شمس بدران (2): تاجر أعلاف الدواجن





الحرب مثل الشمس، حارةٌ بما يكفي لإزالة الأصباغ والمساحيق.

إنها أكثر الطرق إيلاماً لاكتشاف الحقيقة والكشف عن الأكاذيب.

في مذكرات عبداللطيف بغدادي عضو مجلس قيادة الثورة يقول: طوال أيام المعركة كان شمس بدران وزير الحربية موجوداً مع المشير عبد الحكيم عامر بالمكتب، وينام معه في الغرفة الملحقة بمكتبه. وكان واضحاً جهله بإدارة العمليات الحربية ويظهر أنه يعلم هذا عن نفسه ولذا لم يكن يعمل شيئاً طوال هذه الأزمة إلا تقديم بعض الأوراق لعبد الحكيم الواردة إلى مكتبه.

وعندما اندلعت حرب يونيو  1967 كان المشير عامر‏ معلقاً داخل طائرة كانت في طريقها إلي قاعدة المليز الجوية بسيناء، وكان القادة الكبار هناك بانتظاره‏، أي أن الحرب بدأت وليس هناك قائد في مقر قيادته‏.‏

وبالنسبة للثقافة العسكرية للمشير عامر‏,‏ فقد توقف به العلم عند رتبة الصاغ‏ (‏الرائد‏),‏ أما وزير الحربية شمس بدران فقد توقفت به رحلة العلم وخبرة القتال عند رتبة الملازم أول‏.‏

وفي مذكراته التي تحمل عنوان "حرب أكتوبر 1973"، يقول محمد عبد الغني الجمسي: "وجاء الدور على شمس بدران وزير الحربية بتقديمه للمحاكمة، وأثناء هذه المحاكمة في فبراير 1968 سأله رئيس المحكمة عن رأيه فيما حدث، وترتب عليه هزيمة يونيو، رد قائلاً: "لما تطور الموقف، ورأينا أننا لازم نسحب البوليس الدولي ـ قوات الطواريء الدولية ـ علشان نبين إن إحنا جاهزين للهجوم؛ لأن وجود البوليس الدولي يمنع أي عملية دخول لقواتنا، وانسحب البوليس الدولي، استتبع ذلك احتلال شرم الشيخ الذي استتبع قفل خليج العقبة.

"وكان الرأي أن جيشنا جاهزٌ للقيام بعمليات ضد إسرائيل، وكنا متأكدين 100% إن إسرائيل لا تجرؤ على الهجوم أو اخذ الخطوة الأولى أو المبادرة بالضربة الأولى، وأن دخول إسرائيل أي عملية معناها عملية انتحارية لأنها قطعاً ستهزم في هذه العملية".

"ولما سألته المحكمة مستفسرةً عن رأيه في أن الرئيس عبد الناصر قرر قفل خليج العقبة بعد أن أخذ تمام من القائد المسؤول، رد شمس بدران قائلاً: "القائد العام ـ المشير عامر ـ أعطى تمام وقال أقدر أنفذ، وبعدين من جهة التنفيذ كان صعب عليه".

"علق رئيس المحكمة على كلام شمس بدران بقوله: "والله إذا كانت الأمور تسير بهذا الشكل وتحسب على هذا الأساس، ولا تكون فيه مسؤولية الكلمة ومسؤولية التصرف، يبقى مش كثير اللي حصل لنا".

وطبعاً هناك فارقٌ كبير بين غرور شمس بدران قبل حرب يونيو 1967 وحاله بعد الهزيمة.. إذ نجده يسارع إلى الاتصال هاتفياً بعبد الناصر يوم 8 يونيو من ذلك العام قائلاً له: "إن المشير مصممٌ على الانتحار". فها هو شمس بدران وقائده المشير عبد الحكيم عامر في مأزقٍ نفسي شديد بعد الانهيار.

وفي 10 يونيو  عام 1967 قدم كلٌ من المشير عبد الحكيم عامر، ووزير الحربية شمس بدران، استقالتيهما.

الغريب فعلاً أن نجد عبد الناصر أثناء اجتماعٍ له بعد هزيمة يونيو مع المشير عامر، يفكر في الاستقالة مع قبول اقتراح المشير عامر بأن يكون شمس بدران رئيساً مؤقتاً للجمهورية ريثما يتم ترتيب الأمور. لكن هيكل يسارع إلى تبرير ذلك بالقول إن عبد الناصر كان ظنه في هذا الوقت أن وجود شمس بدران على رأس الدولة وهو وزيرٌ للحربية قد يكون عاملاً قادراً على تفادي احتمال الصدام بين الجيش والجماهير.

والشاهد أن مصر كلها ممتنة للكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل في ذلك الدور الذي لعبه خلال الساعات الحاسمة التي تلت هزيمة يونيو ‏1967‏ عندما أقنع الرئيس جمال عبد الناصر بالتخلي عن فكرة تعيين شمس بدران رئيساً للجمهورية، الأمر الذي لو حدث لتغير تاريخ مصر كلها في اتجاهات عنيفة‏.

ولنا ملاحظةٌ مهمة في هذا الصدد.. وهي ولاء شمس بدران..وهل كان هذا الولاء للرئيس عبد الناصر أم للمشير عامر. سؤالٌ صعبٌ وحساس، لكن الفريق أول عبد المحسن كامل مرتجى قائد القوات البرية آنذاك حسم هذه المسألة في شهادته أمام لجنة تسجيل تاريخ الثورة عندما سُئِلَ في هذا الشأن فقال بالحرف الواحد: "الواقع أنه كانت توجد مجموعة شبكات.. كلها تتجسس على بعضها في القوات المسلحة..شبكةٌ تتبع المخابرات العامة..وشبكةٌ تتبع المخابرات الحربية..وشبكات تتبع شمس بدران.. وشبكات تتبع سامي شرف.. وهناك استقطاب لبعض القادة على المستوى الأكبر".


ثم يقول الفريق أول مرتجى في شهادته: "في تصوري أن شمس بدران في البداية كان ولاؤه للرئيس الراحل..وكان الرئيس بيطمئن لوجوده في القوات المسلحة على اعتبار أنه يكون عينه هناك. بعد فترة من الزمن شعر أن ولاء شمس بدران بدأ يتحول نحو المشير..وطبعاً كان شمس يلعب على الحبلين، خصوصاً بعد أن تواجدت الحساسية بين عبد الناصر والمشير في 1962 بعد الانفصال، فاستغلها على الجانبين".

وبعد اعتزال شمس بدران منصبه والتحفظ عليه، بدأ مؤشر الكلام يهبط عنده تدريجياً، بالتوازي مع مؤشر النفوذ، في حين زادت المشكلات والشكاوى ضده. وبعد سنواتٍ قلائل وبالتحديد في يوليو  عام 1977 طعنت النيابة بالنقض في حكم تعذيب جماعة "الإخوان المسلمين" وطالبت بإعدام شمس بدران.. ثم قدم النائب المستقل ممتاز نصار سؤالاً في الشهر التالي لوزير الداخلية عما إذا كان وزير الحربية سابقاً قد غادر البلاد بجواز سفرٍ دبلوماسي متوجهاً إلى لندن، وكيف تم التصريح له بذلك.. مطالباً الحكومة المصرية بمخاطبة السلطات البريطانية لتسليم شمس بدران.

