كتاب الرغبة (9): ضي..وأخواتها

| |




"ولهذا كانوا طابوراً أدخله من بابي الأمامي، وأتحول بدوري باعثاً للفرجة، متحف وبضع لوحات معلقة جميلة، سلم دوّار يثير الدوخة، قطع لعبة بازل مبعثرة.. أي شيء يترك أثراً حسناً لكنه مضجرٌ في حال استمراره، محل بليد، سهل التشرب، قابل للنسيان، المهم أن ينتهي الطابور بالباب المقابل، حيث لا يافطة تفيد: مَخرَج، الباب الذي يؤدي دوره باتقان لا يملك غير جهة واحدة، الخارج فحسب
قلّة بل أقل من القلة، أولئك الذين اخترقوا قانوني الخاص، وبمرور الوقت كانت الدور السفلية مني تتحول مكبّاً بشرياً. الآخرون حين يصيرون جثثاً مقيمة فيّ ومتعفنة، يأبون أن يغادروا ويأبون أن يتركوني بسلام، ينسون أدوارهم، ربما تقمصوها أكثر مما يستلزم الأمر، أو أنهم لم يفطنوا لها منذ البدء. في الليل يصير الوضع لا يطاق، الزعيق والهرش والتكدس وإعادة رسم الحدود لسطوة كل واحد منهم على جزئه الخاص من مساحتي. كنت أفضل الغبار وبيوت العناكب على جرذان تعترض قلبي من دون هوادة وتخلق شظايا الخشب في كل مكان
ضي كانت إحدى معجزاتي. أو بالأحرى ما حسبته معجزتي. لم تأت من بابٍ لأخرجها من آخر، ربما من العلية، متزحلقة على الدرابزين أو متعلقة بالسقف. كفتا الميزان في يدي كانتا ساكنتين سكوناً تاماً، في حين كانت ضي تجيد المرجحة، وشقلبة الأمور رأساً على عقب، وافتعال سلسلة طويلة من ردود الأفعال للفعل الوحيد الضامر الذي كنته
في الوقت الوجيز الذي كنا فيه جديتين كفاية لأخبرها أنه صار حرياً بها أن تغادر، كانت تبدو حزينة جداً على نحو مفاجئ، لتشير شفقتي عليها، لم يعد الفرق كبيراً بعد كل هذا، ولذا طال مكوثها إلى أن باتت مرضي
نعم، مرضت بكائن اسمه: ضي!" ("الآخرون"- صبا الحرز- ص 5-6)

أخيراً، روايةٌ متماسكة ومقنعة عن رغبات الجسد وصراعها مع الذات

في روايتها الأولى "الآخرون" الصادرة عن "دار الساقي" في بيروت العام 2006، تحمل صبا الحرز مقومات الكاتب الروائي المحترف، ومقومات العمل الروائي الصادم. وفي رأيي أن "الآخرون" من أفضل الروايات التي صاغتها كاتبات شابات في السعودية، بل إنها ذهبت أبعد وأعمق من "بنات الرياض" لرجاء الصانع بأشواط وعلى مستويات عدّة



وصبا الحرز شابةٌ سعودية موهوبة ضربت نرد الأدب بشجاعةٍ وقررت كسر المحظورات على طريقتها، سواء الممارسات الدينية (شيعة وسنة) أو الجنسية (علاقات عاطفية ومثلية) أو السياسية (أحداث 1400هـ في القطيف)

تتعقب الكاتبةُ تجربةَ فتاةٍ مثلية، تسبر أغوارها وتكشف أسرارها من خلال هذا العمل الروائي الجريء. وهي تروي قصة حبٍ عاصفة بين فتاتين سعوديتين، وعلاقاتٍ مثلية أخرى تدور في فلك الحبكة الرئيسية، في الوقت الذي تزيح فيه الستار عن "غيتو" آخر: عالم المجتمع الشيعي في منطقة القطيف. تمضي الروائية في استرسالاتها معريةً عوالم تلك النماذج وكاشفة عن مدى معاناة شخصيتها المحورية. وفي نهاية المطاف تعود كائنةً طبيعية في ميولها وعواطفها
تتوزع أحداث الرواية بين مجتمع القطيف في الحسينيات والغرف، وبين النت وكلية الدمام..وأحياناً حافلات الجامعة التي تُقِلُ الطالبات من وإلى منازلهن. وتمارس بطلة الرواية الانسلاخَ عن السياق الاجتماعي ولو بشكل ضمني، كما بدا واضحاً من الخداع الذي كانت تمارسه البطلة مع والدتها، وفي أروقة الحسينيات، والجامعة

