جرائم العاطفة في مصر النازفة ( 5): ارحمني يا فؤادي

| |


بينما تبين أن البرنس فؤاد لم يمت بعد أن أُخرِجَت الرصاصة التي أصابت فخذه، وبقي قيد الملاحظة في "الكلوب" نتيجة نفاذ الرصاصة الثانية من بطنه إلى صدره، كان الجاني يقضي ليلتين في قسم عابدين
بعد نجاح العملية الجراحية التي أجريت له وتماثله للشفاء، كان أول قرارٍ اتخذه الأمير أحمد فؤاد هو تطليق الأميرة شويكار التي كان قد أنجب منها الأميرة فوقية، زوجة فخري باشا سفير مصر لدى فرنسا. وحين وصلتها ورقة الطلاق، كانت الأميرة شويكار حاملاً في شهرها الثاني
قال البرنس أحمد سيف الدين في التحقيقات الرسمية إنه كان ينتقم لأخته التي يعذبها البرنس فؤاد. إلا أن الأميرة شويكار نفت أن تكون قد اشتكت زوجها لأخيها، وحاولت أن تثني البرنس فؤاد عن قرار تطليقها، وأرسلت له رسائل تستعطفه وتعتذر له. وقد احتج في المحاكمة بكتبها له، كما احتج بكتبها ورسائلها إلى عمها وعمتها وأخويها وغيرهم، حيث كانت تشكو منه. ونكتفي من رسائل الاستعطاف بنشر هذا النموذج الذي يحكي عن نفسه
"عزيزي فؤاد
أكتب لك هذا وأنا باكيةٌ، وقلبي ألف قطعة، بل وأنا في حالة الجنون ولا أصدق أن فؤادي لا يريدني؛ لأني عالمة أنك تحبني شديد الحب
نعم، أنا أعترف بأني مخطئة فيما كنت أقول من الأقوال الفارغة، ولكن أنت تعلم أنني عصبية، فأنا أقبل قدميك وأستحلفك بأمك وبقبر والدك كي تسامحني
فإن لم يكن صفحك نظراً لخاطري فنظراً لخاطر بنتنا (وكيجة) -تقصد فوقية- وللجنين الذي سيولد بعد سبعة أشهر
إنني سأعتبر نفسي جارية لك، كأنك اشتريتني بالمال من عند الياسرجي، وأكون مطيعة لأوامرك، ولا أحسب نفسي مطلقا أنني من عائلة (أحمد) المتهم - وهل تظن أيها العزيز أني قادرة على تحريض أحمد - هذا الأهبل- أن يفعل أمراً شنيعاً كالذي فعل؟!
هل أحرضه على أن يقتل زوجي والد ولدى
إنني أقسم لك بأن مثل هذا الأمر ما خطر بفكري قط
ارحمني يا فؤادي، اشفق علي وسامح جاريتك؛ إذ لا يمكنني أن أعيش دونك، إن غاية ما كنت أتمناه لك من صميم فؤادي الصحة ولله الحمد قد رجعت لحبيبي فؤاد
والآن أقبل قدميك وأبقى في ظلك واسمح لي فقط باللقاء ولو مرة واحدة وأموت بعدها
( شويكار)"

إلا أن السهم كان قد نفذ ولم يعد هناك أي أمل عن التراجع، خاصة بعد أن وافقه شقيقاه البرنس حسين والبرنس إبراهيم
تركت الأميرة شويكار قصر الزعفران لآخر مرةٍ إلى سراي والدها في قصر الدوبارة..وأرسلت عمتها عين الحياة هانم أفندي إلى سراي الزعفران لأخذ بقية أمتعتها
أما الأمير أحمد سيف الدين فكان يعاني آنذاك من متاعب الحبس، وخاصة "البق" الذي يحرمه من النوم
بدأت المحاكمة في أواخر يونيو حزيران عام 1898 وكان البرنس سيف الدين طوال مدة المحاكمة رابط الجأش، هادئاً، شاخصاً إلى الأمام، لا يلتفت يمنة ً أو يسرةً، كأن القضية لا تعنيه في شيء
دفع محامو سيف الدين بأنه مختل عقلياً ولم يكن يقصد القتل، ولكن التهويش فقط. حكمت المحكمة على الأمير سيف الدين بثبوت تهمة الشروع في قتل "دولة البرنس فؤاد باشا" –الذي كان قد دخل القضية كمدعٍ بالحق المدني- وبسجنه سبع سنوات تحسب منها مدة الحبس الاحتياطي، وبتعويض للمجني عليه قدره 1845جنيهاً إفرنكياً، وذلك قيمة ما صرفه البرنس فؤاد على الأطباء والأدوية فقط، وبإلزامه بالمصاريف، ورفضت دعوى الحجر التي كانت مرفوعةً أيضاً، قائلةً إن المتهم سليم العقل وإنه كان يقصد القتل لا التخويف

