فتش عن"التوربيني" الكبير

| |















يا.. كبدي

تعبير مصري صميم يستخدم للعطف على شخص أو التعاطف معه حين يعاني من ألم أو يتعرض لأزمة أو تسحقه قوة تفوق قدراته

هكذا لخص المصريون ببساطة علاقاتهم مع الآخرين.. بالكبد

لكن أكباد المصريين لم تعد قادرة على الصمود..انهارت تحت وطأة نظام فاسد فعل كل شيء من شأنه تليف تلك الأكباد وإصابتها بالأمراض التي تأكل أصحابها أكلاً

وفي بلد مثل مصر تشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد المصابين بفيروس الالتهاب الكبدي الوبائي "سي" يبلغ 12% من عدد سكان المحروسة، وهو ما يقارب عشرة ملايين مصري. وبهذا تحتل مصر المرتبة الأولى على مستوى العالم في الإصابة بالمرض

تقديرات مخيفة لهذا المرض.. وتصورات مختلفة لسبب انتشاره مع أن السبب الرئيسي معروف: السلطة التي شاخت في مواقعها فلم تعد ترى في صحة المواطن أولوية تذكر، وانصرفت إلى إنفاق الأموال على تأمين المواكب الرئاسية وحماية الحاشية وشراء ولاء البطانة والتمهيد للتوريث
وفي بلد يهلك أبناؤه تحت وطأة مرض لايرحم.. رفعت القيادة الحكيمة في مصر شعاراً هزلياً مفاده: المحروسة..للمحروس

تريدون أن تعرفوا السبب في الانتشار المخيف لأمراض الكبد في مصر.. ابحثوا إذن عن "التوربيني" الكبير

انسوا رمضان "التوربيني" الذي ارتكب حوادث بشعة من اغتصاب وقتل وسرقة على أسطح القطارات وفي سراديب سرية ما بين الإسكندرية والقاهرة.. فهو في الأصل ضحية لبلطجي، في حين أن المجتمع بأكمله أصبح أيضاً ضحية لبلطجي أكبر
ورمضان ليس سوى تلميذ مبتديء في مدرسة "التوربيني" الكبير الذي أهلك الزرع والنسل ونشر بالإهمال تارةً والتواطؤ تارةً أخرى أمراضاً أصبحت متوطنة، تأتي في مقدمتها أمراض الكبد التي ترفع بعض التقديرات نسبة الإصابة بها إلى 25% من مجموع السكان..بل إن نسبة عالية من الإصابة وصلت إلى التليف والأمراض السرطانية، لتحتل أمراض الكبد المرتبة الأولى بين الأمراض في مصر بعد أن كانت في المرتبة السابعة

كل هذا يحدث والدولة بقيادتها ورمزها التي تتصدر صورها المبتسمة وسائل الإعلام ولافتات الدعاية تكتفي بالجلوس في مقاعد المتفرجين، كأن ما يجري للمصريين شأن خاص بمواطني كوكب زحل
إنها دولة تشبه تمثال الشمع الصامت وتحته شعار المرحلة : لا أرى .. لا أسمع .. لا أتكلم
والشاهد أن الحكومات المصرية المتعاقبة خلال ربع القرن الأخير فشلت في وضع سياسة واضحة لاكتشاف المرض وعلاجه والوقاية منه. هذه الحكومات لم تكن وحدها المسؤولة فهي في النهاية خاضعة للسلطة التنفيذية التي تقود المسيرة المظفرة وتتغنى بها الاحتفالات وتهتف لها حناجر رجالها وأعوانها وبطانتها المصابة بتليف في الضمير

