خلافات أهل الثورة 1: القطط..والرفاق

| |

قالوا إنها ثورة، ورأى البعض أنها انقلاب، وتصور فريق ثالث أنها تمرد.

لكن ما يشغلنا بعد مرور خمسة وخمسين عاما على ثورة 23 يوليو - حسب التسمية الرسمية- هو أهلها، صناعها، ورجالاتها..فالذي يطالع صفحات التاريخ يصدمه هذا الكم المؤسف والمؤذي من المشاحنات والصدامات بين هؤلاء الضباط الذين عصفت بوحدتهم الخلافات ولعبة الصراع على السلطة.

لم يفلت "الضباط الأحرار" من الجملة المأثورة: الثورات تأكل أبناءها.
معمعة الخلاف والشقاق وألوان الشتائم وأصناف الإهانة، انفتحت ثغرةٌ معيبة ربما كانت من أهم الثغرات التي ولدت منها هزيمة يونيو حزيران 1967 التي بلغت سن النضج بعد تجاوزها عامها الأربعين.. وبالرغم من أننا نشعر بالأسى ونحن نتحدث عن هذه الخناقات - التي نرى الفرق بينها وبين الخلافات واضحاً جداً، فهى تلك التصرفات الهوجاء والألفاظ المهينة والسلوكيات الطائشة التي أقدم عليها بعض أهل الثورة ورجالاتها في مصر- فإننا مضطرون إلى فتح هذه الصفحة في رحلتنا للبحث عن الحقيقة.. حقيقة ثورة يوليو وجذور هزيمة يونيو.

فلنبدأ بالزعيم المصري جمال عبد الناصر نفسه .. ففي أثناء أزمة سلاح الفرسان يروي صلاح نصر رئيس المخابرات العامة آنذاك أن عبد الناصر اضطر إلى سحب طبنجته ووضعها على رأسه وهو واقف فوق مائدة الاجتماعات ..وهدد بقتل نفسه إذا ما حدث صدام بين وحدات الجيش وأسلحته المختلفة.


وأثناء أزمة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 يروي صلاح نصر أيضاً أن عبد الناصر اقترح على أعضاء مجلس الثورة الانتحار كحل أخير في حالة الهزيمة بدلا من الإذعان لفكرة الاستسلام للإنذار الغربي التي روج لها عدد من أعضاء المجلس. وبالفعل كلف عبد الناصر زكريا محيي الدين كي يعد كمية من عبوات سيانيد البوتاسيوم تكفي أعضاء مجلس الثورة لاستخدامها لو لزم الأمر.

ولا يخفي على أحد أن عبد الحكيم عامر، قائد عام القوات المسلحة والصديق الحميم لعبد الناصر، اختلف معه أكثر من مرة .. وكانت خلافاتهما حادة ومباشرة لصداقتهما القوية ورفع التكليف بينهما. ويذكر الكثيرون كيف أن خلافاتهما تصاعدت في أعقاب هزيمة يونيو حتى وصلت إلى حد الخصام والقطيعة..وتبادل الاثنان الشكوى لزملائهما الضباط الأحرار من تعنت الطرف الآخر وتشدده دون أن يحسب حساباً لمصلحة مصر بعد الهزيمة المريرة ..وكم رفع خصوم عنوان حب مصر ومصلحة البلد لتبرير مواقفهم وقراراتهم الخاطئة.
عبد الحكيم عامر بدوره لجأ إلى بلده ومسقط رأسه "اسطال" - مركز سمالوط بمحافظة المنيا- بعد أن رفض عروضاً لتسوية الخلاف مع عبد الناصر، منها تنحيهما معا عن السلطة أو تعيين عامر نائباً للرئيس ..والأهم من ذلك كله عزل عامر من منصب قائد القوات المسلحة. وكلما اختلف عامر مع ناصر كان الحل المناسب الذي تكرر كثيراً هو الاختفاء عن الأنظار .. فتارةً يذهب إلى مرسى مطروح، وتارة أخرى يلجأ إلى بلدته اسطال.. إلى أن انتهت الصداقة بالقطيعة التامة..والوفاة الغامضة للمشير.

خلاف آخر نشب بين عبد الناصر وعامر حول مبدأ الانسحاب من سيناء أثناء فترة العدوان الثلاثي. وحين أصدر عامر قراراً بسحب القوات من سيناء اعترض عليه عبد الناصر وبعض أعضاء مجلس قيادة الثورة مثل عبد اللطيف البغدادي وزكريا محيي الدين، إلى الحد الذي جعل عبد الحكيم عامر يثور ويطلب التنحي عن قيادة القوات لزكريا محيي الدين.. الأمر الذي دفع عبد الناصر إلى الاستجابة لرأيه.

