جرائم العاطفة في مصر النازفة (7): فضيحة الأتعاب

| |





تشبه قصة حياة الأمير سيف الدين مأساة إغريقية

في الفصل الأول، يطلق البطل النار على زوج شقيقته الأميرة شويكار في عام 1898. كان من الممكن أن تمر تلك الحادثة بهدوء، لولا أن المجني عليه أصبح في وقتٍ لاحق سلطان مصر ثم مليكها. وفي الفصل الثاني، يهرب الأمير سيف الدين في عام 1925 من المصحة العقلية التي نُقِلَ إليها في بريطانيا قبل نحو ربع قرن. أما كيف هرب ومن الذي ساعده كي يسافر سراً إلى تركيا، فهذا ما أزعج القصر الملكي في مصر، خصوصاً أن الهروب كان يعني خطوة مهمة في طريق استعادة سيف الدين أملاكه الضخمة التي سُلِبَت منه بعد الحجر عليه

أما الفصل الثالث فقد بلغ ذروته عام 1928..وربما كان الفصل الأكثر إزعاجاً

لنعد قليلاً إلى الوراء

كان الملك فؤاد معروفاً ببخله، إلا أن ثورة 1919 والتغيرات التي حدثت فى مصر بعدها أجبرته عن التخلي عن هذا البخل، فأنشأ حزب "الاتحاد" لكي يكون صوتاً له ينادي بحق الملك في أن يكون هو مصدر السلطات وليس الأمة. ولما كان فؤاد حريصاً على عدم إنفاق أمواله فقد أصبحت دائرة الأمير سيف الدين هي الممول الرئيس لنشاط الحزب

استفز هذا التصرف طليقته الأميرة شويكار التي كانت قد غادرت مصر مع أمها الأميرة نجوان إلى تركيا، فهي لم تنس ثأرها مع فؤاد الذي تسبب في إيداع شقيقها مصحة للأمراض العقلية وها هو ينعم بماله وأملاكه

ولم ينس لها الملك بدوره تمردها والتشهير بسلوكه، ما جعل شقيقها يطلق النار عليه. وبسبب هذا الثأر لم يكف فؤاد عن التشهير بالأميرة والتندر على كثرة أزواجها الذين بلغوا أربعةً بعده، ولكن كان معظمهم من أصحاب النفوذ فى الدولة التركية، ما جعلها تنجح في إعادة فتح ملف شقيقها المنفي وثروته المنهوبة. واستطاعت أن تقنع ابن عمها الأمير يوسف كمال بأن يسافر معها لزيارة الأمير السجين، ليقتنع بعدها بسوء حاله ويرجع إلى مصر وهو يحمل توكيلاً من الأميرة لمصطفى النحاس باشا لإقامة دعوى قضائية لمحاسبة القيَم أمام المجلس الحسبي وتقديم كشوف حسابات عن إدارة هذه الثروة الطائلة



وظلت القضية منظورة إلى أن اعتُقِل النحاس مع سعد زغلول ونُفيَ إلى جزيرة سيشل في نهاية عام 1921، وترك القضية لغيره

وعادت الأميرة نجوان تطرق أبواب القضية مرة أخرى عام 1924 إذ وكلت محامياً تركياً كبيراً كان سفيراً سابقاً لبلاد هو جلال الدين عارف بك

والطلب الذى وكلته في السعي لإنجازه هو اتخاذ الإجراءات لنقل ابنها إلى تركيا تحت رعايتها. واستطاع المحامي أن يلتقى الأمير الحبيس الذي تذكر المحامي وتعرف عليه حيث جرى بينهما لقاء قبل أن يُحبس بين جدران المصحة. وخرج المحامي ليؤكد للجميع أن الأمير سيف الدين عاقلٌ، بل إنه في كامل قواه العقلية، فهو لازال يتحدث بالعربية والتركية والفرنسية بالرغم من أنه لم يتحدث بها مع أحدٍ منذ سنين طويلة، كما أنه أتقن اللغة الإنجليزية من مجرد التعامل مع ممرضيه

ونشر جلال بك عدة مقالاتٍ في الصحف الفرنسية بهذا الشأن، ما جعل إدارة المستشفى تمنع الزيارة عن الأمير للمحامي أو لغيره. وجاء فشل مساعي جلال بك تأكيداً لعدم جدوى اللجوء لبريطانيا للإفراج عن الأمير سيف الدين

