نساء المتعة (1): ورقة المأذون.. وأوراق البنكنوت

| |




لم تكن السلطة بعيدة يوماً عن الأنوثة

وثمة دوماً علاقة بين الرجال الذين يملكون ابتسامةً كأسنان التماسيح، والفراشات التي تحمل الفصولَ بين أجنحتها

كم يحلمُ الجبلُ بأن يطاردَ فراشة
والسلطة، سواء أكانت المال أو النفوذ أو السياسة، دأبت على النظر إلى المرأة كوسيلة للمتعة وإشباع الإحساس بالقوة والتملك والانفراد بشيء جميل ومرغوب من الآخرين

وهكذا شهدت مصر منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى الوقت الراهن، محاولات أكثر تنظيماً - سواء من أجهزة مخابرات عالمية ثم من جهاز المخابرات المصري نفسه- إلى استغلال المرأة وتجنيدها كي تصبح مادة للغواية ووسيلة للإيقاع بآخرين

ولم يكن هناك بدٌ من اللجوء إلى الوسط الفني بحثاً عن امرأة تلعب دور الطُعم لاصطياد بعض الحيتان

غير أنه عندما تلعب مع الكبار، فإن المخاطرة تظل دوماً قائمة، بدليل النهاية المأساوية والغامضة التي انتهت إليها الفنانة أسمهان، شقيقة فريد الأطرش

ففي صباح يوم الجمعة ‏14 يوليو‏ تموز 1944،‏ وهو ذاته يوم عيد ميلاد كاميليا ابنة اسمهان الوحيدة التي كانت تعيش مع والدها حسن الأطرش في سوريا‏، توجهت أسمهان بسيارتها لقضاء إجازة مع صديقة لها تدعى ماري قلادة في مصيف رأس البر‏. وفي الطريق انقلبت السيارة وسقطت في ترعة الساحل الموجودة حالياً في مدينة طلخا، حيث لاقت أسمهان وصديقتها حتفهما أما السائق فلم يصب بأذى وبعد الحادثة اختفى تماماً

ماتت أسمهان، لكنك حين تسمع صوتها، تزورك نساءُ الأرض كلهن في تلك الليلة

وبطريقةٍ مشابهة راحت الفنانة كاميليا، التي تنافس الجميع على حبها بداية من الملك فاروق وأحمد سالم ويوسف وهبي وأنور وجدي وكامل الشناوي

وكاميليا امرأةٌ حملت على عاتقها حياة ودفء هذا العالم

في صباح يوم الخميس 31 أغسطس آب 1950 استقلت كاميليا طائرة تقل خمسة وخمسين شخصاً، لكن الطائرة تحطمت بعد إقلاعها بدقائق معدودة من مطار القاهرة وسط الحقول في مدينة الدلنجات بمحافظة البحيرة واحترقت، ولم يُعثَر إلا على فردة حذاء ساتان أخضر بلون الفستان الذي كانت ترتديه كاميليا

وبحسب حلمي النمنم في مقاله "ويذبحون الجواري" المنشور في جريدة "المصري اليوم" بتاريخ 14 أغسطس آب 2008 فإن راقصتين مصريتين شهيرتين كانتا على وشك التعرض للمصير نفسه في تلك الفترة

وفي أعقاب ٢٣ يوليو ١٩٥٢ سعى بعض الضباط الأحرار إلى الارتباط سراً أو علانية بعددٍ من الفنانات وسيدات المجتمع

جوع العسكر إلى اللذة وحياة الراحة وأضواء الشهرة، كان الثغرة التي نفذ منها الضعف الأزلي للرجل أمام النساء

وحين نتذوق طعم الراحة نفقد الذاكرة عمداً، ونفقد معها قدرتنا على الصلابة والجَلَد

لقد تعامل عددٌ من رجال الثورة مع نساء الفن والمجتمع والقصور باعتبارهن في حُكمِ الجواري اللاتي وقعن في الأسر



ولعل ما جرى بين عضو مجلس قيادة الثورة ورئيس لجنة المصادرة وملكة مصر السابقة فريدة خير دليل على ذلك. فقد زارها جمال سالم لإبلاغها بقرار أصدره جمال عبدالناصر يتعلق بترتيب حياتها، وخلال تلك الزيارة طلبها للزوج، الأمر الذي جعل الملكة فريدة تثور ثورة عارمة بعد سماعها هذا الطلب، وطردته من البيت.. وبعدها توالت النكبات