تواطؤ مريب إذن بين الحكومات والحاكم أدى إلى إفساد أكباد المصريين من خلال الطعام الملوث والمطعم بالمبيدات المسرطنة والتطعيمات المهرمنة، ومياه الشرب المختلطة بالصرف الصحي والملوثة بالميكروبات والفيروسات. والذاكرة ما زالت تحفظ ما كشفت عنه حوادث التسمم الواسعة التي تعرض لها مئات المواطنين في بعض قرى الدقهلية والكثير من قرى مصر بشكل عام، والتي تنذر بتردي الخدمات الأساسية التي يتلقاها المواطنون خاصة السواد الأعظم من البسطاء والفقراء وسكان الريف والقرى الذين يشربون مياه ملوثة ويعانون من شتى أنواع التلوث البيئي وتردي الخدمات

ويكفي أن نشير إلى أن الملوثات أدت إلى ارتفاع ضغط الدم للشباب فوق 20 سنة إلى 26% كما تسبب الطعام الملوث في 35% من الإصابة بالسرطان

وعن النيل حدث ولا حرج.. فالنيل أصبح مصرفاً لعوادم مئات المصانع التي تلوث المياه بمخلفاتها ليل نهار والتي تحتوي على بعض المعادن الثقيلة الخطيرة على صحة الإنسان، والتي يصعب التخلص منها عند تكرير المياه، فضلاً عن تلوث مياه النيل بمياه الصرف الزراعي وما تحمله من كميات من المبيدات الزراعية الخطيرة. ونضيف إلى ذلك ما يلقى في النيل من مياه صرف صحي وخلافه من القاذورات

إن السلطة في مصر متهمة بالتسبب في وفاة مئات الألوف من أبناء الشعب بسبب أمراض الكبد، والإهمال الشديد في وضع منظومة إعلامية للوقاية والحد من هذا الوباء الخطير، وعدم وضع مخصصات مناسبة للبحث العلمي لإيجاد دواء مناسب لعلاج الفيروسات. وهي متهمة أيضاً بالفساد وإهدار المال العام عن طريق استيراد دواء انزفيرون طويل المفعول والخاص بعلاج الكبد بأسعار باهظة، في حين أنه كان يمكن توفيره بسعر يقل 1100 جنيه عن السعر الرسمي أي بسعر 350 جنيهاً بدلاً من 1450 جنيهاً

حال لا تسر أحداً..لكن الدولة تفضل الانشغال بأمور أخرى أهم من صحة أبنائها

لقد طرح الحزب الوطني حزمة من التشريعات بلغت ٤٨ تشريعاً على حد إحصاء وزير الدولة للشؤون القانونية والمجالس النيابية الدكتور مفيد شهاب، لإقرارها من البرلمان في دورته المقبلة، لم يتطرق تشريع واحد منها إلى صحة المصريين

دولة مسكونة بهموم البقاء وقيادة حريصة على أن تبقى في الحكم حتى آخر نبض فيها، من دون أن تسأل نفسها ماذا فعلت لحماية المصريين ورعايتهم صحياً، ولماذا تسكت عن انتشار أمراض الكبد وتجارة بيع الكلى والكبد في مناطق معينة تحت سمع وبصر وزارة الصحة

لم يكن مستغرباً في ظل هذا الإهمال الجسيم الذي أدى إلى استفحال المرض أن يتقدم نائب دائرة فاقوس بالشرقية فريد إسماعيل باستجواب إلى وزير الصحة الدكتور حاتم الجبلي حول انتشار أمراض الكبد في مصر بصورة وبائية. فقد فشلت حكومة الدكتور أحمد نظيف -مثل سابقاتها- في السيطرة على المرض، لتبلغ حالات الإصابة والتليف والوفاة أرقاماً قياسية تهدد الأمن القومي لمصر

مصر.. نعم مصر التي كلما لامست قاعاً وجدناها تهبط إلى قاع آخر بفضل حكمة السلطة وبعد نظر القيادة وشفافية الدولة ونزاهة المؤسسات

لقد تحول الكبد إلى مرض اقتصاد قومى مع تزايد أعداد مرضاه.. حتى أصبح يمثل ثقباً فى الخزانة العامة للدولة ولجيوب المواطنين أنفسهم، حيث تتجاوز تكاليف العلاج اليومي عدة ملايين من الجنيهات في الأدوية مرتفعة الثمن.. لكنها لا توقف زحف نشاط التليف وفيروس سي الذي يتحول معه المرض إلى مجرد أجساد نهشها وحش لا يرحم

