كتاب الرغبة 3: غزو..بالتراضي

| |








على سرير الكلمات تهتز شعوب.. وتغضب أمم


وحين نشرت الأديبة د. أهداف سويف روايتها "في عين الشمس" عام 1992 التي صدرت عن دار نشر بلومزبيري لندن ثم نيويورك..قامت الدنيا ولم تقعد في مصر


فقد اعتبر البعض أحداث الرواية نموذجا للسيرة الذاتية المغلفة بأسلوب أدبي وروائي، خاصة أنها تتقارب وتتقاطع في بعض تفاصيلها العامة مع حياة هذه الأديبة
ترصد الرواية الرحلة الطويلة التي قطعتها المراهقة "آسيا العُلما" بدءا من مايو أيار 1967، قبيل حرب يونيو حزيران بوقت قصير عندما كانت ما تزال تستعد لاختبارات الثانوية العامة، مرورا بتخرجها في كلية الآداب - قسم اللغة الإنجليزية، وزواجها الذي آل إلى فشل مؤلم رغم الحب الذي جمع بينها وبين "سيف ماضي" زوجها، ثم سفرها إلى بريطانيا لاستكمال دراساتها العليا وما عانته في سبيل ذلك، وانتهاء بأبريل نيسان 1980، إذ عادت إلى مصر بعد إنهاء دراستها امرأة ثلاثينية ناضجة تستسلم للحنين، بيد أنها تدرك في أعماقها أن الحنين لا يعيد ما مضى، ولا يصنع حياة أخرى.. إنه يعيننا على المضي فحسب، ويحفظ لنا أجزاء من أرواحنا وهي تنتقل من ألم إلى ألم

والرواية مشهد فسيفسائي عريض تتراص فيه الشخصيات، والحكايات الصغيرة، والأحداث، والأمكنة، والقصائد، والأغنيات، والمشاعر، والخيبات، والثقافات، لتفضي كلها إلى مشهد إنساني آسر محوره آسيا العُلما..المرأة التي عذبها الحب، وعذبها أكثر ألا يفهم الآخرون: أمها، زوجها سيف، صديقتها كريسي

غير أن الذين هاجموا الرواية وكاتبتها تركوا كل شيء وتعلقوا بأمر واحد: الرغبة وبوصلتها التي رأوا أنها تنحاز إلى الغرب
فقد صورت الكاتبة في رواية "في عين الشمس" بعض المشاهد الجنسية الصريحة من خلال علاقة شخصية "آسيا العُلما" وزوجها "سيف" وعشيقها الإنجليزي "جيرالد ستون".. وهو أمر، وإن كان مألوفا بالنسبة للقارئ الغربي لأنه درج على قراءته في كثير من الأعمال الروائية، إلا أنه بالنسبة للقاريء العربي فقد قوبل بتحفظ شديد
إذ نجد أن علاقة "آسيا" بزوجها "سيف" فاترة قبل أن تصل إلى طريق مسدود بسبب عدم قدرة سيف على القيام بواجباته الزوجية. وحين تذهب آسيا إلى انجلترا للالتحاق بالجامعة تنجرف إلى تعويض ما فاتها مع زوجها في الارتماء في أحضان عشيق انجليزي فظ يدعى "جيرالد"

وفي ندوة "الرواية والتاريخ" التي أقيمت ضمن فعاليات مهرجان الدوحة الثقافي عام 2005، قدمت أهداف سويف في ورقة عمل حملت عنوان "التاريخ في روايتين من أعمالي" نبذة عن ما دل عليه عنوان ورقة عملها، حيث قالت: "أتصور أن الهاجس الأساسي وراء كتابة روايتي الأولى "في عين الشمس" كان تسجيل العديد من الشخصيات التي أثرَت في حياتي.. وبالذات في مرحلة الطفولة، وتسجيل تأثير الأحداث العامة أو الأحداث التاريخية على هذه الشخصيات. كتبت الرواية بين عامي 1988 و1991، وهي مثل الروايات الأولى للكثير من الأدباء، تمثل الصنف الروائي الذي يطلق عليه الرواية التي تعنى في الدرجة الأولى برصد التطور الوجداني والعاطفي والذهني لشخصية رئيسية، يوجد حولها عدد من الشخصيات المساندة. والشخصية الرئيسية في هذه الرواية هي آسيا العُلما. والذي يحدث في "في عين الشمس" أن الأحداث والظروف العامة، أي التي تؤثر في البلاد هي وطن الشخصية الأساسية، مصر، بل وفي المنطقة كلها، تلعب دوراً كبيراً في تشكيل وحي ووجدان البطلة، كما تلعب دوراً أساسياً في قدر شخصيات أخرى"


