خلافات أهل الثورة 2: الضرب قبل الحوار أحياناً

| |



قطار الشقاق والإهانات والشتائم من جانب رجال ثورة يوليو، اجتاز كل المحطات

وفي أزمة مارس 1954 اتخذ مجلس قيادة الثورة قراراً بالتنحي وترك رئاسة الجمهورية لمحمد نجيب ورئاسة الوزراء لخالد محيي الدين، وذلك بعد توتر الموقف واعتصام ضباط الفرسان ..لكن صلاح نصر اتصل بالبكباشي محمد سيد عبد الرحمن قائد الكتيبة 13 مشاة، وقوات الأمن في بعض الأسلحة الأخرى لمحاصرة سلاح الفرسان بهذه القوات، لإبطال تأثير خروج المدرعات. كما اتصل صلاح نصر بعلي صبري وكان في منزله وطلب منه إخراج طلعة جوية فوق معسكر سلاح الفرسان لتخويفهم وتهديدهم

في لحظات الأزمة كان الجو مكهرباً بين أعضاء المجلس .. والبعض منهم تدمع عيونه. وما إن سمعوا أزيز الطائرات حتى فهم عبد الحكيم عامر أن صلاح نصر فعل شيئاً، فخلع علامات رتبه العسكرية وألقاها على الأرض وقال له: "تعال اشتغل أنت قائد بقى". وحدث بين عامر وصلاح نقاش حاد حول هذه التحركات بدون تعليمات منه بصفته قائد القوات المسلحة آنذاك

وكان لجمال سالم – الذي اشتهر بعصاه التي كان يحملها معه دائما- مواقف خاصة، منها رفضه خروج مظاهرات شعبية لاستقبال عبد الناصر عقب عودته من باندونغ، بالرغم من اتفاق زملائه أعضاء المجلس على ذلك ..واستدعى جمال سالم إلى مكتبه زكريا محيي الدين وأحمد طعيمة وإبراهيم الطحاوي لمناقشتهم فيما ورد إليه من أنباء حول هذا الموضوع، فأنكروا أمامه أنهم يدبرون استقبالاً شعبياً. وهنا قال لهم ساخراً: "يبقى لازم السفير البريطاني هو اللي بيرتب الاستقبال"

بل إن جمال سالم أجرى تحقيقاً مع خليل عبد الناصر عم جمال عبد الناصر أثناء وجود الأخير في باندونغ. وعندما طلب المجلس من علي الشمسي الاستقالة من عمله كمحافظ للبنك الأهلي ورفض الشمسي التنفيذ، استدعاه جمال سالم إلى مكتبه واعتدى عليه بالضرب والسباب بالرغم من قرابته لعلي صبري

وعصبية جمال سالم كانت سبباً أيضاً في استقالة كمال الدين حسين الأولى (فكلهم استقالوا أكثر من مرة)، لكن الأخير سحب استقالته بعد عودة عبد الناصر من باندونغ. وجاءت استقالة كمال الدين حسين النهائية بعد خطابه الشهير إلى عبد الناصر الذي بدأه بقوله: "اتق الله.." وبعد ذلك بثلاثة أيام، أي في 15 أكتوبر تشرين أول عام 1965، صدر الأمر باعتقال كمال الدين حسين وتحديد إقامته في فيللا بالهرم عليها حراسة مشددة ومدعمة بالمدافع.. ثم أرسل كمال الدين حسين رسالة أخرى مماثلة إلى عامر وصفها الأخير في رده على كمال بأنها تبدو وكأنها مرسلة من كمال رسول الله إلى عبد الحكيم كسرى أنو شروان"

وعندما نشب خلاف بين جمال سالم وصلاح نصر في يونيو حزيران عام 1953 بعد أن دار حديث جاف بينهما في مكتب عبد الحكيم عامر.. أبلغ عباس رضوان صلاح نصر بأن جمال غاضب بدرجةٍ كبيرةٍ منه وأنه يهدد بقتله لأنه يعتبره قد أهانه.. وعرض عليه التصالح مع جمال سالم في حضوره.. لكن صلاح نصر اضطر إلى حمل طبنجته معه أثناء جلسة الصلح بعد إحدى ثورات غضب جمال سالم، الذي كان معروفا عنه إفلات زمام أعصابه لأتفه الأسباب