وتقول صحيفة "المنار" في متابعتها للمحاكمة: "قد أهين المتهم بالدفاع عنه، حيث رمي بالعته وضعف العقل وبالحكم عليه، حيث ذكر الرئيس في تعليلات الحكم وحيثياته أن الذي دفع به إلى الجناية عدم التربية الصحيحة، وهاك عبارة الرئيس في ذلك: "وحيث إن سيرة المتهم منذ صغره لا تدل على أنه تربى كما يليق بشأنه، وقد تيتم قبل أن تتمكن منه صفات الرجال ووجد نفسه ذا ثروةٍ واسعة مطلق السراح ولم يكن له من معاشريه ومخالطيه من يطلب له السعادة بإهداء رشيد النصح وتمثيل الفضائل له بما يحرضه على اعتناقها، فمال طبعاً إلى ما يميل إليه من خلص من كل القيود وكان له مكانته الاجتماعية نصيراً على عدم التصادم بجزئيات الحوادث كل يوم"

وطوال الوقت الذي نطق فيه رئيس المحكمة بالحكم، ظل الأمير سيف الدين واقفاً في قفص الاتهام، وقد تقلص وجهه بفعل الأسى ونظرات عينيه تنطق باليأس، لكنه بالرغم من ذلك، لم ينطق بكلمة احتجاجٍ واحدة
هكذا وجد الأمير سيف الدين نفسه خلال ثلاثة أيام يواجه عقوبة السجن، في حين قرر محاموه الطعن على الحكم بالاستئناف
كان للحكم الذي صدر بحبس الأمير سيف الدين سبع سنواتٍ بتهمة الشروع في قتل الأمير أحمد فؤاد أصداء كبيرة ومتباينة. ففي اليوم التالي مباشرة لصدور الحكم، صدرت جريدة "ايجيبشيان غازيت" وهي تحمل مقالاً درامياً قالت فيه: "إن محاكمة الأمير أحمد سيف الدين لم تكن مثيرة للاهتمام فقط لأنها أتاحت للجمهور الفضولي أن يلقي نظرةً على ما يجري من مشاجرات داخل الأسرة الخديوية، ولكن لأنها قدمت مثالاً رائعاً على أن جميع المواطنين متساوون أمام القانون. وعلى الرغم من أن الشريعة الإسلامية تجعل كل الناس سواسية، فإن هذا المبدأ حتى سنواتٍ قليلة لم يكن مطبقاً من الناحية الواقعية"

وأضافت الصحيفة: "إن السير إدوارد ماليت قال وهو يغادر مصر "إن العدالة هي ما تحتاج إليه البلاد أكثر من أي شيء"، وإن لورد كرومر لم يتوقف يوماً عن سعيه للارتقاء بمستوى أداء المحاكم الأهلية في مصر"

وقالت "ايجيبشيان غازيت": إن قضية الأمير سيف الدين عكست مدى الجهد الذي بُذِلَ لإشباع شعور الناس بالعدالة، وبالطبع مازال ثمة قصور في سير العدالة. ولازالت الرشوة والمحسوبية موجودة في أنحاء كثيرةٍ ومترامية من البلاد، وقضية سيف الدين تعد أهم قضيةٍ جنائية تنظر أمام محكمةٍ أهلية من البداية للنهاية، والحقيقة أن المحاكم الأهلية في مصر قدمت الكثير للعدالة، وإذا استمرت على الأداء نفسه فإنه سيتم التغلب على أكبر عقبة تقف في طريق استقلال مصر"
وكان السير ألفرد ملز قد كتب قبل خمس سنوات من ذلك التاريخ يقول إنه إذا أمكن الارتفاع بمستوى أفراد هيئات المحاكم الأهلية، إلى حد يضمن تطبيق روح القانون، فإن المبرر الوحيد لوجود سلطات قضائية أوروبية في مصر - المحاكم المختلطة - سيكون قد فقد دواعي وجوده
وأنهت الصحيفة مقالها قائلة إنه "ما من وطنٍ استعاد صورته أمام أنظار العالم المتحضر بالسرعة التي فعلت بها مصر ذلك، ومحاكمة الأمير سيف الدين، يجب أن تظهر لأوروبا أن مصر في إمكانها الاستغناء عن تدخل القوى الدولية في تطبيق العدالة"

