الرجل الغامض في حكم مصر (1): درويش في برج القاهرة

| |












هذا الرجل شخصيةٌ محيرٌة ولغزٌ غامضٌ في تاريخ مصر الحديث

فهو رجل يحمل سمات وتصرفات الدراويش، لكنه وصل إلى منصب نائب رئيس الوزراء وأصبح المستشار السياسي للرئيس جمال عبد الناصر والمبعوث الشخصي للرئيس أنور السادات إلى أن أحاله الرئيس حسني مبارك إلى المعاش ليبتعد عن الحياة العامة..وهو يؤكد أنه قيدّ بالحبال كلاً من عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر قائد القوات المسلحة ليمنعهما من تعيين خالد محيي الدين رئيساً للحكومة..ويعود ليقول إن عبد الناصر استدعاه قبل وفاته بأيامٍ قلائل وقال له: "خليك جنبي..لأنهم عايزين يموتوني"

وهو يقسم على أنه تمكن من وضع السادات على قمة السلطة في مصر بمسدسه الشخصي..ويصرخ قائلاً إنه مؤسس المخابرات العامة المصرية..ويضيف بعصبية قائلاً: "لا تقل لي محمد حسنين هيكل أو غيره.. أنا حسن التهامي..فمن هؤلاء إلى جانبي؟"

و
حسن التهامي الحاصل على رتبة "الفريق" الشرفية والذي أطلق عليه البعض وصف "خميني مصر" شخصية لا يمكن توقع خطوتها المقبلة.. إذ يُروى عنه أنه في أثناء الاجتماعات السياسية كان يقول "السلام عليكم ورحمة الله".. فينظر الحضور بحثاً عمن يلقي أو يرد عليه التهامي السلام فلا يرون أحداً..ويسألونه فيقول: "إن سيدنا الخضر قد دخل القاعة وألقى السلام"

وذقن حسن التهامي لها قصة طريفة تستحق أن تُروى.. وعلى لسانه هو فإنه أطلق ذقنه لأول مرة في مرحلة مطاردة عبد الناصر للإخوان المسلمين مما أصاب الناس بالذعر وصاروا يحلقون ذقونهم خوفاً من الاعتقال. ولما أطلقها قال له عبد الناصر في صالون بيته:" إن ذقنك هذه تزعج الحكم وسببت لي مشكلات وأرجوك تفكر في الموضوع.."..فقال له التهامي: "إنني ربيت ذقني لشعورٍ ذاتي وعندما ينتفي هذا الشعور سأتصرف بنفسي ولست محتاجاً إلى توجيه من أحد"
غير أن نائب رئيس المخابرات العامة سابقاً عبد الفتاح أبو الفضل يروي في مذكراته التي تحمل عنوان "كنت نائباً لرئيس المخابرات" (ص 174) أن التهامي تظاهر في فترة من الفترات بالتدين الشديد وأطلق لحيته وبدأ في الهلوسة وخلط الواقع بالغيبيات سواء أكان عن عمدٍ أم تمادياً في تغطية شيءٍ لا يعلمه إلا الله والعالمون ببواطن الأمور..فطلب منه عبد الناصر أن يحلق ذقنه.. ولما رفض استدعى عبد الناصر الحلاق وأرغمه على إزالتها

هذا الرجل غريب الأطوار بدأ في ارتداء ربطة عنق سوداء اللون منذ نكسة الخامس من يونيو حزيران عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين.. قائلاً إنه سيظل يرتديها حتى تعود القدس إلى العرب والمسلمين.. لكنه يعد مع ذلك أشهر من فاوض وزير الخارجية الإسرائيلي سابقاً موشي ديان سراً..وأبرز من امتدحهم رئيس الوزراء الإسرائيلي سابقاً مناحم بيغن في أثناء حفل توقيع اتفاقيات كامب ديفيد

وُلِدَ عبد الرحمن حسن التهامي – وهذا هو اسمه بالكامل- في قويسنا يوم السادس والعشرين من أبريل نيسان عام ألف وتسعمئة وأربعة وعشرين..وتخرج في الكلية الحربية عام ألف وتسعمئة واثنين وأربعين ليصبح ضابطاً للمشاة. شارك في حرب فلسطين عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين وكان أحد أفراد الخلية الأولى للضباط الأحرار التي شكلها عبد الناصر والتي كانت تضم أيضاً اليوزباشي كمال الدين محمود رفعت. وبعد ثورة يوليو تموز عام ألفٍ وتسعمئة واثنين وخمسين عُينَ مديراً لمكتب الرئيس للمعلومات ثم تولى إدارة البحوث الفنية

