معجزات دينية للبيع

| |







كم ذا بمصر من مضحكات


فجأةً تراجعت قائمة الأولويات في حياة كثيرين وانزوت المشكلات والأزمات في مطلع عام ألفين وسبعة..لتفسح المجال أمام الحكاية الجديدة: شجرة الكافور المباركة
تلك الشجرة الموجودة في موقف العاشر على طريق مصر ـ الإسماعيلية الصحراوي تمثل الآن صداعاً للبعض من سكان المنطقة ورجال الأمن.. بعد أن روّج البعض أن لفظ الجلالة واسم الرسول الكريم محفوران على لحائها

وبالرغم من تأكيد أكثر من لجنةٍ علمية أنها ليست شجرةً مباركة..فإن كثيراً من المواطنين واصلوا التكالب عليها والتدافع للتمسح بها.. ليصنعوا زحامهم الخاص الذي عرقل حركة المرور وتسبب في تلقي قسم النزهة أكثر من بلاغ لوقائع نشل وسرقات حدثت في موقع الشجرة

لم يتوقف كثيرون عند تقرير اللجنة العلمية برئاسة عميد زراعة عين شمس الدكتور عبد العزيز حسن أستاذ النبات بالكلية لفحص الشجرة..الذي أكد أن العبارات الموجودة عليها حفرها أحد الأشخاص منذ ستة أشهر..وأفرزت الشجرة مكان الحفر ما يسمى بـ "التكلسات" والتي صبغت العبارات المحفورة باللون البني مما أعطى انطباعاً بأنها طبيعية



هذا ليس بالأمر المهم..فالشجرة أصبحت بالفعل مزاراً دينياً رئيسياً في مصر تسمع فيه بوضوح صيحات تكبير الرجال وأصوات النساء وهن يجهشن في البكاء


ولا تسل:أين اختفى عقل مصر؟


كرة الثلج تكبر والحكومة عاجزة عن اتخاذ قرارٍ بسيط يغلق باب الفتنة الزائفة من عينة قطع الشجرة..عجزٌ يثير الريبة في رغبة ودوافع التلكؤ في مواجهة الخرافة التي تتغذى على الجهل والإهمال..والتواطؤ



وهكذا وجد المرتزقة مصدراً واسعاً للتربح..لدرجة أن أحدهم صورها وطبعها ووقف يبيع الصورة مقابل جنيهين


"معجزة"

هكذا يهتف باعة الأوهام في زمن الجهل..ليلتف حوله كثيرون من أتباع الخرافات..ليواصل أهل الحيل والألاعيب بيع "المعجزات" بمقابلٍ مادي ويطلبون منك أن تصدق الكذبة لأنها حسب رأيهم "إلهية" لا تقبل الرد ولا تحتمل النقاش


متلاعبون بالعقول ومتسترون بالدين يجدون طريقهم مفروشةً بأشخاصٍ مستعدين لتصديق أي شيء لتستمر اللعبة..من دون أن يسأل أحدهم نفسه عن الحقيقة أو يخضِعَ ما يراه للعلم والمنطق..وكأنهم يريدون أن يقولوا لنا إن هذه "الاكتشافات العظيمة" هي الطريق إلى الإيمان..في حين يتعين أن نؤمن أكثر بأن الدين ليس بحاجةٍ إلى شجرة كافور أو حجرٍ أصم أو حبة فاكهة أو خضراوات كي نعرف أن الله – عز وجل- موجودٌ في كل مكان وأنه – سبحانه وتعالى- هو خالق هذا الكون الذي يسيِّره كيف يشاء


إن هؤلاء الأشخاص يكذبون على أنفسهم حتى يصدقوا الخدعة ويبتلعوا أقراص الوهم ثم تجدهم يتولون مهمتهم "المقدسة" في نشر الضلالات والخرافات بين الناس..فالألوهية ليست في حاجةٍ إلى مثل هذه الاكتشافات التافهة وليست أيضاً في انتظار كشفٍ علمي كي نقول إن هذا الأمر ورد في القرآن..فالإسلام قائم والخالق موجود من دون أي "كرنفال" أو دعاية من نوعية العثور على لفظ الجلالة على شجرة كافور على طريق مصر ـ الإسماعيلية الصحراوي