لكن الحكاية نامت كغيرها من حكايات "الأيام دول" التي عشناها أو حتى سمعنا عنها، إلى أن سمعنا في نهاية يناير  عام 1989 عن طلاق منى مصطفي رشدي زوجة شمس بدران –وكانا قد عقدا قرانهما في 7 يونيو  عام 1963 في نادي القوات المسلحة بالزمالك- بموجب حكمٍ قضائي من المحكمة الكلية للأحوال الشخصية؛ لغيابه عنها ثلاث سنوات. وأكدت المحكمة تغيبه دون معرفة محل إقامته.

وقبل ذلك وفي فبراير  1987، أعيدت محاكمته غيابياً مع اللواء محمد الجنزوري والمقدم حسن كفافي وآخرين، بتهمة اشتراكهم في تعذيب جماعة "الإخوان المسلمين".


غير أن شمس بدران بعد الهروب إلى لندن، لم يمنع نفسه من أن يحاول غسل يديه من الكثير من الأحداث التي ارتبطت باسمه، مثل اعتقالات جماعة "الإخوان المسلمين" وتعذيبهم وإعدام عدد من قادتهم. وقد أقر في حديث للصحفي جلال كشك بمجلة "الحوادث" اللبنانية أنه تصرف في عملية اعتقال "الإخوان المسلمين" عام 1965 حسب الموقف ولم يحصل على أوامر من أحد.. ولكن لأنه وزير الحربية كان في سباق مع الزمن وكان لابد أن ينتزع اعترافات المتهمين وعددهم 300 بأي صورة حتى وإن كانت القسوة هي الحل.

ولتبرئة نفسه، يقول بدران لمجلة "الحوادث" اللبنانية: "اتفقت مع الرئيس عبد الناصر على أنه بعد صدور الأحكام في القضية يخفِّف أحكام الإعدام، ثم سافرتُ إلى لندن للعلاج، وهناك علمتُ أنه تم تنفيذ الإعدام في ثلاثة، ولما عدت سألت فعلمت أن الرئيس صدَّق على هؤلاء الثلاثة؛ لأنه سبق الحكم عليهم في 1954.. وقد تألمت جداً لإعدام هوَّاش؛ لأنه من واقع التحقيقات لم يشترك في أي اجتماع للقيادة، وأقصى ما يمكن أن يُتَّهم به هو أنه علِم ولم يبلِّغ، وقلت للمشير: أنا لازم أكلم الرئيس في موضوع هواش؛ لأنه لا يستحق الإعدام.. فقال لي المشير: بلاش لحسن الرئيس ضميره يتعبه" ("مذابح الإخوان في سجون ناصر"- جابر رزق- ص 125).

وهواش الذي يقصده بدران هو الناشط الإخواني محمد يوسف هواش، الذي أعدِمَ مع المفكر الإسلامي سيد قطب في 29 أغسطس عام 1966.

وفي لندن، أصبح شمس بدران تاجراً في كل شيء، وأصبحت له في فترةٍ من الفترات تجارته في أعلاف الدوجن وناعة الجُبن. وفي "المحيط" نقرأ هذه المفارقة في معنى كلمة الجُبن:
"الجُبْنُ : تهيُّبُ الإقدامِ على ما لا ينبغي أن يُخاف؛ لن ينقذك الجبنُ من المهالك.-: مادّة غذائيّة تُصنع من اللّبن".

وكان شمس بدران صديقاً شخصياً للموسيقار محمد عبد الوهاب، وعنده استوديو تسجيل خاص به.. فكان يدعو عبد الوهاب ويحضر له الأشعار المنتقاة ويطلب منه تلحينها وغناءها، وكان عبد الوهاب يقوم بذلك ولحن وسجل حوالي عشرين لحناً وهي الآن في عهدة شمس بدران الذي يرفض الإفراج عنها..وحدث أن قابلته نهلة القدسي بعد وفاة زوجها عبد الوهاب، وقدمت له شيكاً على بياض مقابل تسليمها التسجيلات، لكنه طلب إنتاجها بشركة يؤسسها معهم، فأجابته نهلة: "كيف نؤسس شركة ولنا شركتنا؟!".. فرفض تسليمها الألحان.

ألم نقل من البداية أنها مشكلة رجلٍ تكلم كثيراً.. إلى أن التهمت الهزائم الفادحة لسانه!

| | تابع القراءة »

شمس بدران (1): الرجل الذي تكلم كثيراً




في 19 أبريل نيسان عام 1929 خرج شمس الدين بدران إلى الوجود طفلاً بريئاً.. وباكياً لأول مرة في حياته.

وما بين بكائه لحظة مولده وبكائه يوم 5 يونيو حزيران عام 1967 وهو وزير للحربية في مصر، لحظة مواجهة الحقيقة المريرة التي حاول تجاهلها بحربٍ كلامية لا طائل من ورائها، مسافةٌ زمنية طويلة نما فيها الطفل الصغير وأصبح شاباً.. ليتخرج في أغسطس 1948 في الكلية الحربية وليحصل على البكالوريوس في العلوم العسكرية ثم شارك في حرب فلسطين، وحوصر في الفالوجا مع زميله جمال عبد الناصر الذى أصبح فيما بعد رئيساً لمصر بعد أن شارك مع رفاقه الضباط الأحرار ومن بينهم شمس بدران في ثورة 23 يوليو تموز عام 1952.

بعدها لعب شمس بدران دوراً مهماً في معركة 1956 قبل أن يصبح عضواً لمجلس إدارة مؤسسة النقل العام لمدينة القاهرة، فمديراً لمكتب المشير عبد الحكيم عامر وهو في السابعة والثلاثين ثم وزيراً للحربية "معروفٌ بالاستقامة والنزاهة والصدق والعمل المستمر ليل نهار ومحبوبٌ من جميع زملائه"، كما نشرت جريدة "الأخبار" في 11 سبتمبر أيلول عام 1966.

مشوارٌ عجيب وغريب قطعه شمس بدران دعونا نتجاوزه لنركز على حكايته مع وزارة الحربية هذه التي شهدت الكثير من "الكلام" والأقاويل التي لا تستند إلى أرقام أو حقائق، قبل أن تنتهي بجملةٍ شهيرة نقلها د. ثروت عكاشة وزير الثقافة سابقاً عن شمس بدران مساء الخميس 8 يونيو حزيران عام 1967عندما قال وزير الحربية: "أما اتخمينا حتة خمة".

لم يجد أحدٌ من الموجودين طبعاً ما يعلق به..لكن بالقطع فإن أغلبهم تذكروا جلسة مجلس الوزراء يوم 31 مايو أيار عام 1967عندما وصل شمس بدران بصحبة ضابطين كل منهما يحمل خرائط، ثم بدأ يشرح لأعضاء المجلس خطته للقضاء على إسرائيل وهو يبتسم ابتسامةً لا تتفق مع خطورة الأوضاع.

وكان بيانه يؤكد الثقة المتزايدة في قدراتنا العالية واستعداداتنا الكاملة حتى أن أمين هويدي وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء كما أورد في كتابه "الفرص الضائعة" أبدى قلقه من الأوضاع المحلية والعربية ومن احتمال تدخل الولايات المتحدة بأساطيلها على الأقل. وعندما سأل أنور سلامة وزير العمل آنذاك عن استعدادات مصر لمواجهة الأسطول الأميركي السادس، كان رد شمس بدران بالحرف الواحد "عندنا اللي يبططه"!