وعنصر السيرة الذاتية لا تخطئه العين في الرواية..فالكاتبة هي ابنة الدكتور مصطفى سويف أستاذ علم النفس المعروف، ووالدتها الدكتورة فاطمة موسى الكاتبة والمترجمة الأدبية وأستاذة الأدب الإنجليزي. وتقتطع الكاتبة جزءا كبيرا من حياتها الخاصة وتستخدم خيوط سيرتها الذاتية لتوظفها في صلب إبداعها القصصي والروائي، كما أنها تستدعي شخصيات عايشتها على مستوى الواقع وجسدت ملامحها في صلب الأحداث التي تشكلت منها مواقفها القصصية..أهداف كانت متزوجة من الشاعر والناقد الإنجليزي إيان هاميلتون الذي توفي عام 2001 بعد معاناة مع مرض السرطان.. وقد أطلقت على ولديها اسمي عمر روبرت وإسماعيل ريتشارد.. وهي توقع على كتبها بكتابة اسم العائلة أولا بالعربية ثم اسمها بالإنجليزية

وآسيا بطلة الرواية ولدت وترعرعت في القاهرة، ودرست في جامعتها، وكونت وعيها على خلفية اجتماعية وثقافية عربية واضحة ولكنها ولدت في أسرة أكاديمية لأب شغل منصب وزير الثقافة، ولأم تدعى لطيفة مرسي درست الأدب الانجليزي في بريطانيا وحثت ابنتها على السفر لدراسته


صورة البطلة مراهقة، تكاد مدركاتها الجنسية تقتصر على أقاصيص من هنا أو هناك (مشهد صديقتها العروس الشابة وثورتها في وجه أمها التي تساءلت عن البقع الصفراء على الشراشف: "هذا مني زوجي.. مني! مني! مني زوجي")، ومشاهدة عن سابق قصد لأشرطة جنسية في مكتبة صدقي الطرابلسي والد صديقتها وقراءة كتاب الشيخ أبي عبدالله محمد النفراوي "الروض العاطر في نزهة الخاطر" فضلا عن كاماسوترا والرسوم اليابانية والإيطالية

تبرع الروائية في الإيحاء للقاريء بأن الأحاسيس الجنسية ماثلة على نحو طبيعي في هذا الطور، ولكنها دفينة في القشرة المباشرة التالية لمستوى الوعي بالمحيطين الأسري والخارجي. إنها - نتيجة هذا التراتب بالذات- لا تساهم في صناعة صورة بريئة أو محايدة لطور مراهقة هادئة، وتكاد تخلو من أية عناصر ومحرضات على إطلاقها في شكل سلوك جنسي مباشر

وفي مرحلة عمرية وفكرية تالية، نرصد مع الروائية اكتشاف الهوية الأنثوية، وهي هنا تمس تلك الحدود مسا رفيقا لأنها تتواصل في صيغة استيهامات غير معمقة وغير قاطعة، قبل تدشين العلاقة العاطفية الأولى (والأخيرة على نطاق مصر) مع سيف ماضي. هذه العلاقة هي الحقل الذي سيشهد توترات انتقال آسيا من طور مراهقة قصير وشبه رتيب إلى طور رشد تبدو فيه باحثة عنيدة عن هوية الذات المؤنثة وحق الجسد في التفتح على قدم المساواة مع تفتح العقل والمدركات. وهي حقل خيبات الأمل في سيف الرمز والجسد في آن معا، لأن الذكر الذي كان يبدي الكثير من التعالي الثقافي والعقلي والسلوكي ويوحي بامتلاك درجة متقدمة من التحرر يرفض ممارسة الجنس مع آسيا قبل الزواج رغم أنه يصطحبها في رحلة سرية إلى بيروت حيث يقيمان معا تحت سقف واحد في البنسيون ذاته

