الملك فاروق (1): أخطاء مسلسل..وخطايا الحياة

| |







الأضواء القوية تحجب الرؤية السليمة عن العين

والمديح المتواصل لمسلسل "الملك فاروق" الذي تابعه الجمهور اعتباراً من مطلع شهر رمضان وصولاً إلى نهاية عيد الفطر السعيد – أي طوال شهري سبتمبر أيلول وأكتوبر تشرين أول من عام 2007- تجاهل أن المسلسل وقع في عددٍ من الأخطاء الساذجة، بل إنه أغفل الكثير من الحقائق..في حين طنطن كثيرون بأن المخرج السوري حاتم علي يتقن إخراج الأعمال التاريخية وأن د. لميس جابر شرعت في كتابة هذا المسلسل مطلع التسعينيات، واستمعنا إليها وهي تقول: "اكتشفت أن 90 بالمئة مما قيل عن فاروق ليس صحيحاً. وأمضيت خمس سنوات أجمع المادة العلمية..بدأت في العام 1996 كتابته، وانتهيت من كتابته في 1999"

لكن الأخطاء وقعت

أخطاء ما كان يجوز لها أن تقع لولا أن القائمين على المسلسل لم يراعوا الدقة التاريخية والفنية في المسلسل

ومن الهفوات الفنية – ذات الصلة بالتاريخ- التي وقع فيها المسلسل، أن مخرج المسلسل اختار المطربة ريهام عبد الحكيم للعب دور أم كلثوم، لنجدها في الحلقة (27) وهي تغني للملك فاروق على شاطيء الإسكندرية في عام 1944 فيثني عليها ويمنحها لقب "صاحبة العصمة" قبل أن تحصل على نيشان الكمال
في سبتمبر أيلول عام 1944

وليس معقولاً أن تؤدي ريهام وهي شابةٌ في مقتبل العمر دور أم كلثوم (20 ديسمبر كانون أول 1898- 3 فبراير شباط 1975) التي كانت في ذلك العام في منتصف الأربعينيات من عمرها

والأغرب أن تغني أم كلثوم في جلسة خاصة يحضرها الملك فاروق في "أربعينيات المسلسل" أغنية "جددت حبك ليه"، مع أن الأغنية التي كتب أحمد رامي كلماتها ولحنها رياض السنباطي ظهرت إلى النور عام 1952 وهي بالمناسبة من مقام نهاوند

وفي إحدى الحلقات الأولى من المسلسل، حين كانت عقارب الزمن تشير إلى مطلع الأربعينيات، يظهر ملصقٌ دعائي على إحدى دور العرض عن فيلم "ابن النيل". غير أن القائمين على المسلسل فاتهم أن يراجعوا معلوماتهم ليعرفوا أن هذا الفيلم من إنتاج عام 1951 وهو من بطولة شكري سرحان وفاتن حمامة ويحيى شاهين، ومن إخراج يوسف شاهين

وفي القصر الملكي، تابعنا الملك فاروق وهو يشاهد مع زوجته الملكة فريدة في عام 1943 مشهداً من فيلم تؤدي فيه المطربة أسمهان مقطعاً من أغنية "يا بدع الورد". والحقيقة أن الفيلم كان "انتصار الشباب" الذي أنتج عام 1941 وظهرت فيه أسمهان لأول مرة على شاشة السينما، وشاركها البطولة شقيقها فريد الأطرش.. وأثناء تصويره تعرفت إلى المخرج أحمد بدرخان ثم ارتبطت به في زيجةٍ انهارت بعد أربعين يوماً فقط. والمنطق يقول إن فاروق وعائلته وحاشيته لا يتجمعون إلا لمشاهدة فيلم جديد، وليس معقولاً أن يتابعوا فيلماً جرى عرضه للعامة منذ عامين كاملين

