كتاب الرغبة 1: السرير النحاسي

| |




إنه الجسد ولا شيء سواه

كتاب الرغبة وسيرة الذات ومفتاح الصراخ المكتوم الذي تمتزج فيه اللذة بالألم في إبداعات العديد من الأديبات والكاتبات العربيات

وفي السيرة الذاتية لهؤلاء الكاتبات تفوح رائحة الاعتراف وأشواق الحنين وهواجس الجنس. الرغبة هنا تحاول الخروج من حيز المصادرة لتصبح كلمة مكتوبة يراها البعض أدبا راقيا ويعتبرها الآخرون - ببساطة يحسدون عليها- مجرد فضيحة

وسطور الغرام واعترافات الحب واللذة التي خطتها أنامل الأديبات والكاتبات العربيات تبدو كأنها طائرات فانتوم تكسر حاجز الصوت..والصمت

ربما حان الوقت لكي نستمتع بصدمة "الفانتوم" وهي تخترق الحاجز..أي حاجز..في تلك السير الذاتية والرسائل والأعمال الروائية المدهشة والصادمة معا

د. نوال السعداوي في أجزاء السّيرة الذّاتية الثّلاثة "أوراقي..حياتي" تبنت أسلوب الصراحة الصادمة..فهي محاطة منذ طفولتها بأحاديث وحكايات وإرث زاخر بالجنس والعلاقة بين المرأة والرجل

"أتمدد فوق الأرض وأنام، أفتح عيني، أرى النجوم وصوت ستي الحاجة لا يزال يحكي عن ليلة الدخلة، الدم كان ينزف من بين فخذيها، فضت الداية بكارتها بإصبعها المدبب، حملتها الحمارة من بيت أبيها إلى بيت زوجها، أغرق الدم بردعة الحمارة وهي تسير من خلفها الطبول. في بيت العريس رقدت فوق الحصير تنكمش داخل جلبابها الجديد المزركش ببقع الدم"

الدم هنا ألم وأنوثة..عذاب واستسلام.."تلك الليلة كانت ستي الحاجة في العاشرة من العمر، لم يدركها الحيض بعد، وقد جثمت فوقها وهي تدس الطرحة في فمها تكتم الصراخ. لم يكن للعروس أن تصرخ وإلا لسعتها الخيزرانة، أو ألسنة الجيران، فلا يعود لها أو لأبيها وجه في القرية"

في محيط العائلة كانت الأمنية المستحيلة أن تصبح الفتاة ولدا..و"ترفع عمتي رقية كفيها نحو السماء تدعو الله أن يقلبني ولدا. أسمعها تقول: ربنا قادر على كل شيء..وترد عليها ستي الحاجة: من بقك لباب السما يا بنتي"

"كنت أتطلع نحو السماء بعينين أن يكون باب السماء مفتوحا وأن الدعوة سوف تنطلق من فم عمتي مباشرة إلى أذن الله، وأني سأصحو في الصباح لأجد الشق أو الفرج بين فخذي مسدودا وقد نبت مكانه العضو الذي عند أخي

"وفي الصباح كنت أختلس النظر إلى جسدي. لا أستطيع النظر بين ساقي أخشى أن تتسع المسافة بينهما أكثر من اللازم، لا أقوى على النظر إلى تلك المنطقة المحوطة بالخزي والخوف والخشية من قدرة الله"

وما بين الخالتين نعمات "المطلقة" وفهيمة "العانس"..يطل شبح الرجل الغائب أو الذي لا يأتي ليفرض نفسه على عالم وذكريات د. نوال السعداوي التي تقول: "لم أكن أعرف معنى كلمة مطلقة أو عانس. حين أسأل أمي تمط شفتيها وتقول: الاثنين أسخم من بعض!"