ليس ثمة في الرواية مشاهد ساخنة تتوسل الإثارة، ولا عبارات جنسية فجة ومباشرة. النص هنا هو البطل الذي جاء جميلاً وشاعرياً وذا أبعاد فلسفية، ومن ذلك، رؤية الساردة للموت الذي خطف منها شقيقها حسن

"الموتى لا يقولون. كلمتهم الأخيرة: موتهم. الموتى لا يقولون. إنهم يمددون خطواتهم ناحية عوالم ما ولجناها من قبل ولا يعودون، يبالغون في الصمت، تاركين لنا مساحة معلنة للحديث والشكوى والصراخ والبكاء والتجديف على الله وكل أشكال الرفض غير المجدي. إنهم يحدقون إلى الفراغ، في المدى المطلق محكمين قبضتهم على كل ما لا نعرفه بعد، غير متواطئين معنا ليسربوا لنا من هناك بصيص ضوءٍ أو حل أحجيةٍ واحدة. إنهم يوصدون الباب بصلف، يصفعونه بكلّ طاقة حياتهم عوضاً من أن يمتصها ملاك الموت، فلا يتسنى لنا ثقب مفتاح أو فرجة تحتية لنستكشف السرّ الكبير الذي لا يريد أحد أن يشاركنا في تفاصيله" (ص 37)

أما الأسلوب فهو يتباين وفق مستويات عدة، وكان أغلبه على هيئة تداعي الخواطر والأحداث والحوارات، وهو يتسم بالسلاسة والبساطة والتوهج، حتى في أكثر لحظاته دقّة وحرجاً

وحين يتجاوز القارىء حاجز الصدمة، سيجد أمامه فرصةً استثنائية لفهم حقيقة وجوهر الرواية. إنها كتابة تعري المنغلقين أمام أنفسهم، فالمجتمع الصارم يلد المحرمات في الباطن وداخل الغرف المغلقة. وفي قلب الرواية نشعر بانتقادٍ شديد للأجواء الدينية الضيقة والمتشددة والمتقوقعة على نفسها التي تحتضن، في معزلٍ عن إرادتها، ونكاية بهذا الانغلاق، ميولاً وظواهر وممارسات تتعارض مع مبادئها وتعاليمها


هكذا يبدد النص الروائي وهم التطهر الاجتماعي، عبر سردٍ تشريحي ناقد لمجتمع شمولي منغلق لا يقر الفن، ولا تعددية المنابر، بقدر ما يبالغ في تعقيم الفرد وبرمجته داخل غيتو ثقافي شديد الصرامة

وتكشف الراويةُ عالماً تحتياً أو موازياً، مشحوناً بالسرّي والممنوعات، يحمي بناته من أحكام الخارج القاسية ومن الأهواء والإغراءات، لكنه يسهّلُ في معنى ما، نتيجة هذه الحمائية، انزلاقهن صوب أهواء وإغراءاتٍ من نوع آخر
تعيش بطلة الرواية أو الساردة صراعاً نفسياً بين جسدٍ يباهي "جداً بحلواه" وذاتٍ "نزاعة للتطهر من آثامها".. فالجسد أرضٌ وعرة يتواجه على أديمها المقدّس والمدّنس. والنتيجة شعورٌ طاغٍ بالذنب يطارد فتاةً مأزومة بجسدٍ محقون بالرغبات، أو بتعبير الراوية، فإن البطلة تتمتم بارتباك "وكم كان إثمي مهولاً مقابل سطوة تراكم أخلاقي، يضع في قوانينه الأولى جسدي كحدّ لتقييمي". وعبر صفحات الرواية يطل شعور الفتاة بالذنب – خصوصاً تحت وطأة التقاليد والأعراف وضغوط حكم الجماعة- إزاء مسلسل العلاقات المثلية التي تعيشها، وتصفها غالباً بأنها "مرضية"