لقد مارس "سيف" على آسيا الكثير من الوصاية، وكان يختار لها الكتب والأغنيات، واختلى بها في الفنادق وعلمها شرب الكحول ولكنه في لحظة المواجهة الحاسمة مع جسدها أسفر عن مزيج من التفكير التقليدي، والعجز عن الاستجابة لمطلبها بأن يدخل بها عالم الرغبة. وأهداف سويف تقدمه في فقرة حوار داخلي مع نفسه إثر إعراب آسيا عن رغبتها في ممارسة الجنس معه، وتلتقطه متغطرسا ومذعورا ولائقا بالمعنى الرمزي لطرفي اسمه، السيف والماضي: "أفزعتني. أفزعتني بإقبالها الصريح، وتفاؤلها وإيمانها. هي أصلا، لا تعرف أنها تمتلك هذه الصفات. إنها تعتبرها تحصيل حاصل. وكانت بصدق تظن أن في وسع المرء أن يكيف الحياة كما يشاء، وأنه إذا أراد شيئا ناله. كانت منفتحة للغاية، ضعيفة مستهدفة للغاية. لم تكن تعرف أي شيء، لا شيء على الإطلاق " (ص 140)


ثم نصل إلى صورة الشخصية المحورية للرواية وهي تنتقل من طور الزوجة إلى طور العشيقة في بقعة جامعية قارسة من شمال انجلترا..إن نأيها عن سيف ماضي (الذي يعمل لصالح المخابرات العسكرية ويقيم بعيدا عنها بين دمشق وبيروت والقاهرة، ولا يزورها إلا على نحو سياحي) يفضي بها إلى متاهة زميل انجليزي جلف وبراغماتي وشهواني يدعى جيرالد ستون (أو جيرالد "الحجر" إذا شاء المرء متابعة الدلالة الرمزية للأسماء). ونحن هنا أمام عبء الجسد العربي المؤنث كما وصفت معضلاته آسيا جبار، وكما تحاول أهداف سويف رصد خضوعه لتقاطع الثقافات والعقائد والميول والتواريخ. لقد مثل سيف ماضي ذلك الماضي الذكوري التقليدي الذي اقترنت آسيا به ولم تتمكن من التصالح معه مرة واحدة. وما دام قد رفض ممارسة الجنس معها حين كانا خطيبين، أو انطلاقا من كونهما خطيبين على وجه الدقة، فإن جسد آسيا يستعصي وينكمش وتعجز عن ممارسة الجنس معه حين يتزوجان


وهكذا نجد أن آسيا تظل "زوجة عذراء" رغم أنها تحمل من سيف بطريقة غامضة وقبل سفرها إلى انجلترا، وتقرر الإجهاض لأن الجنين تخلق في سياق غير متكافيء، لا لشيء إلا لكي يثبت ما يشبه النتيجة القسرية الطبيعية لصيغة علاقة غير طبيعية. قرار آسيا هو ذهاب الى الحدود القصوى في تغريب الجسد في الصمت والفراغ، حتى حين ينتهي هذا الذهاب المأساوي الأقصى بالحزن على فقدان الطفل "طفلي، طفلي، إنها تشعر بوحشة بالغة، تشعر أنها فارغة، باردة في أغرار أحشائها (...) لكن قلبها يتألم أكثر. إنها تشعر بالأسى لأن الطفل المسكين يرقد الآن في كيس بلاستيكي، إنها تريده الآن" (ص 282)

