كتاب الرغبة (11): عشيق حرم وزير الداخلية

| |



هذه حكاية زوجة الرجل القوي في المغرب، التي هجرته لتمارس الحب مع عشيق شاب في أنابيب الصرف الصحي
وأعينُ العشاق ضريرةٌ عن رؤية أي شيء سوى من تحب. فالعاشقُ يعصر اللحظات ليعيشها حتى الرمق الأخير، يهبط بسلامٍ سلالم الروح، ليصعد بعدها مترنحاً إلى قبابِ البهجة

إنها فاطمة الشنا، زوجة الجنرال أوفقير الذي كان يصيب اسمه الآخرين بالرعب، فهو وزير الداخلية والساعد الأيمن لعاهل المغرب الملك الحسن الثاني. وفي فترةٍ من الفترات، كان يُقال في المغرب: الملك يتسلى، والجنرال يقود
غير أن زوجة الجنرال أحبت، وكشفت عن حبها وحكايتها - أو قُل مغامرتها- العاطفية في سيرتها الذاتية
ولعل هذه العلاقة التي خدشت زجاج حياة هذه المرأة فرصةٌ مناسبة لقراءة هذه السيرة التي تُرجِمَت إلى اللغة العربية أكثر من مرة، ومن ذلك: ("حدائق الملك: الجنرال أوفقير والحسن الثاني: شهادة ومذكرات"- فاطمة أوفقير؛ ترجمة: ميشيل خوري- دمشق، سوريا : دار ورد، 2000- 239 صفحة؛ "حدائق الملك: أوفقير والحسن الثاني ونحن"- فاطمة أوفقير؛ ترجمة: حسين عمر- الدار البيضاء، المغرب، المركز الثقافي العربي، 2007- 270 صفحة). وسنعتمدُ الترجمة الأخيرة في السطور التالية
ولنبدأ من خيط الطفولة
"طوال حياتي، كنتُ أحلم بالحرية. حينما أغوص في ذكرياتي البعيدة، أرى نفسي تلك الطفلة الصغيرة ذات السنواتِ الثلاث، الهاربة وحيدةً على دربٍ مشمسٍ، بلا هدفٍ، حرّةً" (ص 15)
كان ذلك في دمشق، عشية الحرب العالمية الثانية، يوم عيد الأضحى.. هربت فاطمة من مرافقها وتوجهت بمفردها إلى المكان الوحيد الذي تعرفه: ثكنة الأب. استقبلها الضباط المجتمعون على الفطور بحفاوة بالغة. وبعد أن فتش عنها الأب في كل مكان، استعلم عنها في الثكنة، حيث وجدها أخيراً
"انتهت مغامرتي بشكلٍ مثير للشفقة: فطوال أكثر من كيلومترٍ من مسافة العودة إلى البيت ظل أبي يدفعني أمامه وهو يجلدني بأغصانٍ رفيعة رسمت خطوطاً حمراً على جلد فخذيّ العاريين. دفعتُ غالياً ثمن هربي"
ظل هذا التأديبُ العنيف والبالغ القسوة محفوراً في أعماقِ ذاكرة فاطمة، ومضى وقتٌ طويل قبل أن تغفر لأبيها قسوته معها
"مع ذلك أغفر في النهاية لمن أساءوا ليّ. أنا أسامح ولكن لا أنسى،، فالأحداث الأليمة تبقى حية في أعماقي
بأية حال، بحثتُ في ذلك اليوم الغابر عن الحرية، حرية لم أعرفها قط" (ص 16)
توفيت الأم ذات الثمانية عشر عاماً، أثناء إنجابها طفلها الثالث. في تلك اللحظة المفصلية انهار عالم فاطمة، فقد ماتت الأم، وغادر الأب إلى الحرب، عائداً إلى سوريا أولاً ثم إلى أوروبا على ضفاف الراين. عهد الأبُ بفاطمة وشقيقها فؤاد- الذي مات لاحقاً وهو في سن الثامنة متأثراً بمرض السرطان- إلى دادا فضيلة، خادمة الأم بعد زواجها. وتحت رعاية هذه المرأة، استُقبِلَ الطفلان من قبل عائلة كبيرة في مكناس، آل بن زيدان. وبوساطة تلك العائلة، التقت فاطمة محمد الخامس لأول مرة، فقد كانت شقيقة السلطان للاّ زينب، زوجة مصطفى، الابن البكر في عائلة بن زيدان. وذات يوم اصطحبتها للاّ زينب إلى قصر مكناس، حيث التقت محمد الخامس، الذي سألها بضعة أسئلة عن اسمها وأين تقيم، إلخ