وقطعت الأميرة نجوان الأم والأميرة شويكار الأخت، الأمل في الإفراج عن الأمير بالطرق المشروعة، فسافرتا إلى انجلترا واستطاعتا رشوة حارسي الأمير وتزييف تصريح مرور له ثم تهريبه إلى الآستانة

وظهر الأمير في الآستانة عام 1925 بعد عملية دؤوبة لترميم صحته بعد طول إهمال
الأمير الآن في الخمسين من عمره، ولابد أن يستعيد حياته المفقودة ومن قبلها أمواله المنهوبة..ولكن الجالس على عرش مصر هو الغريم المباشر للأمير، وهو ليس على استعدادٍ للصفح والغفران

وذات يومٍ توجهت الأميرة شويكار إلى السفارة المصرية في أنقرة وطلبت مقابلة السفير المصري، فاستقبلها الرجل بكل احترام بما يليق بأميرةٍ ومطلقةِ مليك البلاد وأم ابنته الكبرى فوقية. سألته إن كان فى استطاعته توصيل رسالة إلى جلالة الملك، فرد بالإيجاب. وعادت لتسأله: هل تعدني أن توصلها له كما هي دون تغييرٍ وبكل أمانة؟ ..فأقسم الرجل أنه سيفعل

آنذاك شبت الأميرة على أطراف أصابعها، حيث كانت قصيرة القامة، ثم هوت بكفها على وجه السفير بصفعةٍ ساخنة وهي تقول ضاحكةً: أرجو ان توصل هذه الصفعة إلى جلالته بالنص.. ثم غادرت السفارة وهي لا تلوي على شيء

وكانت هذه الصفعة إشارة بدء استئناف القتال بين الطرفين

وبعدها بنحو أربعة شهور أوفدت الأميرة نجوان محمد بك شوكت للتوصل إلى حل ودي للحصول على حقوق الأمير..ولكنه عند وصوله مصر وجد جميع الأبواب مغلقة، وأن الملك ازداد قوة بعد استقالة سعد زغلول إثر حادث مقتل السردار، وأنه لا يوجد أحد يستطيع التوسط لحصول الأمير على ما له من حقوق

بل إنه وجد خصوماً آخرين للأمير..فالقيَم على الأمير كان يختاره الملك من أكثر خلق الله فساداً، حتى يستطيع السيطرة عليه ولا يستطيع أن يرفض طلباً للسراي، فإذا فكر فى ذلك فتحت له ملفات فساده وهو ما فعلوه مع محمد باشا سعيد القيَم على الأمير الذي عينوا مكانه الأمير محمد علي إبراهيم ابن شقيق الأمير سيف الدين، الذي لم يكن أقل قسوةً على الأمير من سابقه، لدرجة أنه انتهز فرصة هروب عمه من المصحة وقطع عنه النفقة وتوقف عن إرسال أي مصاريف له..كذلك كانت الدائرة مليئة بأصحاب المصالح الذين لهم أكبر مصلحة في بقاء الوضع على ما هو عليه

ولكن لم ييأس شوكت بك ووجد أنه لا مفر من المواجهة العلنية، فكان لابد له منها

وكانت المسائل التي تخص الأسرة الحاكمة لا تنظر أمام القضاء العادي ولكن تُنظر أمام مجلس البلاط الذي صدر قانون بتنظيمه عام 1922 وهو مختص بالنظر في كل ما يتعلق بأمراء الأسرة المالكة حتى الأمور الشرعية وحصن بعدم الطعن على أحكامه وكان يتكون من أمير هو أقرب أقرباء الملك ووزير الحقانية ومفتي الديار وشيخ الجامع الأزهر ورئيس المحاكم الشرعية

وكان لابد من وجود رجالٍ أشداء يستطيعون الوقوف في وجه أعلى سلطة فى البلاد بلا خوف. وبعد بحثٍ وسؤال انتهى شوكت بك إلى سؤال جعفر فخري بك صديقه وكان ذا صلة عائلية به، وطلب منه ترشيح محاميين آخرين معه لرفع القضية أمام مجلس البلاط على أن يكونا على درجة عالية من النزاهة والشرف والشجاعة، فرشح له صديقيه مصطفى باشا النحاس وويصا واصف باشا