وفي عهد عبد الناصر وصل إلى منصب مستشار سياسي للرئيس في الثالث من يوليو تموز عام ألف وتسعمئة وتسعة وستين ثم أمين عام رئاسة الجمهورية بدرجة وزير بعد اثني عشر يوماً فقط. وبعد حوالي شهر (التاسع والعشرون من أغسطس آب) أصبح مسؤولاً مالياً وإدارياً للاتحاد الاشتراكي. وقبل ذلك تم تعيينه في عام ألف وتسعمئة وواحدٍ وستين سفيراً لمصر لدى النمسا ومندوباً دائماً لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية

وعندما تولى السادات منصبه كرئيسٍ خلفاً لعبد الناصر عمل التهامي مستشاراً للشؤون الدينية بدرجة نائب رئيس وزراء.. وفي عيد ميلاده السادس والأربعين عُينَ وزيراً للدولة ومبعوثاً شخصياً للسادات. وفي مارس آذار عام ألف وتسعمئة وثلاثة وسبعين انتُخِبَ أميناً عاماً لمنظمة المؤتمر الإسلامي وانتهت مدته في الحادي والعشرين من ديسمبر كانون أول عام ألف وتسعمئة وخمسة وسبعين

وقبل ذلك كان التهامي عضو محكمة الثورة التي صدر قرار جمهوري بتشكيلها في الحادي والعشرين من يوليو تموز عام ألف وتسعمئة وواحد وسبعين. وفي الرابع من أكتوبر تشرين أول عام ألف وتسعمئة وسبعة وسبعين صدر قرار جمهوري بمنح حسن التهامي رتبة "الفريق" الشرفية اعتباراً من السادس من أكتوبر تشرين أول من العام نفسه تقديراً لدوره في الدفاع عن مدينة السويس.. وكان السادات قد عيّنه مسؤولاً عن الدفاع عن المدينة عندما حاولت القوات الإسرائيلية اقتحامها بعد صدور قرار وقف إطلاق النار في الثاني والعشرين من أكتوبر تشرين أول عام ألف وتسعمئة وثلاثة وسبعين

شارك حسن التهامي في ثلاثة أحداث تاريخية مهمة وفاصلة في تاريخ مصر الحديث: ثورة يوليو وكامب ديفيد ونشأة المخابرات المصرية..ومع ذلك فهو يؤكد في أحد أحاديثه الصحفية أن ثورة يوليو قامت بتدبير "أمريكاني" لتوصيل مصر إلى السلام مع إسرائيل..وحينما أبرم السادات اتفاقيات الصلح و"السلام" مع إسرائيل – بمشاركته وتدبيره هو- قال التهامي إن السادات هو الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه الآن من تمزق وضياع وانقسام.. وهو يقول إن عسكرياً برتبة "صول" في القوات المسلحة هو أول من أطلق اسم الضباط الأحرار على القائمين على ثورة يوليو
ومن أقواله أيضاً أن عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وكمال رفعت جاؤوا قبل الثورة بأيام لاستشارته في مباديء الثورة فقال لعبد الناصر: "ما هذا الكلام الفاضي؟ هل كنا نضحي كل هذه التضحيات من أجل هذا الكلام الفارغ..القضاء على الاستعمار وجيش وطني؟ هذا كلام فارغ"

وعندما أخذت الأوضاع السياسية في مصر في مصر شكل الأزمة في أواخر فبراير شباط من عام ألف وتسعمئة وأربعة وخمسين وبدا أن الخروج من الأزمة يمكن أن يتم بإعادة محمد نجيب إلى السلطة وتعيين خالد محيي الدين رئيساً للحكومة. كان التهامي هناك بمسرحياته الهزلية إذ يقول إنه اصطحب مجموعة من الضباط ودفع باب المشير عبد الحكيم عامر ودخل الضباط أمامه وأقفل بدوره الباب خلفه واستند إليه بظهره كي لا يفتحه أحد. وكان الإجراء المتفق عليه حسب رواية التهامي هو منع عبد الناصر ومن معه من التصرف
وكان عامر - كما تقول الرواية المزعومة- جالساً في تلك اللحظة في مكتبه يجمع أوراقه.. في حين كان عبد الناصر واقفاً أمامه في منتصف الحجرة ويقف خلفهم مستنداً إلى مائدة الاجتماع عبد اللطيف بغدادي. ولم يكن باقياً من أعضاء مجلس قيادة الثورة إلا صلاح سالم الذي كان نائماً على سرير الطواريء في الغرفة الداخلية لمكتب عبد الحكيم عامر

