كتاب الرغبة (15): خارج القبيلة

| |





في يومياتِ المرأة عن الجسدِ و الرجال الشقر ذوي القامات الطويلة الذين لا ينتمون إلى منطق القبيلة، يبدو كل بابٍ ذاكرة، وكل هديرٍ اجتياحاً، وكل غيمةٍ بكاء
وما أصعب أن تُضِيعَ سمكةٌ سِربَ الزُرقةِ

نحن نتحدث هنا عن "رجالي" للكاتبة الجزائرية الأصل مليكة مقدّم (ترجمة: حسين عمر- المركز الثقافي العربي، المغرب- 2006) والذي صدرت له ترجمة ثانية في بيروت عن "دار الفارابي" ضمن سلسلة "فسيفساء"، ترجمة: نهلة بيضون

الكتابُ عبارة عن سيرةٍ روائية للكاتبة، وسرد على امتداد 221 صفحة لحكاياتها مع أولئك الرجال الذين تركوا في حياتها شيئاً من الألم أو السعادة.. بدءاً برجال عائلتها، وانتهاءً بمن قابلها في مطارٍ أو قطار


"رجالي" ببساطة هو كتابٌ عن جرح دفين اسمه الحرية.. عن امرأةٍ أرادت أن تختفي في أعماقِ الجبالِ القصية؛ لكن هناك سمعت بكاءَ الأيائل


إنه موجزُ دال على امرأةٍ تتمتع بشخصية قوية صلبة، لكنها تهتز في الوقت نفسه أمام مارد الرغبة. كانت ابنة القنادسة - من دوائر ولاية بشار بالجنوب الغربي الجزائري- ثائرة في حياتها ومنذ طفولتها من أجل الحرية، أحبت الدراسة والتحصيل، أحبت القراءة والمطالعة بشغف، أحبت الكتابة وكتبت الكثير، ولكنها لم تأخذ الحرية فحسب وإنما زارت دروب المغامرة. جسدها أصبح مساراً أو جسراً لرجال عبروا مدينتها. ربما أصبحت مختبراً لفحولة أولئك الرجال، ولكن باختيارها
قُسِّم الكتاب إلى ستة عشر فصلاً أو جزءاً، كل فصل أو جزء فيه سيرة لرجل كان له تأثير في حياتها، فتبدأ بأبيها، وقسوته، وتمييزه العنصري للذكور، ككل الرجال في وقتها
رجالها الذين مروا في حياتها كُثُر، من جنسياتٍ مختلفة، وألوان عدة.. تزوجت مرة واحدة زواجاً دام فترة طويلة، قبل أن تعود إلى قوقعة العزلة
الفصل الأول حمل عنوان "الغياب الأول"، وفيه تأسيسٌ لكل ما سيأتي، إذ تضعنا الكاتبة في أجواء تقتربُ من "عقدة إلكترا" وذلك فقط من حيث أهمية أثر الأب في الابنة وصورته في حياتها


