أحاديث التليفون التي هزت مصر: 1

| |



لم يكن يدور في خلد أي من الشخصيات السياسية أو الاجتماعية أو الفنية التي شاركت في صنع تاريخ مصر - بصورةٍ أو بأخرى- في أن مكالماتهم الهاتفية التي يجرونها ستدخل التاريخ من أوسع أبوابه..خاصةً أن هذه المكالمات غير العادية جاءت في الأغلب الأعم في ظروفٍ استثنائية وحملت مضموناً خطيراً.. أو إذا شئنا الدقة فإنه مضمونٌ أصبح من الخطورة بمكان نتيجة الأوضاع السياسية أو الاجتماعية أو الفنية التي كانت تمر بها مصر في ذلك الوقت

لم تكن المكالمات الهاتفية التي اخترناها عاديةً بالمرة..وإنما كانت تمثل نقاطاً فاصلة في أحداثٍ مهمة ورئيسية في تاريخ مصر..بعد أن دخلت في نسيج هذه الأحداث وأصبحت عنصراً لا غنى عنه في فهم ما جرى وما كان..خاصةً أن الكثير من هذه المكالمات الهاتفية أدى إلى نتائج مؤثرة وغيرَّ في مسار الكثير من الأمور.. ألم نقل من البداية إنها كانت مكالمات لا تنسى

وإذا كان الحديث لم ينقطع خلال السنوات الأخيرة عن فضائح ومكالمات المشاهير المثيرة والساخنة..فإننا نستطيع القول باطمئنان وثقةٍ شديدة إن لدينا في تاريخ مصر الحديث العديد من المكالمات الأكثر أهمية وسخونة وتأثيراً من مجرد الأحاديث العاطفية بين الأميرة ديانا سبنسر وطليقها ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز وعشاقهما أو فضيحة "ووترغيت" للرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون..والنماذج التالية خير دليل على ما نقول

نبدأ بما جرى على متن الطائرة التي أقلت الرئيس المصري حسني مبارك بعد فشل محاولة اغتياله في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في يونيو حزيران من عام ألفٍ وتسعمئة وخمسةٍ وتسعين..فقد أجرى مبارك اتصالين هاتفيين – كما يقول عادل حمودة في كتاب "لعبة السلطة في مصر" الذي حاور فيه الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل- الأول مع رئيس الحكومة آنذاك الدكتور عاطف صدقي والثاني مع ابنه الأكبر علاء مبارك..كان علاء قد طلب من والده أن يتصل به عند وصوله إلى أديس أبابا..واتصل مبارك به من الطائرة..وكان رد علاء قبل أن يخبره الرئيس المصري بما جرى:

- الحمد لله على سلامتك يا بابا
ضحك الرئيس قائلاً: أنا راجع
- راجع إزاي؟
- يا بني كانت هناك محاولة فاشلة للاعتداء عليّ..الحمد لله
- ألف سلامة يا بابا
- يا علاء..اتصل بوالدتك تليفونياً قبل أن تذيع شبكات التليفزيون الخبر فتنزعج..قل لها الحمد لله مفيش حاجة خالص

وكانت سوزان مبارك قرينة الرئيس المصري تعالج آنذاك في إحدى مصحات تشيكوسلوفاكيا سابقاً..إذ كانت تشكو من آلامٍ في العمود الفقري..لكنها عادت فوراً إلى القاهرة وأجرت من الطائرة اتصالات أخرى قام بها أحد رجال مكتب الرئيس والدكتور أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس المصري..وكان صفوت الشريف وزير الإعلام آنذاك ممن تلقوا بعض هذه الاتصالات. التقط القمر الصناعي الإسرائيلي الاتصال الأخير..وهو ما جعل الإذاعة الإسرائيلية تسبق الإعلام المصري في إذاعة النبأ بدقائق

ولاشك أن تنصت المخابرات الأمريكية على تليفون حسني مبارك في أثناء حادثة "أكيلي لاورو" قصة تستحق أن تُروى..ففي السابع من أكتوبر تشرين أول من عام ألفٍ وتسعمئةٍ وخمسة وثمانين اختطف أربعة من مقاتلي جبهة التحرير الفلسطينية السفينة الإيطالية "أكيلي لاورو" غداة انطلاقها من ميناء الإسكندرية. وقد طلب الخاطفون من إسرائيل إطلاق سراح خمسين عنصراً من القوة 17. وفي اليوم التالي قتل الخاطفون راكباً أمريكياً مقعداً تبين أنه يهودي يدعى ليون كلينغهوفر. وفي التاسع من أكتوبر تشرين أول سلم الخاطفون أنفسهم للسلطات المصرية.. وتم الاتفاق على سفر الخاطفين وإنهاء الأزمة بهدوء