الساردةُ طالبةٌ تدرس في كلية الدمام وتمارس الكتابة والخدمات الاجتماعية في المجلات الدينية والحسينيات النسائية التي يقام فيها مراسم العزاء والاحتفالات الشيعية. وهي تعاني من نوبات صرع وتنتابها نوباتٌ قاهرة تجعلها تقول: "كان مرضي نقصاً فادحاً في مقابل اكتمالي الجسدي" (ص 95)، وتدعو الله "كل ليلة، كان دعائي الأخير قبل أن أغمض عيني أن لا يُفتضح أمري، أن لا أُمرر تحت مقصلة الشفقة، أن لا تزج بي نوبتي في متاهة العطف المرهق" (ص 93)

وفي فورة شبابها تنجرُ البطلة – التي تبقى حتى النهاية بلا اسم، كأنها لا أحد، أو الجميع- في علاقاتٍ مثلية متوهجة وقوية مع ضي التي سيطرت عليها، منذ لقائهما الأول في الحسينية. تقول ضي في حوارٍ طويل مع الذات: "الآن وأنتِ مُلكي، صرتُ أعرف أن وحمتكِ تلك أقرب إلى نهدكِ الأيسر، وصار بوسعي لمس نملتكِ الحمراء، وتقبيل نملتكِ الحمراء، ولعق نملتكِ الحمراء، والنوم على نملتكِ الحمراء، وأخاف بعد هذا أن تتعبي مني وتتركيني" (ص 149)

وفي سياق العلاقة تنمو نبتةُ التجريب وروح المغامرة بين الفتاتين

"أعرفُ الآن من اللون السماوي لقميصها القطني أنها رائقة، ومن شعرها المُضفر أنها مرحة، ومن حركة أصابعها على درزات بنطالي الجينز أنها تسبر طريقاً ناحيتي، وكان عليّ أن أسبقها قبل أن تصل
- لنذهب إلى هناك
- قلتُ وأنا أشير بيدي إلى جوار المرآة، التفتت وعلى وجهها سؤالٌ مشكك: "هل أنت أكيدة؟"، لكني، وقبل أن تطرحه، أخذتُها من يدها حدّ المرآة. أحتاج إلى شيء يخلصني مني، أريد أن أعبر من التجربة برصيدٍ وافر. ولعبة الكر والفر، الدفع بالأمور إلى حدّها الأخير ومن ثم التمنّ، صارت مبتذلة جداً. أرخيتُ زراً وتركتُ بقية المهمة بيد ضي، وما بدا أنه سيأخذ وقتاً لا نهائياً كان قد حدث بالفعل مُباغتاً انتباهي. تشبثت بالمرآة، عريي الفاضح يدفع بي إلى نشوةٍ غير مسبوقة، نشوة أن أراني مُشتهاة ومنفلتة من قوانين جسدي نفسه" (ص 8)
ولوهلةٍ، يبدو لنا النص أنثى ممددة بإغواء أمام عين الرجل البصاصة، أو هكذا أرادته الروائية خطاباً للمرأة مع يقينها بأن الرجل يسترق السمع


وتقيم الساردةُ علاقةً أخرى خفيفةً ووادعة مع الفنانة دارين

"جذبتني من كفي إلى بابٍ ينفتح في ردهةٍ صغيرة في المطبخ، وصفقت الباب وراءنا، واندفعنا في قبلةٍ محمومة، كانت أيدينا، تتحرك بانفلات، وأنفاسنا تتقطع، وقبتُها وقبلتها وقبلتها، ونزلت إلى عنقها ثم إلى صدرها: كنتٌ من الجنون بحيث شككتُ معه في أية واحدةٍ منا طلبت القبلة وأية واحدة منحتها. كانت طيعةً ورخوة وتستجيبُ جنوني على نحو يسحق أعصابي، وكانت لذيذة بحيث لم أرفع شفتي عنها إلا حين استهلكت كلّ رصيدي المخزّن من الهواء، وانا أقول بسكر: "يخرب بيتك..جننتيني!" وضحكتْ، لسعتني ضحكتها، ضخت في دمي رغبةً جبارة في مزيدٍ من الجنون" (ص 137)

