قصة الرجل الغامض في حكم مصر (4): حاكم على ميل مربع

| |









معجزات حسن التهامي في أثناء مفاوضات كامب ديفيد لا تعدُ ولا تُحصى

يقول وزير الدولة المصري للشؤون الخارجية الدكتور بطرس غالي في كتابه "طريق مصر إلى القدس: قصة الصراع من أجل السلام في الشرق الأوسط" (ص 140) إن التهامي أُعطيَ في كامب ديفيد كوخاً صغيراً على مسافة بعيدة بعض الشيء. كان التهامي هو الوحيد من بين أعضاء الوفد المصري الذي خصصوا له كوخاً منفصلاً في حين تقاسم الوزراء والدبلوماسيون من أعضاء الوفد باقي الأكواخ

الطريف حقاً أنه عندما عاد د. غالي إلى كامب ديفيد لاستكمال المفاوضات في فبراير شباط عام ألف وتسعمئة وتسعة وسبعين خصص الأمريكيون لكل من الوزير المصري والسفير أشرف غربال الكوخ الصغير الذي سبق تخصيصه للتهامي في الخريف الماضي. ويقول د. غالي (ص 196): "وقلت لأشرف غربال إن شبح التهامي سوف يطاردنا في هذا المكان ليل نهار"

كان الوقت يمضي ثقيلاً مملاً على وفد التفاوض المصري حتى يفرغ التهامي من جولاته المجهولة وينضم إليهم في الاستراحة..وكان هو ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن الوحيدين اللذين يصران على ارتداء الملابس الرسمية كاملةً مع ربطة العنق طوال المفاوضات

وما إن يعبر التهامي مدخل الاستراحة حتى يتلاشى في لحظةٍ جو الملل والتثاؤب والقلق وكأنه ضغط على زرٍ إلكتروني وينقلب إلى جوٍ من البهجة والمرح والدعابة وتدب الحياة بين المجتمعين بعد أن يشد التهامي انتباههم وأسماعهم ويبدأ بإبلاغهم آخر "الأخبار"..فيقول مثلاً إن وزير الخارجية الإسرائيلي موشي ديان قد وافقه منذ ساعةٍ على عودة القدس إلى العرب..ثم يتكلم عن التصوف وعن تفسير الأحلام وينتقل إلى القصص والروايات ويحكي كيف حل مشكلة المسلمين في الفلبين..وكيف استطاع أن يؤجل قيام الثورة في الملايو لمدة ثلاث سنوات..وكيف عالج نفسه من السم الزعاف الذي دس له في الطعام في أثناء إحدى زياراته لدولٍ عربية.. فانسحب إلى غرفته يتلوى من الألم وأغلق عليه الباب بالمزلاج لمدة ثلاثة أيامٍ لا يأكل ولا يشرب..وراح يعالج نفسه بترياق السموم الذي يحمله دائماً معه.. ثم يتكلم عن فوائد العنبر الذي يستخرج من كبد الحوت وعن مزايا عسل ملكات النحل.. ثم يتوقف فجأة ويخاطب وزير الخارجية المصري محمد إبراهيم كامل قائلاً" القدس أمانةٌ في عنقك يا أخ محمد فحذار أن تفرط فيها"

من جهته يقول د. غالي (ص 141): "وقام التهامي بتوزيع قطع صغيرة من العنبر على أعضاء الوفد المصري، شارحاً بأن علينا إذابتها في الشاي وبأنها ستمنحنا القوة على مواجهة الإسرائيليين. ولم تكن هذه المادة الفوّاحة المستخرجة من أمعاء الحيتان الكبيرة لتناسبني، غير أن بعض أعضاء الوفد المصري استعملها"

من كان يصدق أن العنبر دخل على خط المفاوضات في كامب ديفيد؟

غير أن التهامي كان مصراً على ما يبدو على أن يكون للعنبر هذا الدور

إذ يقول د. غالي (ص 145): " وأصر حسن التهامي على إعطائي مزيداً من العنبر، وطلب إليّ مرة أخرى إذابته في قهوتي. لا بد أنه لاحظ عليّ علامات الإجهاد، وأراد تقويتي على مواجهة المفاوضين الإسرائيليين"