وبدأت المعركة

في 1927 وقع شوكت بك بصفته وكيلاً عن الأميرة نجوان عقداً مع المحامين الثلاثة، يوكلهم به إقامة دعوى قضائية لرفع الحجر عن الأمير سيف الدين. ونص العقد على أن يترافعوا عن الأمير أمام مجلس البلاط أو أي جهة قضائية أخرى للحصول على رفع الحجر عنه أو ترتيب نفقة مناسبة له

ونص العقد أيضاً على أتعاب قدرها 117 ألف جنيه مصري في حال رفع الحجر وعشرة آلاف جنيه مصري في حالة تقدير نفقة تصل إلى 22 ألف جنيه، وتزيد الأتعاب وتنقص حسب مقدار النفقة المترتبة ومتجمدها

وقِعَ العقد في مكتب ويصا واصف واتفقوا على تقاضي المحامين الثلاثة 15 ألف جنيه كمقدم أتعاب، لكن اعتذر شوكت بك بعدم وجود سيولة مالية لدى الأميرة فاكتفوا بـ 1500 جنيه تقاسمها المحامون الثلاثة

ولأنهم من الحنكة فقد قرروا أن يضعوا خطة مناسبة للدفاع عن مصالح الأمير. وهكذا قرروا الاكتفاء برفع قضية تقدير نفقة أولاً ثم الاستفادة بحيثيات الحكم لرفع قضية لرفع الحجر كلياً عنه

وسافر شوكت بك إلى الآستانة وسعى إلى إحضار تقارير طبية تحدد حالة الأمير الصحية والنفسية بواسطة أكبر أطباء الآستانة للاستعانة بها في القضية

وانعقدت جلسة في مجلس البلاط للنظر في أمر القضية المرفوعة بطلب نفقةٍ مناسبة للأمير والمطالبة بمتجمد النفقة عن المدة التي انقطع الصرف فيها منذ هروبه من المصحة عام 1925

ومنذ اللحظة الأولى عرف الجميع أن المعركة القانونية ليست سهلةً، فقد حشدت الدائرة بما لها من أموال أربعة من أكبر محامي مصر، على رأسهم عبد العزيز باشا فهمي وتوفيق دوس باشا الوزيرين السابقين وقطبي حزب الأحرار الدستوريين

وبدأ الدفاع عن القيَم على الأمير بالهجوم على الأميرة نجوان واتهامها بغير ذات الصفة، وأنها غير مسؤولة عن الأمير وتطمع في وضع يدها على ثروته بل إنها سعت إلى تهريبه من مشفاه وهو ما أضر بمصلحته، وأن الواجب تسليم الأمير للقيَم ليعود إلى المصحة لأنه أفضل لصحته ومصلحته

وتم الدفاع عن الأمير بالشكل المطلوب، مع التوضيح لهيئة مجلس البلاط مدى تقتير القيم على الأمير والسعي وراء التحكم غير المسؤول في أمواله وإهدارها

ولفت الدفاع عن الأمير نظر المحكمة إلى أن ثروة الأمير تقدر بنحو عشرة ملايين جنيه تدر دخلاً سنوياً مقداره 120 ألف جنيه، فما الضرر في إنفاقه على ضروريات واحتياجات وكماليات الأمير، خصوصاً أن أصل الثروة موجود

ولفتوا الأنظار أيضاً إلى أن الأمير ليس له زوجةٌ أو ولد، وأن القيَم - وهو عمه الأمير محمد على إبراهيم - له مصلحةٌ في التقتير فى الصرف على الأمير حتى يستبقي الثروة لحين وفاته لنفسه كوريثٍ من ضمن ورثته

وطلب الدفاع احتياطياً تقدير نصف الريع السنوي - 60 ألف جنيه - كنفقةٍ سنوية للأمير، حتى يتمكن من شراء قصرٍ مناسبٍ له في أسطنبول، إضافة إلى شراء قصر ثانٍ على ضفاف البوسفور. وعندما سأل رئيس المجلس دفاع القيَم عن سبب قطع نفقة الأمير، ردوا بأن القيَم لم يعرف مكان للأمير بعد هروبه من المصحة، ما أثار امتعاض رئيس المجلس واستفزه رد الدفاع عليه