وحسب رواية الصحفي الأمريكي بوب وودوارد في كتابه "الحجاب: الحروب السرية للمخابرات الأمريكية" فإن الرئيس مبارك كان يكره نظام تأمين الاتصالات الذي أمدته به الولايات المتحدة..فقد كان جهاز التليفون مزوداً بزرٍ يتعين الضغط عليه في أثناء الحديث بحيث لا يستطيع الشخص الذي على الطرف الآخر أن يتكلم وهو يستقبل المكالمة..وكان ذلك يجعل من الصعب مقاطعة المتحدث الذي على الطرف الثاني. ولهذا كان مبارك يستخدم أجهزة التليفون العادية..وكانت هناك أوامر بتشديد وزيادة العمليات الأمريكية لجمع معلومات المخابرات في مصر خاصةً بواسطة وكالة الأمن القومي والأقمار الصناعية

وفي وقتٍ مبكرٍ من صباح يوم الخميس العاشر من أكتوبر تشرين أول من عام ألفٍ وتسعمئةٍ وخمسة وثمانين تم التقاط مكالمة للرئيس مبارك..وخلال نصف ساعة كانت المعلومات قد وصلت إلى غرفة العمليات في البيت الأبيض في رسالة شفرية سرية للغاية..وكانت تسجيلاً قصيراً لمحادثة دارت بين مبارك ووزير خارجيته

كانت المعلومة العلنية أن فريق الخاطفين غادر مصر..لكن محادثة مبارك كانت تقول شيئاً آخر..إذ يقول وودوارد في كتابه: "كان التسجيل يحكي قصةً أخرى..ففي المحادثة التي تم التنصت عليها كان الرئيس يقول للوزير إن الخاطفين مازالوا في مصر.. وقال صائحاً إن جورج شولتز – وزير الخارجية الأمريكي- يكون مجنوناً إذا اعتقد أن مصر يمكن أن تسلم الخاطفين إلى الولايات المتحدة كما تطلب واشنطن..وقال الرئيس مبارك: إن مصر في النهاية بلدٌ عربي ولايمكن أن تدير ظهرها لأشقائها في منظمة التحرير الفلسطينية

أما المثير فهو ما يرويه عبد الله كمال في كتابه "التجسس على عصر مبارك" إذ يقول: "كانت آذان المتنصتين بكل ما معهم من أجهزة تكنولوجية عالية الدقة ذات حسٍ مرهف..وكان الصوت واضحاً..وكانت المعلومات ثمينةً..ففيها ذُكِرَت تفاصيلُ الرحلة السرية..والتقط الأمريكان رقم الطائرة ونوعها ومكان الإقلاع..وهكذا وصلت برقية إلى واشنطن تقول إن الطائرة تابعةٌ لشركة مصر للطيران وإن رقمها "بوينغ 737" وإنها سوف تقلع من مطار ألماظة الجوي
ويضيف وودوارد من جهته قائلاً إنه "في أثناء فترة ظهر اليوم نفسه قدمت وكالة الأمن القومي الأمريكي نصوص عشر مكالماتٍ تم التقاطها لمبارك وهو يناقش الخطة النهائية لنقل الخاطفين. وبالنسبة للكولونيل أوليفر نورث – بطل فضيحة "إيران كونترا"- والأدميرال جون بويندكستر – نائب مستشار الأمن القومي الأميركي- فإن الأمر بدا كما لو أنهما موجودان في مكتب الرئيس مبارك". وحسب الرواية نفسها فإن وكالة الأمن القومي قدمت للبيت الأبيض توقيت وصول الخاطفين الأربعة إلى الطائرة ورقم الرحلة الجوية ومسار الطائرة في رحلتها إلى الجزائر..حيث كان مقرراً أن تتسلمهم منظمة التحرير الفلسطينية
وكانت نتيجة عملية التنصت على تليفون الرئيس مبارك أن اعترضت طائرات "اف- 14" الأمريكية طائرة مصر للطيران رقم 2843 وأجبرتها على الهبوط في قاعدة سيغونيلا بصقلية بمن فيها من الخاطفين الأربعة مع محمد عباس "أبو العباس" الأمين العام للجبهة والذي كانت واشنطن وتل أبيب تعتقدان أنه العقل المدبر لخطة الخطف

وربما كانت مكالمات لوسي آرتين الشهيرة مع عددٍ من المسؤولين في مجالات السياسة والأمن والقضاء سبباً في فضيحة شهيرة أدت إلى الإطاحة بعدد كبير منهم وعزلهم من مناصبهم.. ففي السادس عشر من مارس آذار من العام ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين كانت مقاعد مجلس الشعب المصري كاملة العدد استعداداً لسماع الاستجواب الذي تقدم به النائب كمال خالد نائب دمياط عن الفساد الأخلاقي لكبار المسؤولين في الدولة

وهكذا استمع النواب إلى نص الحوار الهاتفي بين المشير محمد عبد الحليم أبوغزالة وزير الدفاع المصري وحسناء بيانكي الأرمنية لوسي آرتين – قريبة الفنانتين نيللي ولبلبة- والذي يقول فيه المشير إنه سيكلم محافظ السويس تحسين شنن بحثاً عن وساطة مع القاضي الذي ينظر في قضية النفقة المرفوعة منها ضد زوجها هاجوب آرتين