"أبي، يا أول الرجال في حياتي! منكَ تعلمت أن أقيس الحب بمقياس الجراح والخيبة. في أي سن فسدت الكلمات وفقدت معانيها؟ أطارد صور طفولتي الأولى. كلمات تنبثق وترسم ماضياً أبيض وأسود. كان ذلك في وقت مبكر جداً وقبل الأوان. منذ ذلك الإحساس الغامض الذي يسبق التفكير. حتى قبل أن أجيد التعبير عن ذاتي. عندما تشرع اللغة باستنزاف البراءة، وترصع بحد الكلمات، دوماً، ميولها الصوفية، ثم لنكون، في الحياة، إما مع أو ضد
"كنتَ تقول، مخاطباً أمي: "أبنائي" حينما كنت تقصد إخوتي، وتقول: "بناتكِ" حين كان الحديث يخصنا، أنا وأخواتي. وكنت تفخر دوماً وأنت تنطق بـ"أبنائي" بينما تعتريك لذعة من الضيق والسخرية بل والغيظ، وأنت تخاطبها "بناتكِ". وكان الغضب يمتلكك عندما أعصي الأوامر، وهو ما كان يحدث في الغالب، فالعصيان كان دأبي، وتلك كانت طريقتي الوحيدة في التأثير عليك
"كنتُ أسعى لأجد تبريراً لموقفك، فأجده في الأحاديث المملة للنساء، حينما كانت إحداهن تطرح على الأخرى السؤال التالي بإلحاح: "كم طفلاً لديك؟" كنت أسمع، غالباً، هذا الجواب، مثلاً: "ثلاثة!" ثم أسمعُ من طرحَ عليها السؤال بعد برهةٍ من الحيرة والتردد: "ثلاثة أطفال فقط، وست بنات، أبعد الله عنك كل مصيبة!" وفي الرابعة أو الخامسة، كنت أشعر بأن أحاديث المحيطين بي تنال مني وتجرحني. آنذاك، كنت أفسرُ أن البنات ما كن قط أطفالاً، وهن عرضةٌ للإهمال منذ الولادة ويجسدن عاهة جماعية لا يتخلصن منها سوى بإنجاب الأبناء. كنت أشاهد الأمهات وهن يمارسن هذا التمييز بين الأبناء والبنات. ولفرط ما لاحظت وحشيتهن، وحاولت فهم دوافعهن، كنت قد توهمت اقتناعاً مفاده أن مكرَ الأمهات وبغضهن ومازوشيتهن، هو ما يهيئ الرجال لدور الأبناء الغاشمين هذا، حينما تعدم الفتيات الأب فذلك يعني أن ليس للأمهات سوى الأبناء. وأنهن بأنفسهن لم يكن قط طفلات. ماذا فعلن بالعصيان؟" (ص 11-12)
ويمكن القول إن الكاتبة تنطلق من رواية تفاصيل حياتها مع والدها، لتقول إن المرأة مسؤولة عن جزءٍ كبير من التهميش الذي يلحق بها
"الرجال يشنون الحروب، والنساء يدرن أسلحتهن على أنفسهن، وكأنهن لم يبرأن قط من سطوة الوضع، لقد جعلنني أعزف أبداً عن الرغبة في أن أكون أماً. وقد بذلت وقتاً كثيراً لإدراك ذلك" (ص 12)
تبدو حياة الكاتبة امتداداً لحلم متصل، ورغبة في التمرد والحرية، بحثاً عن حياة جديدةٍ خارج صحراء الجزائر، ورمل البدايات والطفولة، وجور الأب وهامشية الأم وارتباك الأخوة
"لم أبحث عنك في رجالٍ آخرين وإنما أحببتهم على اختلافهم لأبقيكَ غائباً! لقد خُلِقتُ، يا أبي للحب مع أولئك الرجال، أما أنت فتجهلُ حتى أسماءهم، ولذا أريدُ أن أضمك إليهم في كتابي. ولن تعني شيئاً ما دمت لا تجيد القراءة يا أبي. لا يهم، فأنا سأفعل ذلك" (ص 19)

في سيرتها الروائية، تترك الكاتبة موطنها حيث سيادة الرجل بالغة وقاسية وتستتبعها الأحكام والممنوعات، الأصوليات ونقص الأكسجين في عيش المرأة بشكل عام
منذ طفولتها سارت مليكة مقدم على حافة الهاوية، ورصدت في كتبٍ عدة حالات تمردها وشغفها بحريتها التي انتزعتها انتزاعاً
وهي، في هذا الكتاب، تتقدم خطوة نحو إعلان حريتها، فتكتب عن "رجالها" الذين تركوا بصمات عميقة في حياتها، عن الرجال الذين عبروا حياتها أو عبروا سريرها، عن الرجال الذين أحبتهم أو أحبوها، عن هذا الحب الخالص، الحر، الذي يكره المساومات والتملك: "لا أرى الحب على أنه علاقة قسرية". ولا بد أن نشير إلى أن مليكة مقدم باختيارها لصيغة المضاف والمضاف إليه في عنوان الكتاب، تبدو وكأنها تنسب الرجال إلى نفسها أو تجعلهم يدورون في فلكها بالذات، ربما رداً على المجتمع الذكوري وقيوده ونظرته الدونية للمرأة