الجانب المأساوي حقاً في الموضوع أن طائرات الأسطول السادس ضربت قواتنا البرية وكبدتنا خسائر فادحة خلال حرب 5 يونيو حزيران عام 1967.. ولا داعي لنكأ الجراح.

هكذا كان يفكر شمس الدين بدران وهكذا كانت مفرداته العسكرية والسياسية كوزيرٍ لحربية مصر. وكأن مهمة الرجل في هذا المنصب الخطير كانت الكلام فقط.

فها هو الفريق أول محمد فوزي رئيس أركان حرب القوات المسلحة يقول في نص شهادته أمام لجنة تسجيل تاريخ ثورة يوليو التي أوردها سليمان مظهر في كتابه "اعترافات قادة حرب يونيو" إن "من ضمن الأسباب في تعيين شمس بدران وزير حربية (باختصاصات موسعة جداً) أن يعطى مركز القمة التنفيذي في القوات المسلحة أمام السلطة التشريعية؛ لأن شخص المشير لا يمكن أن يجلس على كرسي في مجلس الأمة ويرد على سؤال أو استجواب".
وخلال زيارته لموسكو في الفترة من 25 – 28 مايو أيار 1967 عقد شمس بدران اجتماعين مع القادة السوفييت..وفي جلسة 26 مايو أيار، صورَّ وزير الحربية الموقف للسوفييت كما تقول المحاضر الرسمية كالتالي: "أود أن أبلغكم والرفاق أننا غاية في القوة وقادرون على الموقف الحالي تماماً، ولا تخشوا علينا شيئاً، والروح المعنوية عاليةٌ في قواتنا لدرجة أننا كنا كمن "نلجم الحصان" مع قواتنا التي تريد أن تنطلق لمواجهة العدو".
ويمضى شمس بدران إلى القول في ثلث الجلسة "إن قواتنا موزعة في عدة محاور لدرجة أن إسرائيل لا تعرف من أين سيأتيها الهجوم..ولذلك سحبت قواتٍ كبيرة من الجبهة السورية إلى سيناء ومركزتها هناك..وأصبحت حرية الحركة أمامها محدودة جداً.. وواضح من توزيع قوات اسرائيل وبعثرتها أنها في حيرة".

ويُلاحَظُ أن وزير الحربية شمس بدران كان مرتاحاً تماماً لحشد القوات الإسرائيلية أمام الجبهة المصرية!

وبكل الغرور الذي اجتاح القادة العسكريين في تلك الفترة، نجد شمس بدران يؤكد أن قواتنا في شرم الشيخ قادرةٌ على منع الملاحة الاسرائيلية في خليج العقبة.. وأننا حوّلنا قطاع غرة إلى جزرٍ دفاعية بحيث يستحيل على إسرائيل احتلال أي مدينة.

بل إنه يؤكد أن: إسرائيل بعد أسبوعٍ من الاستعداد لن يمكنها عمل شيء ضد قواتنا، وإلا فستنال ضربةً قاصمة..وحتى إذا وجهت جميع قواتها إلى جبهتنا وتركت باقي الجبهات خالية، فنحن مستعدون لإسرائيل ومن هم وراء إسرائيل..فلا يهمنا أميركا ولا غير أميركا!

وفي شهادته على تلك الزيارة يقول د. مراد غالب الذي كان سفيراً لمصر في الاتحاد السوفيتي لمدة أحد عشر عاماً إنه عندما اجتمع شمس بدران مع وزير الدفاع السوفييتي أندريه غريتشكو دار الحوار بينهما على النحو التالي:"غريتشكو: نحن نرى أن الأوضاع خطيرة جداً وأنك ستقابل كوسيغين رئيس الوزراء، فما هو فحوى الرسالة؟

فيرد بدران بأسلوبٍ متعال: وإذا ما قلت لك الرسالة فماذا سأقول لكوسيغين؟!، فتململ غريتشكو وسأله: هل أغلقتم مضيق ثيران؟ فرد بدران قائلا: آه، فسأله غريتشكو: وإذا أرادت سفينةٌ إسرائيلية عبور المضيق ماذا ستفعلون؟ رد بدران: سنمنعها.. فسأله غريتشكو، وإذا ما جاءت سفينة أخرى من أى بلد في العالم ماذا ستفعلون؟ فرد بدران: سنمنعها..فسأله غريتشكو: وإذا ما جاءت مجموعة أساطيل تحت قيادة الأسطول الأميركي وأرادت دخول المضيق ماذا ستفعلون؟ فرد بدران: إذاً العالم كله يشهد أن أميركا دخلت الحرب ضد دولة صغيرة من العالم الثالث. فتململ غريتشكو بشدة لهذه الإجابات غير المسؤولة وغير المقبولة.

"وانتهت المقابلة التي أظهرت أن وزير دفاعنا بهذا الحجم من المعرفة العسكرية البسيطة.


"ثم قابل رئيس الوزراء السوفييتي أليكس كوسيغين وزير الحربية شمس بدران الذي قال له إنه يحمل رسالة من القيادة المصرية ويريد أن يعرف رأي الاتحاد السوفييتي. وأكد له أن الحشود المصرية لها ثلاثة أهداف وهي وصول جزء من القوات المصرية إلى إيلات جنوباً والجزء الثاني إلى وسط إسرائيل، أما الثالث فسيصل إلى تل أبيب والقدس.

كان بدران يقول هذا الكلام بينما طليعة القوات المسلحة المصرية وأكثرها تدريباً وتسليحاً موجودة في اليمن والقوات التي حشدوها كانت قوات احتياطي وكان الجنود يركبون الدبابات بالجلاليب وساروا أمام السفارة الأميركية بالقاهرة لاستعراض قوتهم الجبارة وقاموا بتعيين الفريق عبدالمحسن مرتجى قائداً للجبهة ومحمد فوزي رئيساً للأركان وكان سليمان عزت رئيسا للقوات البحرية وصدقي محمود قائداً لسلاح الطيران.


وبعد أن كشفت المحادثات عن موقف موسكو الواضح الذي يتحفظ على دعم القاهرة عسكرياً إن هي بدأت بالحرب، ودعوة مصر إلى الانسحاب وعدم توتير الموقف على الحدود مع إسرائيل..انتهت زيارة شمس بدران للاتحاد السوفييتي. وعلى سلم الطائرة سلم غريتشكو على شمس بدران وقال له: "لا تنزعجوا نحن معكم"، وهي مجرد كلمة مجاملة لا أكثر ولا أقل..لكن بدران نحى كل الأسئلة والمناقشات التي دارت معه حول قدرة الجيش المصري واحتمالات الحرب ودخول الولايات المتحدة طرفاً فيها.. إلخ وتمسك بهذه الكلمة فقط.


وشمس بدران لم يكن مع هذه الثقة الزائدة في النفس من النوع الذي ينقل الرسائل والانطباعات بشكلٍ دقيق. ويكفي أن نشير إلى أنه نقل للرئيس جمال عبد الناصر انطباعاته عن رحلته للاتحاد السوفيتي السابق نقلاً محرَّفاً تماماً.


