترض عليه عبد اللطيف بغدادي الذي شعر بأن عبد الناصر إنما يهدف من وراء تعيين عامر في هذا المنصب الخطير إلى إحكام قبضته الشخصية من خلال صديق عمره على القوات المسلحة، فتصبح من بعد ذلك طوع أمره ورهن إشارته كأداةٍ في (لعبة السياسة) التي كان من رأي البغدادي أنه يتحتم استبقاء القوات المسلحة بعيداً عنها تماماً، ولم يتردد الرجل يومها في أن يقولها لزملائه صريحةً: "إننا إذا سمحنا بأن يتدخل الجيش في السياسة فسوف يفسد الجيش وتفسد السياسة"

"لكن عبد الناصر بقي متمسكاً باقتراحه، وبرر هذا التمسك بقوله: "مستحيل أن أسلم أمر الجيش لشخصٍ يكون غريباً عنا، لأن هذا معناه أننا نسلم رقابنا لهذا الغريب"

"وانتصرت وجهة نظر عبد الناصر، وأصبح رفيق العمر قائداً عاماً للقوات المسلحة، وبذلك اطمأن قلب عبد الناصر إلى أن (رياح الخطر) لن تهب عليه في يومٍ من الأيام

"إن وجود عامر على رأس هذه القوات سوف يشدد من قبضة عبد الناصر الشخصية عليها ويجعلها رهن إشارته وطوع يمينه"


ويروي عضو مجلس قيادة الثورة كمال الدين حسين ما جرى، فيقول: "عرض علينا عبد الناصر في سنة 1953 أن يكون هناك قائدٌ عام للقوات المسلحة، يكون مسؤولاً أمام مجلس الثورة عن جميع الأسلحة، ويتفرغ كلٌ منا إلى ناحيةٍ أخرى من شؤون البلاد، ووافقنا على الاقتراح، وقدم لنا اقتراحه الثاني أن يتولى عبد الحكيم عامر هذه المسؤولية. ورغم أنه لم يكن هو المناسب لهذا المنصب إلا أننا وافقنا بالإجماع، فقد كان عبد الحكيم أقربنا إلى قلب عبد الناصر ومن أجل ذلك اختاره لثقته فيه، ومعارضتنا قد يفسرها تفسيراتٍ شتى نحن في غنى عنها، منها مثلاً أن من سيعارض سيقال، إنه يريد المنصب لنفسه. وكنا جميعاً نعمل دون النظر إلى منصب معين، فوافقنا بالإجماع"

وفي مذكراته ("والآن أتكلم"، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1992) يقول خالد محيي الدين إن محمد نجيب قاوم بشدة مسألة إعلان الجمهورية، خصوصاً أن المشروع الذي قدمه عبد الناصر يقضي بأن يعين شخصٌ آخر قائداً عاماً للقوات المسلحة. وفي المقابل، شعر عبد الناصر بالقلق من الجماهيرية الواسعة التي أخذ محمد نجيب في اكتسابها





ويحكي خالد محيي الدين عن اختيار عبد الحكيم عامر قائداً للجيش، فيقول: "كان اختيار عبد الحكيم عامر قائداً للجيش مثاراً لمعركة صامتة بين الزملاء في مجلس الثورة، فبغدادي اعتبرها مناورة من عبد الناصر لتعزيز نفوذه الشخصي في مواجهتنا جميعاً، فعامر صديقه الحميم، ولا بد أنهما معاً يستقويان ببعضهما البعض ضد الجميع، وربما كان هذا هو ما حدث فعلاً فيما بعد

ويتابع حديثه قائلاً: "كذلك أحدث تعيين عامر حالة من عدم الرضاء بين قادة القوات المسلحة فكيف لضابط أن يقفز من رتبة الصاغ إلى رتبة اللواء دفعةً واحدة ليقودهم جميعاً؟!