وهي تستعيد التحديات التي واجهتها والأزمات التي مرت بها، بأسلوبٍ تقليدي، لا يخلو من ومضاتٍ شعرية هنا وهناك
"لم تكف الحُفر عن التكاثر في حياتي. وذلك لا شك، يعود لفرط ما كنت أسير دائماً على حافة الهاويات" (ص 80)
وفي "رجالي" إعلانٌ ومكاشفة، واستحضار للذكريات
"لم يبارح الصِبْيةُ أنظاري منذ نعومة أظفاري، منذ ولادة أولأخوتي، ترددت أصداء صيحات الفرح في أرجاء دارنا: "أخيراً جاء ولدٌ!" وكأننا، فجأة، نجونا من البؤس والشقاء. "لقد جاء ولدٌ. الولد". كانت تلك الجملة تتناهى إلى مسامع أمي، وقد باتت، الآن، والآن فقط، تحظى بشيءٍ من التقدير والاحترام" (ص21)
كان طبيعياً أن تتساءل الفتاة: من أين ينال الولدُ كل هذه السلطة؟
"أعرف أين يكمن الفرق الوحيد بين ذلك الأخ وبيني. فقد رأيتُ النسوة، يكاد يُغشى عليهن أمام الزائدة اللحمية المجعَدة، المتدلية من أسفل بطنه، كبلحةٍ تيبست. حينما انصرف الاهتمام عنه، فيما بعد، سأنبش في حفاضاته: "لا فرق بين هذا وذاك؟" لماذا هو أفضل مني" (ص 21-22)
وهي تتذكر القبلة الأولى التي تبادلتها وهي في سن الثانية عشرة مع فتى يكبرها بعامين أو ثلاثة. كان الفتى جميل رفيق رحلتها بالحافلة المدرسية، في حين لعب السائق بشير دوراً بالتواطؤ مع المتحابين
"ذات يومٍ، حين قادتنا رحلاته عبر بشار إلى محيط كسار، تسلقنا جميل وأنا الكثيب الشاسع على حافة الوادي. حينما بلغنا القمة لاهثين أمسك جميل بيدي وشدَني إليه بلطفٍ وقبَلني. رأيتُ الكثيبَ والسماء في حلكة عينيه، وشعرتُ بجسدي يذوب على شفتيه. فجأةً، ذهلنا لجرأتنا بقدر ما انتابنا القلقُ وغريزة الخوف من أن يرانا أحدٌ ما، فنزلنا مسرعين إلى الحافلة. من أسفل الكثيب رنوتُ نحو القمة المرة الأولى تلك، فألفيتُ كثيب بشار شاهقاً مقبباً أصهب اللون، كأن الأرض تلثم، به، القبة الزرقاء" (ص 30)
مذاق القبلة ظل على شفتي المراهقة التي عاشت في مجتمعٍ تتهامس فيه النساء قبل أن يقلن لبعضهن البعض: "لقد تبادلنا القبل وكلٌ احتفظ بشفتيه"! (ص 32)
تجربة لم تكتمل بسبب طموح الفتاة إلى الخروج من الصحراء بحثاً عن التعليم الجامعي والحرية