والصورة التي رسمها لنا التهامي كالتالي: طلب التهامي من الضباط "تكتيف" عبد الحكيم عامر على كرسيه فقاموا بذلك من دون مقاومة من عامر.. وكان عبد الناصر يراقب ذلك التصرف بدهشة ولكن من دون أن ينطق. واستدار بعض الضباط وشرعوا في تقييد عبد الناصر وهو واقف في مكانه أمام عبد الحكيم عامر.. وأمسك الضباط بذراعيه ووضعوها خلفه
جال عبد الناصر ببصره في وجوه جميع الضباط ليختار من سيتحدث إليه منهم ولم يكن يعرف معظمهم..ثم وقع نظره على التهامي وهو في ذلك الموقف.. فترك الضباط جميعاً وقال له بالحرف الواحد: "يا حسن قول لهم يفكوني..أنت عاوز إيه". فقال له الأخيروهو في مكانه: "نحن لا نقبل القرار ونمنعكم من التصرف ونحمي مصر من أخطائكم..ولا نفك قيودكم حتى نعيد الأمر إلى نصابه.. وإن شئنا سلمناكم القياد مرة أخرى.."

وحين سأل عبد الناصر عن هذه الطلبات.. يقول التهامي إنه طلب عدم تصفية مجلس الثورة وعدم استلام خالد محيي الدين الحكم..وطلبات أخرى من بينها استمرار المشير عامر في قيادة الجيش. وتمضي الرواية الهزلية وتصل إلى أن يقول عبد الناصر: "إذن فكوني" فتركوه.. ثم طلب فك قيد المشير عامر وقال له قبل أن نفك ذراعيه: "يا عبد الحكيم سمعت ما قاله حسن..القرار ملغى وعليك أن تباشر سلطاتك كقائد عام للقوات..وارفع سماعة التليفون وابدأ بالاتصال بالوحدات كما قال حسن".. ويخرج التهامي من غرفة المشير بعد ذلك ليبشر الضباط بانتهاء الأزمة!

ويقول التهامي إن هذه لم تكن أول ولا آخر عملية تقييد أو "تكتيف" يقوم بها.. ويشير إلى أنه لوّحَ لعبد الناصر بأنه سيكرر ذلك معه لمنع انسحاب القوات المصرية من سيناء في لقاء جرى بينهما عام ألف وتسعمئة وثمانية وستين..زاعماً أن عبد الناصر قال له: "كويس اللي ما كنتش موجود وقتها في مصر"!.. بل إنه يزيد على ذلك بقوله إن عبد الناصر اعترف له خلال اللقاء نفسه بأن عامر أخذ السم عنده في البيت!

ومن طرائف التهامي التي نشرتها صحيفة "الأنباء" الكويتية عام ألف وتسعمئة وتسعة وثمانين أن عبد الناصر اتفق مع إسرائيل على "مسرحية" حرب عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين وأنه اتفق قبل ذلك وبعده مع الأمريكيين. ومثلما اتهم عبد الناصر وثورة يوليو ذات مرة بالعمالة لأمريكا فإنه يعود ليناقض نفسه ويتهم الشخص نفسه بأنه شيوعي..ففي أحاديثه لا يتورع حسن التهامي عن القول بأن عبد الناصر كان عضواً في الحزب الشيوعي "حدتو".. وهو يعلن أنه مؤسس المخابرات المصرية (لا صلاح نصر ولا زكريا محيي الدين ولا غيرهما طبعاً)..ثم يعترف بأنه كان يتنصت على المكالمات الهاتفية للوزراء وكبار المسؤولين في مصر بتكليف من عبد الناصر.. ثم أخذ يتجسس على مكالمات عبد الناصر الهاتفية أيضاً

ويقول عبد الفتاح أبو الفضل في كتابه (ص173) إنه بعد الثورة مباشرة كان التهامي من الذين جرى تعيينهم في المخابرات وإنه "لم يكن له مكتب خاص بمبنى المخابرات. ولا نعلم عن عملٍ محددٍ يقوم به، إلا مساهمته في إحضار بعض خبراء المخابرات الأمريكيين لعقد حلقات دراسية لأربعة من ضباط المخابرات المصريين للاستفادة بخبراتهم فقط"