لكن حسن التهامي كان مسلياً بحيث أنه شغل نفسه بمحاولة دفع وزير الدولة المصري للشؤون الخارجية إلى اعتناق الإسلام

وفي هذا يقول د. بطرس غالي: "وعندما بدأ التهامي في شرح الشريعة الإسلامية، قلت له إنني درست الشريعة الإسلامية لمدة أربع سنوات بكلية الحقوق في جامعة القاهرة، وإنني بحثت وكتبت عدة دراسات في الفكر السياسي الإسلامي. لم يصدقني التهامي. وطلب أن أسرد عليه أسماء الفقهاء المسلمين الذين قرأت لهم. ذكرت عدداً منهم، من أعمق المفكرين وأوسعهم شهرةً إلى أكثر المغمورين منهم. وقدمت للتهامي ملخصاً للإنجازات الفكرية لكلٍ منهم وقرأت عليه بعضاً من آيات القرآن. وانبهر التهامي وأصر على أن أتحول إلى اعتناق الإسلام. وقال إنه لا بد لي من التحول للإسلام في كامب ديفيد، وإن عملي هذا ستكون له قيمةٌ رمزية عظمى لمستقبل الشرق الأوسط. وعندما تناهى ذلك إلى أسماع بقية أعضاء الوفد المصري، شجعوني على مواصلة الحديث مع التهامي لصرف اهتمامه عن المفاوضات. ووافقت وقمت أنا والتهامي بالمشي مسافات طويلة في الأحراش، نناقش العقيدة الإسلامية بإسهاب. وشعرت بالغرابة إزاء ذلك، ولكن كان من الأهمية بمكان جذبه بعيداً عن الآخرين، وكنتُ أنا الطُعم"

ويصف د. غالي أعضاء الوفد المصري في كامب ديفيد بعبارةٍ دالة وموجزة يقول فيها (ص 141): "وكان محمد كامل متوتراً، وحسن التهامي حالماً، بينما أسامة الباز يشع بالذكاء والطاقة". ثم عاد ليقول (ص 142) إن "السادات لا يمكن التنبؤ بأفعاله. وبدا التهامي في حالة عدم توازن"
ولأن الرجل مثير للاهتمام بحركاته وتصرفاته الغريبة فإن محمد إبراهيم كامل يقول في كتابه "طريق مصر إلى القدس" يقول (148): "واستمر حسن التهامي في تصرفاته بالطريقة الباطنية. ففي الصباح طلع علينا ساعة الإفطار ليعلن أنه أمضى الليل كله "في الاتصال". وتساءلنا "مع من؟". وأشار بأن الرسالة السماوية أكدت أن السادات يسير على الطريق الصحيح. وبعدها جاءني ليحاول مرة أخرى هدايتي إلى الإسلام. فأجبته قائلاً: "إن مثل هذا القرار الحاسم يحتاج إلى مداولاتٍ كثيرة"

الطريف أنه عندما أبلغ د. غالي الرئيس المصري أنور السادات بحكايته مع التهامي كان رد فعل السادات ساخراً..إذ يقول غالي (ص 148): ونظر السادات إلى التهامي مسروراً وقال: "لا تقلل من شأن بطرس يا حسن، إنك ستهتدي إلى المسيحية قبل أن يهتدي هو إلى الإسلام!"

ويضيف غالي قائلاً: "واغتاظ التهامي. وأدى مزاح السادات إلى تعقيد علاقاتي مع التهامي"


وفي كامب ديفيد.. تجاوز الاهتمام بكرامات حسن التهامي ومعجزاته دائرة الوفد المصري

يروي د. غالي في كتابه (ص 140) حكاية طريفة أوردها بصيغة مشابهة وزير الخارجية المصري محمد إبراهيم كامل في كتابه "السلام الضائع في كامب ديفيد"..إذ يقول غالي: " وعندما انتهى العشاء أخبرنا حسن التهامي بأنه توصل إلى طريقة لإيقاف قلبه عن النبض لبضع ثوانٍ ثم إعادته إلى النبض. وجذب حديث التهامي طبيب بيغن الإسرائيلي وطبيباً أمريكياً آخر إلى مائدتنا. وتساءل الأمريكي ما إذا كان التهامي قد استخدم اليوغا لوقف نبضات قلبه. وأثار ذلك غضب التهامي الذي قال إن أسلوبه لا علاقة له باليوغا. غير أنه فضلَّ ألا يكشف عن وسيلته السرية إلى ذلك"