"كانت للاّ زينب تزداد شحوباً مع كل كلمة يتفوه بها شقيقها، وترتعد بكل أعضائها، وسرعان ما أبعدتني عنه. لم تكن تخشى سوى امر واحد: أن ترى السلطان وقع اختياره عليّ
قالت لي:
- أنتِ صغيرةٌ وناعمة جداً، ويتيمة، ووالدك غائب...الأمر برمته لا يتعدى أن تكوني واحدةً من محظياته. هذا لن يحصل أبداَ! لا أريد أن تقضي حياتكِ باكيةً حبيسة قصر، تلعنينني صباح مساء" (ص20)
التحقت فاطمة بالقسم الداخلي في ميتم الراهبات الفرنسيسكانيات في مكناس. في ذلك المجمع الواقع بين المدينة القديمة والجديدة، تعلمت الفتاة على يد الراهبات. "إذاَ، كان أول دينٍ تعلمته وفهمته ومارسته هو الكاثوليكية. أذهبُ صباحاً وظهراً ومساء، للصلاة في الكنيسة الجميلة المزينة بنقوش من الجبس مذهبة؛ أصلي، وأنا أجلس على الأريكةِ الزرقاء للمقاعد الخشبية، للمسيح العظيم المصلوب وتمثال العذراء العاشقة التي تلفني نظرتها العذبة والنقية. حملتُ بورعٍ حول عنقي وعلى قلبي الصليب وأيقونة مريم..استمر ذلك لخمسة أعوام، طوال المدة التي كان فيها والدي يخوض الحرب حتى عام 1946" (ص 22)
ثم عاد الأب
تزوج أبوها، وهو في الثلاثينيات من عمره، فتاةً تدعى خديجة، اختارها له آل بن زيدان. "بعد انقضاء شهر العسل، جاء أبي يبحث عني ليخرجني من الدير. عاتبه الجميع في وسطه العائلي:
- كيف هذا؟ لقد أصبحت ابنتك مسيحية! هذا عار" (ص 23)
غادرت فاطمة الدير وأدخلها الأب في المدرسة الفرنسية المختلطة، لكنها لم تتكيف مع حياتها الجديدة وبقيت سراً وفية لتعاليم الراهبات، حيث دار صراع بين الأب وابنته بسبب الأيقونة التي كانت تتقلدها

سارت سنواتُ المراهقةِ بين السياسة التي اكتشفت أصداءها وعزلة العالم التي اصطنعتها لنفسها في غرفتها الخاصة.. إلى اليوم الذي التقت فيه محمد بن أحمد أوفقير. كان نقيباً لامعاً في الجيش الفرنسي حائزاً على أوسمةٍ رفيعة. بعد أن أمضى بعض الوقت في الجزائر، شارك في غزو إيطاليا، ثم نُقِلَ إلى الهند الصينية، التي تورط فيها الفرنسيون. كان آنذاك في الثلاثين من عمره، رجلاً عرف الحرب وذاق أيضاً طعم الملاهي والنساء والمغامرات
بعد ثلاثة أيامٍ من اللقاء الأول في منزل العائلة، طلب أوفقير الارتباط رسمياً بفاطمة، ثم تزوجا في 29 يونيو حزيران 1952 حين كانت فاطمة في سن السادسة عشرة. أحبت الفتاة هذا الرجل الناضج الذي فهم سريعاً أنها لم تكن تعرف عن الحب والحنان والثقافة أي شيء. بدت فاطمة مولعة بالسينما إلى حد الإدمان، لدرجة أنها كانت تحضر ثلاثة عروض سينمائية يومياً