وفي غياب الدولة وإهمال السلطة عجز المصريون عن حماية أكبادهم من المرض، كما عجزت جيوبهم ودخولهم المتواضعة عن تحمل نفقات تدهور حالتهم الصحية، خاصةً في ظل حقيقة ارتفاع النفقات المادية -التي تتجاوز حدود قدرات أسرة أو حتى خزانة الدولة- لعلاج من يصل إلى مرحلة الفشل الكبدي عبر جراحات زرع الكبد


وفي بلدٍ محاصر بالأمراض والأزمات يبدو التبرع حلماً بعيد المنال، مما يزيد من حدة الأزمة لأسر تبكي مرض أحد أفرادها وتقف في طابور انتظار أمل زرع كبد للعودة من جديد إلى الحياة


ولكن ماذا عن الدولة؟


لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم.. فالدولة تستعد دوماً للاحتفالات وفي مطابخها يوجد طهاة بارعون للأرقام والإحصائيات التي تجمل وجه النظام وتشير إلى أن مصر قوة عظمى وعملاق ناهض ونمر على النيل وما إلى ذلك من تخاريف

هي في الحقيقة نمر من ورق.. رسمته سلطة كرتونية

السلطة في مصر هي من بث السرطان في النفوس بتلويثها الزرع والسماد ونشرها "فيروس سي" في أكباد المصريين وتدميرها كلى الشباب بعد تلويث مياه الشرب

ولم نسمع مثلاً عن برنامج وقائي فعال تنفذه الدولة للحد من أسباب أمراض الكبد الوبائية التي تبدأ بالبلهارسيا وتلوث المياه والطعام والهواء. ولم نر تحركاً جاداً لتخفيف المعاناة التي يعيشها مرضى الفشل الكبدي في انتظار الأيدي الرحيمة لالتقاطها قبل أن تنهار بها جسور الحياة

عندي لكم مفاجأة


هناك من يقول بأن استخدام السرنجات خلال الخمسينيات والستينيات في الحقن خلال حملة مكافحة البلهارسيا في مصر بالطرطير هي السبب في انتشار أمراض الكبد في مصر. لكن الدراسات كشفت أن نسبة 19% فقط ممن تم حقنهم بالطرطير في هذه الفترة تم اكتشاف فيروس "سي" لديهم وبالتالي فلا يمكن أن نجزم بأن استخدام السرنجات الزجاجية هو السبب في انتشاره فلماذا لم ينتقل إلى 81%

ووفق الأبحاث والدراسات التي تم إجراؤها فإن هناك تراكمات للعديد من الأسباب من البلهارسيا ومضاعفاتها في حين أن 50% من المرضى غير معروف مصدر إصابتهم به
تراكمات ناجمة عن الفساد والإهمال والجهل.. فأما الجهل فموجود ومعروف، لكن ما يعنينا هنا هو ذلك التحالف المشبوه بين الفساد والإهمال في وطن تقوده سلطة أدمنت الأصفار في كل المجالات: من الساحة السياسية إلى ميادين الرياضة ومن مؤسسات الثقافة إلى دور التعليم ومن وسائل الإعلام إلى مواقع السياحة


سلطة تمنع عن مواطنيها سبل الحياة الكريمة وتدفعهم دفعاً إلى مزيد من الانهيار والتدهور، وتطاردهم وتزج بزهرة أبناء هذا الوطن إلى المعتقلات والسجون بدون محاكمة. سلطة تتشبث بالمقاعد أكثر مما تتمسك بكرامة المواطنين، وتحرص على قانون الطواريء أكثر مما تطالب بحقوقها في دير السلطان وأم الرشراش مثلاً، وتسعى إلى الإثراء غير المشروع وتولية من لا يصلح أكثر مما تسعى إلى استعادة دورها الإقليمي ومكانتها الدولية التي استبيحت وانتهكت، وهي عن ذلك مغمضة العينين ومقيدة اليدين