ويقدم المسلسل في الحلقة (24) راقصةً وهي تتلوى على إيقاع أغنية "روحي وروحك حبايب"، لكن الأغنية التي لحنها فريد الأطرش وغنتها وردة الجزائرية في فيلم "ألمظ وعبده الحامولي" الذي أنتج عام 1962
ولم يقدم لنا المسلسل الكثير عن الخلفية الاجتماعية والفكرية لرئيس الديوان الملكي أحمد حسنين باشا -واسمه الكامل هو أحمد محمد مخلوف حسنين البولاقي- الذي نال تعليمه في جامعة أكسفورد وكان أحمد حسنين باشا رحالة ومستكشفاً بدءاً من عام 1921، وشاركته أبرز رحلاته الحسناء البريطانية روزيتا فوربس التي وصفته في مذكراتها بأنه "جنتلمان حقيقي" وقعت في غرامه أثناء تلك الرحلة



وأصدر أحمد حسنين باشا كتابه "الواحات المفقودة" باللغة الإنجليزية عام 1925، ثم ترجمه أمير نبيه وعبد الرحمن حجازي في عام 2006 ضمن سلسلة المشروع القومي للترجمة عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر. وقد نظم أمير الشعراء أحمد شوقي بك قصيدة يصف فيها أحمد حسنين المغامر والرحالة الذي اكتشف واحتي أركينو والعوينات المفقودتين في الصحراء الغربية، وكطيار جريء قام بأكثر من محاولةٍ للطيران من مصر إلى أوروبا. وكانت هذه القصيدة تدرس للتلاميذ في كتب المطالعة

كما كان بطلاً دولياً في الشيش وممثل العرب الوحيد في دورة استكهولم التي جرت عام 1912 وكان في ذلك الوقت طالباً في انجلترا، لكنه خرج من التصفية الأولى في فردي الشيش في سيف المبارزة..وهو ما أثار فزع الأمير محمد علي توفيق حينما تحداه ذات يومٍ للمبارزة. وقد جرى تعيينه سكرتيراً أول للمفوضية المصرية بواشنطن، بعدها نُِقلَ إلى المنصب نفسه في سفارة لندن. وقد نجح في جذب قلب لطفية هانم -ابنة الأميرة شويكار وسيف الله يسري باشا- وتم له الزواج منها. بعدها عُينَ عام 1926 أميناً أول في قصر عابدين، ولما سافر الملك فؤاد في رحلته إلى أوروبا اصطحبه معه.
صحيحٌ أنه ابن أحد رجال الأزهر، لكنه لم يكن في نظر كثيرين ابن المنطقة الشعبية الذي قفز إلى الصفوف الأولى، وإلا ما كان تزوج من لطفية هانم أو تم تعيينه رائداً للأمير فاروق ولى العهد في بعثته الدراسية إلى لندن. وكان أحمد حسنين شخصاً شديد الذكاء والتحضر، واهتم بأناقته، ومال إلى المغامرات النسائية، وليس إدمان العمل في المكاتب حتى ساعات الصباح الأولى كما قدمه المسلسل

وفي الحلقة (30) رسم المسلسل صورة غير دقيقة للحادث الغامض الذي أودى بحياة أحمد حسنين باشا، إذ أظهر شاحنةً تصطدم بسيارة أحمد حسنين من الأمام..ولكن هذه رواية ناقصة لما جرى


ففي ظهر يوم ١٩ فبراير شباط عام ١٩٤٦، كان أحمد حسنين مدعواً على الغداء في بيت أحد أصدقائه، لكن الأعمال تراكمت عليه في مكتبه بقصر عابدين، وأدرك أنه لن يمكنه اللحاق بموعد الغداء، فاعتذر لصاحبه وأكمل بقية أعماله

وفي الساعة الثالثة ظهراً غادر أحمد حسنين قصر عابدين في سيارته متجهاً إلى بيته في الدقي. وعندما كانت السيارة تعبر كوبري قصر النيل، فجأة وبلا مقدمات جاءت من الناحية الأخرى المضادة سيارة "لوري" تابعة لقوات الجيش الإنجليزي بسرعة جنونية، ودار "اللوري" الإنجليزي في لحظة حول سيارة أحمد حسنين وصدمها صدمة هائلة. والتفت سائق سيارة حسنين مذعوراً إلى الخلف، وقال أحمد حسنين: "يا ساتر.. يا ساتر يارب"