وأحس دفاع القيَم أن القضية لا تسير في مصلحتهم، فكان لابد من تصرفٍ سريع لتدارك الأمر


أسرع القيَم على الأمير سيف الدين، بإرسال بعثةٍ كبيرة برئاسة النبيل عباس حليم وصحبة عدد كبير من محامي الدائرة بهدفٍ معلن، هو الوقوف على حالة الأمير سيف الدين وإعداد تقرير عما يلزمه من أوجه الصرف

وبعد أسبوعٍ من وصول البعثة إلى تركيا طلب النبيل عباس حليم مبلغ 40 ألف جنيه لتغطية نفقات الأمير منذ هروبه من مصحة تايهست بإنجلترا
طلب محامي الدائرة التأجيل من مجلس البلاط لحين وصول البعثة وكتابة تقريرها، ووافق دفاع الأمير سيف الدين على هذا التأجيل، خاصةً عندما طلبت الأميرة نجوان حضور شوكت بك بصحبة أحد محامي الدفاع إلى الآستانة لبحث شروط الصلح الذي عرضه النبيل عباس حليم عليها. وعند وصولهم إلى الآستانة وجدوا أن العرض هبط إلى الحد الأدنى وأشاروا عليها بالرفض

في الوقت نفسه أعد النحاس أحد محامي الدفاع عن الأمير بحثاً عن مسألة الحضانة، وهل من حق الأميرة نجوان حضانة الأمير سيف الدين على اعتباره قاصراً عقلياً.. لأنه يكون بذلك في حكم الطفل الصغير

ومع انعقاد الجلسة التالية كان النحاس يدخل القاعة حاملاً مجموعة مجلداتٍ تؤكد رأيه الشرعي في مسألة الحضانة كما ساقها في مذكرة دفاعه



في هذه الجلسة فاجأ النحاس الخصوم بطلب تقدير نفقةٍ مؤقتة لحين الفصل في القضية، مستشهداً بطلب النبيل عباس حليم مبلغ 40 ألف جنيه للصرف على أوجه نفقات الأمير

وبعد مبارزاتٍ قانونية عنيفة قرر المجلس الحكم بنفقةٍ قدرها ألف جنيه شهرياً، كما قرر سفر رئيسه حسين باشا رشدي إلى الآستانة لمعاينة حالة الأمير، وله أن يستعين بمن يراه من الأطباء. وقرر أيضاً تأجيل القضية لموعدٍ لم يحدده على أن يخطر به الأطراف بعد إجازة الصيف

وكان القرار الوحيد الذي نُفِذَ من هذه القرارات هو صرف مبلغ 20 ألف جنيه متجمد النفقة للأمير منذ مغادرته للمصحة

واستمرت القضية معلقةً أكثر من عام، ولم تعقد جلسة لها، خاصةً بعد أن خلا مكان رئيسها حسين باشا رشدي وعين محله عبد الخالق ثروت. ولم تألُ الأميرة نجوان جهداً لحشد تأييد رجال السياسة وأعضاء الأسرة الملكية بهدف استعادة أملاك وثروات ابنها سيف الدين


وفي هذا الوقت توفي الزعيم سعد زغلول في 23 أغسطس آب عام 1927، ليحل محله مصطفى باشا النحاس زعيماً للوفد المصري. أما ويصا واصف فقد شغل موقع رئيس مجلس النواب لفترتين هما (20مارس 1928-18 يوليو 1928) و (11يناير 1930-21 أكتوبر 1930)

وحانت لحظة الفصل الثالث من مأساة سيف الدين

ففي رسالةٍ مؤرخة بتاريخ 29 يونيو حزيران عام 1928، أبلغ المندوب السامي البريطاني لورد جورج لويد مسؤوليه بأمر اختفاء وثائق مهمة من منزل جعفر بك فخري، أحد المحامين الثلاثة المتصدرين للدفاع عن الأمير سيف الدين. فقد كان فخري مسافراً خارج الإسكندرية هو وأسرته للقاهرة، حين اكتشف حارس المنزل أن نافذة من المنزل مكسورةٌ ومفتوحة على مصراعيها