وتفاصيل هذه الحكاية نجدها في كتاب د. لوتس عبد الكريم "الملكة فريدة وأنا: سيرة ذاتية لم تكتبها ملكة مصر" الصادر ضمن سلسلة كتاب أخبار اليوم عام
2008
إن الثقافة اليابانية تطلق اسم إيانفو على نساء المتعة، أو تطلق على نساء المتعة للعسكريين اسم جوغن-إيانفو Jūgun-Ianfu وهي صيغة مخففة للنساء اللاتي كن يعملن للترفيه عن أفراد الجيش الياباني في الحرب العالمية الثانية
شيء من هذا حدث في مصر في أعقاب الثورة

وفي أجواء مليئة بالرغبات، جمع عدد من الضباط غنائم وأسلاباً من لحم النساء، وتسلل البعض إلى فراش الفن بورقة مأذون أو أوراق بنكنوت


وهكذا تزوج المشير عبد الحكيم عامر من برلنتي عبد الحميد- التي ظلت حتى اليوم حريصة على أن يناديها الناس بلقب مدام عامر- وارتبط مدير مكتبه علي شفيق بالمطربة مها صبري، كما تزوج عبد المنعم أبو زيد من سهير فخري

دعونا نتوقف قليلاً عند الزيجة الأخيرة

إذ إنه من ضمن مستندات الصرف التي وُجِدَت بعد انتحار المشير عبد الحكيم عامر، فواتير إحدى مصحات الأمراض النفسية والعقلية بالقاهرة والخاصة "بعلاج" كاتب السيناريو محمد كامل حسن المحامي الذي كان قد تزوج الممثلة الشابة سهير فخري، وكانت فائقة الجمال كما كانت صديقة للممثلة برلنتي عبد الحميد الزوجة الثانية للمشير عامر والتي كانت علاقته بها ثم زواجه منها سبباً في توتر العلاقات بين المشير عامر وجمال عبد الناصر

وطبقاً لما رواه الكاتب الصحفي والمحرر العسكري بمجلة "المصور" حمدي لطفي في مقال نشر بمجلة "الوادي" الشهرية عدد أغسطس آب 1982، فإن سكرتير المشير عامر وحارسه الشخصي عبد المنعم أبو زيد عندما رأى الممثلة سهير فخري، انبهر بجمالها ورغب فيها وطلب أن يتزوجها، لكنها أخبرته أنها متزوجة.. فطلب عبد المنعم أبوزيد من زوجها الكاتب والمؤلف محمد كامل حسن المحامي أن يطلق زوجته الثانية سهير فخري لكي يتزوجها هو

وفي المقابل، رفض محمد كامل حسن المحامي بغضب أن يطلق زوجته، فألقي القبض عليه وأودع إحدى مصحات الأمراض العقلية وأجبرت زوجته سهير فخري على رفع دعوى قضائية لطلب الطلاق.. وجرى بالفعل طلاقها، في حين ظل محمد كامل حسن حبيس مصحة الامراض العقلية، قبل أن يخرج في عام 1969 مطروداً إلى لبنان

وبعد الأزمة النفسية التي مرت بها المطربة الراحلة ليلى مراد إثر طلاقها من أنور وجدي عام 1952، كانت في حالة نفسية يُرثى لها كادت تعصف بها، خاصة أن أنور وجدي لم يكتف بطلاقها بل تزوج في الحال من ليلى فوزي، وخسرت بذلك زوجاً كانت تعشقه ومخرجاً ومنتجاً لأفلامها الناجحة

وفي خضم إحساسها بانهزام أنوثتها وقيمتها كنجمة يعشقها الملايين اقترب منها عاشقٌ جديد يعرض عليها حبه، والأهم من ذلك أنه كان من رجال السلطة الجدد الذين بدأ يلمع نجمهم بعد الثورة، وهو وجيه أباظة الذي كان مفتوناً بها كصاحبة صوت ساحر، وكانت وقتها تحتفظ ببعض بريقها

سرعان ما انجذب كل منهما للآخر، فتزوجا عام 1953 وأثمرت الزيجة عن ابنهما شريف، لكن مثلما تم الزواج سريعاً جاء الطلاق أيضاً سريعاً

وكانت النقلة الجديدة هي تخطيط مدير المخابرات العامة صلاح نصر لتجنيد عدد من الفنانات والراقصات لتنفيذ فكرة التجسس بالجنس، فتناثرت أسماء من عينة سعاد حسني وشريفة ماهر