وادعى بدران في مذكرة قدمها، بعد عودته، إلى عبد الناصر، بأن المارشال غريتشكو قد أبلغه وهو يودعه أمام سلم الطائرة: "أريد أن أؤكد لكم أنه إذا حدث شيء واحتجتم لنا فمجرد إرسال إشارة نحضر لكم فوراً في بور سعيد أو في أي مكان". وعندما عاد شمس بدران من رحلته صرح في اجتماع لمجلس الوزراء المصري بأن الاتحاد السوفييتي معنا، وأنهم مستعدون لضرب الأسطول السادس الأميركي. وطبقا لتعبير شمس بدران، فإنهم "سيشفونه عظم ولحم" أي: سيمزقونه. ولكن السفير أحمد حسن الفقي (وكان عضواً في الوفد المصري خلال رحلة موسكو) كذَّب ـ بعد أن وقعت الكارثة ـ هذا القول، وقال إن الاتحاد السوفييتي لم يعد بشيء من هذا القبيل، وإن شمس بدران كان مشغولاً بشراء أثاث ولوازم لمنزله!


وتصريحات بدران أخلت بحسن تقدير القيادة المصرية للموقف من المعركة الوشيكة. وقد أثير بعد انتهاء الحرب لغطٌ وشكوك حول مصداقية شمس بدران في نقل هذا التأكيد.


إنها مأساةٌ إغريقية كان شمس بدران أحد ابطالها، لدرجة أن الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل يشير في كتابه "حرب الثلاثين سنة: 1967 الانفجار" إلى أنه عندما أضيف إلى مجموعة القادة العسكريين المحيطين بالمشير عبد الحكيم عامر منذ سنواتٍ طويلة شمس بدران كوزيرٍ للحربية.. فإن صورة الإدارة اختلطت بصورة الأمن.

وحين يكون الأمن أحد المكونات الرئيسية في طبق الإدارة.. تأكل الشعوب الحِصْرِم.

| | تابع القراءة »

معركة العصا والمطرقة (2): مذبحة القضاء



كلاهما يحاول السيطرة على الآخر: القضاء والدولة.

إنها معركة تسييس القضاء..

ليست وليدة فقط بل إنها معركةٌ تدور رحاها منذ سنوات طويلة..فقط تتغير المقاعد وتتبدل الأدوار ..الدولة تريد أن يسير القضاء على خطها السياسي وأن تلبي أحكام ومواقف القضاء أجندتها ورغبتها في إدارة المجتمع بطريقة معينة.

والقضاء لا يسكت..يحاول الحفاظ على استقلاله، لكنه أيضا يدخل غمار السياسة من أوسع أبوابها.

وفي وقتٍ كان القضاء يطلب فيه الحرية للمواطنين ويدافع عن حقوقهم السياسية (كان هذا في 1968) أيضاً، نجد أشخاصاً في مواقع قضائية لا يخفون منطقهم ومنهجهم السياسي.. ويسهمون بدورٍ مهم في إدارة المجتمع إلى وجهة سياسية بعينها. كذلك استخدمت قوى سياسية القضاء جسراً لدس أفكار أو وصم أفكار أو دعم رؤى سياسية بعينها، باتت تصدر أحكام قضائية لتسهم في إسباغ الشرعية والمصداقية عليها.
إذاً هناك اندفاع شرس نحو تسييس القضاء.

الكل يمارسه ويفعله.

وهكذا قد يدفع ويندفع أي طرف لاتخاذ خطوة الوصول إلى الحافة.

فالكل يحاول أن ينتصر لتوجهه السياسي!

حصلت قبل ذلك: عام 1969 وما أطلق عليه وقتها "الإصلاح القضائي" وأطلق عليه بعدها "مذبحة القضاء".


والحاصل أن الرئيس المصري جمال عبد الناصر رأى قضاة يدخلون في السياسة ويتدخلون في الدولة بما لا يريده هو ولا سياسة الدولة آنذاك. وكان من رأي عبد الناصر أنه يجب على القضاة الانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي، فقد قال ما نصه: "رأيي في الحقيقة أن القضاة لازم يشتركوا في العمل القومي طالما أنا مابقولش الاتحاد الاشتراكي حزب، لأنه لا يمثل طبقة أو فئة أو مصلحة، هو في الحقيقة هو تحالف قوى الشعب كلها فإذا الحقيقة يجب أن يكون موجود".

وفي أحد محاضر اجتماعات عبد الناصر السرية بعد بيان 30 مارس آذار عام 1968 التي نشرها عبد المجيد فريد، ردد عبد الناصر عبارات من عينة: "أما عما أثير من بعض قيادات الاتحاد الاشتراكي عن الموقف الرجعي لبعض رجال القضاء فهو أمر صحيح لأن القضاء بوجه عام يقف ضد خطواتنا الثورية، وللأسف هناك عناصر عديدة من رجال القضاء ممن طبق عليهم القوانين الاشتراكية".. و"حدث "لعب سياسي" بين بعض رجال القضاء في العامين الماضيين ولم أفطن له إلا أخيراً.. هناك عناصر معينة تتصل ببعض رجال القضاء لتدفعهم في طريق معاكس لخط الثورة.. إننا على علم بهم، ولكنني لا أرغب أن أحسم الأمور بواسطة الاعتقالات إلا إذا أرغمت على هذا الإجراء تحت ظروف غير عادية".

وتدخل علي صبري - الأمين العام للاتحاد الاشتراكي - فأعلن رأي النظام الصريح من خلال تسع مقالات يومية نشرها في جريدة "الجمهورية" في المدة من 18 إلي 26 مارس 1967 انتقد فيها مبدأ الفصل بين السلطات، وشرح معنى أن السلطة كلها باتت للشعب، وأن القانون والقضاء ينبغي أن يحرص على مصالح الطبقة العاملة، وأن القضاة معزولون عن الشعب فكرياً وسياسياً، وعليهم أن يندمجوا في الفكر الجديد لأنهم يفسرون القانون تفسيراً رجعياً، يحمي الطبقات المستغلة لعرق الشعب، ولابد أن يشترك القضاة في النضال السياسي، لأن ابتعادهم عنه ضارٌ بالوطن، فهم قد يحكمون بالبراءة مثلاً لمجرد بطلان التفتيش.


اشمأزت نفوس القضاة من أعضاء التنظيم السري للاتحاد الاشتراكي وما أشيع عن كتابتهم للتقارير والوشايات، ورفضوا أهدافهم المعلنة وعبروا عن مشاعرهم لوزير العدل عصام الدين حسونة الذي أورد في كتابه "شهادتي"، أنه نقل إلى الرئيس عبد الناصر مشاعر القضاة فقال: "إن شعراوي جمعة قد شكل تنظيماً سرياً من ضباط الشرطة المؤمنين بالثورة، وكذلك فعل شمس بدران في القوات المسلحة، فلماذا لا نفعل في القضاء"!

أما القضاة فقد قدموا بياناً في 28 مارس 1968 نقلهم من منصات القضاء إلى منابر السياسة.

من هنا وصلت الأمور إلى حافة الأزمة..ثم الأزمة..فأطاح عبد الناصر بالعناصر الموجودة في القضاء المناوئة له والرافضة لسياسته أو الراغبة في فرض سياستها عليه.

وبصرف النظر عمن كان منهم يملك الحق "السياسي"، فإن الأزمة حدثت لأن كليهما تجاوز الخط الفاصل.
وظل هذا الوضع مرشحاً للتكرار دائماً، فهل يمكن أن تتكرر مذبحة القضاء؟

ليكن معلوماً أن أحداً لا يريد مذبحة ولا يشجعها ولا يرتضيها ولن يسكت عليها.. لكننا نخشى أن نقول إن البعض ينتظرها.


ولكن تعالوا نعرف ماذا جرى في مذبحة القضاء الأولى، التي نرجو أن تكون الأخيرة.