وتقهقرت سيارة "اللوري" الإنجليزية إلي الخلف بعد أن ارتبك سائقها، ودار نصف دورة حول سيارة أحمد حسنين، ففوجئ بسيارة قادمة من الاتجاه الآخر، فعاد إلى الخلف مرة أخري ليصدم سيارة أحمد حسنين مرة ثانية.. وكان أحمد حسنين قد انحنى قليلاً في مكانه بالسيارة وبدأ الدم ينزف من أنفه

وتصادف مرور سيارة أحمد عبد الغفار وزير الزراعة، فأسرع بنقل أحمد حسنين بسيارته إلى مستشفى الأنجلو أمريكان، لكن روح أحمد حسنين فاضت إلى بارئها في الطريق إلى المستشفى، فنقلوا جثمانه من المستشفى إلى بيته في الدقي جثة هامدة. وخرجت صحف مصر والصحف العالمية في اليوم التالي تحمل أخبار الحادث الذي راح ضحية له أحمد باشا حسنين رئيس الديوان الملكي

خطأ آخر شهدته الحلقة (31) من المسلسل في حادث اغتيال محمود فهمي النقراشي وهو يهم بدخول مبنى وزارة الداخلية


لكن الرواية الدقيقة تقول إنه في العاشرة من صباح يوم الثلاثاء الموافق 28 ديسمبر كانون أول عام 1948 قُتِلَ النقراشي باشا رئيس الوزراء ووزير الداخلية آنذاك داخل فناء وزارة الداخلية على يد عبد المجيد حسن عضو جماعة الإخوان المسلمين، حيث ارتدى زى ضابط شرطة ودخل مبنى الوزارة منتحلاً صفة ضابط ووقف بجوار المصعد. وعندما دخل النقراشي باشا إلى المصعد أخرج الضابط المزيف سلاحه وأطلق عليه عدة أعيرة نارية فأرداه قتيلاً. وكان هذا الضابط قد جلس على مقهى بجوار وزارة الداخلية وتلقى من داخل المقهى مكالمة هاتفية من أحد زملائه بالجهاز السري، وأبلغه فيه بخروج النقراشي من منزله لكي يستعد لقتله

والحقيقة أنه بعد وقوع عدة حوادث عنف واغتيال ارتبطت بعناصر من الإخوان المسلمين، قرر النقراشي حل الجماعة بعد عريضة اتهام طويلة، واعتقل كل رجال الحركة البارزين، وأغلق جميع الأماكن المخصصة لنشاطهم، وصادر جميع الأوراق والوثائق والمطبوعات والأموال المملوكة للجماعة

ففي الساعة الحادية عشرة من مساء يوم 28 ديسمبر كانون أول عام 1948 أذاع راديو القاهرة أمر الحاكم العسكري العام رقم 63 لسنة 1948 بحل جماعة الإخوان المسلمين بكل فروعها في البلاد ومصادرة أموالها وممتلكاتها. وبعد أقل من عشر دقائق خرج الإخوان من المقر العام فوجدوا أن المكان قد تم حصاره من جميع الجهات وأنهم وقعوا في الفخ وألقي القبض عليهم جميعاً، ما عدا حسن البنا المرشد العام ومؤسس الجماعة

وتبع هذا الأمر العسكري صدور أوامر عسكرية أخرى بتصفية شركاتهم، والعمل على استخلاص أموال الجماعة لتخصيصها في الوجوه العامة التي يقررها وزير الشؤون الاجتماعية. وحاول مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا أن يسوي الموقف مع النقراشي. وقضى اغتيال النقراشي في 28 ديسمبر كانون أول عام 1948 ، على هذه المحاولات، وقد وقع حادث اغتيال النقراشي على يد مجموعة من شباب الإخوان دون إذنٍ أو موافقة من البنا، فازداد الموقف حرجاً بين الإخوان والحكومة


على أنه كان من الواجب أن يشير المسلسل - الذي حفل بقراءة الوثائق والبيانات- إلى موقف مرشد الإخوان من الاغتيال، فقد أصدر حسن البنا "بيان للناس" ونشر في 11 يناير كانون ثانٍ عام 1949 وقال في بعض فقراته : "ولقد حدث أن وقعت أحداث نُسِبَت إلى بعض من دخلوا الجماعة دون أن يتشربوا روحها أو يلتزموا نهجها مما ألقى عليها ظلاً من الشبهة فصدر أمر بحلها. وتلا ذلك هذا الحادث المروع حادث اغتيال رئيس دولة الحكومة المصرية محمود فهمي النقراشي باشا الذي أسفت البلاد لوفاته وخسرت بفقده علماً من أعلام نهضتها وقائداً من قادة حركتها ومثلاً طيباً للنزاهة الوطنية والفقه من أفضل أبنائها ولسنا أقل من غيرنا أسفاً من أجله وتقديرا لجهوده وخلقه"