ولا يفلح في تطويع جسد آسيا وإنهاء عذريتها سوى جيرالد ستون، ابن الغرب وسليل المستعمر الذي تصوره أهداف سويف على نحو بشع بالقياس إلى شخصية سيف ماضي، ولكنها لا تملك حجب حقه في امتلاك الجسد ما دام قد امتلك قسطا كافيا من التاريخ والثقافة. وبين أذكى أقسام الرواية ذلك المشهد الذي يسبق وقوع آسيا في إغواء جيرالد ستون، حين تهجس وهي تراقب رجلا انجليزيا نموذجيا: "بسبب إمبراطوريتك يا سيدي جاءت في الثلاثينيات عانس بريطانية في أواسط العمر، قادمة إلى القاهرة من مانشستر لتدرس الإنجليزية، ووقعت في غرامها طفلة فوضوية في الثانية عشرة من عمرها، وعاشت وتنفست الأدب الإنجليزي منذئذ، تلك الطفلة كانت أمي وهأنذا هنا. ليس في وسعك التنصل من مسؤولية وجودي هنا، قرب نهرك، اليوم" (ص 512)

تدرك آسيا أنها إنما ترتكب الزنا الصريح، وتقولها وهي تحول نفسها إلى استعارة وتتكيء على مرجعية التشخيص الروائي الأدبي ذاته أيام المراهقة: "لقد زنيت والتحقت بصف آنا وايما وانفصلت عن دوروثيا وماغي"، هي آسيا العُلما سليلة مصر والشرق الأوسط العاصف الموشك على حرب ثانية، والإسلام، والعائلة، التي تخاطب الامبراطورية وهي تذهب بنفسها إلى غزو جديد يطال جسدها هذه المرة وليس بلدها: "لم آت إليك لآخذ فقط، ولم آت فارغة اليدين، أنا أجلب معي شعرا عظيما مثل شعركم ولكن بلسان ثان، وأجلب العيون السوداء والبشرة الذهبية والشعر المجعد، وأجلب لكم الإسلام والأقصر والإسكندرية والعود والدف والبلح والأقمشة الحريرية وضياء الشمس والبخور والطرق الشهوانية..." (ص 512)

إنه صراع الهوية في أقسى صوره.. صراع حاد يصل إلى حد عجز آسيا وزوجها سيف ماضي عن ممارسة الجنس ونجاح الرجل الإنجليزي الجلف في اختراق الجانب الأكثر حميمية في حياة زوجين شرقيين عصريين ارستقراطيين، متورطين عميقا في معطيات الحضارة الغربية لأن الزوج مختص بعلوم الكمبيوتر والزوجة تعد أطروحة دكتوراة عن الاستعارة في الشعر الغربي
هزيمة آسيا الأنثى تمت على نحو سياسي وأيديولوجي، واستكملت دائرتها بهزيمة الجسد أمام المستعمر السابق، في أرضه وتحت سمائه
إخفاق الزوج الشرقي في فك رموز الجسد، ونجاح العشيق الغربي في اكتشاف أسرار الأنوثة الكامنة..كان سببا رئيسيا في الحملة العنيفة التي شنها البعض في العالم العربي على الروائية التي رشحت روايتها "خارطة الحب" ضمن قائمة التصفيات النهائية لجائزة "بوكر" الرفيعة المستوى في بريطانيا عام 1999..ربما يفسر هذا موقف أهداف سويف ـ الحاصلة علي الدكتوراه في لغويات الشعر من جامعة لانكستر ببريطانيا- من ترجمة "في عين الشمس" إلى اللغة العربية وقولها إن الترجمات التي عرضت عليها حتى الآن تفتقد "نكهة النص"

لقد ترنح كثيرون بسبب ضربة موجعة وجهتها لهم "آسيا العلما" حين وجدت في الرجل البريطاني عاشقا يعيد صياغة أنوثتها ويمنحها في لحظات الوصال الحميمة ما افتقدته من مشاعر وأحاسيس مع زوجها الشرقي..ورأى نقاد عرب أن نجاح الغربي في ترويض رغبات تلك المرأة الشرقية نوع من الاستلاب والاستسلام للغرب..حتى أن بعض الأقلام العربية رأت في خط سير الرواية وبطلتها انسحاقا أمام الغرب


مرة أخرى، يتحول الجسد إلى سيرة ذاتية، حتى دون تفكير أو استئذان..لأن الجنس هنا مصب، أما هاجس الرغبة فهو منبع تلك الأفكار اللاهثة فوق فراش اللذة

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

16 التعليقات على "كتاب الرغبة 3: غزو..بالتراضي"

أكتب تعليقا