وفي تجربتها مع دارين تشعر بالفارق بينها وبين ضي

"مع دارين، شعرتُ أني أملك طمأنينةً وافرة لأضع قلبي بجوارنا على الطاولة، من دون خوف أن تسرقه حين أغفل عنه وعنها، ليس لأنها لا تستطيع، ولا لأنها لا تريد، وإنما لأنها فطنت منذ البدء كم أنا مُهرة خاسرة في هذا المضمار، فكفتني مشقة الرهان عليّ

ومعها، بدأتُ أكتشف جسدي من جديد، كانت تغويني ببطء، وتشعل شمعتين، وتهمس لي بفضائح يرتعش لها جلدي. وكانت تقف على الحياد دائماً إذا ما أردتُ توريطها كطرفٍ ثالث بيني وبين جسدي. معها، كان لأعضاء جسدي أسماؤها واحداً واحداً، حتى أكثرها سرية، وللحظاتنا تعابيرها الخاصة، وما اعتقدته بذاءةً رخيصة لا تليق بدارين وشاسع لطفها، كنتُ أكتشف فيه نوعاً من الإثارة الفاحشة القذرة، من قال إن القذارة لا تثير؟ وكانت علاقتنا الجسدية: "جنساً"، وليست كما اعتدتُ تسميته تلميحاً: "ذلك"!" (ص 178)

كانت دارين مرآتها التي تشبهها لحد أنها تمنت أن تستمر العلاقة بينهما طويلاً، إذ تقول: "خبئيني في أصابعكِ، ارسمي على جسدي، فوق جلدي مباشرة بلا مسافاتٍ ولا عوازل، ارسمي بألوانكِ كلها، بأصابعكِ كلها. ارسمي على جسدي وكأني آخر لوحاتكِ على الإطلاق. سيمحو رسمكِ عبثَ سواكِ" (ص 212)

لقد اشتهتْ فيها رجلاً لن يأتي، وفي المقابل اشتهت دارين أن تكون ذلك الرجل المنتظر

فجأة، تنتبهُ الساردة "إلى الكائن الناقص في حياتي، لم يكن أبداً ثمة رجل، في آخر أمنياتي وأشدها ضآلة وخفاء لم يكن ثمة رجل" (ص 216)

وعلى شبكة الإنترنت، ثم عبر المكالمات الهاتفية، تتعرف إلى ريان، الذي تقول إنه "كان حكاية من فصل واحد" (ص 215). وفي النهاية تقع في علاقة حبٍ مع عمر السُني المخالف لها في المذهب الديني، ليتقاربا جسدياً في لحظة اشتهاء
"- خُذني، عُمَر، خُذني كُلّي!
وأخذني، أخذني ليس كما أخذتني ضي في كل عراكاتنا في الفراش، ولا بحالة الخِفة التي مررتها عليَ دارين، ولا في الخوف والخزي لوطء كعب عالٍ لأعوام على جسدي. بين حينٍ وآخر، لفرط الشهوة أو لفرط الحبن كنتُ على وشك أن أقول: افعل شيئاً كي لا تظل خارجي! لا تسرق أطفالك مني!"، لو لم تفزعه الكلمات الكبيرة التي أنطقُ بها" (ص 284)
وتختم الروائية روايتها بحوار بين الساردة وحبيبها عُمَر يدور كالتالي:
"- عُمَر، لا تغادرني! ولا...
- لن أفعل، ثقي بي
- ولن تموت! لا أحب الذين يموتون! قل إنك لا تموت!" (ص 287)