ثمة علاقات الكاتبة مع الرجال، العلاقات الجيدة أيضاً خصوصاً التي جمعتها بطبيب القرية وتسميه "رجل قَدَري"، وهو د. شال الذي وفر لها في عيادته فرصة معاينة آلام الآخرين، ما ساعدها على الترفع عن آلامها الشخصية، والسعي إلى تحقيق حلم دراسة وممارسة مهنة الطب. وشخصية الدكتور شال توحي بنوع آخر من الأبوة هو أقرب إلى الاحتضان والرعاية والحدب منه إلى الهيمنة والزجر والغضب
"سأصبح ذات يومٍ طبيبة. نعم، طبيبة من طينته" (ص 52)
أما على صعيد الرجال الذي ارتبطت معهم بعلاقة عاطفية فهم يتوزعون بدورهم بين الوطن والمنفى، وإن كان هذا الأخير هو الذي حاز على النصيب الأوفر من حياة الكاتبة، خصوصاً بعد فشل علاقتها بمواطنها وزميل دراستها الجامعية سعيد أو "الرجل الأشقر" كما تسميه، والذي لم يستطع رغم حبه لها أن يخرج من ربقة التقاليد التي أعادته في النهاية إلى أصله وروح القبيلة، ما شكل حال افتراق نهائية بين المحبين
كان سعيد سليل عائلة برجوازية، جذبها إليه بنظراته، التي رهنت البشرة لشهوة العاطفة، لتبدأ حكاية مليكة الأولى مع الحب . "كانت يداه تبوحان لجلدي بأسرار لا ينتظرها" (ص 54). أحبت مليكة الشاب واللون الأخضر لعينيه، مثلما أحبت جزائرياً آخر يدعى مصطفى سيصبح بدوره صديقها المفضل، خارج إخفاقات الحب وحدوده. هذان العاشقان صالحا مليكة مع الجزائر. "تعلمت من جديد أن أكون جزائرية، وأن أشعر بذلك الانتماء، مع إدراكٍ أكبر للتعقيدات الاجتماعية، ولعدم نضج هذه الأمة" (ص 55)
وحين تطرق الرغبة أبوابها تتساءل قائلةً: "كم من النزهات بالسيارة في الربوات المطلة على البحر تكفي لتطويع الشهوة والرغبة؟" (ص 55)
كان طبيعياً أن يحدث ما تريده مليكة
"كنا في غرفتي في المدينة الجامعية، وكان سعيد منقبض النفس يلهث مبهوراً، قال: "أنا أحبكِ وأحترمك، ولكنني لا أستطيع أن أمارس معكِ ذلك!". "ذلك" هو ممارسة الجنس معي. بعد ذلك بقليل، حينما طغت علينا العاطفة، همس مهتاجاً: "سنتزوج" وبذلك سنستطيع إلى ذلك سبيلاً. أريد أن أمارسَ معك ذلك حسب الأصول" (ص 57)
إلا أن مليكة لم تكن راغبة في الزواج.. كانت تسعى فقط إلى الحب. وسينتهي عناقُ الرغبة بالتغلب على المكابدة البطولية لهذا الشاب القادم من منطقة القبائل