وفي فبراير شباط عام 1954 حينما بدأت أزمة مارس تتبلور، وجه أحد الضباط الأحرار، وهو الصاغ ربيع عبد الغني من سلاح المدفعية في مكتب المشير عامر، عبارة إلى جمال سالم لم تعجبه، إذ قال له حينما سمعه يسب محمد نجيب: "اللي مش عاجبه يستقيل".. وإذا بجمال سالم يمسك بربيع عبد الغني ويلطمه على خده.. وصاح ربيع قائلاً: "أتضربني يا جمال؟!".. فتدخل الواقفون لمنع تدهور الموقف

وكان جمال سالم أكثر أعضاء مجلس الثورة تحمساً للتخلص من نجيب، لدرجة أنه صرح بأنه على استعداد لأن يطلق النار على محمد نجيب ويخلص البلاد من شروره ثم يسلم نفسه إلى المجلس لمحاكمته، ويكون بهذا قد أدى واجباً وطنياً لمصر!.. بل إن جمال سالم اعتدى بالفعل على الرئيس نجيب بالضرب أثناء توديع العاهل السعودي الملك سعود لمصر في نهاية مارس آذار عام 1954، فطلب نجيب من سعود حمايته

وجمال بعصبيته المفرطة كاد يفتك بسائقه الخاص عندما تأخر عليه بضع دقائق فأوسعه ضربا بالأيدي وركلاً بالأقدام .. ثم أعطى السائق خمسة جنيهات ليسترضيه عندما وجده يبكي ويبرر تأخره بتناول طعام الإفطار

وبعد الإنذار البريطاني الفرنسي وعمليات إنزال القوات المعتدية أثناء العدوان الثلاثي على مصر، كان رأي صلاح سالم أن الاستمرار في الحرب سيؤدي إلى تدمير مصر وإن على المجلس أن يسلم إنقاذا للبلد، فوصمه جمال عبد الناصر بالجبن .. وقد أثر هذا في صلاح سالم فشكا لعدد من زملائه في المجلس بمرارة وقال: "أنا لست جباناً وسأتحرك إلى السويس لأحارب كجندي تحت قيادة القائد العسكري هناك".. وبالفعل سافر جمال، وأصبح مسؤولاً عن الدفاع عن منطقة السويس

ومثلما هاجم صلاح سالم من قبل نجيب والبغدادي وغيرهما من أعضاء المجلس، فقد انبرى للهجوم عليه عقب استقالته كلٌ من إبراهيم الطحاوي وأحمد طعيمة

وكان عدد من رجال ثورة يوليو وراء واقعة الاعتداء على العلاَّمة الدكتور عبد الرزاق السنهوري رئيس مجلس الدولة، في 29 مارس آذار عام 1954، كما أوردها من دبرها وشارك فيها أي اليوزباشي حسين عرفة رئيس إدارة المباحث الجنائية العسكرية في 1954، والتي تضمنها كتاب أحمد حمروش عن "شهود يوليو"

يعترف عرفة بأن ما يسميه حادث مجلس الدولة أبرز ما قامت به المباحث الجنائية، إذ استدعاه أحمد أنور قائد الشرطة العسكرية عندئذ وقال له: نريد منع اجتماع مجلس الدولة بالعنف أو بالحسنى، ولكنه حذره من وفاة أي شخص، وأعد عرفة خطة بالتعاون مع كل من إبراهيم الطحاوي وأحمد طعيمة المسؤولين في هيئة التحرير التنظيم الذي أنشأته الثورة وتوجه هو إلى مقر مجلس الدولة، وطلب مقابلة الدكتور السنهوري، بدعوى تحذيره من حدوث مظاهرات ضد المجلس، ولما رفض السنهوري المقابلة، أرسل عرفة شاويشا إلى طعيمة والطحاوي فتدفقت المظاهرات التي قاما بتدبيرها، ومعها بعض جنود المباحث الجنائية في ملابس مدنية نحو المجلس وهي تهتف الموت للخونة وتحاصر المجلس الذي كانت أبوابه مغلقة بسلاسل حديدية