في 31 أغسطس 1969 أُعلِنَ عن قانون إصلاح القضاء في مصر، أو ما عرف فيما بعد باسم "مذبحة القضاء".. إذ صدرت ثلاثة قوانين حُلت بموجبها الهيئات القضائية وأعيد تشكيلها من جديد بعد إسقاط نحو 200 من أعضاء هذه الهيئات. وقتها أُعفِيَ جميع القضاة مصر من مناصبهم ثم أُعيدَ تعيينهم بعد أن استبعد عددٌ من أبرز القضاة والمستشارين وأعضاء النيابة..على رأسهم قاضي قضاة مصر آنذاك، أي رئيس محكمة الإبرام المستشار عادل يونس، نتيجة مواقف وطنية لم ترض عنها السلطة التنفيذية، وخاصة إصدار بيان 28 مارس سنة 1968 قبل بيان عبد الناصر ب48 ساعة فقط، الذي جاء كرد فعلٍ من جانب القضاة على ما كانت تشهده مصر في أعقاب حرب يونيو حزيران عام 1967، وحالة الإحباط التي كانت تسود المجتمع المصري بمختلف فئاته وطبقاته.

إن تحرك القضاة يوم 28 مارس عام 1968 سبق إذاً بيان 30 مارس الذي أعلنه آنذاك الرئيس جمال عبد الناصر والذي يعد الخطوة الأولى نحو تفكيك النظام الشمولي في مصر.


في ذلك التاريخ اجتمعت الجمعية العمومية لنادي القضاة في القاهرة برئاسة رئيس النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى المستشار عادل يونس، وانتهت إلى أن ما أُخِذَ بالقوة في يونيو حزيران عام 1967 لا يُسترَدُ إلا بالقوة، وأن أهم أسباب القوة احترام حقوق الإنسان وحريته وكرامته، وإلا إذا ساد القانون على الحكم والمحكوم بإعلاء مبدأ سيادة القانون وعدم المساس بالسلطة القضائية واحترام حريات الناس وحقوقهم، إلا بحكم يصدر من القاضي الطبيعي.

وبعد ذلك بخمسة أشهر وقعت مذبحة القضاة.


جاء البيان المذكور ليرسم ملامح واضحة وخطوات محددة لكي تخرج مصر من معاناتها وتجمع شتات نفسها.. وربما كانت محاولة القضاة هذه المرة وضع "روشتة" محددة لعلاج جسم المريض، وهو مصر في هذه الحالة – هو ما استفز أهل السياسة والمسؤولين عنها آنذاك.. فجرى التخطيط بين هؤلاء الساسة ووزير العدل آنذاك محمد أبو نصير إلى جانب عدد من المستشارين ورجال القانون الجاهزين للقوانين "التفصيل".. حتى وقعت المذبحة تحت ستار إصلاح القضاء في مصر.

يومها هلل الكثيرون لما حدث ونشرت الصحف القومية مقالات تشيد بهذه الخطوة.

وعقب مذبحة القضاء رفض عدد من رجال القضاء الاستمرار في أداء مهامهم رغم عدم إبعادهم فقدم البعض استقالة صامتة.. والبعض الآخر عندما صدر قرار بعودته مع العائدين رفض العودة لأن بقية زملائه استبعدوا دون سبب وجيه. وهكذا قدم أحمد الديواني رئيس المحكمة والمدير الفني لمكتب رئيس النقض استقالته الصامتة بمجرد وقوع مذبحة القضاء..أما المستشار عبد الوهاب أبو سريع الذي عاد بعد أن صدر قرار إعادة تعيين القضاة فقدم استقالته إلى وزير العدل. جاء فيها "تلقيت إخطاراً بصدور قرار جمهوري يتضمن تعييني مستشاراً بمحكمة استئناف القاهرة..ورغم ترحيبي بمبدأ إعادة تعيين رجال القضاء الذين أحيلوا للمعاش، فإنني أجد نفسي عاجزاً عن قبول إعادة تعييني بعد أن اقتصرت إعادة التعيين على عدد محدد من القضاة.. لست أجد في نفسي القدرة على القضاء يا سيادة الوزير، حيث يُنحَى عن منصب القضاء من لاشك في نزاهته وكفايته ".

ومن الحالات الأخرى محمود عنبة "وكيل نيابة ممتاز" الذي استقال، وجاء في كتاب استقالته: "اقبلوا استقالتي".. إلى أن صدر قانون العودة للجميع في 10 يناير 1973 دون انتظار أحكام قضائية.

ويتردد أن الصراع بين رجال القضاء ووزير العدل لدى وقوع "المذبحة" محمد أبو نصير بدأ منذ اليوم الذي تولى فيه أبو نصير مسؤولياته كوزير، إذ كان الرجل يريد أن يثبت للدولة التي أعادته إلى أضواء الحكم بعد عزلةٍ طويلة أنه جديرٌ بمنصب وزير العدل.. وأن رجال القضاء في جيبه وأنهم ليسوا أقل من غيرهم استعداداً لاسترضاء السلطة..لكن رجال القضاء أظهروا موقفا مستقلاً في انتخابات نادى القضاء بالإسكندرية حيث أسقطوا مرشحي الوزير. وفي مارس آذار 1969سقطت مجموعة أبو نصير في انتخابات نادي القضاة بالقاهرة نظراً لأنها كانت تسعى بوضوح إلى "تسييس" القضاء..وهكذا بدأ أبو نصير في التخطيط للمذبحة من أجهزة الدولة الأخرى، حتى سماها البعض "لعنة أبو نصير".

وكانت أهداف النظام الصريحة كما عبر عنها محمد أبو نصير تتلخص فيما يلي:1- فصل النيابة العامة عن القضاء وضمها لرئاسة الجمهورية.2- ضم القضاة للاتحاد الاشتراكي وجعل استمرار العضوية شرطاً لازماً لاستمرار الولاية، بحيث إذا قررت لجنة النظام إسقاط عضويته اعتبر مفصولاً من القضاء.3- تشكيل المحاكم بين قاض وعضوين من عامة الشعب من أعضاء الاتحاد الاشتراكي، وتكون الأحكام بالأغلبية لضمان مساهمة الشعب في العدالة.

ويقول المستشار ممتاز نصار رئيس مجلس إدارة نادي القضاة إبان المذبحة –وقد أصدر الرئيس جمال عبدالناصر قراراً جمهورياً بحل المجلس في إطار قرارات المذبحة- في كتابه "معركة العدالة في مصر" إن بيان 28 مارس 1968 الذي أعده مجلس إدارة نادي القضاء ودعوا فيه إلى سيادة القانون وتوفير استقلال القضاء واحترام حرية المواطن، أثار ضيق الرئيس جمال عبد الناصر حسبما أبلغه بذلك وزير العدل محمد أبو نصير.. كما جاءت نتائج انتخابات نادي القضاة في 21 مارس آذار عام 1969 لتسكب الزيت على النار، خاصةً بعد فوز قائمة أصحاب بيان مارس على قائمة وزارة العدل..فعُقِدَت اجتماعات شارك فيها الوزير أبو نصير وعلي نور الدين ومحمد الصادق مهدي وعبد الحميد يونس وعلي شنب وإبراهيم هويدي وعبد الحميد الجندي، بهدف رد الصاع صاعين للقضاة.