اتصل الحارس بجعفر بك الذي جاء مسرعاً ودار في منزله ليجد كل شيء في مكانه فلم يجد ما يدعو لإبلاغ الشرطة، ولكنه عندما عاد مرة أخرى اكتشف سرقة نسخة العقد الموقع بين شوكت- وكيل الأميرة نجوان- ومكتب المحاماة الخاص بالنحاس والذي يحدد الأتعاب الضخمة عن القضية، وصورة لخطاب شخصي أرسله جعفر فخري إلى فريد الدين باشا زوج أم سيف الدين بشأن القضية. وكان الخطاب مؤرخاً بتاريخ 24 سبتمبر أيلول، أي بعد يومين من اختيار النحاس زعيماً لحزب الوفد

ولما كانت النافذة مكسورةً من الداخل فقد اتجهت الشبهات إلى طباخه، فقد أبلغ الشرطة ضده قائلاً إن الوثائق المسروقة كانت موجودة في خزانة زوجته. وبدا جلياً أن المستفيد الوحيد من سرقة هذه الوثائق هي دائرة سيف الدين، وأصبحت الشكوك يقيناً عندما وكل محامي الدائرة للدفاع عن الطباخ . إلا أن المحكمة أفرجت عن الطباخ وفيما بعد أن برأته لعدم كفاية الأدلة

وفي وثائق الخارجية البريطانية نجد أن لورد جورج لويد يشكك في صحة الرواية، على أساس أنه من الصعب على رجل يعمل طباخاً في منزل عائلة أن يصل بسهولة إلى خزانة ملابس سيدة، خصوصاً في تلك الأيام. وبعد إجراء بعض التحقيقات، علم رجال لويد أن فخري على خلافٍ مع زوجته، ما أثار الشك في أن تكون الزوجة هي من سرقت الوثيقتين. غير أن المندوب السامي البريطاني لم يقتنع بهذه الفرضية أيضاً، ورأى أن فخري يتعاون سراً مع الملك وأنه سلم الوثيقتين إلى القصر

وبعد أسابيع قلائل هدأ الموضوع



شكَل مصطفى النحاس الوزارة خلفاً لعبد الخالق ثروت، ولم ينس في غمرة مشاغله أن يرسل خطاباً إلى شوكت بك وكيل الأميرة نجوان يبلغه فيه بتنحيه عن المشاركة في الدفاع عن الأمير سيف الدين لحظر القانون أن يقوم الوزراء ورئيسهم بأعمال خاصة خلال توليهم مناصبهم. وتقول مصادر إن شوكت بك رد عليه بخطاب شكرٍ على ما بذله من مجهود أثناء الفترة التي تولى فيها الدفاع عن الأمير.. إلا أن الأميرة نجوان لم تكتب للنحاس رداً على رسالته

ومع اشتعال الأزمة بين النحاس وبريطانيا وبينه وبين الأحرار الدستوريين، بدأت الصحف تدخل على خط الهجوم بالغمز واللمز وتصيد الأخطاء. وكان لابد لخصومه من تدبير فضيحةٍ مدوية تُسقِط وزارة النحاس وتبرر إقالته

وكانت الفضيحة كما يظنون جاهزة

انطلقت الرصاصة من وسائل الإعلام

وتبين الوثائق البريطانية أن الملك فؤاد انتظر الوقت المناسب لتوجيه ضربته إلى خصومه، فأعطى أحمد وفيق رئيس تحرير صحيفة "الأخبار" – لسان حال الحزب الوطني- الوثائق المختفية في ظروفٍ غامضة، وتولى الأخير عمل نسخٍ مصورة منها على ألواح الزنك ونشرها على صدر الصفحة الأولى من الجريدة في العدد الصادر يوم السبت الموافق 23 يونيو حزيران عام 1928 مع ترجمةٍ باللغة العربية للأصول المكتوبة باللغة التركية. وفي غضون أيام، ظهرت الوثائق في صحيفة "الاتحاد" لسان حال حزب الاتحاد المقرب من القصر، وصحيفة "السياسة" لسان حال حزب الأحرار الدستوريين

وكانت العناوين الساخنة تقول:

"فضائح برلمانية خطيرة
رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب يستخدمان السلطتين التنفيذية والتشريعية لمصالحهما الذاتية
تشريع خاص من أجل أتعاب في قضية
نائب يصف المجلسين بالاستسلام والخنوع
يجب على النحاس النزيه وزميله أن يتخليا عن منصبهما ويطلبا رفع الحصانة البرلمانية والتقدم للتحقيق
واجب البرلمان المبادرة للنظر في الأمر حرصاً على سمعة البلاد
أتعاب قضية ضعف رأس مال بنك مصر"

وتحت هذه المانشيتات صور من الوثيقتين المسروقتين من منزل جعفر فخري، وأحدها صورة العقد الذي وقعه المحامون الثلاثة مع محمد شوكت بك وكيل الأميرة نجوان

خلاصة الفضيحة أن الصحف صورت أن العقد الذي وقعه الثلاثة يتضمن استغلالاً بشعاً لمناصبهم وللأميرة نجوان، وأنهم غالوا في تقدير أتعابهم واستباحوا لأنفسهم المساومة بآلام الأمير سيف الدين

وقالت صحيفة "الأخبار" إن النحاس وويصا واصف كانا محاميين لدى مجلس البلاط عندما أبرما الاتفاق مع شوكت، وبالتالي فقد طلبا أتعاباً بأرقامٍ فلكية آنذاك بسبب نفوذهما السياسي وعلاقتهما بمجلس البلاط

وتحدثت تلك الصحف عن الوثيقة الثانية "المسروقة" بإسهاب، فقالت إن الخطاب تضمن إشارة إلى اعتزام المحامين إلغاء مجلس البلاط حتى يمكن النظر في قضية سيف الدين أمام المحاكم الشرعية، التي لم يكن للملك نفوذ يُذكر عليها. وقد جرت محاولات في هذا الشأن عندما تقدم حافظ رمضان زعيم الحزب الوطني بمشروع قانون للبرلمان في يونيو حزيران عام 1928 يقضي بإلغاء مجلس البلاط. وبدا في تلك الحالة كما لو أن الحزب الوطني متحالفٌ مع حزب الوفد ضد الملك

وتصاعدت الحملة الصحفية ضد النواب الثلاثة، حتى أن أحد المقالات كُتب فيها يقول:

"لتلق الأمة دروس النزاهة والشرف على النحاس وويصا واصف وجعفر فخري..إن حرفتهم كانت سلب أموال الأمة فأمعنوا في سلبها.....وكانت مهمتهم الدستور فقتلوه..إذن هم عنوان الشرف والأمانة كما هو العرف في دولة اللصوص وقطاع الطرق والقراصنة"

ثم أضاف كاتب المقال:"إنه لشرف النعال وإنها لأمانة المحتال وإنها لصيانة دستور الدجال..ألا تختشي أن يتلطف معك صاحب الجلالة ويسألك أين استقالتك؟..فماذا تجيب أيها النتن القذر"

وشنت هذه الصحف حملةً شرسة على حزب الوفد، إذ طالبت "الأخبار" بمحاكمة هؤلاء المحامين الثلاثة بتهمٍ جنائية بموجب المادة 93 من قانون العقوبات، إضافةً إلى تهمة خرق المواد 67 و68 و71 من الدستور. ودعت إلى تجريد كلٍ من رئيس الوزراء (النحاس) ورئيس مجلس النواب (ويصا واصف) من الحصانة النيابية، حتى يتسنى إحالتهما إلى المحاكمة. وشاركت الصحف الأخرى في تغذية هذه الحملة المستعرة

وفي المقابل، تولت الصحف الموالية للوفد الدفاع عن قادة الحزب. وعقدت الهيئة البرلمانية للوفد اجتماعاً عاجلاً في 24 يونيو حزيران لبحث تلك الأزمة وتداعيات نشرها. وفي اليوم التالي نشرت صحيفة "الأهرام" تفاصيل الاجتماع. وأبلغ فخري رفاقه في حزب الوفد بأن الترجمة العربية للوثائق التركية لم تكن دقيقة وتضمنت كلماتٍ وفقراتٍ لم ترد في النص الأصلي. وفي الاجتماع، نفى فخري بشدة أي ادعاءاتٍ تتهمه بالتآمر على "الوفد"