وحين يلتقي عاشقان تسيل فضة الماء من الينابيع
والماءُ يُهلِكُ، يصعقُ.. يشحذُ أشدَ الحواسِ تأجيلاً
"ذلك الألم الخفيف وذلك الابتهاج. نعم إنه ابتهاجٌ أكثر منه متعة
الابتهاج بتحرري من ذلك المحظور الجسيم رغم أنف القراراتِ العائلية والاجتماعية. لن يرى أحدٌ بقعةً من دمي على غطاء السرير أو على قميصٍ. لن يعرضها أحدُ كوصمة شرفٍ لقبيلة بأكملها. لوحدي، سأغسلُ دمي. أريدُ أن أغسلَ دمي من كل ما يدنسُ حياة امراةٍ ويدنسها" (ص 589)
لمست مليكة اضطرابَ سعيد حتى اغرورقت عيناه بالدموع، ليس نتيجة تلك المشاعر الحسية فحسب، وإنما بسببِ شعوره بجزءٍ من الإثم لما جرى بينهما، فأخذت تهدىء من روعه. عن تلك اللحظات تقول: "لم أستطع الإحجام عن التفكير بانذهال ووجوم: حينما ندع الفتيات يُغتَصبن برضى أسرهم فهن من يَبكين، وحينما يقررن بمفردهن ما يخصُ علاقاتِهن الجنسية، فيمكنهن حينها أن يُبكين" (ص58)
وفي المرةِ الأولى يحضرُ الجسدُ كله دفعة واحدة، ليخرجَ هادراً من بحر الغياب
كانت المرةُ الأولى تلك، وإن افتقرت للمهارة والخبرة، حدثاً عظيماً في حياة مليكة، التي تستفيض في الحديث عن العلاقات الجنسية بين طالباتِ الجامعة وأصدقائهن، ودور طالبات كلية الطب في تمويل الفتيات بأقراص منع الحمل، مثلما تحكي عن فشل منهج أوجينو في منع حمل بعض زميلاتها، ما أجبرهن على الإجهاض. هنا تتساءل قائلةً: " كم من الفتيات حبلن وهن لا يزلن عذارى؟ أغلبهن! ورغم الحدود المفروضة على لهوهن، فإن حيواناً منوياً عنيداً يتغلب على العقبات ويبلغ مبيضته. ولا يتبقى لحالات الحَبَل بلا دنس تلك، سوى الاستسلام، في النهاية، لفضِ البكارة قبل الإجهاض" ( ص 59)
وللمفارقة، فإن طالبة الطب التي اعتادت أن تزود زميلاتها بأقراص منع الحمل اكتشفت ذات يومٍ أنها حبلى. وسط هذه المفاجأة، كانت في زيارةٍ إلى منزل صديقين لها هما عالمة الاجتماع التونسية أمينة وأستاذ الأدب الفرنسي جاك، حين التقت عاشق البحر الفرنسي آلان، فخاضت معه مغامرة عابرة. "احتج البعض ممن حولي على الخيانة. "خيانةٌ" لا مفر منها" (ص 63)
وبعد أن أجهضت الجنين الذي في أحشائها، افترقت عن سعيد الذي عاد إلى حظيرة تقاليده وتزوج لاحقاً وأنجب أطفالاً قبائليين، تماماً مثلما أرادت له العائلة
بعده هجرت مليكة حباً آخر باغتها، وهو قبائلي آخر، أشقر آخر، ابن ثري آخر. بدأ الأمر بلقاءٍ وصداقةٍ في يونيو حزيران 1976، ثم مارسا الحب بهدوءٍ وشبق، عشية استئناف الدراسة الجامعية وسفر نورين إلى غرونوبل حيث كان يدرس الاقتصاد. وفي إبريل نيسان 1977 تركت نورين العاشق من دون وداع، وسافرت إلى فرنسا. وهناك، أصبح لها عشاقٌ لمساءٍ واحد. "فقط الشهوة والمتعة ما أريد، وحدها بدايات العلاقة ما أريد، وكل ما عدا ذلك يرهقني ويثبط همتي ويضجرني. لدي سلوك ماشوي (مازوشي)، أعرف ذلك" (ص 67)
في تلك الفترة فتحت مليكة أبواب الجسد على مصاريعها. "بلغت الرغبة عندي في استكشاف العملية الجنسية وتفجرها ذروتها. هجومٌ معاكس لجسدٍ يرفض حرمانه، ويواجه دناءات العواطف باندفاع الشبقية وتكرار عملية الانتعاظ استنكاراً للكآبة، وجسد رجلٍ من أجل الرحيل، من أجل البقاء حية" (ص 68)
"واقتنعتُ بأن وحدَهم رجال الأمكنةِ البعيدة، رجال أرضٍ أخرى، سيقدرون على مساعدتي في الخلاص تماماً من الفوضى الجزائرية" (ص 64)
هذا ما يرد على لسان الكاتبة البطلة بعد فشل حبها الجزائري. وهي إذ تلتقي بجان ـ لوي، الفرنسي الذي درَّس لسنتين في جامعة وهران والذي يملك مركباً شراعياً، تشعر بأنها تحقق متعتين متعلقتين بالحرية أو بحاجتها إلى الرحيل. المتعة الأولى ناجمةٌ عن كونه أجنبياً وينتمي إلى بلدٍ ينعم بقدر وافر من الحرية، والمتعة الثانية مرتبطةٌ بحاجتها إلى الرحيل عبر البحر حيث يمكِّنها المركب الشراعي من تجاوزِ قيودِ اليابسة وقوانينها والوصول إلى ذُرى المتعة الجسدية والتألق الروحي
وتحت عنوان "الفرنسي الذي طبخ لي" تحكي مليكة عن موعدهما الغرامي الأول في شوارع باريس. "حينما أصبحت بلاغةُ النظرة أقوى، بدأنا بتبادلِ القبلاتِ على سلالم مونمارتر. إنها باريس في شهر آب! إنها المرة الأولى التي أرضى فيها بالذهاب إلى بيتِ رجل" (ص 69)
وفي نورماندي وبريتاني ركضت مليكة وسط الحقول وتدحرجت مع جان لوي على المروج، ومارسا الحب عليها، لتمتزج روائح جسديهما بشذى العشب الذي ناما فوقه
أصبحت ثملة بالحب والخضرة