"وبدأ الإعراب عن عدم الرضا هذا باستقالة حسن محمود قائد سلاح الطيران الذي أكد لنا جميعاً أنه يحترم عبد الحكيم عامر لكنه يستقيل لأنه يعتبر أن رتبة اللواء رتبة محترمة وأنه لا يجوز التلاعب بالرتب العسكرية، والقفز عبرها بهذه السهولة. وحدثت استقالات مماثلة، وأدى ذلك إلى قلقٍ مضاعف لدى محمد نجيب فقد كان يعتمد في علاقاته بالجيش على هذه القيادات التقليدية، وخاصةً أن غيابها سيتيح ل"جمال" و"عامر" أن يحلا رجالهما محل المستقيلين!"

ويضيف خالد محيي الدين في كلامه عن عامر: "صديق قديم وعزيز أيضاً، ولعل الخطأ الأول في حق عامر هو أنه عُين قائداً للجيش، لقد فعلها عبدالناصر لأنهما كانا صديقين حميمين، فأراد أن يضمن به (أي بعامر) ولاء القوات المسلحة، لكن عامر لم يكن رجلاً من هذا النوع، فهو "عُمدة" طيب القلب يحبُ أن يقيم علاقاتٍ حسنة مع الناس، وأن يتباسط معهم، وهو لا يهتم كثيراً بالضبط والربط، فحياته ذاتها لم تكن منظمة، فقد كان يسهر كثيراً ويصحو متأخراً

"لقد ظلموه عندما عينوه قائداً للجيش، فهو شخصٌ "جماهيري" ولو أنه كان قد عُينَ نائباً لرئيس الجمهورية وتفرغ مثلاً لهيئة التحرير لكان قد حقق نجاحاتٍ مبهرة فهو شخصٌ مرحٌ وطيبٌ وقادرٌ على إقامة علاقاتٍ شخصية حميمية، وآخر ما كان يصلح له هو أن يتولى مسؤولية الضبط والربط، وأن يتابع عمليات قيادة القوات المسلحة البالغة التعقيد والحساسية، وأن يتابع معها التسليح وتطور الأسلحة والتدريب وما إلى ذلك

"ولعله لم يهتم بهذا كثيراً، بل غلبت عليه روحه الطيبة وشخصية العنيدة، فكان سخياً على الضباط، وكسب حبهم إلى درجةٍ كبيرة، ولكن النتائج النهائية لم تكن مفيدة لأحد، لا لمصر، ولا للجيش، ولا له هو شخصياً"



أما عضو مجلس قيادة الثورة عبد اللطيف البغدادي والذي اعترض في البداية على اقتراح عبد الناصر بشأن تعيين عبد الحكيم عامر قائداً للجيش، فإنه يقول في كتابه ( مذكرات عبد اللطيف بغدادي (جزءان)، المكتب المصري الحديث، القاهرة، 1977 ): "وكان من نتائج تعيين عبد الحكيم عامر قائداً للجيش أن أبعد باقي أعضاء المجلس عن وحداتهم العسكرية تدريجياً بحجة أن نترك حرية العمل لعبد الحكيم عامر حتى لا نتسبب في سوء تفاهمٍ بيننا لو استمرت علاقتنا بزملائنا الضباط، وعمل على إبعاد زملائنا عنا بواسطة ضباط مكتب عبد الحكيم، وكان ذلك يجري بتهديدهم أو بحجة ابتعادهم عن حتى لا يُضاروا. وكان يعمل في الوقت نفسه على تقربهم من عبد الحكيم بخدماتٍ تُقدم إليهم حتى أصبح لا هم للكثير من الضباط إلا التقرب من عبد الحكيم وجمال عبد الناصر، أو إلى من هم قريبين منهما طمعاً في منصب أفضل أو خدمة تؤدي لهم. وأصبح الجيش بذلك مع مرور الوقت أداة في يد جمال وعبد الحكيم، وانعزلنا نحن نهائياً عنه، ونتج عن هذه السياسة فساد الجيش مما ترتب عليه نتائج وخيمة عسكرية وسياسية"