وأخطر ما في الحياة، أن تمارس المرأة دوراً في نصف الضوء.. أو نصف العتمة

كان عدد فتيات ونجمات المتعة في المخابرات لا يقل عن مئة شخصية مثيرة، كانت مهمتهن تصوير مسؤولين أجانب في أوضاع مخجلة كي يكونوا تابعين وعملاء، لكن الضباط والمسؤولين أيضاً كان لهم نصيب من المتعة

أدرك صلاح نصر أيامها أنه حين تقترب المرأة بدلالها، فإنها تجعل الرجل يشعر بنفسه قوياً كعروق النخيل، وهي تبقيه مشتعلاً، قبل أن ينطفىء مثل شجرةٍ عاجزة

وفي دروب الحياة تنمو رغباتٌ لا يمكن أن تتغير طبيعتها الهاجمة. شهوات ترفض أن تكون شيئاً ألطف. وجوهٌ تعرف أنك لن تقدر على النظر إليها، مهما نظرت، سوى من فتحة الشبق الحارق

وفي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، نام الفن في حضن المنتج

إذ كان المنتج أو الممول الفني الذي يمتلك الأموال ويوجهها في مجال الإنتاج السينمائي، محط أنظار الفنانات خصوصاً من كانت منهن في بداية مشوارها الفني حتى تتاح لها فرصة البطولة واختصار الطريق. وهذه القائمة تضم الفنانة لبنى عبد العزيز التي تزوجت في بداية مشوارها الفني مطلع الستينيات من المنتج رمسيس نجيب الذي أشهر إسلامه حتى يتمكن من الزواج منها، وبعدما تزوجها منحها البطولة في عدد من أفلامه منها "الوسادة الخالية"، "هدى"، "بهية"، "غرام الأسياد"

ولبنى عبد العزيز دُخَّانٌ يَصعَدُ، وَلاَ وُجُودَ لناَرٍ

وفي بداية الستينيات أيضاً تزوجت الفنانة الناشئة وقتها زبيدة ثروت من المنتج صبحي فرحات الذي أنتج لها أفلاماً عدة قامت ببطولتها وساهمت في صنع نجوميتها، وقبلهما تزوجت الفنانة سميرة أحمد في الستينيات من السيناريست والمنتج السينمائي شريف والي الذي كان يمتلك شركة "أفلام الهلال" وأنتج لها أول فيلم قامت ببطولته وهو فيلم "شم النسيم" ثم "ريا وسكينة" الذي قامت ببطولته أمام أنور وجدي وشكري سرحان. وقد تزوجت سميرة أحمد في مشوارها الفني من منتج آخر هو صفوت غطاس الذي أنتج لها العديد من الأعمال الفنية

أما عفاف شعيب فتزوجت هي الأخرى من رجل الأعمال والمنتج الراحل رياض العريان

وفي أوائل السبعينيات تزوجت الفنانة نادية لطفي من رجل الأعمال المهندس إبراهيم صادق، شقيق حاتم صادق، زوج ابنة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. ويعتبر هذا الزواج أطول زيجات نادية لطفي الثلاث من حيث المدة

وفي عقد السبعينيات، ارتبط عددٌ من أصحاب المال والأعمال في الخليج بفنانات مصريات. كان النفط يسيل من أصابع الثري أو الشيخ أو الأمير، فيما تجوس أنامله في جسد الفنانة، كمنجلٍ يستأثر بالحديقة

وفي تلك الفترة، كان لمصر وجهُ بلادٍ تتصيّدُ الغرباءَ، وتفتح لهم حضنها، فلا يدري أحدٌ هل هي بريئة أم مستباحة


كان أشهر تلك الزيجات زواج الراقصة الاستعراضية نجوى فؤاد من رجل الأعمال الكويتي محمد الملا، كما ارتبطت برجل الفنادق اللبناني سامي الزغبي مدير فندق شيراتون القاهرة
ربما تشعر الراقصة في أحيان كثيرة أن الرقصة تنبت من سرتها ومن ثم تنتشر في باقي الجسد أو أن الرقصة تنبت من إبهام قدميها لتتسلق ساقيها وتستدير على محيط خصرها وتنمو على ردفيها الناعمين.. هذا الاهتزاز لا يعدو أكثر من نداء الغابة، بحثاً عمن يمكنه ترويض هذا الجسد الفائر
الأمير السعودي خالد بن سعود الذي اشتهر بزيجاته المتعددة من الفنانات ارتبط بسهير رمزي لمدة عام، قبل أن تتزوج الكويتي محمد الملا، إلا أن هذا الزواج لم يستمر سوى خمسة أشهر فقط