تهتم صبا الحرز – وهو اسم مستعار على أي حال- بالتفاصيل الدقيقة في العلاقات التي تربط بين بطلتها وغيرها، فهي على سبيل المثال تستشعر عُري جسد ضي، وثقل ضلوعها فوقها، وتتأمل الشعرات القليلة المبعثرة حول حاجبيها، وتدوخ بسبابتها العابثة في فمها، وكأنها أرادت " الآخرون" نصاً مكتوبا بالحواس، لينبض بالحياة

"الغريب، أني لا أفتقد فعلنا الجسديّ...ولا أشعر بأن جسدي تواقٌ لما كان. ما أفتقده على وجه الخصوص تلك الأشياء الصغيرة. التفاصيل التي لا تلفتُ في اشتباك الصورة وفوضويتها. أصابعي على غمازتي خديها.... حزنها، وجهها المتكدر حين تحزن. افتقدنا نائمتين، أنا على ظهري وهي على بطنها، كل منا تنظر للأخرى، والعالم مختفٍ وفارغ إلا منا، أفتقد صوتها، أفتقد أكثر بحة صوتها في أول الصحو....أفتقد عبثها بكُم قميصي وهي تثرثر، أفتقد سبابتها في فمي" (ص 160)


حاولت الرواية التطرق إلى موضوعاتٍ شتى: الاستغلال، العنف، الحياة المزدوجة، الحبّ في حالاته الأقرب للمرضيّة والأخرى غير المقبولة، الخوف، الضغط الاجتماعي لتشكيل صورة مثاليّة ومتشابهة لأفراده، فقد الذات... إلخ؛ وهذه جميعها ليست حكراً على المرأة دون الرجل. لا تحكي الرواية عن نساء بكّاءات ورجال ظالمين، حتّى إنه بالكاد يوجد رجلٌ فاعل ومتحرك بشكل رئيسي في الرواية


تحكي الساردة عن أصدقاءٍ أحست بهم ينسلون من بين أصابعها مثل الماء:
سندس التي أغرتها بالانضمام إلى "الأخوات" في العمل التطوعي، واستكتبتها في مجلة صحوية بمشاركة عقيل. هداية التي فرضت عليها الوصاية الفكرية، فكانت علامة من علامات السلطة. وتحكي أيضاً عن صديقتها هبة قائلة: "لم نكن متضادتين تماماً ولا متشابهتين بعض الشيء، كنا منطقتين متباينتين لا يجمعهما الكثير من السمات المشتركة. الحصيلة؛ مؤشر اتفاقنا في أعلى أسهمه لا يتعدى واحدة من الأصابع العشر. إلا أنها كانت تهبني، مصداقاً لاسمها، ما كانت اتفاقات العالم وتحالفاته غير قادرة على وهبي إياه: أمان وافر بحجم كف طرية، سائغ في شكل لوح شوكولاتة، ومُضاء على شاشة من ألوان تتماوج" (ص 22)

تبدو الرواية في مضمونها إدانةً للمثلية. إدانة تتجلى بوضوح في شعور البطلة بالذنب، أو عندما تروي ضي مثلاً كيف أغوتها بلقيس، ابنة الجيران التي تكبرها بعشرة أعوام، التي علمتها الرياضيات وأبجديات الجسد، فأهدتها أول قبلة، لتكون تمثالها الأنثوي، الذي نقلها من خانة المتفرج إلى خانة الفاعل.. وكما تقول ضي: "روضتني بلقيس" (ص 145)


هذه العلاقة مع ابنة الجيران الأكبر سناً، تحيلنا إلى حقيقة الإحصائيات التي تقول إن أكبر عدد من الأطفال الذين يتم استغلالهم يتعرضون لذلك على أيدي أشخاص مقربين ومحل ثقة. المشكلة هو أن بلقيس علمتها الرغبة التي تختلط بالعنف والضرب بهدف تحقيق نشوة استثنائية. "كانت تللك البداية البائسة. كلما اعتدت ذلك كانت ترفع عتبة الألم، إلى أن فقد جسدي نصيبه من الرضا، يجنّ إذا لم يؤذَ، وتتهالك طمأنينته إذا لم يتوجع. الوجع بات حرفته ومساره ناحية اللذة" (ص 145)