وقد ترك هذا الأمر أثراً سيئاً في نفس كل من عبد الناصر وعامر، وربما تكون هذه الواقعة بداية الحساسية التي استمرت بين الصديقين عامر وعبد الناصر حتى عام 1967 رغم حدوث مصالحات بينهما على مدار تلك الأعوام.

وكان عبد الناصر على خلافٍ مع عامر بشأن مجموعة من القضايا والأحداث، إذ كان يعتبر الأخير سبباً رئيسياً من أسباب الانفصال وفشل تجربة الوحدة مع سوريا، فحاول الحد من اختصاصاته باتخاذ قرار من مجلس الرئاسة.. لكن عامر قدم مشروعاً يطلب فيه زيادة صلاحياته ومنحه سلطة رئيس الجمهورية، فغضب جمال من تفكير عامر وتقديمه لمشروعه وقال لعبد اللطيف بغدادي إنه لن يحضر جلسة مجلس الرئاسة ولن يقوم بعمله كرئيس للجمهورية إلى أن يبت في هذا الموضوع..غير أن عامر انسحب من جلسة مجلس الرئاسة التي نظرت في قرار يحد من سلطته وخرج ليقدم استقالته، بعد أن غادر القاهرة إلى مرسى مطروح دون أن يبلغ أحداً عن مكان إقامته. ولم تهدأ النفوس إلا بعد تراجع عبد الناصر عن قبول الاستقالة وتنفيذ القرار.

وفي الخامس والعشرين من أغسطس آب عام 1967، وفي حضور أعضاء مجلس قيادة الثورة، اتهم عبد الناصر صديق عمره المشير عامر بالتآمر، فلم يتمالك عامر أعصابه وبدأ ينفعل بشدة، فقال له عبد الناصر: "الأمور واضحة، أنت رجل متآمر، وعليك أن تقدر الموقف الصعب اللي بنمر فيه وعليك أن تلزم بيتك من الليلة"
.

وعندما رفض عبد الحكيم عامر هذا القرار، حاول بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة - وفي مقدمتهم أنور السادات- إقناع المشير بقبول هذا القرار، إلا أنه قال لهم في غضب: "أنتم بتحددوا إقامتي وبتحطوني تحت التحفظ.. قطع لسانك يا...".

في تلك الليلة نال السادات وابلاًَ من الشتائم التي يعف اللسان عن ذكرها.


ولأن اللواء محمد نجيب بعد اختياره أول رئيس لمصر بعد الثورة بدأ يتصرف على أساس أنه زعيم الثورة وليس مجرد واجهة، فإن زملاءه من أعضاء مجلس القيادة ثاروا عليه، فكان المجلس يتجاهله في كثير من المناسبات ولا يدعونه لحضور الاجتماعات في حين كان البعض يسبه بأقذع الشتائم جهاراً. وقد تزعم هذا الفريق الشقيقان جمال وصلاح سالم، والأخير استطاع أن يؤلب المجلس على نجيب، فبينَّ لهم خطورة نشاطه وخاصة عقب زيارته بلاد النوبة في الأسبوع الأخير من نوفمبر تشرين ثان عام 1953.

وبالطبع لم يكن عبد الناصر راضياً عن تصرفات نجيب الذي كان حريصاً على تأكيد زعامته للثورة إعلامياً.. ولما كان مقرراً أن يسافر عبد الناصر بالقطار من القاهرة إلى الإسكندرية بصحبة كل من عامر وصلاح سالم لحضور مؤتمر شعبي هناك، علم عبد الناصر أن نجيب قرر السفر معهم، فاستقر رأي عبد الناصر على السفر مع زملائه بالسيارات وترك نجيب وحده يسافر بالقطار. وأثناء المؤتمر ألمح عبد الناصر في الكلمة التي ألقاها بما أثار نجيب.. عندما ناشد الحاضرين ألا ينخذعوا وراء أي منافق أو مخادع، فبدت على نجيب علامات الغيظ والعنف بعد أن أدرك أن هناك محاولات للحط من هيبته وإظهاره بمظهر الواجهة السياسية فقط لا غير.

وازداد الخلاف بين محمد نجيب وأغلب أعضاء مجلس الثورة.. فكان المجلس في البداية يجتمع في مبنى مجلس قيادة الثورة بالجزيرة مرةً كل أسبوع، وهو يوم الأحد، وكانت تظهر أثناء المناقشات خلافات في الرأي تزعج عبد الناصر الذي أراد تفويت فرصة استغلال نجيب لهذه المسألة، فأقنع باقي أعضاء المجلس بالاجتماع في منزله قبل اجتماع يوم الأحد لمناقشة الموضوعات والاتفاق عليها بعيداً عن نجيب حتى لا تظهر الخلافات بينهم.