كانت تنتشي سعيدة بانتقالها من الأفلام إلى الحفلات الراقصة.. إلى أن بدأ سيناريو الحمل
"فأنجبت طفلي الأول باكراً، وبعد الوضع بثمانية أشهر، كنت، حبلى من جديد..ومرة تلو المرة.. أصبح لديّ، في سن الثانية والعشرين، ثلاثة أطفال وحملُ أُجهِضَ في الشهر الخامس، جراء حادث!" (ص 42)
أما أوفقير فقد بات تدريجياً شخصية قوية ومؤثرة ومرهوبة الجانب، إذ استبقاه محمد الخامس لفترةٍ طويلة مرافقاً له مانحاً إياه صلاحياتٍ ومسؤوليات متزايدة الأهمية والخطورة، وخصوصاً بعد دوره في خلع السلطان محمد بن عرفة، وإعادة محمد الخامس إلى القصر. عينَه محمد الخامس مديراً للأمن، ثم اختاره الحسن الثاني ليكون وزيراً للداخلية عام 1967 قبل أن يصبح في العام 1971وزيراً للدفاع
وعن الملك الحسن الثاني تقول فاطمة أوفقير إنه "أحاط نفسه بأسرابٍ من النساء صغيرات السن، اللواتي سرعان ما ملّ منهن واستبدلهن بشاباتٍ ملأن عليه القصر"، و"عج القصر بحلاَقاتٍ صغيرات لطيفات ناعمات الوجوه، وفاتنات مجهولات بقاماتٍ ممشوقة، بل وصلت فتيات اشتهرن بسوء سمعتهن في الرباط إلى وظائف في مكاتب بعض وزراء البلاط" (ص 73)
وهي تقر بحقيقة مشاعرها تجاه العاهل المغربي، قائلةً: "ربما كرهتُ الحسن الثاني في الفترة التي أذاقني فيها أقسى الألم وأمرَ العذاب، ولكن رابطة عميقة ظلت باستمرار بيننا. شعورٌ لم تستطع حتى المحن والآلام والظلم وقسوة قدرنا أن تخنقه. إذ لا يمكن للحياة التي عرفناها والعاطفة التي كانت توحدنا والصحبة الحميمة التي كانت تربطنا أن تنحلَ وتزول" (ص 81)
غير أنها تضع خطاً أحمر، بالقول: "حينما أذكر تلك الحميمية، عليَ أن أوضح بأنني لا أقصد بالتأكيد حميمية جسدية، حيث أُشيعت الكثير من الإشاعات..ففي كتابه "صديقنا الملك"، ذهب جيل بيرو إلى حد أنه كتب أن ابنتي سكينة هي ثمرة علاقة بالملك!" (ص 81)..وتؤكد فاطمة أن ذلك لم يكن صحيحاً، إذ "كانت علاقتي الحميمة مع الحسن الثاني أنني كنتُ أستطيع التحدث إليه بلا خوف، وقول الحقيقة أمامه دون أن يستاء مني، أو يأخذ به الشك. هذه هي الحميمية مع ملك" (ص 82)
ثم تفتح فاطمة أوفقير خزائن ذكرياتها وحكايات القلب، وهي حكاية كل امرأةٍ تبحث عن آخر الموديلات في عالم الأحذية، وتنسى قلبها حافياً بلا أحد
"ذات يومٍ، اكتشفتُ أن لزوجي عشيقات منذ زمن طويل. في بداية زواجنا، كنتُ بلهاء، وساذجة كثيراً! وفيما بعد، خلال حكم محمد الخامس، كنتُ باستمرار غائبةً عن بيتي، بل لم أكن أعلم ما يجري فيه، لأنني كنتُ دائماً في القصر، واستغل أوفقير ذلك
اليوم، أدركُ أنه خانني مع نساء، ربما كنّ أكثر ذكاء وأنوثةً وجاذبية مني. كنت أخاف من ممارسة الحب معه خشية الحمل، وكان بإمكاني أن أتمنّع عليه لشهورٍ عديدة، وهكذا بدأ كل شيء"
والخيانة تشبه سماء زجاجية ثقيلة تنسلخ من عليائها السابعة، وتهوي. صوت ارتطامها بالأرض يطحن الأسماع