وهي تتألم لما فعلته بها بلقيس، فهي تقول: "وأنا أدمنت جسد بلقيس" (ص 146)


لكن الأخيرة تبتعد عنها تدريجياً، "لاحظتُ متأخرة تقززها المتصاعد إلى حد الغثيان مني، من جسدي من اكتمال أنوثتي" وتنتهي إلى القول: "يقولون إن الذاكرة تتثاءب وتنام، ثم تضمحل بين الأحلام وأنصاف اليقظات إذا لم تُشحذ، وانا أتذكر بلقيس في كل يوم" (ص 147)

ومثلما آذتها بلقيس، احترفت ضي ممارسة طقوس الألم مع صديقاتها، ومنهن بطلة الرواية

تعرّف صبا الحرز بنفسها، على أنها كاتبة سعودية شابة، ولدت في القطيف عام 1980، ودأبت على الكتابة في الإنترنت منذ عام 2001، ولكنها اقتحمت عالم الروايات الأدبية، فكانت "الآخرون" عملها الأول. وتقول في إحدى الحوارات الصحفية النادرة التي أجريت معها: "لستُ معنية أبداً بهاجس كتابة رواية، أردتُ فقط أن أجرب نوعاً كتابياً، أختبر فيه نفسي، صابت، أم خابت. تقييم ذلك يعد أمراً تالياً للمحاولة، لا أتوقف عندها كثيراً. وتضيف: كتبتُ الرواية بنيّة أن تكون خاصّة، من دون الانشغال بنشرها... لفرط ما سمعتُ عن صعوبات النشر وتكاليفه. لاحقاً، باعتباري فرداً افتراضيا على أيّة حال كنتُ قد قررت نشرها إلكترونياً. وأخيراً، عبر سعي صديق أوصلها إلى "دار الساقي" تكفلت الدار بنشرها"

في الحوار الذي أجراه معها ميرزا الخويلدي ونشرته جريدة "الشرق الأوسط" (مطلع يونيو حزيران 2006) تقول صبا الحرز:
"تشكلت فكرة الرواية بدايات عام 2004. بالطبع، كنتُ أستصعب الخوض في كتابة طويلة وشاقة، أنا طارئة المزاج؛ تضافر الأمر مع صعوبة بعض مواضيع الرواية وحساسيتها، وهذا تحد آخر. قرأتُ الكثير، سمعت الكثير أيضاً.. في محاولة لخلق أكبر قدر من الفهم. وحين اكتملت الرغبة، كتبت نواة الرواية بشكل مختصر، وشرعتُ بوضع مخطط أوليّ: الشخوص، الفترة الزمنية، التفاصيل العامة، تقسيمها، الحيز المُتاح لكلّ شخصية... أمور كهذه. حشدتُ أكبر قدر من التفاصيل والخيوط الصغيرة المتشابكة وبدأت الكتابة في حالة كتمان، ليس لشيء غير أن الحديث عما أكتبه أو أنوي كتابته يفسد دائماً مشاريعي"

في "الآخرون" نقرأ: "أن تختار عزلتك، لا يعني أن تكفّ عن الحضور في قلب العالم، إنها في أبسط أشكالها، تعني أن تحضر باختيارك، وأن تباشر حضورك ضمن حدودك الخاصة بحيث لا يسع أحداً أن يسرقك من ذاتك على غفلة، أو يشكل وجهك وفق ما يريد، أو يؤذيك أو يلوي عنق بوصلتك" (ص 40)

"الآخرون" محاولة لمواجهة الأذى والعزلة، وصرخة عالية في الجدران، لتكون أقل سماكة وأكثر شفافيّة لنكون مرئيين على الجانب الآخر منها، وأن يعبر لنا أشخاص من الخارج طالما أننا لا نملك هذه القدرة على الخروج

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

4 التعليقات على "كتاب الرغبة (9): ضي..وأخواتها"

أكتب تعليقا