"في حي موفتار، افتتنتُ برؤيته يعدُ لي الطعام، في المساءات النادرة التي لم نكن نتعشى فيها خارج المنزل. إنها المرة الأولى التي يعدُ رجلٌ الطعام لي، إنه لأمرٌ مدهشٌ وشهواني. كنتٌ أتأمله وأنا أطقطق. مارسنا الحب واقفين وسط الروائح المنبعثة من توابل الطعام" (ص 71)
أصبح جسده قارتها
"اكتشفنا في باريس، تلك البوهيمية الشهوانية لحالة العشق. لم ننته، جان لوي وأنا، من الاستمتاع سويةً باللذة، ومن اختبار بعضنا (البعض) والتدله ببعضنا (البعض)، بطرف اللسان وأطراف الشفاه والأنامل وأطراف الحُلم، وفي كل الأوقات. وحينما تنذر أشد نوبات الجوع الأحشاء، كنا نعضُ بعضنا (البعض) في نوباتٍ من الحمى. كنا نلتهم بعضنا (البعض)، ثم ننام متعانقين نفترش الأرض شبعى في لحظةٍ واحدة. في لحظةٍ واحدة. الحب لذةٌ متوحشة. دهشتُ وأنا أراقبُ العشاق الآخرين في باريس، فهم ليسوا فاسقين. إنهم منفردون في التهور، وأفذاذ. أفذاذٌ وبأعدادٍ كبيرة لدرجة أنهم أناروا عليَ المدينة" (ص 71-72)
وفي العام 1978 قرر العاشقان الزواج، الأمر الذي حل مشكلات الأوراق الثبوتية لهذه الطبيبة الجزائرية التي كانت تقوم بمناوباتٍ غير نظامية في إحدى العيادات
عاشا معاً سبعة عشر عاماً، روَضها فيها جان - لوي بصبرٍ مشفوعٍ بخبرة العشاق، وانتشلها من اليأس والقنوط. "ولفرط عنايته بي ومساعدته لي، هداني إلى فكرة أن بلده قد أصبح بلداً لي" (ص 83)
مع جان - لوي ذهبت ابنة الصحراء في نزهاتٍ ورحلات أوديسية للون الأزرق الممتد أمامهما، لينقشا معاً على صفحة المياه نشوتين: الرحلة البحرية والحب
"لقد خطفني، أحبُ أن يخطفني الرجال" (ص120)
غير أن ظهور شقيقتها نعيمة يحدث الزلزال، فقد استنجدت بها شقيقتها نعيمة في العام 1985، بعد أن اكتشف إخوتها مغامرةً عاطفية كانت تخوضها مع رجل بعيداً عن أنظار زوجها. بعدها هربت نعيمة من الجزائر إلى باريس وتزوجت في الحال رجلاً فرنسياً. التقت الشقيقتان بعد طول غياب، ثم أقامت نعيمة وزوجها لفترةٍ في منزل مليكة وجان - لوي ريثما يعثران على عمل ويستأجران منزلاً، وهو ما حدث بالفعل. وفي نهاية أحد الأسابيع، كان زوج نعيمة على سفرٍ، فأتت إلى منزل شقيقتها كي لا تبقى وحيدة. كانت مليكة مناوبةً في المشفى في يوم السبت ذلك، وكان من المفروض ألا نعود إلى منزلها إلا بعد أربعٍ وعشرين ساعة، لكن أحد زملائها عرض عليها أن يحل محلها لتنصرف من العمل باكراً. وعندما وصلت إلى منزلها وجدت الباب مُغلَقاً من الداخل، والمفاتيح في القفل. لم يكن ذلك من عاداتِ جان - لوي


"استغرق بعض الوقت حتى أتى. كان في مئزر الحمام، وكان شعره مبللاً وأشعث، ونظرته مرتبكة. شاهدتُ نعيمة تسرعُ إلى غرفتها ملفوفة بمنشفة. اعترف جان – لوي: كنتُ أستحمُ، تعرَت وأتت تقفُ معي تحت رشاش الحمام. أقسمُ لكِ بأنني حتى لم أبلغ النشوة"
"يا مسكين! أتريدُ أن تقول بأنني وصلتُ باكراً" ضغطَ على أنفه مثلما يفعلُ كل مرةٍ يشعرُ فيها بأنه مذنب. انفجرتُ فيَ ضحكةٌ عصبية. صرخ جان - لوي: يا نعيمة! قولي لها إن هذه هي الحقيقة. قولي لها بأنكِ أنتِ التي...".. صرخت من الطرف الآخر من المنزل: "هذا صحيحٌ. أنا المذنبة" (ص 127)