وبعد عشرة أيام، زار وزير الإرشاد الصاغ صلاح سالم المحلة الكبرى، وخرجت صحيفة "الأهرام" بمانشيتات بينها ما يلي:


"خطاب خطير لوزير الإرشاد في المحلة يشرح فيه أسباب إعلان الجمهورية واشتراك رجال الثورة في الوزارة"
"اللواء عبد الحكيم عامر كان القائد الحقيقي للجيش منذ سنة"


وأخذ صلاح سالم يشرح حكاية ترقية عبد الحكيم عامر، وكان بين ما قاله: "لقد كان محمد نجيب منذ اليوم قائداً عاماً، وكل منكم يشعر أنه يقود هذه الأمة ويشرف على مجلس الوزراء، ومجلس الثورة، ويزوركم في كل منطقة، فلم يكن محمد نجيب يستطيع أن يتفرغ لقيادة الجيش وهو القوة التي تسند هذا العهد، وقد فطنا إلى هذا الوضع منذ اليوم الأول واتفقنا على أن يشرف أحدنا فعلاً على قيادة هذا الجيش، فكان عبد الحكيم عامر يذهب إلى مكتب القائد من اليوم الأول يصدر الأوامر للوحدات، ويشرف على نهضة الجيش وتدريبه وتسليحه. لأن الجيش لا يمكن أن يسير بدون قيادة يوماً واحداً، ولا يمكن لمحمد نجيب الذي يعمل 17 ساعة يومياً أن ينتقل من مكانٍ إلى مكان يؤدي واجبه الشعبي والرسمي، ثم يقود الجيش أيضاً ويسخر وقته لهذا الجيش، وكلنا نشعر أن الجيش يجب أن ينهض لأن الأمة لا تساوي شيئاً بدونه


"يجب أن يكون هناك قائد، وكلنا يعرف أن محمد نجيب لم يستطع أن يترك البلاد ويدير الجيش فكان عبد الحكيم عامر من أول يوم يدير دفة هذا الجيش"


ويتساءل صلاح سالم أمام الجماهير قائلاً: "ومن هو عبد الحكيم عامر؟!"

ويقول صلاح سالم في معرض إجابته على هذا السؤال: "إنه الشاب الذي لا يطمع في مئة جنيه مرتب اللواء، وتحت يده الآلاف والملايين لو أنه خرب الذمة لاستطاع أن يستولي عليها ويأخذها كما كان يفعل اللواءات الذين تعرفون عنهم الكثير


"لقد كان عامر يصدر الأوامر للجيش ويشترك في نهضته فقررنا وضع كل شخص في مكانه حتى نظهر أمام الشعب بالوضع الطبيعي والنهائي فقلنا إن محمد نجيب رئيس هذه الدولة فهو رئيس للجمهورية، كما أننا مفروض فينا أن نتحمل التبعات..وإذا كان عبد الحكيم عامر يقود الجيش فعلاً طوال هذه الفترة، فلا يكون الوضع طبيعياً إذا ما أعلن برتبة الصاغ قائداً للجيش، ويشرف على رتب قائمقام وأميرالاي ولواء، ولو أنه كان يتولى ذلك طوال السنة، إذن يجب أن يأخذ عبد الحكيم عامر الوضع الطبيعي والشكل الرسمي ويحمل هذه الرتبة التي لا تشرفه وإنما يشرفه العمل على رفعة شأن الجيش إلى الوضع الذي ستفخرون به"

ولا شك أن الوضع الذي آل إليه الجيش بعد أربعة عشر عاماً من هذه التصريحات، أي في حرب يونيو حزيران 1967، يكشف بوضوح ما قام به عامر كقائد للمؤسسة العسكرية المصرية

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

8 التعليقات على "ثمن الصداقة في حكم مصر (6): العُمدة يقود الجيش"

أكتب تعليقا