وفي سن الصبا تزداد المسافة اتساعا بين عالمي المرأة والرجل

"كنت أشد الحمالات من فوق كتفي، أكشف صدري وبطني للهواء والشمس. ترتفع يد خالتي نعمات في الهواء وتضربني، وصوتها يخرق أذني: عيب! وأصرخ: اشمعنى طلعت! يعود إلي صوتها مثل نعيق البوم: هو ولد وانتي بنت!
"كانت هذه العبارة تخرق أذني منذ ولدت، تدخل فمي في مياه البحر المالح.. "هو ولد وانتي بنت".. أخي يكشف صدره للهواء والشمس وأنا أخفي صدري..صدري عورة تستوجب الإخفاء. كلمة "عورة" تخرق أذني مثل المسمار

وتحت عنوان "حادث ختان" تتحدث د. نوال عن الداية أم محمد، وتجربتها المأساوية مع الخفاض أو الختان. تقول: "منذ طفولتي لم يلتئم الجرح العميق في جسدي. الجرح الأعمق في النّفس، الرّوح. لا أنسى ذلك اليوم صيف عام ألف وتسعمئة وسبعة وثلاثين، مرّ سبعة وخمسون عاما في ذاكرتي كأنّما الأمس. راقدة من تحتي بركة الدّم، توقّف النّزيف بعد أيّام، نظرت الدّاية بين فخذي وقالت: الجرح خلاص خفّ والحمد للّه.. الألم ظلّ كالدّمل غائرا في اللّحم، لم أنظر بنفسي لأعرف مكان الألم. لا أستطيع النّظر إلى جسدي العاري في المرآة أو هذه المنطقة المحرّمة المحفوفة بالإثم والعار"

وتظهر النزعة النسويّة وأيديولوجيّة المرأة أيضا في حديث الكاتبة عن الحمل السفّاح عندما تعرّضت لما حدث للخادمة شلبيّة.. وفي حديثها عن الحيض عندما أشارت إلى التّجربة التي مرّت بها وموقف محيطها العائلي منها

فحين تنطلق الأنوثة من محبسها تبرز أسئلة جديدة..إذ تقول: "في التاسعة من عمري رأيت النزيف الأحمر، يسمونه في العربية الفصحى "الحيض" أو "المحيض". فاجأني الأذى ذلك اليوم فتحت عيني في الصباح فوجدت سروالي غارقا في الدم. هل تسللت الداية في الليل وقطعت شيئا آخر من بين فخذي؟ عفريت من الجن أو شيطان من الشياطين، دخل من تحت عقب الباب ومزق غشاء العفة؟ خلقة الله في أجسام البنات هذا الغشاء يفرق البنت العذراء عن المرأة المتزوجة. الدليل الوحيد على حسن الأخلاق"

ثم تعود لتتحدث عن هذا القلق الذي يسكن عقلها ووعيها فتقول: "قطرة حمراء فوق ملاءة السرير البيضاء. من أين يأتى الدم في الطفولة؟ ولماذا يتكرر دون انقطاع؟ منذ التاسعة من عمري رأيت الدم في الفراش. تعودت رؤيته الشهر وراء الشهر، السنة وراء السنة حتى أدبرت طفولتي. لم تعد البقعة الحمراء فوق الملاءة تفزعني. أصبح غيابها هو المفزع. أفتح عيني كل صباح وأبحث عن البقعة الحمراء فوق الملاءة، في ملابسي، في ثنايا النسيج الأبيض أبحث عن قطرة واحدة حمراء"
"الحب الأول هو أول الأسرار في حياتي، لم يعرفه أحد من الإنس أو الجن". غير أن نوال كانت على وشك أن تتزوج ابن عمها الحاج عفيفي لولا شراسة الفتاة التي جعلت العريس يتبخر في الجو ويذوب مع سحب الصيف الرقيقة. وحين أتى العريس الجديد "عبد المقصود أفندي" بدأت معاناة من نوع جديد. "لم تشترك طنط نعمات ذلك اليوم في ضرب السجادة، كان لها دور آخر مع عمتي رقية. قبضت علي الاثنتان داخل الحمام. واحدة أمسكت يدي الاثنتين. الثانية فرشت "الحلاوة" فوق ذراعي كما تفرش لفحة الأنتوفلوجستين، ثم راحت تنزع الشعر عن الجلد. صراخي كان يرتفع من وراء باب الحمام أرفسهما بقدمي وركبتي. جاءت ستي الحاجة وربتت على كتفي: كله لمصلحتك يا عين أمك"