ولابد من الرجوع إلى بيان 28 مارس 1968 وهو بيان تاريخي بكل المقاييس لتدرك أسباب غضب السلطة التنفيذية في مصر آنذاك من تفاصيله.. إذ طالب البيان بإزالة جميع المعوقات التي اصطنعتها أوضاع ما قبل حرب يونيو حزيران عام 1967 أمام حرية المواطنين..وأن يأمن جميع المواطنين على حرياتهم وحرماتهم..مع التركيز على استقلال السلطة القضائية ورفض انضمام القضاة لمختلف التنظيمات السياسية.. والمطالبة بتخصيص القضاة وتفرغهم.

شهادة أخرى في قضية مذبحة القضاة قدمها د. حلمي مراد الذي اتهم في مقال نشرته صحيفة "أخبار اليوم" الوزير محمد أبو نصير بإفساد العلاقة بين عبد الناصر والسلطة القضائية. ويشير د. مراد إلى أن أبو نصير طلب في مطلع عام 1968 بصفته وزيراً للعدل تطهير القضاء وإخراج العناصر المناوئة للنظام، بحجة أن هذه العناصر هي التي دفعت رجال القضاء إلى الاعتراض على عضويتهم في الاتحاد الاشتراكي، استناداً إلى أن القضاء ينبغي أن يكون محايداً ولا يشترك في تنظيمات.

ويقول د. حلمي مراد إنه طلب من عبد الناصر تأجيل النظر في الموضوع ومنحه الفرصة لتهدئة الجو العاصف السائد في محيط رجال القضاء والنيابة باعتبارهم زملاء سابقين له، فوافق عبد الناصر على ذلك ليهدأ الموقف نسبياً.. ولنتذكر أنه في قضية أحداث كمشيش أقنع د. مراد الرئيس عبد الناصر بعدم نظرها أمام محكمة عسكرية برئاسة الدجوي وإحالتها إلى القضاء العادي. وبالرغم من اعتراض الوزير محمد أبو نصير فإن عبد الناصر اقتنع برأي وزير التربية والتعليم آنذاك. ويورد د. حلمي مراد في شهادته المنشورة عدة وقائع تثبت دور وزير العدل في دفع عبد الناصر وحكومته إلى اتخاذ قرارات مذبحة القضاء في نهاية أغسطس آب عام 1969.


وفي آخر أيام شهر أغسطس آب عام 1975 أصدر القضاة بياناً في نهاية احتفالهم بيوم القضاء بمحكمة الإسكندرية، الذي وافق ذكرى يوم صدور قانون الإصلاح القضائي عام 1969، والذي فصل بموجبه عدد من رجال القضاء .. وجاء في البيان : "إن القضاة وهم يستعيدون ذكرى هذا اليوم المشهود بعد أن هوى إلى العدم قانونٌ زائف، يشعرون وهم يسترجعون ذكرى المذبحة بآلامها المريرة، ويعلنون الدعوة العامة الشاملة إلى اعتبار ذلك اليوم من كل عام يوماً للقضاء، ويعربون بكل الإيمان عن شكر القضاة للرئيس أنور السادات الذي رد الثورة إلى أهدافها القومية.. وقد يظن البعض أن هذا تدخلٌ في السياسة.. بل ممالأة في السياسة أيضاً".
هذا ما كان في 31 أغسطس آب عام 1975

ولكن ماذا عن التوقيت نفسه قبل ذلك بست سنوات؟

لقد شهد ذلك اليوم عزلَ خيرةِ قضاة مصر بطريقة تعد خرقاً لكل القوانين وإخلالاً لمكانة القضاء..الذي خرج رجاله في بيان 28 مارس 1968 ويطالبون بالحرية للشعب وسيادة القانون واستقلال القضاء ويقولون إنه " وجب تأمين الحرية الفردية لكل مواطن في الرأي والكلمة والاجتماع، وفي المشاركة بالنقد والحوار والاقتراح، وفي الإحساس بالمسؤولية والقدرة على التعبير الحر، ولا يكون ذلك إلا بتأكيد مبدأ الشرعية الذي يعني في الدرجة الأولى كفالة الحريات لكل المواطنين، وسيادة القانون على الحكام والمحكومين على سواء".

ولكن صدر ما يسمى بقانون الإصلاح القضائي في 31 أغسطس آب عام 1969، والذي كان ذروةً للصراع مع مراكز القوى التي أقامت المحاكم الاستثنائية ومحاكم الشعب ومحكمة الدجوي. وقف رجال القضاء يقاومون هذه الأوضاع الخاطئة، فكان الرد عليهم مذبحة القضاء، التي أدت إلى استبعاد شخصياتٍ قضائية بارزة مثل المستشار ممتاز نصار ولطفي علي ومحمود توفيق إسماعيل وقطب فراج والمستشار محمد عبد السلام النائب العام سابقاً والذي كان آخر منصب له قبل "المذبحة" رئيس محكمة استئناف القاهرة.

الغريب أن الكل تنصل من مسؤوليته عن مذبحة القضاء ..إذ قال علي نور الدين النائب العام السابق إنه فوجىء بالمذبحة..ولكن في صفحة 169 من اعترافات سامي شرف وزير شؤون رئاسة الجمهورية أمام النيابة قال: لقد كانت هناك لجنة برئاسة علي نورالدين وأنها كانت "تجتمع بمكتبي اجتماعات يومية في الفترة السابقة على صدور قانون إعادة تشكيل الهيئات القضائية، وكانت من بين الجهات التي تحضر معلومات ومواقف عن رجال القضاء علاوة على الأجهزة الأخرى كالمخابرات والمباحث العامة".

كذلك حاول المستشار السابق محمد الصادق مهدي – في عهد السادات طبعاً – التشبث بأهداب ما حكم به في قضية كمشيش لستر ما اقترفه من آثار مذبحة القضاء.. وبالمناسبة، فقد تم فصل المستشار مهدي بحكم مجلس التأديب القضائي. أما المستشار علي نور الدين فصدر قرار جمهوري بتنحيته في إطار إجراءات "التصحيح" التي تمت بعد 15 مايو أيار عام 1971.

ولكن ماذا عن جمال عبد الناصر وموقفه من "مذبحة القضاء"؟ إذا كان التصور العام يفرض أن البعض - وعلى رأسهم وزير العدل آنذاك محمد أبو نصير- قد أوغر صدر عبد الناصر على القضاة وأقنعه بأنهم يحاولون تحدي السلطة السياسية ورمي القفاز في وجهها عبر بيان 28 مارس 1968..فإن هناك سيناريو آخر يرسمه البعض.

يذهب هذا السيناريو إلى القول بأن عبد الناصر كان يسعى فعلاً إلى إصلاح نظام القضاء بهدف التخلص من بطء إجراءات التقاضي والتخلص من تكدس مئات الآلاف من القضايا المتراكمة منذ سنوات طويلة عن طريق وضع نظام قضائي أكثر كفاءة.

وعلى طريقة حسن النية وسوء التطبيق، كان ما كان من تصفية لأبرز القضاة ورجال القانون في مصر على يد القائمين على وضع تفاصيل إجراءات إصلاح النظام القضائي..فخرجت القرارات عرجاء تستند إلى شعارٍ نبيل، لكنها تتكيء أيضاً على جريمةٍ متعمدة للتخلص من الأصوات النزيهة والقوية من رجال القضاء في مصر.

لعبة جذب وشد الحبال بين مطرقة القاضي وعصا السلطة، تنتهي عادةً بصدامات وقرارات تعسفية.