وبهدف تسلية الوفود المشاركة في مفاوضات كامب ديفيد..نظم الجانب الأمريكي زيارة لحديقة غيتسبرغ العسكرية القومية التي تمثل ساحة معركة مهمة في تاريخ الحرب الأهلية الأمريكية. وهنا يقول د. غالي (ص 145): "وقد وجدت نفسي ونحن نسير على أرض القتال بين ديان وحسن التهامي. وسأل التهامي غير المتسق وزير خارجية إسرائيل: "هل أنت المناهض للمسيح (يقصد المسيخ الدجال)؟" وكانت الإجابة بلا. وعندئذٍ أعلن التهامي عن عزمه دخول القدس على ظهر جواد أبيض وأن يتولى منصب محافظ مدينة القدس. وابتسم ديان في أدب ولكنه لم يعلق، الأمر الذي شجع التهامي على الانغماس في أوهامه"

وفي أحد أيام المفاوضات ذهب إبراهيم كامل إلى السادات وكان معه حسن التهامي..وفجأة قال السادات: "إنه يكون شيئاً عظيماً حقاً لو استطعنا تنفيذ فكرة الميل المربع" فسأله وزير الخارجية عن ماهية حكاية الميل المربع.. فقال التهامي شارحاً: "أن تنسحب إسرائيل من مساحة ميلٍ مربع من القدس ونرفع عليها علماً عربياً أو إسلامياً"

غير أن هذه القصة الغامضة تظل لغزاً محيراً وسراً مغلقاً حتى لإبراهيم كامل نفسه وهو الذي كان وزير خارجية مصر في تلك الفترة.. فلماذا ميل مربع؟ هل لا تتجاوز مساحة القدس هذا القدر؟ وإن كانت لا تتجاوزها فهل من المعقول أن تكون هذه المدينة التاريخية العريقة قد أقيمت هندسياً في نطاق ميلٍ مربع؟ وإذا لم تكن كذلك فماذا عن النتوءات والأحياء التي تكون خارج حدود هذا الميل هنا أو هناك؟

الفكرة كانت طبعاً من بنات أفكار حسن التهامي الذي قال للسادات خلال هذا اللقاء: "فقط أرجوك يا ريس أن تكون عند اتفاقنا بتعييني حاكماً عاماً على القدس (الميل المربع) فأنا لم أطلب منك في حياتي شيئاً وليس لي مطلبٌ آخر.. فهذا هو حلم حياتي الذي أدعو الله أن يحققه قبل مماتي"!.. وتمتم السادات ساعتها بشيء غير واضحٍ

ولا بد أن نتخيل مع إبراهيم كامل صورة التهامي وهو يرتدي زي الحاكم العام ويجلس على كرسيه وسط الميل المربع في حين تحتشد الجموع من حوله تلتمس تنفيذ الحكم الإلهي

يقول د. بطرس غالي في كتابه المذكور (ص 155) إنه في حفل التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد "اختار بيغن أن يخص حسن التهامي بالذكر، وذلك في إشارةٍ واضحة للحط من قدر "عصابة" وزارة الخارجية. وتألق التهامي، وأسعده أن القدس وردت في الخطابات المتبادلة. ولم يهمه بقية ما جاء في اتفاق كامب ديفيد. فالقدس وحدها هي كل ما يعنيه"

عاد التهامي بأكاليل الغار بعد كامب ديفيد وألبسه السادات ريش الطاووس في الاحتفالات العسكرية وبوأه مكانة عالية بحيث كان يوازي أو يتخطى نائب رئيس الجمهورية.. كما يقول عبد الفتاح أبو الفضل في مذكراته "كنت نائباً لرئيس المخابرات"

على أن السادات لم يكتف بذلك بل إنه أوفد التهامي إلى السعودية ليتحدث إلى المسؤولين هناك عن كامب ديفيد ولكن من دون جدوى. ثم ذهب بطرس غالي إلى السعودية واجتمع مع الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز مستشار الملك وسفيره لدى الولايات المتحدة (بين عامي ألف وتسعمئة وثلاثة وثمانين وألفين وخمسة). يقول د. غالي (ص 168): "وفي ختام لقائنا، همس مستشار سعودي في أذني قائلاً: "أشكرك على تحليلك الواضح. لقد جاءنا التهامي قبل أسبوعين ولم نستطع فهمه. لقد قال لنا إن هناك نصوصاً سرية حول عدة مسائل بما في ذلك القدس". وأكدت له بحزمٍ عدم وجود اتفاقات سرية. وأبلغته بأنني أوضحت أمام البرلمان المصري عدم وجود أي نصوصٍ سرية"