وقبل نحو عقدين من الزمان انتشرت في الشوارع والميادين الرئيسية في مصر لوحةٌ ملونة كان الباعة يهتفون للترويج لها باعتبارها معجزة.. اللوحة كان مكتوباً تحتها أنها صورةٌ التقطها شخصٌ ما في إحدى غابات ألمانيا حيث تبدو الأشجار المتراصة وكأنها تشكل جملةَ "لا إله إلا الله"


جازت الخدعة على كثيرين وانتفخت معها جيوب الباعة ومن ورائهم أصحاب هذه الحيلة بعد أن نجحوا في خداع العديد من المواطنين الذين كانوا يقفون أمام هذه اللوحة بانبهارٍ ثم يمدون أيديهم في جيوبهم ليشتروا "المعجزة" بمبلغٍ لا يزيد على جنيه واحد.. ثم ينطلقون إلى أعمالهم ومنازلهم ويعلقونها كي يراها غيرهم ويردد مثلهم: "سبحان الله"


لكن اللعبة لم تستمر طويلاً


فقد ظهر الدكتور سيد الخضري أستاذ علم الأدوية ليؤكد أن الصورة المزعومة ليست سوى لوحة..مجرد لوحةٍ عادية رسمها بنفسه وصاغها بفرشاته وسجلها في الشهر العقاري في المنصورة في العاشر من سبتمبر أيلول عام ألف وتسعمئةٍ وسبعةٍ وثمانين..لكنه فوجيء بمن يستغل الفكرة بشكلٍ سيء ويغرر بالعامة من دون أي مراعاةٍ لحقوق الفنان الأدبية..فليس من المهم هذه الحقوق بقدر ما يهم المنتفعين جني مزيدٍ من الأرباح ولو كان ذلك عن طريق نشر الأكاذيب والضلالات وادعاء المعجزات والخوارق

الطريف أن هذا الفنان التشكيلي والأستاذ الجامعي الذي أبدع اللوحة تلقى تهديدات بالقتل في محاولةٍ لإسكاته..ربما لأنه قطع الطريق على من حاولوا استغلال اللوحة وبيعها على أنها صورة مأخوذة من إحدى غابات ألمانيا لتدلل على أن قدرة الخالق وصلت إلى قلب أوروبا..وربما أيضاً لأنه أيقظ الناس من سباتهم على حقيقة اللوحة التي يملك نسختها الأصلية للتدليل على صحة كلامه


وبين الفينة والأخرى يأتي أحدهم إلى صحيفةٍ ما ليعرض بضاعته وهو يبتسم بفخرٍ واعتزاز لأنه أتى بما لم يأتِ به الأوائل..ثم يقدم حبة فاكهة أو حجراً أو حتى قوقعة كتب عليها لفظ الجلالة أو ما شابه ذلك.. وطبيعي أن يسعد صاحب هذه "المعجزة" بنشر اسمه وربما صورته وبين يديه تلك "المعجزة" الجديدة. وفي النهاية تساهم بعض الصحف في الترويج لهذه الأشياء الغريبة عندما تنشرها على صفحاتها تحت عناوين من عينة "سبحان الله"


يأسف الإنسان أحياناً عندما يرى هذه الضلالات تنتشر وترسخ في أذهان الناس حتى تتحول إلى حقائق لا يجوز المساس بها أو الحديث عنها..مع أن العقل يرفض أن يكون الإيمان بالله عز وجل عن طريق كتابة على قشرة برتقالة أو نقشٍ محفور في حجر صلد أو من خلال حيوانٍ برأسين

حدث الأمر نفسه معي في عام ألف وتسعمئة وأربعة وتسعين..عندما وجدت أمام مكتب الاستعلامات في المؤسسة الصحفية الكبرى التي كنت أعمل بها سيدةً في منتصف العقد الرابع..استوقفني موظف الاستعلامات ليبلغني بطلبها لقاء أحد الصحفيين لتكشف له عن ظاهرةٍ غريبة تمتلك الدليل عليها.. سألتها عن مطلبها فوجدتها تخرج من كيسٍ أسود اللون برتقالة حُفِرَ على قشرتها لفظ الجلالة..مدتها في اتجاهي وهي تقول بابتسامة عريضة: "انظر إلى هذه المعجزة الإلهية"