وفي مواجهة الحملة الصحفية والضغوط السياسية، قال فخري إن المحامين الثلاثة طلبوا 500 جنيه مقدم أتعابٍ لكل واحد منهم، على أن يتم دفع 40 ألف جنيه لكل واحدٍ منهم، في حال استرد الأمير سيف الدين جميع أملاكه، وبغض النظر عن عدد الدعاوى القضائية التي ينبغي إقامتها أمام المحاكم العامة أو المختلطة أو الشرعية، أو حتى أمام مجلس البلاط. وأضاف فخري أن هذه الأتعاب أقل بنسبة ثلاثة في المئة من قيمة المبلغ المطلوب استرداده، وهي تمثل بالتالي رقماً متواضعاً للغاية

وبدوره، نفى ويصا واصف الادعاءات بأن قياداتٍ في حزب الوفد سعت إلى إلغاء مجلس البلاط، قائلاً إن حقيقة الأمر تتمثل في أن عدداً من أفراد العائلة الملكية ناشدوه بوصفه رئيساً لمجلس النواب إلغاء مجلس البلاط، على أساس عدم دستوريته. وأوضح أنه لم تكن لديه نيةٌ في توريط نواب الوفد في البرلمان في هذا الأمر، وأنه عندما رفض هذا المطلب، وجد أصحاب الطلب شخصاً غيره يثير مطلبهم تحت قبة البرلمان. وكان هذا الشخص هو حافظ رمضان رئيس الحزب الوطني، والذي قدم للبرلمان مشروع قانون في مايو حزيران عام 1928 بشأن إلغاء مجلس البلاط. وشدد ويصا واصف على أن نواب الوفد في البرلمان لم يكن لهم دورٌ في مشروع القانون المذكور، الذي أحيل إلى اللجنة القانونية لدراسته، وظل هناك حتى تاريخ تصريحات واصف

وفي ضوء تصريحات رئيس مجلس النواب، اتجهت الأنظار إلى حافظ رمضان رئيس الحزب الذي كانت صحيفته أول من أثار تفاصيل تلك "الفضيحة"، وانتهى الأمر بعدول رمضان عن مشروع القانون الذي قدمه للبرلمان. وأدى ذلك إلى إثارة تكهنات حول دوره في مؤامرة السراي ضد حزب الوفد

في هذه الأثناء، طالت الشكوك شخصية النحاس باشا الذي عدل عن تمثيل الأمير سيف الدين فور توليه رئاسة الحكومة. غير أن واصف قال إن النحاس كتب إلى الأميرة نجوان عقب تكليفه بتشكيل الحكومة، طالباً إعفاءه من تمثيل الأمير سيف الدين في الدعاوى القضائية المرفوعة، وإنه لم يتلق رداً منها بقبول اعتذاره عن المهمة. وبالنسبة لواصف فإنه لم يكن هناك ما يمنعه من تمثيل موكيله أمام القضاء، إلا إن كان سيعتذر عن ذلك لأسباب تتعلق بطبيعة منصبه
وفي النهاية، قال ويصا واصف إنه لا هو ولا النحاس باشا كانا على علمٍ مسبق بالرسالة التي أرسلها جعفر فخري إلى فريدون باشا - زوج الأميرة نجوان- وهو ما أكده فخري بنفسه أمام الهيئة البرلمانية للوفد وفي التحقيقات التي أجراها المدعي العام في وقتٍ لاحق

وبالرغم من نفي الوفد ودفاعه، واصلت الصحف المعادية للحزب حملتها، وجددت صحيفة "الاتحاد" مطالبتها باستقالة المحامين الثلاثة من البرلمان وإحالتهم إلى المحاكمة، في حين واصلت صحيفة "لا ليبرتيه" حملتها ضد رئيس الحكومة المصرية ووصفته ذات مرةٍ بأنه "غبي". وقالت صحيفة "الأخبار" إنه في أي بد آخر فإن توجيه اتهاماتٍ من هذا النوع ضد محامين كان سيجبرهم على الاستقالة، قبل إحالتهم إلى المحاكمة. وانتقدت الصحيفة ما ورد على لسان النحاس في صحيفة "الأهرام" من أنه سيبقى رئيساً للحكومة ما دام يحظى بثقة البرلمان