ويضيف عرفة قائلاً: طلب رئيس المجلس أي السنهوري مندوبين عن المتظاهرين ففتحت الأبواب وتدفق المتظاهرون، وهجموا يعتدون على أعضاء الجمعية العمومية، وتظاهرت بأني أمنعهم من ذلك.. وعندما حاول السنهوري وأحد المستشارين الآخرين مخاطبتهم من بلكونة المجلس اعتدوا عليهما بالضرب أيضاً. توتر الموقف، فاقترحت أن يعد أعضاء المجلس بياناً تذيعه الإذاعة، وفعلا كتبوا بياناً لا يؤيد الثورة، قرأه مستشار اسمه عبد الخبير فضربوه أيضاً هاتفين تحيا الثورة، تسقط الرجعية وأعاد المستشارون صياغة بيان جديد، أخذته منهم، وافتعلت تمثيلية بأنه قد أغمي علي من الجهد وأنا في موقف المدافع عن أعضاء المجلس.. وهنا كان قد حضر صلاح سالم فأعطيته البيان الجديد وخرج به إلى مجلس الثورة

أما توفيق عبده إسماعيل فقد حدث أثناء أزمة سلاح الفرسان أن اصطحبه ذات ليلة أحمد أنور ومجدي حسنين وإبراهيم الطحاوي إلى المنزل ..حيث اقتادوه إلى القيادة بعد أن أخذوا معهم منشورات الضباط الأحرار .. وهناك قابل عبد الحكيم عامر الذي قال له هامسا ً: "الأولاد عايزين يدبحوك ..خليك جامد وأوعى تنخنخ"

وشكلت لجنة تحقيق معه مؤلفة من البغدادي وصلاح سالم وزكريا محيي الدين حول الأزمة التي أعقبت حركة اعتقالات ضباط المدفعية في 15 يناير كانون أول عام 1953 .. وفي 18 يناير كانون أول عام 1953 قال له عامر: "أنا نجحت في إخراجك من الموضوع. خذ عربتك وسافر إلى بلدكم لمدة أسبوعين ,وبعدين تعالى!"

خالد محيي الدين كاد أن ينال علقة على يد الضباط بعد الاقتراح بتعيينه رئيساً للوزراء، لكن جمال سالم ضربهم ركلاً بالأقدام، في حين سحبه عامر إلى خلف مكتبه.. ولكن جمال سالم نفسه أيد مع صلاح سالم وكمال الدين حسين وأنور السادات وحسن إبراهيم، اعتقال خالد محيي الدين بعد اتهامه بتشجيع ضباط السواري على التحرك ضد قيادته وإحداث شرخ في الجيش .. واقترح هذا الفريق تحديد إقامة خالد في مرسى مطروح.. في حين رأى عامر سفره إلى الخارج .. لكن ناصر حسم الموقف

كما اعتدى وحيد الدين جودة رمضان على خالد محيي الدين أثناء هذه الأزمة بالسباب، فآثر خالد العودة ثانية إلى غرفة مجلس قيادة الثورة بالطابق الثاني من المبنى. وكان ضباط الثورة يزورون زملاءهم في السجن.. بل إن عامر وهو قائد عام القوات المسلحة ذهب إلى السجن عدة مرات وقام بزيارات ودية لبعض الضباط الأحرار المسجونين

الطريف أنه لم تتعد مدة سجن الضباط المحكوم عليهم بالمؤبد مثلاً، أكثر من سنتين أو ثلاث سنوات.. حتى انتشرت طرفة رددها الضباط قائلين: "لو عاوز تروح مدير شركة، اعمل انقلاب .. ولو صوري!"

هكذا كانت قيادات مجلس الثورة .. وهكذا كان يتعامل الضباط الأحرار مع بعضهم البعض بعد أن وصلوا إلى السلطة وتبوأوا المناصب وأصبحوا مستوزرين ومسؤولين رفيعي المستوى

وهكذا كانت الثورة تمحو آثار ملكية فاسدة لتبني فوقها جمهورية فاسدة أيضاً

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

9 التعليقات على "خلافات أهل الثورة 2: الضرب قبل الحوار أحياناً"

أكتب تعليقا