في بيت جدها طاهر تقترب مكرهة من حافة الرغبة. تقول: "طنط دولت تضع ساقا فوق ساق. تسألني من طرف أنفها عن اسمي واسم مدرستي. خالي ممدوح يفتح حقيبتي دون إذن، ينظر فيها ويقول بصوت كالفصيح: "البنات دائما يخبوا حاجات حلوة في شنطهم". أشد منه الحقيبة. أخشى أن يأخذ منها مفكرتي السرية. يشدها مني ويجري إلى غرفته. أجري وراءه أشدها منه. في غرفته يحاول أن يقبلني، أدفعه بعيدا بذراعي القويتين. عظامي القوية تنقذني منه"

تتكرر المواجهة مع الرغبة في ظروف ومواقف مختلفة..والنساء لا يهملن تفصيلة واحدة يتمكن من تذكرها.. لأن كل التفاصيل لها علاقة بإحساسهن بطبيعة "ما حدث"..ما بين قرصات مجهولة في الفخذ وسط الزحام، ودس أحدهم إصبعه الصلب في ظهرها "أو ذلك الشيء الآخر الذي يتصلب بين فخذيه يدسه في جنبي أو في الإلية وأنا واقفة مصلوبة بين الأجساد، يداي مرفوعتان قابضتان على عمود علوي في سقف الترام أو القطار أو الأتوبيس"

الفتاة التي تتذكر العلاقة الحميمة بين أبويها - وكان والدها من علماء كلية دار العلوم.. وهو الشيخ سيد السعداوي- لا تنسى التفاصيل التي تنساب مثل جدول عذب

"في الفرندة كنت أراهما (أبي وأمي) جالسين معا يرشفان عصير البرتقال أو الليمون ويسكران .. تنطلق ضحكتيهما في أنحاء البيت إلى حد القهقهة العالية .. قد يلعبان معا الكوتشينة أو الطاولة أو الشطرنج ..تضحك أمي وتلقي بشعرها الذهبي الناعم خلف عنقها الرخامي "فاكر يا سيد لما المرحوم بابا قالك نجوزك فهيمة بدل زينب .. قلت له يا زينب يا بلاش" .. تضحك أمي وتكركر..إلى أن تقول نوال: "هنا يبلغ العشق ذروته فينهض أبي ومعه أمي يختفيان داخل غرفة نومهما ..من وراء الباب المغلق أسمع الهمسات مع طقطقات السرير النحاسي مع القهقهات والشهقات والزفرات كالنشيج والضحك في آن واحد "

تجارب نوال مع أزواجها الثلاثة - أحمد حلمي وشريف حتاتة وبينهما زوج خلعت نفسها وأجهضت طفلها منه - داست عليها كأنها كاسحة ألغام

إنها تلقي بجمل وعبارات من عينة "كنت قد تزوجت للمرة الأولى تحت اسم الحب الكبير. قصة طويلة بدأت وأنا في العشرين من العمر فتاة عذراء، وانتهت وأنا في السادسة والعشرين زوجة عذراء تحولت إلى أم عذراء ثم تحررت بالطلاق"

وفي موضع آخر تقول: "ثم دخلت كلية الطب. أصبحت أفصل بين الحلم والواقع، بين الوهم والحقيقة، وقعت في حب حقيقي وتزوجت زواجا حقيقيا على سنة الله والرسول، وحملت وولدت وأصبحت أما حقيقية غير عذراء وغير طاهرة، كان هناك شيء غير طاهر يحدث لي في الليل، شيء لا يبعث على اللذة بل الألم والإثم، كان زوجي الأول رجلا مكتمل الرجولة"

كانت نوال تشعر بلذة الحرمان من الأكل أو الجنس في قمة لحظات الحب..حتى الحب الذي جمعها بزوجها أحمد الذي تعرفت عليه في كلية الطب

الزوج الأول عند نوال كان هو الحب الثاني واستمرت قصة حبهما ست سنوات هي عمر زواجهما الذي أدركوا بعد انتهائه بالطلاق في خريف عام ألف وتسعمئة وسبعة وخمسين "أن الزواج يفسد الحوار بين الرجل والمرأة، يفسد الصداقة والحب يدمر الأشياء يسحقها مثل وابور الطحين، يعيدها إلى ما كانت عليه في العصور القديمة زمن العبودية "