ووسط هذه الأحداث، أصدر الملك فؤاد مرسوماً بإقالة حكومة النحاس. وحتى يتجنب أي اتهاماتٍ بالضلوع في مؤامرة الوثائق المتسربة للصحافة، لم يرد في المرسوم أي ذكرٍ لهذه الفضيحة أو لقضية الأمير سيف الدين. وبرر الملك في مرسومه إقالة الحكومة بتصدع الائتلاف الحكومي

وبالرغم من تلك التطورات، واصل قادة حزب الوفد تحقيقاتهم في قضية الوثائق المسروقة، وكانوا متأكدين من وجود مؤامرةٍ ضد الوفد، وبدوا عازمين على معرفة الطريقة التي تسربت بها تلك الوثائق إلى الصحف، والعقل المدبر للترجمة المشوهة للرسالة التي أرسلها فخري إلى فريد الدين باشا

ولسوء الحظ، واجه الوفديون عقبتين. ومع أنهم أقروا بأن الترجمة العربية للوثائق التركية لم تكن دقيقة، فإن جهات التحقيق أيدت المبدأ الذي رفعه رئيس تحرير جريدة "الأخبار" بشأن حق الصحفي في عدم الكشف عن مصادره. من ناحيةٍ ثانية، لم يكن هناك أحد قادر على أن يوجه إصبع الاتهام علناً إلى الملك بأنه من يقف وراء هذه المكيدة. وأقصى ما أمكن فعله هو التلميح إلى دور السراي بشكلٍ غير مباشر، وهو ما قامت به "الأهرام" على سبيل المثال

ففي عددها الصادر بتاريخ 11 يوليو تموز عام 1928 أجرت الصحيفة حواراً خيالياً بين مراسل "الأهرام" و"شخص ذو اطلاع"، يسأل فيه الصحفي ذلك المصدر عما إذا كان لاحظ شيئاً في هذا الموضوع، فيرد المصدر قائلاً إنه لولا السياسة المحلية ووجود دوافع معينة ما كانت هذه المسألة أثارت كل هذه الضجة. وعندما قال الصحفي إن الادعاء العام يتطلع إلى معرفة الظروف المحيطة بسرقة تلك الأوراق من منزل فخري بك، رد المصدر قائلاً: "هل تظن السرقة مازالت سراً غامضاً؟ الكثير من الناس يعرفون بالضبط كيف حدث ذلك وأنا واحد من هؤلاء". يسأله الصحفي عمن فعل ذلك فيرد المصدر بقوله" السيد اكس، بالطبع، كان الرجل الوسيط". إلى هنا تسكت "الأهرام" عن الكلام المباح في تلك القضية أو الفضيحة





في 29 أبريل نيسان عام 1936 توفي الملك فؤاد الأول، وفي العام التالي توفي الأمير سيف الدين، تاركاًَ ثروته لشقيقته الأميرة شويكار. لم يعد سيف الدين إلى مصر منذ أن غادرها متوجهاً إلى المصحة العقلية في بريطانيا، ولكن بقي التاريخ وحده شاهداً على تلك الحكاية المثيرة في تفاصيلها وأبطالها

وكما أسلفنا، لم يبق من ذكرى الأمير سيف الدين سوى عمارات شهيرة في شارع قصر العيني. أما الأميرة شويكار فقصرها الشهير الذي عاشت فيه فترةً طويلة تحتله الآن رئاسة مجلس الوزراء، وقد تم ذلك أيام النظام الملكي وليس بعد ثورة يوليو كما يتبادر إلى الذهن، إذ اشترته منها الحكومة المصرية في عهد الملك فاروق بمبلغ كبير

يبقى القول إن هناك من يرى أن محاولات الأميرة شويكار إفساد الملك فاروق في أيامه الأخيرة كانت انتقاماً من أبيه الذي أساء إليها وكذلك من جده الذي تقول بعض المصادر أنه قتل جدها بإغراقه في النيل عند كفر الزيات

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

17 التعليقات على "جرائم العاطفة في مصر النازفة (7): فضيحة الأتعاب"

أكتب تعليقا