وهي تقدم لنا الأدلة التي وجدتها ضد أوفقير الزوج
"يغيب لأيامٍ كاملة، وعند عودته، أجد أحمر الشفاه على قمصانه..النساء يلاحظن هذه الأمور، ويشعرن بها إن أردن ذلك. لم أوجه له اللوم، لأن كبريائي المفرط كان يمنعني من الخوض في مشاحناتٍ زوجية، فتحملتُ وتجلَدت. ولكن ذات مساء، أخبرته بهدوءٍ تعجبتُ له بنفسي:
- في اليوم الذي سأخونكَ فيه، ستذرف الدموع دماً
- فأجابني بخبثٍ ودهاء:
- - إن تجرّأ أحد على أن يشتهيك، فلا تُقصّري!" (ص 87)
وجاء ذلك المتجاسر، وكانت الهزيمة مريرةً لأوفقير
"لم أرد الانتقام لنفسي، بل حقاً أحببت. وللمرة الأولى في حياتي، وبفضل ذلك الرجل المقدام، امتلكتُ القدرة على أن أجابه زوجي، وأبدأ انطلاقتي، وأعيشَ لحظاتٍ رائعة في نشوة الحبِ والعاطفة المتقاسمة مع من أحبّ" (ص 87-88)
بدأت الحكاية عام 1963 في فندقٍ بطنجة
"كنتُ جالسةً إلى المائدة مع أحمد الدليمي، مساعد أوفقير، ومجموعة من الشخصيات المقربة من الحكومة. فجأةً، شعرتُ أن عينين تخترقان كياني من خلف ظهري..فالتفتُ بهدوء، والتقت نظرتي بنظرة شابٍ كان يرمقني، وفي تلك النظرة التي تبادلناها بصمت، حدث شيءٌ لا يمكن شرحه، ولم أكن أنتظره، ولم أكن مهيّأة له
بعد لحظاتٍ من ذلك، طُلِبَت السيدة أوفقير على الهاتف.وكان على الطرف الآخر من الخط، الرجل المجهول الذي بالكاد لمحته
- صباح الخير، سنلتقي غداً
- واعدني. أردت أن أتكلم، ربما لأرفض، ولكنه أغلق الخط. تحدى ذلك الشاب أوفقير بكل جبروته! وهكذا وجدتُ نفسي منجرفة في قصة حبٍ كقصص الخيال" (ص 88)
التقى الاثنان في اليوم التالي وتعارفا. كان اسمه حسن، ويُسمى حسنيتو لأنه يتحدّر من منطقةٍ قريبةٍ من إسبانيا، وكان عسكرياً في السادسة والعشرين من عمره، أي أنه أصغر سناً من فاطمة بقليل. بدا الشاب جموحاً وجريئاً ومتسلطاً. قرر مباشرةً أنه يجب أن يلتقيا بانتظام، أما هي فقد عاشت صراعاً وحيرة شديدة طوال ثمانية أيام، قبل أن تحسم أمرها وتوافق على لقائه، ليبدأ العاشقان في تبادلِ الحب سراً، ولكنه فاجأ فاطمة ذات يوم بخطوةٍ جديدة "أريدكِ لي وحدي" (ص 89)
رفض الشاب الوسيم اللقاءات الخاطفة، وأراد أن تتطور العلاقة وفي وضح النهار. كان هو من يضع الشروط، وليس أوفقير، الذي كان غاية في الانشغال ولاهياً عن الاهتمام بمشاعر زوجته. إلى أن فرض حسن نفسه عشيقاً علنياً
"كان حسن ينتمي إلى مديرية التدخل والأمن، ويتابع، بصفته هذه، تنقلات الملك وجولاته. ذات يوم، في تطوان، وبينما كانت سرّيته تؤدي التحية لجلالة الملك، ترك فارسي الوسيم رجاله وقاد سيارة جيب وتوقف أمامي حيث كنتُ واقفةً على قارعة الطريق. انحنى عليّ وأصعدني إلى السيارة واصطحبني على مرأى ومسمع الجميع..يا لها من فضيحة!" (ص89)