كان ذلك، قبل أن تحمل السنوات الأخيرة رياح التغيير

كان ذلك، قبل أن يظهر رجالٌ يلقون كل مساء بفحولتهم إلى الهاوية

إذ اتجه بعض رجال الأعمال إلى الفنانات وسيدات المجتمع للارتباط بهن، بغض النظر عن مُسمى هذا الارتباط وشكله، فانتقلَ ما كان يقومُ به بعض رجال الدولة وعدد أجهزتها إلى فريقٍ من رجال الأعمال

وبدا للبعض أن فائض المال والرغبة في الاقتناء وربما التباهي، تضافر مع تطلع بعض الفنانات إلى الثراء والنفوذ وتحقيق الأحلام الشخصية والفنية، لتنشأ شبكة مصالح بين نساءٍ جميلات ينبضن بحياةٍ لا تتحمَّلُها أسلاكُ أعصاب عددٍ من رجال الأعمال

وفسر البعض الأمر بأن الليل تسقطُ عند أعتابه شؤون المال والأعمال، أملاً في أن يبتسم لهؤلاء الأثرياء نهار اليوم التالي
نساء يبحثن عن الثروة ووضع اجتماعي مميز، ورجال أعمال يبحثون عن الشهرة ويلهثون وراء المتعة ويتطلعون إلى الوجاهة الاجتماعية
هذه هي المعادلة التي تدفع طرفيها إلى عناق قد يحير البعض

ولعل ما يسترعي الانتباه هو أن رجال الأعمال الذين اندفعوا في هذا المسار، هم بشكل أو بآخر من المقربين إلى نفر من كبار رجال الدولة، وبعضهم يتمتعون بحظوة في مواقع حيوية من السلطة أو الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، الأمر الذي جعل المحللين يعتبرون مسلكهم على هذا النحو محسوباً بدرجةٍ ما على الدولة ذاتها

وإذا كان البعض يوجه اللوم إلى رجل الأعمال الفاسد الذي يسعى وراء غرائزه، فإن المسؤولية تقع أيضاً على المرأة
التي تتاجر بنفسها على طريقة البيع بحق الانتفاع المؤقت
B O T
وفي كثير من الأحيان تبدو العلاقة بين الفنانة ورجل الأعمال أو رجل السلطة صفقةً غير معلنة، فكل من الطرفين ينجذب إلى الآخر ويبحث عنه بشغف، ويستفيد منه ويفيده في الوقت نفسه

تلك شروط اللعبة

يمارسها البعض بوعي شديد وينزلق إليها البعض بلا وعي


خذ عندك مثلاً سهير رمزي، الظل الذي رحل يوماً وترك امرأة تشبه شـرفةً لا تُطلُّ على نفسـها

فقد تزوجت سهير من رجل الأعمال البورسعيدي سيد متولي الذي عاشت معه أعواماً عدة، وكان الطلاق ثم العودة، ثم الطلاق فالعودة، قبل أن يقع الطلاق للمرة الثالثة والأخيرة، لتتزوج بعد ذلك من الفنان فاروق الفيشاوي، وهو الزواج الذي لم يستمر سوى أشهر معدودة وقع بعدها الطلاق واعتزال الفن، قبل أن تتزوج من رجل الأعمال والسياحة علاء الشربيني
ولعل معظم الأخبار التي تناثرت عن عودة نجمة السبعينيات للأضواء بعد سنوات طويلة من الاعتزال، لا تخلو من ذكر لزوجها رجل الأعمال الذي يحرص على أن يقف بجوارها في كل صورة تنشر لها وهو يبتسم

بدا الأمر في نظر البعض كأنه لقاء نجمة السينما التي غربت شمس شهرتها، ورجل الأعمال الشاب الذي يحتاج إلى دعمٍ يضعه في مصاف رجال الأعمال البارزين

وحين يقول لسان حال الرجل: يا حَارِسَ حَظِّي
يكون لسان حال المرأة: يا حَارِثَ ضَعْفِي

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

2 التعليقات على "نساء المتعة (1): ورقة المأذون.. وأوراق البنكنوت"

أكتب تعليقا