وبالعودة إلى الشقيقين جمال وصلاح سالم، فإننا نلاحظ أن الكثير من المراجع والمصادر تؤكد أنهما تهجما على نجيب مراراً ..وكثيراً ما كان يسمع سبابهما له في كل مكان. وأثناء مناقشة الخلاف بين مجلس الثورة ونجيب وذلك في مكتب عامر، كان يضرب على منضدة بالمكتب تمثال نصفي متوسط الحجم لمحمد نجيب مصنوع من الجبس. وفجأة دفع جمال سالم في ثورة غضبٍ التمثال بقدمه، فسقط على الأرض وتهشم إلى قطع متناثرة.


أما جمال عبد الناصر فقد قال لمحمد نجيب في اجتماع مجلس قيادة الثورة في 20 ديسمبر كانون أول عام 1953: "أنت عارف إزاى جبناك" ووصفه بالانعزالي، فاشتكى نجيب لعامر بأن المجلس يريد أن يجعل منه "طرطوراً" .. بل إن عبد الناصر – كما يروي صلاح نصر في مذكراته – أخذ يسب نجيب، وأوصى إسماعيل فريد – ياور نجيب– بأن يبلغ الرئيس هذا السباب، وكانت المناسبة إصرار نجيب على حضور الذكرى السنوية لوفاة الشيخ حسن البنا المرشد السابق لجماعة "الإخوان المسلمين" في 12 فبراير شباط عام 1954.

وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير لتفجر الموقف في 21 فبراير شباط عام 1954 عندما حضر محمد نجيب إلى مبنى مجلس قيادة الثورة لحضور اجتماع المجلس الأسبوعي.. وكان من المعتاد أن يصعد أعضاء المجلس إلى مكتب نجيب حيث كان يعقد الاجتماع ..لكن الرجل ظل ما يقارب الساعتين دون أن يصعد إليه أحد يخبره بالاجتماع، فأرسل سكرتيره الخاص إسماعيل فريد إلى أعضاء مجلس الثورة الذين كانوا مجتمعين في مكتب عبد الناصر ليستفسر منهم عن سبب تأخرهم في الصعود إلى نجيب لعقد الاجتماع ..فما كان من جمال سالم إلا أن ثار كعادته وأخذ يسب نجيب ويلعنه. وعلم نجيب بما حدث فآثر السلامة وغادر مبنى مجلس قيادة الثورة.


ووصلت الخلافات بين محمد نجيب وأعضاء مجلس قيادة الثورة إلى ذروتها عندما اتخذ المجلس قراراً في غيبة نجيب بإعطاء صلاحياته في حالة عدم انعقاده إلى جمال عبد الناصر الذي تفرغ لمنصب رئيس الوزراء، ثم تعيين زكريا محيي الدين وزيراً للداخلية وجمال سالم وزيراً للمواصلات دون أن يحلفا اليمين أمامه.

وقبل أزمة مارس آذار عام 1954 أصدر مجلس قيادة الثورة بياناً اتهم فيه نجيب بأن لديه نزعة ديكتاتورية.. وبعد مظاهرات الجماهير في الشوارع مطالبة بعودة محمد نجيب رئيساً لمصر، قرر مجلس الثورة إعادته لرئاسة الجمهورية وتعيين خالد محيي الدين رئيساً للوزراء..لكن بعد ساعات من هذا القرار، فوجيء محمد نجيب باليوزباشي كمال رفعت واليوزباشي داود عويس يعتقلانه تحت تهديد السلاح ويصطحبانه عمداً إلى "ميس" سلاح المدفعية بألماظة، حيث بقي محتجزاً في غرفة مغلقة حتى الظهر عندما حضر حسن التهامي وأبلغه بأن خالد محيي الدين كان يدبر انقلاباً، واتهمه بالضلوع في الأمر.

وبعد إعفاء محمد نجيب من منصب رئيس الجمهورية، جرى تحديد إقامته لينتهي به الأمر حبيساً في قصر زينب الوكيل في ضاحية المرج أقصى شرق القاهرة حتى عام 1982، إلى أن نقلوه إلى شقة أكثر ضعة لحين وفاته عام 1984.

لم يجد نجيب طوال سنوات إقامته الجبرية من سلوى إلا تربية القطط والكلاب التي كان يردد أنها أكثر وفاءً من كثير من البشر.

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

14 التعليقات على "خلافات أهل الثورة 1: القطط..والرفاق"

أكتب تعليقا