وقد سجلت جريدة "الأهرام" أن الجمهور الذي حضر المحاكمة من بدايتها كان يستحب أن تكون الرأفة بالمتهم أعظم، والحكم أخف وطأة. وأضافت: "لكن للأسف فإن حيثيات الحكم نقضت دفاع المحامين، الذين أدوا ما عليهم من واجب في الظروف الحرجة التي تمت فيها المحاكمة"
وقالت "الأهرام" تصف المحاكمة كلها: "كانت هذه الأيام الثلاثة الأخيرة أياماً مشهودة.. للفصاحة والبلاغة، والفضل والعدل"
أما صحيفة "المنار" فقد اهتمت بمسألة القضاء المصري فقالت: "إن انتظام أمر المحاكم تحقيقاً وتدقيقاً وضبطاً وعدالة أطلق الألسنة بالثناء واللغى المختلفة على حضرة القاضي الفاضل صاحب العزة أحمد فتحي بك زغلول رئيس محكمة مصر الأهلية وافتخر به المصريون بحق واحتجوا به على أنهم قادرون على أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم وبمثل سعادته تنهض لهم الحجة، ولولا ضيق المجال لأسهبنا بما شاهدناه كما أسهبت الجرائد اليومية ولكننا نكتفي بتصديقها بما حكت وأثنت"
غير أن أحمد فتحي زغلول - شقيق زعيم حزب الوفد سعد زغلول- هو نفسه عضو المحكمة في قضية دنشواي ورئيس محكمة مصر الابتدائية الذي كتب حيثيات الحكم بخط يده في تلك الحادثة التي تعد رمزاً للظلم في عهد الاحتلال

نعود إلى الأمير سيف الدين
كان الأمير يشعر وهو في السجن أن المحكمة عاملته بقسوة، وكان قد بدأ إجراءات استئناف الحكم بحبسه سبع سنوات. وعندما طلب مقابلة النيابة ورفض طلبه فاجأ الجميع بأغرب تصريح وهو أنه قد قرر الاستغناء عن خدمات علي بك جلال ممثله القانوني، ووضع مكانه شقيقته الأميرة شويكار
وتساءل الناس: هل لغير ذلك أن تظهر الأميرة شويكار كمحاميةٍ تترافع عن شقيقها، على غرار ما فعلته بورشيا في مسرحية شكسبير "تاجر البندقية"
مضي شهران قبل أن يتم تحديد يوم 16 نوفمبر تشرين ثانٍ من العام نفسه لنظر الاستئناف، لكن قبل أن يحل الموعد حدثت مفاجأة أخرى: حيث قرر رئيس محكمة الاستئناف صالح بك ثابت التنحي عن نظر الاستئناف لأن أخاه قد تزوج من الأميرة شويكار أخت المتهم