"ولما كانت طبيعة دعوة الإسلام تتنافى مع العنف بل تنكره وتمقت الجريمة مهما يكن نوعها أو تسخط على من يرتكبها، فنحن نبرأ الى الله من الجرائم ومرتكبيها. ولما كانت بلادنا تجتاز الآن مرحلة من أدق مراحل حياتها مما يوجب أن يتوفر لها كامل الهدوء والطمأنينة والاستقرار"

ومضى حسن البنا قائلاً : "لهذا أناشد إخوانى الله مراعاة المصلحة العامة وأن يكون كل منهم عوناً على تحقيق هذا المعنى وأن ينصرفوا الى اعمالهم ويبتعدوا عن كل عمل يتعارض مع استقرار الأمن وشمول الطمأنينة حتى يؤدوا بذلك حق الله والوطن عليهم"

ومن الواضح أن شباب الإخوان –والجهاز السري للجماعة- خرجوا عن السيطرة في تلك المرحلة مما أوقع البنا في حرج بالغ مع الحكومة التي حاول أن يؤكد لها عدم رضائه عن هذه التصرفات في مقولته الشهيرة " ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين"، وتفاوض معها لتهدئة الوضع، لكن المفاوضات مع الحكومة انهارت بسبب محاولة نسف محكمة الاستئناف فى 13 يناير كانون ثانٍ عام 1949 وألقي القبض على أحد أعضاء الجهاز السري للإخوان بعد أن تبين أنه سلم أحد السعاة قنبلةً لوضعها داخل المحكمة، إلا أنها انفجرت خارجها

وفي المسلسل تابعنا اغتيال أمين عثمان وأحمد ماهر والنقراشي وسط موسيقى مؤثرة تفطر القلب و"فلاش باك"، ولكن حينما وصلنا إلى اغتيال البنا لم نشهد تفاصيل الاغتيال الذي وقع يوم السبت الموافق 12 فبراير شباط عام 1949 في شارع رمسيس أمام مبنى جمعية الشبان المسلمين، وإنما اكتُفِيَ بعنوانٍ رئيسي في صحيفة مفاده: مصرع حسن البنا

لم يتحدث المسلسل عمن يقف وراء هذا الاغتيال الذي جرى بترتيبٍ من القصر ووزارة الداخلية وجهاز البوليس السياسي
وبدا مستغرباً تصوير حسن البنا في المسلسل على هيئة تلميذٍ مطيع يجلس وعلى رأسه الطير في حضرة مصطفى النحاس، ليقرعه الأخير وينهره عن دنايا أفعاله، ثم لا يفتح الله عليه إلا بكلمة.. "حاضر يا فندم"
وجرى في المسلسل إغفال الحديث عن "الحرس الحديدي" الذي تقول المصادر إن فاروق أنشأه مع نهاية الحرب العالمية الثانية، تحت إشراف ياوره البحري الطبيب يوسف رشاد، وكانت باكورة أعماله اغتيال وزير المالية الوفدي وقناة الاتصال بين الوفد والسفارة البريطانية أمين عثمان في يناير كانون ثانٍ عام 1946
لقد أمر فاروق باغتيال الدكتور عزيز فهمي جمعة زعيم الطليعة الوفدية خوفاً من شعبيته في صفوف جموع المثقفين، وأمر بقتل مصطفى النحاس ليس مرة واحدة فقط بل مرات ثلاث، نفذ اثنتين منهما بفشل باهر أنور السادات أحد رجالات الحرس الحديدي. ولم يتطرق المسلسل ولو بجملةٍ عابرة إلى أنور السادات، سواء فيما يخص علاقته بالمخابرات الألمانية عن طريق الراقصة حكمت فهمي، أو مشاركته باغتيال أمين عثمان، ولا تنفيذه لمحاولتي اغتيال النحاس