نرجو ألا يكون الحاصل الآن حلقة ًجديدة في ذلك المسلسل المحزن.

| | تابع القراءة »

معركة العصا والمطرقة (1): أمينة رزق..ويوسف وهبي



العدل عنوانه الوحيد: الحرية

فلا عدالة منتظرة من وراء قيود الحديد أو الحرير..ولا ثمرة حقٍ يمكن أن نجنيها من تكميم الأفواه

لكن السلطة لا تدري..ولا تتعلم

وما اصطفاف أعداد غفيرة من القضاة والمستشارين المصريين تأييداً لنادي قضاة مجلس الدولة في أزمته مع وزير العدل المصري المستشار ممدوح مرعي، سوى تعبيرٍ عن رفض قطاعٍ كبير من رجال القضاء لمواقف وممارسات الوزير مرعي، بعد ممارساته وإهاناته المتكررة في حقهم
وكان آخر هذه الأزمات، تلك التي تفجرت عقب توجيه مرعي ألفاظاً مهينة للمستشار يحيى راغب دكروري، رئيس النادي، نائب رئيس مجلس الدولة، حيث وصفه أثناء لقائه بعض الدارسين من أعضاء النيابة والقضاة في مركز الدراسات القضائية ب"أنه يبكي في التليفزيون مثل الفنانة أمينة رزق"، وكذلك التشكيك في قضاة بالمحكمة الإدارية العليا، عندما قال عنهم "إنهم فصلوا في قضية محمد جاد المنزلاوي بعد ما قعدوا مع بعض"، وهو القاضي الشاب الذي رفض مرعي تحمل الوزارة جميع نفقات عملية جراحية له، لإزالة ورمٍ خطير في المخ، قبل أن يتدخل الرئيس المصري حسني مبارك ويأمر بعلاجه في الخارج على نفقة الدولة

ولعله من المستغرب أن يسخر وزير "العدل" من شعور رجل قضاءٍ بالرحمة وامتلاكه نعمة الإحساس

بل إنه من المؤسف حقاً أن يستهزيء المستشار ممدوح مرعي بموقف رئيس نادي قضاة مجلس الدولة عندما دمعت عيناه تأثراً من عجزه عن فعل شيءٍ من أجل قاضٍ شاب التهم مرض خطير جسده وأخذ يهدد حياته. وفي المقابل، نجد وزير العدل يعتبر هذا الموقف الإنساني النبيل نوعاً من الدراما التمثيلية أو الإدعاء المفتعل، وهذا في حد ذاته إهانةٌ لرئيس النادي والقضاة جميعاً

ولأن كرة النار بدأت في التدحرج، فقد تقدم المستشار يحيي دكروري، نائب رئيس مجلس الدولة، ورئيس نادي قضاة مجلس الدولة، في ٣٠ يوليو تموز عام 2007، إلى المستشار عبد المجيد محمود، النائب العام، ببلاغٍ يتهم فيه وزير العدل المصري بالسب والقذف. ويعد هذا البلاغ سابقةً في تاريخ القضاء وأيضاً العلاقة بين المواقع العليا في السلطتين القضائية والتنفيذية بمصر


لم يكن هذا كل شيء.. إذ تقرر تشكيل لجنة من القضاة لمقابلة الرئيس مبارك، وعرض ملف بتجاوزات الوزير مع القضاة، الذين نسي مرعي أنه لا سلطة له عليهم وفقاً للدستور المصري الذي ينص على أن "السلطة القضائية مستقلة"، ويقول إن "القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون"

غير أنه يظل غير مفهومٍ على الإطلاق التفكير في الشكوى إلى الرئيس مبارك، ذلك لأنه من المفترض أن يكون الرئيس المصري على علمٍ كامل بتصرفات وتجاوزات الوزير، ومن الطبيعي أن يكون المستشار ممدوح مرعي معتمداً على ثقة القيادة السياسية ومساندتها له في أفعاله أو حتى خروجه عن "النص". فإذا كان مرعي يصف دكروري بأنه يبكي مثل أمينة رزق، فإن الدولة تتصرف بتعالٍ مفتعل كأنها يوسف وهبي

دعونا نتذكر أن نادي قضاة مجلس الدولة الذي هاجم وزير العدل رئيسه، يظل أقل جرأةً في مواجهة السلطة التنفيذية للمطالبة باستقلال القضاء، مقارنة بنادي قضاة مصر برئاسة المستشار زكريا عبد العزيز، والذي يواجه حملةً شرسة لتجفيف منابع تمويله، عقاباً له على مواقفه المستقلة
إن تاريخ القضاء المصري ببساطة هو تاريخ الصراع بين الاستقلال والاحتواء

وممدوح مرعي -الذي عينه مبارك وزيراً للعدل بعدما قاد من موقعه رئيساً للمحكمة الدستورية العليا أول انتخابات رئاسية العام 2005- يقدم نفسه على أنه عصا الحكومة التي تريد تأديب القضاة، وليس يدها الممدودة لإنجاح العلاقة بين السلطتين التنفيذية و القضائية، وهو بذلك يؤدي دوراً خطيراً يخرب بمقتضاه فكرة الفصل بين السلطات، ويقدم من حيث لا يشعر دليلاً جديداً على عدم جدية شعار الإصلاح السياسي
لقد تكرر مشهد الصدام بين الحكومة ممثلةً في وزارة العدل والقضاة منذ تولي المستشار ممدوح مرعي وزارة العدل ورفضه لقاء رؤساء الهيئات القضائية على مأدبة الإفطار التي كان يقيمها كل نادٍ من هذه الهيئات كتقليدٍ متبع منذ سنوات طويلة..فضلاً عن قيام وزارة العدل بتقليص الدعم المادي المقدم لنادي القضاة ونادي قضاة مجلس الدولة، الأمر الذي جعل النادي يشعر بوجود نيةٍ مبيتةٍ ضد القضاة من جانب النظام بسبب فضحهم التجاوزات ووقائع التزوير التي شهدتها الانتخابات العامة والرئاسية الأخيرة، وهو ما جعل مسألة الدعم المادي للنادي مجرد البداية في تقليص دور النادي وإنهاء استقلاله

ونحن لا نجاوز الحقيقة عندما نقول إن المستشار ممدوح مرعي لم يدخر وسعاً منذ توليه موقعه الوزاري في مناصبة القضاة العداء وافتعال الأزمات معهم والإساءة إليهم دون سببٍ أو مبرر واضح. ولم يخلُ الخطاب الرسمي لوزير العدل في مواقف مختلفة من وصف القضاة بأوصافٍ مهينة ونابية، سواء وصفه قضاة بني سويف بأنهم حفاةٌ وعراة ويستحمون في الترع، وإعلانه في 25 يناير كانون ثانٍ عام 2005عدم صلاحية كل قضاة مصر وأنه لا يجد من بينهم مئتين أو ثلاثمائة قاضٍ، وتأكيده أنه لن ينفذ أحكام مجلس الدولة وإنما سوف يلقي بها في سلة المهملات، ورفضه تنفيذ الأحكام القضائية النهائية الباتة الصادرة لقضاة مجلس الدولة


ولا أحد يدري سبب صمت السلطة التنفيذية التي اختارت هذا الوزير على إساءاته، خاصةً أنها هي التي اختارته. ولنتذكر موقف عمر بن عبد العزيز عندما جاءته بعض الشكايات عن أحد الولاة، فأرسل له خطاباً يقول له فيه: "كثُر شاكوك وقل شاكروك، فإما اعتدلت وإما اعتزلت"