تأملت البرتقالة قليلاً ولاحظت أن الكتابة على قشرتها تبدو وكأنها تمت باليد لدرجة أنها حفرت مجرى واضحاً على القشرة..فاعتذرت لها بلباقةٍ بالرغم من إلحاحها الشديد..لكنني فوجئت على صفحات الجريدة بعد فترةٍ لا تزيد على أسبوع بصورة السيدة وهي تحمل البرتقالة وقد كُتِبَ تحتها كالعادة "سبحان الله" أو شيء من هذا القبيل


أذكر أن الأردن شهد في مطلع عقد التسعينيات من القرن الماضي ضجةً كبيرة عندما سرت أخبار عن تيسٍ يدرُ اللبن..وأصبح هذا التيس "بَركةً" يتبرك بها كثيرون ممن يلتمسون عنده الشفاء..متناسين أن الشفاء من عند الله وحده عن طريق أسبابٍ محددة في مقدمتها الطبيب المعالج..لا التيس الحلوب


الواقعة نفسها تكررت في الكويت ودولٍ خليجية أخرى..وامتدت الظاهرة لتشمل الحديث عن كائنٍ غريب موضوع في صحنٍ من الماء يتكلم ويسهم في الشفاء


حدث هذا في مصر في منتصف عقد التسعينيات من القرن الماضي بإحدى المحافظات الريفية..وجنى الرجل الذي زعم أنه عثر على هذا الكائن في الماء أرباحاً طائلة من عامة الناس وطالبي البركة والشفاء..ثم تأكد للجميع أن المسألة كلها أكذوبة وأنه مجرد حيوان مائي لا يتكلم ولا هم يحزنون


إننا غارقون حتى آذاننا في الخرافات


وبالرغم من أننا نعيش عصر الفضاء والإنترنت والهندسة الوراثية فإننا نواصل تصديق مثل هذه الحكايات الغريبة ونلوكها في مجالسنا مع بعض الإضافات والتوابل اللازمة على سبيل الإثارة والتشويق



وفي الألفية الثالثة هناك أشخاص يصرون على معالجة "الخضة" بالطاسة..والإمساك بالخشب منعاً للحسد..وكسر "القلة" بعد انصراف ضيف ثقيل الظل..وقرص العريس أو العروس في الركبة للحاق سريعاً بركب المتزوجين..ونجد من يخشى القطط السوداء اللون والكنس ليلاً وترك المقص مفتوحاً..ويرى أن رمي قشر الثوم أمام عتبة المنزل يجلب النكد..ويرفض غسل الملابس يوم الاثنين أو خلع الأسنان يوم الاثنين أو الأربعاء أو هز الأرجل وأنت جالس على طرف السرير لأن ذلك يجلب "الفقر"


خرافات وأساطير وأوهام تشدنا بقوة إلى تاريخ ما قبل الميلاد..في حين يبحث العالم عن مزيد من المنجزات العلمية والطبية التي تيسر نوعية الحياة على الأرض

لقد نحينا العلم جانباً وتركنا أنفسنا فريسةً للجهل المطبق الذي يلغي العقل..وتناسينا أن الدين يدعونا إلى طلب العلم وإعمال العقل والبعد عن البدع والخرافات والتطير من باب التشاؤم
والظاهرة تتعدى حدود المنطق أحياناً لأنها ترتدي في كثيرٍ من المناسبات مسوح الدين -أي دين- حتى تضمن الكثير من الأتباع والمصدقين..أما الهدف فقد يكون رغبةً من مدعي "المعجزة" في كسب المال أو الشهرة أو لفت الأنظار وتحويلها عن قضايا اجتماعية وسياسية مثارة في تلك الفترة
ولعل البعض قرأ أو عاصر الحكاية التي ترددت في عام 1968 أي بعد شهورٍ قلائل من هزيمة يونيو حزيران عام 1967 عن ظهور السيدة مريم العذراء في كنيسة الزيتون في القاهرة. لقد أدت هذه الحكاية الغريبة إلى اختلاط الحابل بالنابل..فمن قائلٍ إنها "معجزة" دينية..ومن مؤكدٍ أنها قصة مختلقة لصرف الأنظار عن الهزيمة وشغل الناس عن أحداث أكثر واقعيةً وإيلاماً في تلك الفترة الحساسة التي عاشتها مصر
لكن الشيء المؤكد أن الأوهام تصورُ لنا أشياء غريبة وتجعلنا نتخيل أحداثاً لا يصدقها العقل..فضلاً عن أن الحاجة إلى شغل الناس وإلهائهم هي أم الاختراع عند الحكومات والأنظمة غير الرشيدة على اختلاف جنسياتها وأزمانها