وشاهد الجمهور سيدة طيبة تقف بجوار زوجها ولا تتحدث كثيراً في السياسة، هي زينب هانم الوكيل زوجة زعيم حزب الوفد مصطفى النحاس باشا

إلا أن هذا أيضاً ليس بالأمر الدقيق

إن مصر كانت منذ منتصف ثلاثينيات القرن الماضي ووصولاً إلى منتصف الأربعينيات، تحت نفوذ ثلاث سيدات: زينب الوكيل حرم النحاس باشا، الملكة نازلي في القصر، وجاكلين لامبسون وهي في السفارة البريطانية. والأمر الذي يجمع هؤلاء الثلاث – كما يقول الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل- أن كل واحدةٍ منهن متزوجة من رجل هو في عمر أبيها. النحاس باشا كان في أزمة عندما تزوج وهو في سن الثامنة والخمسين من فتاة عمرها 21 سنة هي زينب الوكيل.. تزوجها في 12 يونيو حزيران عام 1934 وبعد ذلك بشهورٍ قلائل أصبح رئيساً للوزراء

وفي تقارير له عن زيارة النحاس وحرمه لفرنسا بعد زواجهما، يحكي حسن نشأت سفير مصر في باريس عن تصرفات غير منطقية وغير معقولة، لكنه يمكن فهمها من الناحية الإنسانية. فهو يذكر كيف وقفوا ربع ساعة على رصيف محطة القطار فى انتظار زينب هانم التى كانت تصلح من مكياجها ومظهرها وتنسق قبعتها. ومن المثير للاهتمام أيضاً أن هذه العروس تأخذ مرافقة لها فى السفر ست ريفية اسمها أم السعد، وتجعلها وصيفة لها


ولعله من المستغرب أن يتجاهل المسلسل حقيقة أن أحد أسباب خلاف مكرم عبيد مع صديق عمره مصطفى النحاس مرده اعتراض مكرم على تسهيل مصالح مالية وتجارية لشخصيات تمت بصلة قرابة لأسرة الوكيل التي منها حرم النحاس باشا. وهكذا ضاق النحاس ذرعاً بموقف مكرم الذي ركب رأسه واستمر في التصدى لاستشراء المحسوبية.. فكان ما كان بينهما من خلافات وقطيعة

ويتعين أن نشير إلى تأثير عامل السن في تصرفات النحاس الذي سمح بتدخل زوجته في شؤون البلاد وتفصيل القوانين وإصدار الاستثناءات لخدمة أهلها وأقربائها وحتى خدمها والعاملين بأمرها، وخاصة في مجال الإعفاءات الضريبية


وليس أدل على نفوذ زينب الوكيل من تصريح نجيب الهلالي باشا حينما فوتح بدخول وزارة النحاس السابعة والأخيرة في يناير كانون ثانٍ عام 1950، إذ قال: "إن سبب الكوارث التي حلت بنا في الوزارة الماضية هو الفساد واستغلال الذين حول النحاس باشا لنفوذهم"..فقيل للهلالي باشا: إن الوزارة الجديدة ستستفيد من الأخطاء القديمة، وإن حرم رفعة النحاس باشا تعتكف الآن في المرج، حتى لا يقال إنها تشترك في تأليف الوزارة

فقال الهلالي: أنا غير مطمئن، ولذلك سأنتظر..وإذا ثبت لي أن "الست" لا تتدخل فسأشترك في الوزارة" (كتاب "هكذا تحكم مصر"، علي أمين، كتاب اليوم، مارس 1952)

وفي حادثة أخرى كان د. زكي عبد المتعال وزير المالية في زيارة للهلالي في بيته، فقال له في ضيق: "لقد أمسكتني حرم رئيس الوزراء اليوم من يدي وقالت لي: أهلاً بوزير ماليتي"!.. فصرخ الهلالي وضرب كفاً كف وقال: "والله عال! أنت وزير ماليتي..وأنا بكره وزير معارفي أو وزير خارجيتي..خليني بعيد عنكم أحسن"

ورصد رسامو الكاريكاتير بريشاتهم الساخرة صعود نجم زوجة النحاس وتأثيرها الواضح في كواليس السياسة، حتى إن رسام الكاريكاتير عبد السميع عبد الله رسم ذات مرةٍ على غلاف مجلة "روز اليوسف" شخصية "المصري أفندي" وهو يهمس في أذن إحدى السيدات قائلاً: "أحسن طريقة علشان الست تبقى رئيسة وزراء، أنها تتجوز رئيس وزراء"!