على أن ما يهمنا في هذا المقام هو أن نشير إلى ظاهرة اختيار رؤساء مصر في نهايات فترات حكمهم لوزراء عدل تثار حول مواقفهم علامات استفهام كبرى. ومن هؤلاء وزير العدل محمد أبو نصير، الذي كان أداة الرئيس جمال عبد الناصر في "مذبحة القضاة" عام 1969. كما عمل الرئيس أنور السادات على اختيار وزراء للعدل من المخلصين له بدءاً من مصطفى أبو زيد فهمي الذي كان أول رئيس لجهاز المدعي الاشتراكي عند تكليفه بمحاكمة خصوم النظام.. وحتى أنور أبو سحلي الذي تولى التحقيق مع خصوم السادات السياسيين قبل أن يصبح وزيراً للعدل عام 1979

ويذكر لنا التاريخ القريب التطور الدرامي لصعود المستشار أنور عبد الفتاح أبو سحلي (1919 - 11 يناير 2000) المولود في فرشوط بمحافظة قنا. فقد تولى مناصب وكيل النائب العام في عام 1946، ورئيس محكمتي شمال وجنوب القاهرة عام 1977 والنائب العام في عام 1978، ووزير العدل في العام التالي

وأثناء رئاسته محكمة جنوب القاهرة، تفرغت هذه المحكمة وهذا القاضي للإجهاز على جريدة "الأهالي" التي يصدرها حزب التجمع المعارض. وكان أبو سحلي ينتمي إلى عائلة إقطاعية تأثرت بالإصلاح الزراعي فأبُعِدَ عن مناصب القضاء، وعمل لفترةٍ مستشاراً قانونياً لدى شركة "المقاولون العرب"، وبواسطة كبير مقاولي مصر عثمان أحمد عثمان - الذي كان ابنه متزوجاً من ابنة السادات- أعيد إلى القضاء. ورأى البعض أنه كما لو كان أبو سحلي وضِعَ في هذا المنصب ليجهز على "الأهالي"، فكانت أعدادها تُحمَل إلى محكمته كل أسبوعٍ بتهمة الإثارة والتحريض، وكان حكمه المتكرر هو مصادرتها. ولعدم انتظام صدورها لمصادرتها، سقطت رخصة الجريدة اليسارية بحكم القانون وتوقفت عن الصدور

وفي العامين اللذين أصبح فيهما وزيراً للعدل، اصطدم أبو سحلي مع نادي القضاة برئاسة المستشار يحيى الرفاعي وذلك عندما انتصر مرشح نادي القضاة انتصاراً كاسحاً على مرشح الحكومة الذي رشحه أبو سحلي، فقرر الرئيس السادات إقالته. وللقضاة مواقف مشرفة في حضور السادات، حينما أكد المستشار وجدي عبد الصمد رئيس نادي القضاة أن وزارة العدل في فترة أنور أبو سحلي تتولى إفساد القضاة وتنفق أموالاً لبعض القضاة بغير ضابط
وفي 17 مايو أيار عام 1981‏ تنفست قوى سياسية واجتماعية مصرية الصعداء عندما تم قبول استقالة المستشار أنور أبو سحلي وزير العدل، واختير أحمد سمير سامي بدلاً منه
ومازال التاريخ يكرر نفسه، وإن اختلفت الأسماء: ننتظر وزيراً للعدل، فيأتينا وزيرٌ..ضد العدل

لقد أنشِيء أول مجلسٍ للقضاء في مصر بالمرسوم رقم 31 لسنة 1936 وضم أربعة من مستشاري محكمة

النقض ومحكمة استئناف القاهرة يجري اختيارهم بطريق الانتخاب من الجمعية العمومية لكل من المحكمتين. وفي ديسمبر 1938 أنشئت ـ بقرار من وزير العدل ـ لجنةٌ مؤقتة لإبداء الرأي في شؤون القضاة تضم ثلاثةً من مستشاري محكمة النقض تختارهم جمعيتها العمومية، ثم نص قانون استقلال القضاء رقم 66 لسنة 1943 في المادة 34 منه على أن يضم مجلس القضاء الأعلى مستشاراً من محكمة النقض وآخر من محكمة استئناف القاهرة تنتخبها الجمعية العمومية

والشاهد أنه حين قامت ثورة يوليو تموز عام 1952 أحكمت قبضتها على أجهزة التنفيذ والتشريع، وأصدرت عدداً من التشريعات استهدفت تقييد مجال التقاضي، وجرت مواجهات عنيفة بين الثورة ومجلس الدولة طوال عامي 1954 ــ 1955 أثمرت قوانين لإعادة تشكيله وسقوط حصانة أعضائه

استمر هذا الوضع حتى يونيو حزيران عام 1967 الذي يمثل علامة فارقة في تاريخ مصر، وبدأ القضاء يوسع ولايته المنتقصة، ويمد نشاطه إلى خارج النطاق الذي كان مضروباً عليه مما أشعر الثورة بالقلق، فظهرت الدعوة إلى إدخال القضاء في التنظيم السياسي الوحيد الذي كان قائماً آنذاك وهو الاتحاد الاشتراكي. كما ظهرت فكرة القضاء الشعبي، أي أن يكون مع القضاة في نظر الدعاوى أناس يمثلون الشعب، كما جرى بعد ذلك في لجان فض المنازعات والمحكمة التي تنظر في قضايا الأحزاب ومحكمة القيم


لقد تعرض استقلال القضاء لمحاولاتٍ متكررة من النظم السياسية المختلفة للانتقاص منه في أعوام 1951 و1968 و1969، وقد سمي الأخير باسم عام مذبحة القضاة. وفي تلك الفترة، ضاق صدر السلطة ذرعاً بممانعة واستعصاء رجال القضاء، فلجأت إلى العنف في أكثر من مناسبةٍ لكسر إرادة القضاة وتطويعهم، وهو ما تمثل في الاعتداء بالضرب على رئيس مجلس الدولة الدكتور عبد الرزاق السنهوري في 29 مارس آذار عام 1954،‏ وفي طرد ‏18‏ من أبرز قضاة مجلس الدولة في عام ‏1955، ثم في مذبحة القضاة التي فُصِلَ بمقتضاها‏ كوكبةٌ من خيرة رجال القضاء‏، ومنعوا من القيد في نقابة المحامين، كما تم حل نادي القضاة‏
ثم ظهرت في فترة لاحقةٍ حيلٌ لاستمالة بعض القضاة بعيداً عن التيار الرئيسي الرافض لهذه الممارسات، عن طريق الانتداب في هيئات التحكيم وتكليف القضاة بأعمال إضافية يحصلون بموجبها على مكافآت كبيرة، مما يعطيهم ميزة كبيرة لا تتوفر لآخرين، ويقضي على فكرة المساواة بين القضاة. وانتهى بنا الأمر في الأعوام الأخيرة إلى دورةٍ جديدة من الصدام بين القضاء والسلطة

إنها دورةٌ كاملة
ولهذا السبب تحديداً، وكي نفهم ما يجري على الساحة المصرية الآن، دعونا نقترح العودة قليلاً إلى الوراء.. لنقف أمام ذروة الصراع بين السلطتين التنفيذية والقضائية: مذبحة القضاة عام 1969

| | تابع القراءة »