وعندما تكررت الحكاية في العاصمة الإيطالية روما وقيل إن البعض شاهد السيدة مريم العذراء وهي تبكي من خلال تمثالٍ ضخم بإحدى الكنائس..تبين من الفحوصات العلمية الدقيقة أن التمثال مصنوعٌ في بعض أجزائه من الشمع الذي بدأ في الذوبان من ناحية العينين حتى يخيل للرائي أنها دموعٌ..في حين أنها مجرد مادة شمعية تنصهر وتذوب فتظهر كقطرات الدموع

وعندما يجهل العامة حقائق العلم وتأكيدات الأطباء فإن الكثير مما يشاهدونه أو يتخيلونه يتحول إلى معجزةٍ في نظرهم مثل الحكايات التي تتردد عن ميلاد طفلٍ على شكل سمكة أو قرد أو يوجد لديه ذيل. وكل هذه الأشياء تعد تشوهات خلقية يفسر الطب جانباً منها ويعزوها إلى أسبابٍ متعلقة بالأدوية والعقاقير أو الأشعة التي تعرضت لها الأم أو تناولتها..أو لأسبابٍ وراثية وما إلى ذلك من تفسيرات مقبولةٍ بالعقل والمنطق

المصيبة أكبر من مجرد حكاية شجرة أو خرافة تظهر هنا أو هناك..إذ إن دراسة أعدها المركز القومي المصري للبحوث الاجتماعية والجنائية تقول إن في مصر نحو ثلاثمئة ألف دجال منهم مئة ألف في القاهرة وحدها..وتضيف أن ثمانيةً وثلاثين في المئة من أهل الفن والرياضة والسياسيين يترددون على هؤلاء الدجالين..وهناك يخترق جاهلٌ حاجز عقولهم ومستوياتهم الاقتصادية ومؤهلاتهم التعليمية لتبدأ رحلة استغلال جيوبهم


تلك الجيوب أنفقت نحو عشرة مليارات جنيه في عام ألفين وثلاثة على الدجالين والمشعوذين..حسب دراسة المركز القومي المصري للبحوث الاجتماعية والجنائية التي تشير إلى أن ما يصل إلى مئتين وأربع وسبعين خرافة تتحكم في سلوك المصريين


الغريب أن بعض كتب التراث بل ومؤلفات من يوصفون عادةً بالمؤرخين تزخر بمثل هذه "الخوارق" و"المعجزات" التي قد تتناقلها الألسن وتضيف إليها مرةً بعد أخرى.. فضلاً عن كون أساسها غير صحيح..إذ إنه إبان المرحلة العثمانية المملوكية - وهي أكثر الفترات انحطاطاً في تاريخ مصر- انتشرت البدع والخرافات على نحو كبير. والذي يقرأ تاريخ ابن إياس أو المقريزي أو حتى الجبرتي فيما بعد..سيجد أن الناس كانت تستنجد بالخرافات لتنجو من واقع مؤلم تنتشر فيه الأوبئة والمجاعات


وها هي دورة التاريخ تتكرر..وفي حين يتطلع الآخرون إلى الأمام ها نحن نرتد إلى الخلف في ظل حالة من البؤس والتراجع ليس لها مثيل..وفي أوقات الشدائد وأزمنة المحن وفترات الأزمات يلوذ الناس بالخرافات التي تتحول إلى وباء يتفشى ويعمي القلوب والأبصار

يا له من بؤسٍ روحي..ويا لنا من شعب "لُقطة" ضحكت من جهله.. الحكومات

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

43 التعليقات على "معجزات دينية للبيع"

أكتب تعليقا