ولا مجال لإنكار فضل المسلسل في الحديث عن الملك فاروق وعصره استناداً إلى مراجع تاريخية.. وإن كانت المؤلفة ومعها المخرج قد وقعا في أخطاء ارتأينا الحديث عنها




فقد تضمن المسلسل أخطاء تاريخية في ضبط التوقيت وفي التعامل مع الألقاب وغير ذلك. وعلى سبيل المثال لا الحصر لم يراع المسلسل الدقة في استعمال الألقاب، فحضرة صاحب العظمة تقال للسلطان وحضرة صاحب الجلالة للملك. ومنذ عام ١٩٢٢ وإعلان الملكية لم يعد من يحمل لقب صاحب العظمة سوى السلطانة ملك أرملة السلطان حسين كامل، لكننا نجد أن مخاطبة الملك فؤاد والملكة نازلي تتراوح بين عظمتك وجلالتك، وهو ما لم يكن يحدث في السراي الملكي


وحضرة صاحب المعالي هو الوزير منذ عام ١٩٢٠ أثناء وزارة يوسف وهبة باشا وكانت إحدى محاولات استرضاء الوزراء بعد تعدد محاولات الاغتيال التي تعرضوا لها (٤ محاولات شملت رئيس الوزراء و٣ وزراء في عمر الوزارة القصير البالغ نحو ٧ شهور)، أما حضرة صاحب الدولة فهو رئيس الحكومة وتقررت في الأمر السلطاني الصادر في ٢٠ يونيو حزيران عام ١٩١٥ أثناء وزارة حسين رشدي باشا، ولا علاقة للباشوية أو البكوية باللقبين


من جانبٍ آخر، فإن الرتب المدنية كانت البكوية من درجتين فيلقب حامل الثانية بصاحب العزة وحامل الأولى بحضرة صاحب العزة ثم الباشوية ويلقب حاملها بحضرة صاحب السعادة ولمن يحمل الوشاح الأكبر من نيشان محمد علي يلقب بحضرة صاحب المقام الرفيع، وفي البيت المالك كانت الألقاب هي حضرة صاحب السمو الملكي وولي العهد وفي الأسرة المالكة حضرة صاحب السمو للأمراء وحضرة صاحب المجد للنبلاء

فحينما يدخل الملك فاروق على حسن صبري باشا لتسليمه النيشان كان من الطبيعي أن يخاطبه بقوله: "صباح الخير يا رفعة الباشا"، وليس "يا دولة الباشا". كما رأينا النحاس باشا تتم مخاطبته بمعالي مرة و"دولة" مرة ثانية ورفعة مرة ثالثة وأحياناً تتعدد أشكال المخاطبة في حوار واحد، في حين أصبح صاحب المقام الرفيع في أول عهد فاروق. كما حدث الشيء نفسه مع محمد محمود باشا وعلي ماهر باشا وكانا من أصحاب المقام الرفيع. وتمت مخاطبة حسنين باشا بصاحب المعالي، وكان صاحب السعادة ثم الرفعة فهو لم يصبح وزيراً قط


وكان من المفترض عند اختيار من يؤدون أدوار الشخصيات البريطانية التركيز على من يتقنون اللكنة الإنجليزية ذات "الجرس" المشهور، ولا نعتقد أن ذلك كان شيئاً صعباً.. فضلاً عن اختيار من يتقنون تمثيل برودة الأعصاب الإنجليزية المعروفة، إذ لا يظهر الإنجليز انفعالاتهم عادةً، بعكس ما رأينا من انفلات أعصاب سير مايلز لامبسون في حالات الغضب الواضحة بالمسلسل