ولعل أطرف ما في شخصية التهامي أنه يتحدث دائماً استناداً إلى ما يسميه "مصادر خاصة"..فقد أكد للسادات خلال سير المفاوضات أن العاهل الأردني الملك حسين سيتنازل عن العرش لأخيه الأمير الحسن بعد أسبوعٍ واحد وأن الأخير سيعلن فور توليه الحكم عن انضمامه إلى المفاوضات.. لتنتهي المشكلة الخاصة بالجهة التي ستتولى الإشراف على إدارة الضفة الغربية إذا ما وافقت إسرائيل على تنفيذ الانسحاب

غير أن هذا الرجل بدا لكثيرين لغزاً يستعصي على الفهم.. فهو جادٌ في مظهره وعبثي في تصرفاته.. يقول ما يدفع على الضحك لكنك إن فعلت ذلك أمامه فإنه لم يكن ليتردد في إبداء استغرابه واستهجانه

في كتابه "طريق مصر إلى القدس" يقول د. بطرس غالي (ص 162) إنه في رحلة العودة من العاصمة الأمريكية واشنطن في سبتمبر أيلول عام ألف وتسعمئة وثمانية وسبعين توقف السادات في العاصمة المغربية الرباط واجتمع مع العاهل المغربي الملك الحسن الثاني. وفي وداع السادات على أرض المطار لم يتردد التهامي في احتضان العاهل المغربي وتقبيل وجنتيه. ويضيف قائلاً: "وأثناء الرحلة الجوية حاولت تخفيف الجو بالمزاح، قائلاً إن التهامي جرح الملك الحسن بلحيته الطويلة، وإن الملك أصدر قراراً ملكياً بأن يحلق التهامي ذقنه فوراً. وعندما نقلوا ذلك إلى التهامي لم يضحك"

وفي الفترة التي سبقت اغتيال السادات ساءت العلاقات بين السادات والتهامي بسبب تصريحات الأخير لبعض الصحف العربية التي اعتُبِرت نقداً لاتفاقية كامب ديفيد.. لكن التهامي بقدرة قادرٍ استمر في موقعه كنائب رئيس وزراء في رئاسة الجمهورية إلى أن أحيل إلى التقاعد في عهد الرئيس المصري حسني مبارك

وكان طبيعياً في ظل الغموض الذي يحيط بشخصية التهامي أن يختفي فجأة بعد أن كان شاغل الساحة السياسية بقصصه وحكاياته و"بطولاته" الخارقة.. ولم يظهر الرجل في السنوات الأخيرة في وسائل الإعلام ..ربما منذ الحوار التليفزيوني المطول الذي أجراه معه عماد أديب على قناة "أوربت" الفضائية في عام ألف وتسعمئة وتسعة وتسعين وأدلى فيه بتصريحات مثيرةٍ للجدل استدعت استضافة عماد أديب كلٍ من المهندس حلمي السعيد وسعد زايد وسامي شرف للرد على التهامي في حواره المشار إليه

ولم يتردد اسم التهامي كثيراً في العقدين الأخيرين باستثناء ما نُشِرَ في الخامس والعشرين من مارس آذار عام ألف وتسعمئة وخمسة وتسعين حول إلقاء القبض على اللصوص الستة الذين سرقوا الفيلا الخاصة به في قرية أجهور الرمل التابعة لمركز قويسنا في محافظة المنوفية..ربما كان وقوع اللصوص في قبضة الشرطة هو آخر "بركات" و"معجزات" التهامي الذي اتهمه موشي ديان ذات مرة بأن" ثمانون في المئة من كلامه كذبٌ.. أما العشرون في المئة الأخرى فهي تحتاج إلى مراجعة لمدى دقتها"

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

25 التعليقات على "قصة الرجل الغامض في حكم مصر (4): حاكم على ميل مربع"

أكتب تعليقا