وعندما تم تعيين عفيف بك رئيساً جديداً للمحكمة طلب منه الأمير سيف الدين تعيين أي محامٍ يراه لكي يتولى مهمة الدفاع عنه، لكنه أخذ بعد ذلك يرفض أسماء المحامين الذين اقترحتهم عليه المحكمة. وفي موعد المحاكمة لم يكن لديه ممثل قانوني، وعندما سأله رئيس المحكمة عن اسمٍ يرشحه شخصياً، رشح الأمير سيف الدين إبراهيم بك الهلباوي محامياً عنه
ولم يكن إبراهيم الهلباوي موجوداً في القاهرة في ذلك الوقت
ولأن القانون يرفض أن يكون لطالب الاستئناف محام، فقد اضطرت المحكمة إلى تأجيل نظر الاستئناف. وتم إرسال خطابٍ إلى الهلباوي لسؤاله إن كان يقبل الدفاع عن سيف الدين
وتحدد يوم 7 ديسمبر كانون أول لجلسة الاستئناف
لكن إبراهيم بك الهلباوي طلب التأجيل لأنه لم يكن لديه وقتٌ كافٍ للاطلاع على القضية التي سيترافع فيها، فتأجلت الجلسة أسبوعاً
ويوم 14 ديسمبر كانون ثانٍ، وفي التاسعة صباحاً، افتتحت الجلسة.. وغصت المحكمة بالمشاهدين
دخل الأمير سيف الدين القاعة ومعه أحب الناس إليه: أمه الأميرة نجوان وشقيقته الأميرة شويكار، اللتان جلستا الصف الأول بالقرب من مكان المحامين
ووقف عبدالله بك سميكة ممثل الادعاء يستعرض تفاصيل القضية في مرافعةٍ بليغة طلب في نهايتها تأييد حكم حبس الأمير سيف الدين سبع سنوات، وأيضاً أن يتحمل جميع النفقات
ثم شخصت أبصار الحضور نحو إبراهيم بك الهلباوي محامي سيف الدين عندما وقف ليقدم مرافعة الدفاع
انطلق الهلباوي في مرافعته يدافع عن جريمة سيف الدين، وألقى بقنبلةٍ في قاعة المحكمة حين قال إن أفعال الأمير تستحق الصفح أكثر من أي شيء آخر، لأن سببها معاناة الأمير من نزعاتٍ أحادية موروثة واختلالٍ عقلي، حيث تتغلب عليه حالة التركيز على شيء واحد أو فكرة واحدة
وحدثت مفاجأةٌ مذهلة، إذ فوجيء الجميع بالأمير سيف الدين في تلك اللحظة يهب واقفاً وهو يصيح بأنه ليس في حاجة إلى خدمات محامٍ يقول عنه أمام الجميع إنه مجنون
بدا وجه سيف الدين شاحباً من شدة الغضب. وشهقت أمه وأخته من تلميح محاميه بأنه مجنون
توقف إبراهيم بك الهلباوي عن الكلام، وتبادل القضاة النظرات في دهشة، وساد القاعة صمت متوتر
لحظات وتمالك المحامي إبراهيم الهلباوي نفسه، واختتم مرافعته مطالباً المحكمة بضرورة تخفيف الحكم
وبالرغم من ثورة الأمير سيف الدين على دفاع الهلباوي عنه والدفع بأنه مختل عقلياً، فإنه استفاد من ذلك، فعندما فض القضاة الجلسة للمداولة ثم عادوا.. أصدروا الحكم التالي: على صاحب السمو أحمد سيف الدين أن يودع في السجن خمس سنوات، وأن يسدد نفقات علاج سمو الأمير أحمد فؤاد، وأيضاً مصروفات القضيتين
وهكذا تم نقل سيف الدين وهو في حالة يُرثى لها إلى عربة السجناء التي أسرعت به إلى سجن الجيزة. وعندما أغلِقَت بوابة السجن عليه في ذلك اليوم عرف أنه لن يعامل أبداً كأمير، وأنه من الآن فصاعداً ليس سوى شخصٍ مدانٍ يقضي عقوبته وراء القضبان

ولأنه لم يكن مسموحاً بأن يكون هناك سجينٌ عاطل عن العمل، اختار سيف الدين أن يعمل في ورشة النجارة بالسجن

وفيما عدا حفنةٍ قليلة من الأصدقاء المخلصين، فإن الأمير البائس لم يحظ إلا بقليلٍ من التعاطف، وبدأت الصحف تتناول حياته في السجن بتعليقات قاسية مليئة بالسخرية، وتحدثت عنه الصحف بالكثير من الشماتة عن الذل الذي يعيشه في السجن..لكن جريدة "ايجيبشيان غازيت" كتبت باعتدال تقول: "إن سمو الأمير سيف الدين تقدم بطلب لرفع قضيته إلى محكمة النقض. وهو يؤكد أنه إذا أعيدت محاكمته فإنه سيقدم البواعث التي دفعته ليفعل ما فعل. ومع هذا فإن طلبه لن يُجاب"

لكن الصحيفة نفسها لم تستطع مقاومة الرغبة في التهكم على الأمير السجين، فأضافت: "وبما أن سموه سيكون في السنوات الخمس المقبلة مشغولاً في النجارة وأعمال أخرى متواضعة لكنها مجدية، فإنه لن يتمكن من الاهتمام بأملاكه. وستقوم السلطات القضائية باختيار بعض المشرفين الذين سيديرون شؤون الأمير المالية طيلة فترة بقائه في السجن"

لكن الذي حدث فعلاً أن محكمة النقض انعقدت للنظر في التماس سيف الدين

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

4 التعليقات على "جرائم العاطفة في مصر النازفة ( 5): ارحمني يا فؤادي"

أكتب تعليقا