كما أن البروتوكول كان يستلزم ارتداء الردنجوت عند الذهاب إلى لقاء الملك وبذلات التشريفة في المناسبات الرسمية.. فلا يمكن أن نرى محمد حسين هيكل باشا خارجاً من لقاء الملك مرتدياً بذلته العادية أو الزعماء السياسيين في اجتماع مع الملك يرتدون جميعاً بذلات عادية. وكان كرسي العرش يوضع في قاعة مجلس النواب أثناء وجود الملك في البرلمان وكانت أثناء افتتاح البرلمان وليس كما ظهر في كل الجلسات البرلمانية. وأيضاً لم يتم استخدام الألفاظ الشائعة في تلك الفترة مثل "أتعشم" مثلاً ولم نجد مثل هذا إلا في الحلقة ٢٩ عندما قال أمين عثمان باشا مودعاً النحاس: "سعيدة" ويرد النحاس "سعيدة مبارك". ونجد في المقابل تعبيرات لم تكن مستخدمة، مثل "أوكي" وهو تعبير أميركي لم يكن مستخدماً في تلك الفترة
والطريف أنه ورد في المسلسل ذكر مستشفى مايو كلينيك منسوبة إلى ولاية نيويورك، مع أنها تقع في ولاية مينيسوتا

وليس مفهوماً كيف تقتصر تغطية السنوات الأربع الأخيرة من حكم فاروق ـ وهي الأخطر والأشد حسماً ـ على حلقاتٍ أربع، في حين توزع تسع وعشرون حلقة على باقي سنينه المصرية، وجلها من الجلوس عام 1936 وحتى حرب فلسطين عام 1948
والأنكى أن عام 1947 كله أُغفِلَ من التناول، وهو الذي شهد شكوى حكومة النقراشي بشخصه لمجلس الأمن ضد بريطانيا بسبب استمرار احتلالها للقنال، وشهد قرار تقسيم فلسطين، وقمة بلودان، وبدء الحرب الباردة

من الواضح أن هناك جهداً كبيراً في جمع المعلومات عن هذه الفترة التاريخية، ولكن كانت هناك أخطاء سخيفة لعدم تحري الدقة في العمل، ومنها أنه في وزارة النحاس باشا الخامسة التي شكلها بعد أزمة ٤ فبراير ١٩٤٢ تولي مكرم عبيد باشا وزارة المالية وفي ٣١ مارس آذار دخل فؤاد سراج الدين الوزارة وزيراً للزراعة بدلاً من عبد السلام فهمي جمعة باشا الذي تم انتخابه رئيساً لمجلس النواب وفي اليوم التالي أول أبريل نيسان تم ندب مكرم عبيد لتولي وزارة

غير أننا نجد النحاس في المسلسل يوصي مكرم عبيد بوزارة التموين، وهو ما يعني أنه حوار تم بعد أول أبريل نيسان. وفي الحوار نفسه يعارض مكرم عبيد تعيين فؤاد سراج الدين وكيلاً لوزارة الداخلية وكان قد أصبح وزيراً للزراعة في هذا التاريخ ولا يمكن أن يرشح وكيلاً للداخلية بعد توليه وزارة الزراعة. وفي الاجتماع نفسه يذكر النحاس أن عيد ميلاد الملك كان أمس والمعروف أنه كان يوم ١١ فبراير شباط، وبالتالي لا يمكن أن يكون مكرم عبيد وزيراً للتموين، ولو لم يوص النحاس مكرم بوزارة التموين لكان الحوار سليماً

نعود إلى فاروق

لقد كانت القوة عنده أمنيةً أكثر مما كانت حقيقة، لحد أنه وضع على مكتبه شعارا كتب عليه "سأفعل"، وعزَّزه بتمثال لقبضة من حديد، إشارة إلى هيامه بالقوة والقدرة على التنفيذ وقت أن يحين الموعد

إلا أن فاروق عجز في كثير من المناسبات عن أن يكون الرجل الذي ينجز أو يحقق المرجو منه

والصحيح أن الملك فاروق لم يكن ملاكاً كما يظهره المسلسل التليفزيوني، ولا شيطاناً كما أظهرته ثورة يوليو

على أن هذا ليس كل شيء في ملف أخطاء وخطايا فاروق، الإنسان..والمسلسل

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

20 التعليقات على "الملك فاروق (1): أخطاء مسلسل..وخطايا الحياة"

أكتب تعليقا