في بعض الأحيان تختلط الصور وتتشابه الأسماء في ذهن الكاتبة.. "ذاكرتي مثل جبل الثلج تحت الماء، لا أكاد أعرف الزوج الأول من الثاني، كلاهما كان يحب فخذ الدجاجة المحمرة"..لكنها تعود فترسم خطا وحدودا فاصلة بين زوجيها الأول والثاني
تقول: "حملت في الزواج الأول وأنجبت طفلة جميلة. كانت ابنة الحب وليس الزواج. لم أكن أومن إلا بالحب. تصورت أن الزواج بدون حب ينتج عنه أطفال مشوهون. أتحسس بطني وأنا جالسة وراء المكتب. في أحشائي حمل غير مقدس. جنين مصنوع من الكذب. نطقت كلمة أحبك لرجل لا أحبه. يقاسمني الفراش تحت اسم الزواج. بشرته بيضاء، وجهه سمين ممتليء مثل أمه وأنا أحب الوجوه النحيفة الرشيقة. قامته قصيرة، جسمه مربع مكتنز باللحم وأنا أحب القامة الطويلة الممشوقة. يداه صغيرتان بيضاوتان ناعمتان خجولتان أصابعهما قصيرة مضمومة، وأنا أحب اليد الكبيرة الشجاعة المفتوحة"

وهي تسوق أسبابها للخلاف مع زوجها الثاني الذي كان رجل قانون.."كان هو يشاركني السرير. لا شيء يفسد الحياة الزوجية إلا السرير المشترك. والحمام المشترك. انتهاكات يومية للحياة الخاصة"
وتكرر الكاتبة انتقاد مواصفاته الجسدية بطريقة لافتة للنظر..لتقع عينا القاريء على جمل وعبارات من عينة "قامته مربعة قصيرة. قدماه صغيرتان بيضاويتان. يرتدى منامة حريرية بيضاء. وجهه أبيض بلون المنامة. عيناه صغيرتان غائرتان فى اللحم كعيني أمه"..و"كنت واقفة أمامه. قامتي أطول من قامته. قدماي كبيرتان أكبر من قدميه. سمراوتان محروقتان بالشمس. وهو واقف أمامي يمط عنقه شامخا بأنفه"..و"كان واقفا أمامي يمط عنقه القصير الممتليء باللحم" إنها تطرح على نفسها السؤال الأصعب وربما الأكثر غرابة: "متى تزوجت هذا الرجل؟!"
في لحظة المواجهة والصدام تقول نوال السعداوي إنها هددت زوجها الثاني بمشرط الجراحة.. "تجمدت أمام المرآة وأنا أنظر إلى وجهي. ثم أكمل جسمي الاستدارة وأصبحت أواجهه وجها لوجه، وعينا لعين. ماذا رأى في عيني؟! رأيته يتراجع إلى الوراء دون أن يستدير حتى التصق ظهره بالحائط. أصبح جزءا من الحائط بغير حراك. وجهه بلون الحائط الأبيض. شفتاه بيضاوتان منفرجتان دون أن ينطق. تصورت أنه مات وهو واقف قبل أن أقترب منه"
"لم أعد في حاجة إلى المشرط. نطقت عبارة واحدة من كلمتين بصوت أبي الميت: أنا خلعتك"
ماذا عن زوجها الثالث د. شريف حتاتة؟..تبدو د. نوال أكثر رضى عن هذه الزيجة من غيرها بالرغم من إشارتها إلى أنها كادت تقع في حب ثائر من تشيلي يدعى روبرت عرفته على شاطيء بحيرة فيكتوريا ومنابع النيل..ومسؤول سابق في الأمم المتحدة التقته على متن طائرة..لولا ما تصفه ب"الوفاء الكلابي" بين الزوجين
"أرمقه بشيء من الحسد. منذ تزوجنا عام ألف وتسعمئة وأربعة وستين وهو ينام بسهولة. يضع رأسه فوق الوسادة وينام في نصف ثانية. ضوء خافت يسقط فوق الجدار من خلال شقوق النافذة. نسمة خفيفة تحرك النتيجة المعلقة، التاريخ يشير إلى العام الجديد ألفين، يبدو الرقم غريبا، يفتح شريف عينيه، يرمق الرقم بدهشة، يا خبر بقينا في سنة ألفين كده بسرعة؟ أطفو فوق السرير كأنما أعوم فوق الزمان والمكان"
وكم تطفو فوق السطح من ذكريات..نعيش لنرويها..وتعيش هي لترسم ملامحنا المستعارة

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

13 التعليقات على "كتاب الرغبة 1: السرير النحاسي"

أكتب تعليقا