كان أصدقاء حسن يقولون له إنه مجنونٌ لاستفزازه أوفقير، ولكنه لم يكن يعبأ بتحذيرهم، وظل يرفض بعناد أن يتخفّى ولم يخفِ بأنه عشيق زوجة الرجل القوي للنظام، وأنه يريدها لوحده. "أصبحتُ في وضعٍ غريبٍ وغير مريح: وجدتُ نفسي حائرةً وممزقةً بين ذلك الشاب الذي أُحب وزوجي الذي أحترمه وأخافه" (ص 89)
ولكن ماذا عن الزوج: الجنرال الذي يخافه الجميع؟
"لم يُثر أوفقير الموضوع معي، ولم يَلُمني، ولم يفاتحني بالموضوع. لا شك أنه أراد أن يمنحني الفرصة لأستعيد توازني، وأنه اعتقد بأنني لن أذهب حتى النهاية في نزوتي هذه، وأن هذا الحب العابر سيذوي من تلقاء نفسه" (ص 89)
كان لدى فاطمة حينها خمسة أطفال، وربما اقتنع أوفقير بأنها مهما بعدت ستعود في النهاية إليه
ولتقويض هذه العلاقة الغرامية، حاولت قيادة الجيش إبعاد الشاب حسن عن زوجة وزير الداخلية، ففرضوا عليه، وفي الأماكن الأكثر نأياً، كل الدورات التدريبية التي يمكن أن يخضع لها ضابط: الغطس البحري، وتسلق الجبال، والرماية، والقفز المظلي.. وقد قام بكل ما طلب منه، وبقي عاشقاً بامتياز
طوال ما يقارب أربعة أعوام، عاش الاثنان قصة حبٍ فوضوية. لم يكن بإمكانهما أن يلتقيا إلا في فتراتٍ متباعدة وأماكن مختلفة
"حينما كان في إسبانيا في دورة تدريبية، سافرتُ لزيارة ولديّ مريم ورؤوف حيث كانا حينها في القسم الداخلي من مدرسة ماري- جوزيه في مدينة غشتاد السويسرية. ولدى عودتي، التقيتُ حبيبي المتّيم في منتجع جاكا للتزلج في جبال البيرينيه على الحدود الإسبانية – الفرنسية. لم يكن أوفقير يعلم بمكان وجودي، وبحث عني في كل مكان. وحينما عرف مكاني، أرسل والدي ليراقبني
"كنا نلتقي أحياناً في فرنسا. وذات يوم، بينما كنتُ أعيد الطفلين من مدرستهما السويسرية، أصيبا بطفح جدري الماء وسط باريس، وكان ذلك فرصةً لي. كنتُ أقضي الليل والنهار مع حسن في غرفة فندقٍ في جادة سانت- آن، وأتابع حالة طفليّ في الوقت ذاته" (ص 90)
لكن علاقتهما لم تكن في إسبانيا أو فرنسا فحسب
"في المغرب، تبادلنا الحب في كل مكان، حتى في المجاري قيد الإنشاء! كانت تنفذ في شمال البلاد مشروعات كبيرة، تُستخَدم فيها أنابيب ضخمة، استخدمناها كملاذٍ مؤقتٍ، مزوّدٍ ببطانيتين وبعض المأكولات، وكنا نبقى متوارين فيها لأربعٍ وعشرين ساعة.. لا يعلم أحدٌ أين اختفينا. كان لا بد من الجرأة، فأوفقير يتعقبنا!" (ص 91)
ولكن، من يستطيع كبح جماح عاشقةٍ تكسر النهار من ساقه وتنام بدون عكاز الغد
"مارسنا الحب في البحر والغابة وفي الريف والمدينة، وكأن أوفقير لم يعد موجوداً في البلاد. بفضل ذلك الشاب، عرفتُ ما هو الحب، حب عاشقٍ جسور. في السابق، كنتُ ألتقي برجالٍ يختفون تحت الأرض ما إن يسمعوا اسم زوجي. أما هو، فقد كان يهاتفني في منتصف الليل، وأنا إلى جانب أوفقير، أو يوقظني في الصباح الباكر، ليأمرني:
- تعالي في الحال
كنتُ أنسلُ من السرير لأذهب للقائه، وحينما كنتُ أرتمي في أحضانه، يسألني:
- أقسمي أنه لم يمسّكِ...