على أن البطلة إذ تكتشف خيانة جان ـ لوي لها، ومع أختها بالذات، ما تلبث أن تبادله الخيانة بخيانةٍ مماثلة، مع صديقٍ مقرب لهما
الانكسار الذي تعرضت له والهوة التي أصبحت بينها وبين زوجها، دفعاها إلى الاستقالة من عملها في المشفى وخوض تجربة الكتابة، التي استولت على كيانها. وفي خطوة للمصالحة، عرض عليها الزوج الإبحار بمركب شراعي في العام 1986 لتتمكن من الكتابة والاستمتاع بالرحلة البحرية
"كنت أكتب بينما جان - لوي يقرأ. كان يقرأ كثيراً، يقرأ روايات. وكان ذلك رابطاً قوياً بيننا، ضفتي الكتاب تلك: القراءة في تواقتٍ مع الكتابة. كل الكتب التي تركتها في الجزائر، وجدتها ثانية عنده، اشتريناها سوية. حتى مركبنا الشراعي، ريح الرمل، كان يتباهى برفوفٍ تعج بالكتب. كتبٌ في "ريح الرمل" ريحي الرملية في عرض الأبيض المتوسط. من يبحرُ بالآخر؟ لا يهم، لقد تركت الأشباح المزعجة على البر. رفعت عيني عن دفتري، وطرح جان - لوي كتابه على ركبته. نظرنا إلى بعضنا البعض مدركين بأننا نعيش لحظاتٍ استثنائية رائعة. كنّا كمشاغبين ماكرين يلتذان بخدع تفرضها الأيام الرديئة. واحد من النصوص التي كتبتها أثناء الإبحار: "البحر، الصحراء الأخرى" ينتهي بالكلمات التالية: أذيب البحر والصحراء، وأمزجهما في صورة واحدة: "جرح حريتي المضيء" (ص 132-133)
وتقول الكاتبة إن شهرتها كانت سبباً في الانفصال، إذ بدأ الزوج يشعر بالغيرة من النجاح الذي تحققه ككاتبة. "أيُ انحرافٍ يجعل النجاح الأدبي لامرأةٍ يتحولُ إلى خطرٍ قاتلٍ لرجُلِها؟" (ص 134)
وفي الأعوام الأحد عشر التالية، عاشت مليكة سلسلة من الاستيهامات وتجاربِ الحبِ الناقصة، لعل أبرزها مع الرسام الكندي جان كلود، لتستغني بعد ذلك عن حب الرجال. "رغبةٌ متواترةٌ في إزاحة جسم الجريمة بالزهد وحرمان الذات" (ص 214)
وهي تكتبُ بحزنٍ وترقب وشاعريةٍ حزينة وإيحاء، كيف أنها تنتظر الذي لا يأتي أبداً، وكيف أنها تتركُ العشاق وتتجاهل المحبين والمتوددين، محاولة أن تثبت لنفسها في كل مرةٍ أنّها حرة، وقادرة على مراقبة الآخرين وهم يندفعون نحوها.. فيما تتمتع هي بنوعٍ نادر من الخلاص العاطفي والقدرة على البتر والمضي قدماً

تستفيضُ متاهةٌ في نجمةٍ مسكونةٍ بالنار والماءِ المُراقِ


ها هي تعود إلى عزلة الطفولة، بلا عائلة على الرغم من أن والديها حتى ساعة إصدار هذا الكتاب كانا على قيد الحياة، وعلى الرغم من وجود العديد من الأشقاء والشقيقات. وحيدة بلا حب ولا طفل..وحيدة بين بلدين وثقافتين، حتى وإن انتحلت كل ضياء القمر

عاشقةٌ تتمنى فقط أن تغرقَ في دموعها، ربما لأنها لم تتعلم يوماً كيف تتذوق صدى ضحكتها

والحياة تجري كحصانٍ جامح، فإن عجز البعض عن الإمساك بها فإنه يحاول أن ينسى اللجام، ويركز على متعة التجربة


مثلما الذكريات، كذلك المُتع: أحلاها دوماً الناقصة أبداً

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

23 التعليقات على "كتاب الرغبة (15): خارج القبيلة"

أكتب تعليقا