أما مفاجأة التهامي الكبرى فكانت حكايته مع برج القاهرة

نقرأ في كتاب عبد الفتاح أبو الفضل إنه "وفي فترة متقدمة – بعد البدء في إنشاء برج القاهرة بحيث أخذ يرتفع عن الأرض، علمنا أن حسن التهامي احتل الدور الأول، وأحاط جزءاً من هذا المبنى بأسوار عالية. وجعل له بوابات ضخمة وكان مقره في مجموعه يشبه قلاع الأمراء في العصور الوسطى. وحتى بعد احتلاله لهذه القلعة كنا نسميها قلعة الأسرار حيث عجزنا كضباط مخابرات وزملاء أن نعرف أي شيء عن العمل الذي يجريه داخل هذا الحصن"

وبعد أن استلم علي صبري العمل في المخابرات العامة محل زكريا محيي الدين بعد العدوان الثلاثي على مصر، صدر قرار بنقل التهامي من المخابرات.. لكنه رفض أن يغادر قلعته الغامضة أسفل البرج واعتصم بها هو وأعوانه. وأرسل له علي صبري رئيس المخابرات مجموعة مسلحة من ضباط المخابرات أرغمته على مغادرة القلعة. وكانت حجة التهامي عندما طالبوه بمغادرة "قلعته" أنه هو صاحب الفضل في الحصول على تكاليف إنشاء البرج من الأمريكان

والحكاية تبدأ من تعيينه رئيساً لقسم مكافحة الشيوعية في جهاز المخابرات في عام ألف وتسعمئة وأربعة وخمسين أيام كان زكريا محيي الدين مسؤولاً عن الأمن في مصر. وكان التهامي يمارس عمله بشكل مستقل عن سيطرة المخابرات.. ونجد في مذكرات عبد الفتاح أبو الفضل ما يؤيد ذلك إذ يقول: "وعلمت أيضاً أن حسن التهامي كان منذ بداية الثورة يعمل وهو موظف بالمخابرات في عملٍ خاص مكلف به من عبد الناصر. هذا العمل لم نعرف به إلا مؤخراً بعد إرغام حسن التهامي على مغادرة هذا المكان، وكان مسؤولاً أمام الرئيس عبد الناصر عن مراقبة تليفونات أعضاء مجلس الثورة والوزراء والشخصيات ذات الصفة العامة وأنه يسجل هذه الأحاديث لعرضها على عبد الناصر فقط"

وكانت النتيجة أن التهامي سجل أحاديث عبد الناصر نفسه

ففي أحد الأيام اتصل عبد الناصر بصلاح نصر مدير المخابرات وطلب منه أن يأتي على عجل. ولما قابله وجد صلاح نصر أن عبد الناصر في حالة غضبٍ شديد وطلب منه أن يطرد التهامي من عمله في المخابرات فورا وأن يحل هذا القِسم.. فسأله صلاح نصر عن السبب فقال عبد الناصر إن حسن التهامي يتجسس عليه ويسجل له مكالماته..فقال له صلاح نصر إنه لم يتسلم مهام منصبه كمدير للمخابرات إلا منذ بضعة أشهر فقط وليست لديه معلومات عن هذا الموضوع فكيف عرف هو أن التهامي يسجل له مكالماته؟.. رد عبد الناصربالقول إن التهامي سلم عبد اللطيف بغدادي أشرطة تسجيل عليها مكالمات عبد الناصر فبادر البغدادي بتسليمها له
وبالفعل جرى طرد التهامي وأُلحِقَ قسم مكافحة الشيوعية بالمخابرات وأصبح خاضعاً تماماً لسلطة صلاح نصر.. وتفاصيل هذه الحكاية وردت في كتاب "كنت نائباً لرئيس المخابرات" وكذلك كتاب "صلاح نصر الأسطورة والمأساة" لحسنين كروم.. الذي لم يكشف عن اسم حسن التهامي صراحةً وقتها ثم نشر الاسم بوضوح بعد استئذان صلاح نصر الذي رحب بذلك

كان من المفروض أن يُعاقب حسن التهامي على الأقل بإبعاده عن المراكز السياسية والأمنية الحساسة بعد افتضاح تجسسه على مكالمات رئيس الدولة.. وكان من المتصور أن يبادر أحدٌ فيسأل: لمصلحة وحساب من كان التهامي يتنصت على مكالمات عبد الناصر؟!.. لكن المفاجأة المثيرة للدهشة أن نجم التهامي لم يأفل بعد تلك الواقعة وإنما استمر في الصعود.. فقد نُقِلَ للعمل في رئاسة الجمهورية وفي أعمال لا يعلم عنها كثيرون شيئاً

ولله في أمثال حسن التهامي شؤون..ولنا فيهم شجون

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

34 التعليقات على "الرجل الغامض في حكم مصر (1): درويش في برج القاهرة"

أكتب تعليقا