كان عليّ أن أقسم، وكان ذلك رهيباً" (ص 91)
وما أصعبَ العناق، حين يكون حناناً مسروقاً!
بدأت فاطمة بالهروب من زوجها، وبدأ هو يدرك أن المسألة جدية. كانت تلتقي عشيقها في شقته الصغيرة، وكان ظلُ زوجها يلاحقها في كل مكان. "أشمُ عطره في المصعد، وأجدُ أحياناً ماسحتيّ زجاج سيارتي ملويتين..وتلك علاماتٌ يتركها أوفقير، ليشعرني بأنه على علمٍ بكل ما يجري. لم أعد أطيق العيش بخوفٍ ورياء، فاعترفتُ له ذات مساءٍ:
- أحبُ شخصاً آخر، وأريد الرحيل" (ص 92)
لسان حالها كان يقول لزوجها: كأنني وحدك في الترقب..وللعشيق: كأنكَ وحدي في الغياب
وبعد إلحاحٍ منها، وقع الطلاق بين فاطمة وأوفقير في 16 يوليو تموز 1964. "ما إن وقَعت الأوراق حتى استغل القاضي، وهو يهمّ بالانصراف، الفرصة المناسبة ليلفت انتباه أوفقير إلى أن لديه ابنةً جميلة جداً تدرس الصيدلة..لقد بدأ الطامعون بدسائسهم لأخذ مكاني" (ص 92)
ولأن الهوى يدور في دم العشاق، فإن أقدامهم دائمة الألم وتدور مع الأرض
"حسب الشريعة، لم يكن يحق لي أن أقيم علاقات جنسية مع رجلٍ إلا بمضي سبعين يوماً على طلاقي، وهو الوقت الكافي للتأكد من أنني غير حامل. ولكن ذلك لم يمنعني من الخروج بصحبة حسن، أو تناول العشاء والذهاب إلى حفلات الرقص العامة معه"
وتعرض حسن للمزيد من المضايقات، فقد أٌبعِد عن الرباط التي كان يخدم في حاميتها، واضطر للالتحاق بثكنة في بو عرفة على الحدود الجزائرية، على مبعدة أكثر من ستمئة كيلومتر عن العاصمة الرباط. وذات مساء، صُدِمَت من الخلف السيارة التي كانت تقلهما وهما عائدان من السينما، وانقضت زمرة من الرجال بزي القوى الرديفة على حسن وأمسكت به ورمته في سيارة جيب، وانطلقت به. ولم تتوان فاطمة عن اللجوء إلى الملك الحسن الثاني لإنقاذ حبيبها. وبفضل جرأتها، كُتِبَت النجاة للضابط الشاب
واستدعى قادة عسكريون حسن وخيّروه بين فاطمة والجيش، فاختارها هي، واستقال من الجيش. أما أوفقير فتزوج امرأةً تصغر فاطمة بثمانية أعوام، اسمها فاطمة أيضاً، وسط إلحاحه على زوجته الأولى كي يستأنفا حياتهما معاً. تقول فاطمة في مذكراتها إنها أرادت الاقتران بحسن، لكن أوفقير هددها بألا يسمح لها بمقابلة أولادها مرة ثانية، فتراجعت عن الفكرة
"كنتُ مرهقةً بين الرجلين اللذين كانا كل حياتي. تُلهِبُ العاطفةُ روحي، ويبقى أوفقير ماثلاً في ذهني، فهو مَعْلَم حياتي الذي لا غنى لي عنه" (ص 95)
