موتٌ خفيف

| |




تعالوا بنا نموتُ قليلاً

ما أجملَ أن نختارَ موتنا..وننسى أنه تاريخُ الاحتفالِ بمولدٍ جديدٍ مُنتظر

لكن لا شيء يمكن انتظاره أو تَوقُعُه هذه المرة. فالعامُ توضأ بالدمعةِ الأخيرة، ورمق الساعة قبل أن يقول: حان الوقت، فلنكن أول الموتى

يأتيه صوتٌ من الأعماق متسائلاً: والذنب؟

لا ذنبَ خارجَ الوقت، لا وقتَ لأخطائنا..سيخسرُ واحدٌ منا أخيراً، على كلِ حال

لكن بهاءَ التجربة يستحقُ الاحتفاء، لا الندم، ويستدعي الفخرَ لا الشعور بالذنب. إن الشعور بالذنب لا يصيبُ إلا الذين ينقصهم الفعل، الذين يستحبون العجز على الفعل. وهكذا فإن الندم عندهم يحل محل العمل

أما الندم، أو تبكيت الضمير، فهو الرغبة في أن يجد المرء نفسه مذنباً، في أن يلتذ بتمزيقِ نفسه، في أن يرى نفسه ويُحِسها أسودَ وأسوأ مما هي عليه في الواقع

ينظرُ العام بحنينٍ جارفٍ وخفي إلى أيامِه الماضية..يطالع اليومَ المعلق في التقويم، ويدندن بأغنيةٍ لم يسمعها أحدٌ من قبل
"هو هنا يبني بيتاً .. وهي هناك تهدم ذاكرة"

ما أصعب أن تكتشفَ متأخراً أنك من الصباح إلى المساء، ولمدة عامٍ كامل، كنت تصنعُ الماضي، فالمستقبلُ لم يعد لك


التاسع والعشرون من ديسمبر

تاريخٌ أعاد كتابة التاريخ

يقولون لك: اكتب لنا شيئاً نفهمه.. أصدقائي لا يعرفون أن تغييرَ الكاتبِ لغتَه يعادلُ كتابةَ رسالةِ حبٍ بوساطةِ قاموس. نرتِبُ ونُركِبُ الكلماتِ في صيغٍ مختلفة، لكن كيف يا ترى سنفلحُ في مضاهاةِ وردة؟

وقتٌ كالسيف، إن لم تسبقه.. قَطَعك

وقتٌ مخادعٌ مثل خصلاتِ شعرها: ينابيع جبلية في عيني مسافر

وقتٌ ضائع، مثل رضابها: عسل الجنة

وقتٌ مؤلم مثل خطواتها الرشيقة: إيقاع الرهبة وهو يسير فوق بساط قلبك

والحكمةُ تستر جراحنا: إنها تعلمنا كيف ننزف خفية

منذ خمسة وعشرين عاماً وأنا على سفر. وهذا امتيازٌ له مساوئه: ما من استقرارٍ في أي مكان. وهكذا لا يتمسكُ المرء بشيء، ويعيش حياةَ عابر سبيل. إنه شعورٌ دائم بالرحيلِ الموشك، إدراكٌ لواقعٍ انتقالي إلى أقصى حد
لا بأس. نحن بشرٌ، نخطيء ونصيب.. ولا شيء عفواً
يبعثرُ التاريخُ طيورَه البحرية ليظل وحيداً.. يصغي إلى مولدِه البريء والجريء من ضفافٍ مجهولة، قبل أن تمزق العواصفُ أشرعة المراكب
ها هي المغفرةُ، في جدولِ الأعمال
يضع الزمنُ يده على رأسِه في أسىً..عبروه في الحلمِ، منحوه جنونهم مثل ليلةٍ بهيجة أو عيد ميلادٍ غامض

ما بين السأمِ والوجدِ تجري كلُ تجربتنا مع الزمن

ندركُ أننا لم نعد في مرحلةِ الشباب عندما نكفُ عن اختيارِ أعدائنا، أو عندما نكتفي بمن عندنا منهم. لعل أفضل طريقةٍ للتخلص من عدوٍ هي أن تمدحه أينما حللت. سوف ينقلون إليه ذلك فلا تبقى لديه قوةٌ لإزعاجك: لقد حطمت قوته.. وسوف يواصل حملته ضدك دائما، لكن من دون صرامة وبأس، إذ يكون قد كف بشكل غير شعوري عن كرهك. لقد هُزِمَ وهو يجهل هزيمته

أما الذين يهزمونك فعليهم أن يتذكروا جيداً ما ستقوله لهم الأيام: من قُتِلَ..يقتلُ ولو بعد حين

في قلبِ الليل، لا أحدَ غير مجتمعِ الدقائق، كل دقيقةٍ تتظاهرُ بمرافقتنا ثم تهرب. فرارٌ يليه فرار. الأرقُ هو شكلُ البطولة الوحيد المنسجم مع السرير

وعندما يكون المرء وحده، حتى وإن لم يفعل شيئاً، فإنه لا يحس بأنه يبدد وقته. إنه لا يبدده إلا إذا كان في رفقة شخصٍ قرر سلفاً أن يطفيء شمعة المودة بعدم اكتراث

بعد البحث سدى عن بلد تنتمي إليه، ترتد إلى الموت، حتى تتمكن في هذا المنفى الجديد، من الإقامة كمواطن

أيها الموت، اقترب..كي نبتعد معاً

الأوراقُ الأخيرة تسقط متراقصة. لابد من جرعةٍ كبيرة من فقدان الحس كي نواجه هذا الخريف