وفي الجلسة المذكورة عرض النائب كمال خالد نص حوارات هاتفية ساخنة بين مساعدي وزير الداخلية آنذاك وهما اللواءان حلمي الفقي وفادي الحبشي.. وتضمنت التسجيلات أحاديث عما يدور في غرف النوم وأنواع وألوان الملابس الداخلية وشكل الأوضاع الجنسية

وفي مجلة "روز اليوسف" –أيام عادل حمودة – نشر وائل الإبراشي على جزأين نص مكالمات لوسي آرتين مع كبار رجالات الدولة ليصعق القاريء بتفاصيل هذه الأحاديث المسجلة الهاتفية المحمومة وعبارات الغزل الملتهبة التي تداولها أبطال الفضيحة

وما يهمنا هنا هو أن نشير إلى أن تلك الفضيحة اكتشفت أولاً بطريق الصدفة المحضة..إذ كانت الرقابة الهاتفية موضوعة أساساً على شخص من الموظفين الحكوميين..لكن الرقابة وقعت على الصيد الثمين والتقطت الخيط سريعاً لتتضح أمامها فصولٌ مثيرة وغريبة للعلاقات المتعددة التي جمعت بين لوسي آرتين وعدد من الشخصيات المرموقة..بعد أن كانت مجرد سيدةٍ تطالب بحقوقها لدى مطلقها نجل صاحب المصنع

ولأسباب معقدة ومتشابكة انحسر نفوذ أبو غزالة وخسر الفقي والحبشي منصبيهما المرموقين.. لكن لوسي آرتين بقيت محتفظةً بنجوميتها كواحدة من حسناوات المجتمع وحفلات البيزنس وغيرها..وظلت تتصرف بتلقائيةٍ شديدة خاصةً بعد أن انتخبت عقب إسدال الستار على هذه الفضيحة لرئاسة نادي الأرمن في حي مصر الجديدة

ودخلت التسجيلات الهاتفية على خط الإدانة في قضايا عدة هزت المجتمع المصري طوال العقدين الأخيرين، وكان من أبطالها وكيل وزارة الزراعة يوسف عبدالرحمن ومستشارة البورصة الزراعية راندا الشامي المتهمان الرئيسيان في قضية إدخال مبيدات مسرطنة إلى البلاد والسماح بتداولها داخل مصر..كما أدينت راندا الشامي بالرشوة الجنسية في القضية

رئيس قطاع الأخبار السابق في التليفزيون المصري محمد الوكيل ظل يؤكد أثناء محاكمته التي بدأت في أواخر عام ألفين واثنين أنه لم يفكر يوما في تقاضي رشوة..غير أن الرقابة الإدارية كانت قد سجلت شريطا له ولغيره يكشف عن محادثات تليفونية أظهرت الوكيل وهو يستفسر عن قيمة المبالغ المالية المتفق عليها مع بعض ضيوف برنامج "صباح الخير يا مصر" مقابل ظهورهم في حلقاته ­خاصة من الأطباء ورجال الأعمال. وعلى سبيل المثال فإن مدير مستشفي منشية البكري­ صاحب البلاغ­ طلب منه الوكيل مبلغ عشرة آلاف جنيه مقابل استضافته في البرنامج الصباحي.. وهو ماحدا بالطبيب لتحرير بلاغ بذلك في هيئة الرقابة الإدارية

ويقضي الوكيل حاليا عقوبة السجن لمدة ثمانية عشر عاما مع الشغل في سجن مزرعة طرة..بعد إدانته في قضيتي تقاضي مبالغ مالية علي سبيل الرشوة مقابل الإخلال بواجبات وظيفته ولحيازته مواد مخدرة بمكتبه


أما كبيرة المذيعين في التليفزيون المصري أماني أبو خزيم فقد صدر حكم في الرابع عشر من مارس آذار من عام ألفين وسبعة بسجنها ثماني سنوات عن تهمة التربح وتلقي رشىً بالتواطؤ مع رئيس جهاز مدينة 6 أكتوبر عصمت أبو المعالي وتغريمها مئتين وثلاثة وسبعين ألفاً وخمسمئة جنيه..وكانت التسجيلات الصوتية للمحادثات الهاتفية ضمن أدلة الاتهام..


هناك أيضاً القضية التي أدين فيها محمد فودة السكرتير الصحفي السابق لوزير الثقافة ومحافظ الجيزة السابق المستشار ماهر الجندي الذي شغل موقع النائب العام سابقاً ومنصب المحامي العام لنيابة أمن الدولة..وقد صدر بحق الأخير في يونيو حزيران من عام ألفين واثنين حكم بالسجن لمدة سبع سنوات بتهمة الفساد وتلقي رشىً من رجال أعمال مقابل تسهيلات وتجاوزات علاوة على تلقيه رشى جنسية رصدتها مكالمات هاتفية مسجلة..ماهر الجندي تلقى أيضا رشى عينية في صورة هدايا ذهبية وبدل إيطالية وقمصان..بل وأكلات كباب وكفتة

لكن هذا لم يكن كل شيء في ملف المكالمات الهاتفية التي هزت مصر


ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

20 التعليقات على "أحاديث التليفون التي هزت مصر: 1"

أكتب تعليقا