وفي 29 أكتوبر تشرين أول 1965 اختفى المعارض المغربي المهدي بن بركة في قلب باريس. وُجِهَت اتهاماتٌ إلى وزير الداخلية المغربي بالتورط في الحادث، إذ قال الجنرال شارل ديغول "يجب أن يدفع أوفقير ثمن ذلك"
في تلك الأثناء، كانت فاطمة منفصلةً عن أوفقير، وتعيش تحت تأثير حسن وسطوته "أصبحتُ مع حسن مجرد شيء يخصّ رجلاً يقرر ما عليّ أن أتناوله وما عليّ أن أرتديه، وإن بان نهداي بعض الشيء من تحت الثوب، يُعنّفني ويأمرني بأن أغيَرَ ثوبي، وأنا لم أكن قد اعتدتُ على أن أُعامل بتلك الطريقة" (ص 107)
لم يكن أوفقير يعاملها بتلك الطريقة المتسلطة، وقد اعتادت أن تفعل ما يحلو لها، لكن ذلك كان مستحيلاً مع حسن
"خالجني شعور غامض بأنني لن أستطيع التفاهم طويلاً معه...وبدأ تراكمُ الأمور الثانوية والجزئيات يغيظني ويزعجني، فعلى سبيل المثال، كان مغرَماً بقدميّ لأنهما ناعمتان، فكيف يمكن القبول بتجزئة كيان امرأةٍ إلى أجزاء متناثرة؟ هذا الشيء فيها جيد، وذاك أقل جودة، وهذا الجزء منها جميل، وذاك قبيح، تتكلم بصوتٍ عال، أو بصوتٍ خفيض..المرأة كيان متكامل، المرأة روحٌ وعقل ونمط حياة. لا تُعشَق المرأة لعينيها اللوزيتين، أو أنفها الخانس، لساقيها الطويلتين أو لقدميها الصغيرتين" (ص 108)
ثم إن أوفقير كان حاضراً، ويطارد العاشقَين في كل مكان. أراد وزير الداخلية استعادة زوجته..وربما كرامته
كانت فاطمة أوفقير حائرةً ومشتتةً بين حبيب يضنيها ورجلٍ صلب لم تكن ترغب في أن تراه يخرج من حياتها. إنها الورطة التي لا تتمنى امرأةٌ أن تعيشها ولو للحظةٍ واحدة
"استبد بي اليأس، فقررتُ أن أنهي حياتي. ارتديت قميص نومٍ حريرياً جميلاً، أبيض اللون، وابتلعتُ كمية هائلةً من المهدئات
في اليوم التالي، عثرت عليّ صديقتي سيلفيا دوكالي، زوجة السكرتير الخاص للملك. دقَت عليّ الباب مراراً دون أن يجيبها أحد، فدخلت لتراني ممددةً على الأرض في سكون، وظنّت في البدء أنني نائمة" (ص 108-109)
نُقِلَت فاطمة بسرعة إلى المستشفى لتبقى في غيبوبة لمدة ثمانية أيام. وعندما استعادت وعيها تصرفت بعنف وقلبت كل شيء في الغرفة. بعد قليل هدت وبدأت تسأل نفسها عن تلك المغامرة العاطفية
"غير أنني التقيتُ حسن لمرة واحدة بعد ذلك، وكان ينتابني إحساس في قرارة نفسي بأنه سيكون اللقاء الأخير. استأجرنا غرفةً متواضعة ومتسخة في سوقٍ في قلب الدار البيضاء، في سوق المزاد حيث لا يمكن لأحدٍ أن يعثر علينا، وحبسنا أنفسنا فيها لثلاثة أيامٍ نعيش فيها على الخبز والحليب فقط، واستمتعنا سوياً بحبٍ جنوني عاصفٍ، ثم قررنا اللجوء إلى ضيافة زوجة طبيبٍ شهير، وهي امرأةٌ جميلة للغاية شغوفة بممارسة الرياضة، ولكنها رعناء بلا أخلاقٍ ولا ضمير. اتصلتُ بها:
- سنأتيكِ أنا وحسن
- على الرحب والسعة، سأعطيك غرفة الأصدقاء
استقبلتنا بثوبٍ منزلي شفاف، يكشف عن عريها على نحوٍ فاضح، وانحنت بشهوانية أمام حسن وهي تقدمُ له الشاي..وهو يمعنُ في مفاتنها المبذولة بلا تعففٍ أو رادعٍ أخلاقي، وأنا أشاهد ذلك العرض من الإثارة والإغراء ببلاهة، ولكن الدم بدأ يغلي في عروقي، وثارت أعصابي: نهضتُ فجأة أهمُ بالخروج، فاستوقفني حسن، وأقسمَ على حبّه الأبدي لي..وأمضينا معاً ليلةً أخرى، ولكن في الصباح الباكر، أخذتُ أغراضي وانسللتُ من البيت
لم أحتمل اشتهاءَ ذلك الشاب لتلك المرأة، تلك الشهوة التي لم يستطع أن يداريها. لم أغفر لهما تلك الوقاحة، وقدمتُ كبريائي على حبي، وأبديتُ صرامةً كنتُ محقةً فيها: من أجل حسن، تخليتُ عن حياتي بأكملها، وقد تجرأ على التصرف معي بوقاحة! وهو ما لا يمكنني أن أتسامح معه
"عدتُ إلى منزلي الصغير في بلانش نيج، وحينما اتصل بي في اليوم التالي، أجبته بجفاء:
- لا تتصل بي مرَة أخرى!
فأراد أن يُسهبَ في التبريرات:
- أنا أتصلُ بكِ من منزلها، لم أستطع..
قاطعته بحزم:
- أعرف جيداً أنك في بيتها، ويمكنك البقاء هناك إلى أن تشبع رغباتك. وداعاً، وشكراً" (ص 109-110)
هكذا انتهت الحكاية، ولم تلتقِ فاطمة حبيبها حسن بعدها، لكنه ترك أثراً لا يُمحى في حياتها
وبذكاءٍ استعادت فاطمة الجنرال أوفقير، بل إنها اشترطت عليه قبل ذلك أن يطلق زوجته الثانية فخضع لها. "من جهته، عاد حسن والتحق بالجيش بعد فترةٍ قصيرة، ثم أرغمه والداه على القران بإحدى بنات عمه، واستمر في حياته البسيطة الهادئة، ولكنه قضى معظمها في التنقل والتجوال، فطوال خمسٍ وثلاثين سنة، لم يُقِم في المغرب إلا نادراً، ظل متنقلاً من بلدٍ إلى آخر كملحقٍ عسكري في سفارات المغرب. وقد قيل لي إنه قد تقاعد عن الخدمة الآن" (ص 113-114)
تذكرت فاطمة أوفقير غرامها مع حسن، وهي تحن إلى تلك الذكريات البعيدة، وتفكر في لقاء العاشق القديم.. ربما في حياة أخرى، لن نغلقَ فيها أيامنا على فزع أو نفتحها في ارتباك، لتصبح أوهامنا عاريةً منا
ذكريات فاطمة أوفقير تقول ببساطة للرجل
لا تقل: أحببتك وأحبك
سأسمع الصوت بعيني ودمعة قلبي

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

20 التعليقات على "كتاب الرغبة (11): عشيق حرم وزير الداخلية"

أكتب تعليقا