كيف يؤدي وعيُ المرءِ بالموتِ إلى تلطيفِ فكرةٍ تخيف الناس عادةً؟ عندما يدرك المرء أنه فانٍ، فمعنى ذلك في الواقع أنه يموت مرتين فقط، ولا يظل يموت في كل مرة يدرك فيها أنه سيموت

الساعةُ تقترب من عناقِ الوداع. لا خفقة جناحٍ في الأفق.. كل شيء منصهرٌ في جسد الظلام

أحلمُ أحياناً بحبٍ بعيد، مثل رذاذ العطر، ووقتٍ للحُمى يشبه الحناء على كفِ امرأة

الحياةُ هي أن نحرقَ أسئلة، ونرد على رسائل

يلح عليَ حسن في رسالته قائلاً: "تعال، تعال، تعال"، لكنني لست مستعداً بعد لقرار العودة. يبدأ أيمن رسالته بجملة "أستحلفك بالله.."، فأطمئنه، ويحدثني إبراهيم قائلاً: "المشروع سيتأخر قليلاً"، فأطيب خاطره. يخاطبني رفعت في رسالةٍ نصية "الرائعون كالأحجار الكريمة لا نصنعهم، ولكن نبحث عنهم"، فأشكره، ويشرح لي علاء الدين تفاصيل الميزانية المقترحة بادئاً كلامه بجملة "شوف يا سيدي.."، فأقترح عليه: الجرأة تفعل الأعاجيب

ويسألني العام:"هل أنت بخير؟"

طبعاً، فكل الموتى مثلي بخير

تأتي ماجدة الرومي في سيرتها الأولى، فتيةً وندية مثل أوراقِ النعناع، تغني أغنيتي المفضلة. يبدو أن الموسيقى ملجأ الأرواحِ التي جرحت السعادة

عامٌ طويل..كيف انتهى؟

عرفتُ فيه مشرط الجرَاح، ومشارط الجوارحِ، ورأيت الألم في قطار مندفعٍ نحو المجهول، وتذوقت اللهفة في بهو فندقٍ يراقب نظارةً سوداء تخفي عيني ميدوزا الساحرتين، ورأيت اللغةَ نجمةً تلمع بين رماد الغرقى، وقرأت عباراتٍ أثقلُ من نكبةٍ على القلب

أصطادُ البحر، موجةً بعد موجة، وبجواري يقول بستانيٌ عجوز: "عندما أبكي بجوار زهرة، تنمو بوتيرةٍ أسرع"

تجتاحني رغبةٌ، تنفجر على معطفِ الأشواق

سأرمي انفجاري. هذا ما أمتاز به على القلقين الكبار الذين كانوا إجمالاً مستسلمين وهادئين

العام لم ينتهِ بعد.. سأدعه ينساني، لكنني سأتذكره دائماً. قد يأتي يومٌ ويعرف أنني الوحيد الذي مات وهو يتذكره

سأطلقُ سراحَه برحابةِ صدر، لعله يعود.. فإن لم يعد سأدركُ أنه لم يكن موجوداً إلا في خيالي

إنه لأمرٌ قاسٍ ألا نعود موجودين، وأن نكف عن الوجودِ في شيء ما

الشمسُ بائعةُ هوى، تبذلُ نفسها للعابرين..وحين يرفعون مظلاتهم هرباً منها تطلق في الفضاء حسرةً لا تُحدُ

والطبيعةُ التي كانت تحبني تتحداني في أن أكتب

أقبلُ التحدي، وأكتبُ في دفتر مذكراتي مثل مصباحٍ ينطفيء

"سأموتُ مثلما عشتُ، وأسيرٌ.. تتشابك أصابعي مع العام
أمشي بمحاذاته حتى لا تسبقني إليه مواعيد السفر
حياتُنا شعلةٌ وللنارِ حقُ الهيمنة.. أواجهُه: حدِق في عيني أيها المودِعُ وتأمل خرائبَ أنتَ صانِعُها
بيني وبينه مسافةٌ لاتذكر، لكننا نظل مثلَ منارتين على طرفي شاطيء مهجور
كَفنَ الغيابُ أيامي، حتى صارت مثل أوركسترا خفيفة تُعزف في دار أوبرا لجمهورٍ أصم
دعوا غرفَ القلب باردةً، فهي ساحةُ حرب توشك أن تقع.."وَالْقَلْبُ خِزَانَةٌ مُسْتَحْفَظَةٌ لِلْخَوَاطِرِ وَالأَسْرَارِ"، كما يقول الجاحظ
وحدها الروح وسادةٌ..وحده جسدي جدارٌ يرتعد
موتنا عربةُ بأجراسٍ، وآذانُنا مسحورةٌ بالصلصلة
أنا المسرح الحي، أيها العام الذي يحاول أن يلملم ثيابه
يفتح الشوق نافذةً تطل على شجيرات اللبلاب وأنوثة السُحُب
أرشقُ السماء بسهم يفجِرُ دماً من خاصرتها
رائحة القهوة في الشارع الصاخب، والكلامُ الذي يسطع، هما كل ما تركه لي عمداً
يسقط من حقيبته غلالةٌ تشعل النجوم، فيحسدني قمرٌ مصطبغٌ بضباب خفيف
تلعب الريح ولا تستحي بضحكاتٍ ترددها الشوارع التي عبرناها ذات مساء
استعجلتَ، يقول العام، وأردُ: بل أنت الذي قفزت إلى الصفحة الأخيرة"

أصرخ: ما عدتُ أجيدُ الكلام

يا لكميةَ التعبِ التي ترتاحُ في دماغي

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

18 التعليقات على "موتٌ خفيف"

أكتب تعليقا