وفي عهد الرئيس حسني مبارك تنهش البلهارسيا أكباد المصريين، ويعيش ثلاثة ملايين مصري في المقابر، ويغرق أكثر من ألف في عبارة يملكها نائب له صلا واسعة بالمقربين من أهل الحل والعقد، ويُحرق مثلهم في قطارات متهالكة ويُلقى كثيرون مصرعهم على طرقات لم تنل حظها من هندسة التخطيط والنقل.. ويموت أكثر من ذلك من المشردين في شوارع جانبية وقرى نائية لم يصل صوتها بعد إلى قصر العروبة

لعلكم تذكرون ما كتبه الزميل الصحفي مجدي مهنا في 25 نوفمبر الماضي في عموده "في الممنوع" في جريدة "المصري اليوم" بعد تجربة أليمة مع المرض انتهت بزرع كبد جديد له. يومها تحدث مجدي مهنا وتحت عنوان "وصيتي" عن محنته الشخصية مع المرض الذي يشير إلى أن هناك مليوني مصري من بين مرضاه يحتاجون إلى عملية زرع كبد. وبحسبة بسيطة تبلغ هذه الفاتورة ثمانية مليارات جنيه، أي بما يزيد على حجم ميزانية مصر السنوية بأكثر من عشرين مرة كارثة بكل المقاييس..والكارثة الأكبر هي كيف وصل بنا الحال إلى ما هو عليه؟

ويتساءل كاتب المقال: "من المسؤول عن هذه الجريمة التي لم تكن معروفة من قبل؟ وفي أي سنوات وفي أي عهد انتشر هذا الداء الخبيث؟ وأي حكومات تتحمل هذه الجريمة؟ هل توجد غير حكومات الحزب الوطني، الذي يحدثنا كل يوم عن الإصلاح الكاذب؟"

والإجابة على هذه التساؤلات بسيطة ومشروعة: لا توجد غير الحكومات المتعاقبة، والسلطة التي تحركها كالدمى وعرائس الماريونيت. هي المتهم الرئيسي في تدهور حال المصريين وانتشار أمراض تنهش أكبادهم حتى صارت دول عربية تفرض شروط اجتياز اختبارات وتحاليل طبية لكل مصري يريد العمل بها للتأكد ما إذا كان هناك نشاط للفيروس من عدمه من خلال تحليل الأجسام المضادة. وكم من مواطن مصري تحطمت آماله عند صخرة هذه الاختبارات الطبية بعد أن يكتشف أنه مصاب في كبده في هذا العهد الميمون


دعونا نتذكر أنه خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، كانت مصر تعاني من تناقض شديد ناجم عن وجود قوائم تحذيرية من استخدام أو تسويق أو استيراد عشرات الأنواع من المبيدات الزراعية في صورة جدول، وأمام كل نوع منها كتب اسم المرض الذي تسببه، وأقلها: سرطان الرحم والدم والكبد والمثانة

غير أنه في المقابل كانت تلك المبيدات -التي حذرت منها وزارة الزراعة أيام الدكتور يوسف والي- موجودة في السوق وتباع بسهولة ويسر. ثم تبين بعد ذلك تورط قيادات من وزارة الزراعة وجهات أخرى في فضيحة نشر المواد المسرطنة والمسببة للأمراض التي نشرت الأمراض في بيوت المصريين بلا حساب

والسؤال هنا: من المسؤول.. وزارة الزراعة أم القيادة التي عينت هذا الوزير؟ ومن نحاسب.. وزيراً بقي في منصبه نحو عقدين من الزمان أم القيادة التي منحته صك فعل ما يحلو له، فكانت النتيجة الفتك بأجساد ملايين المصريين؟ من يستحق أولوية المواجهة.. اللصوص الصغار والموظفون المرتشون في المكاتب والمؤسسات الحكومية أم اللصوص الموجودون على رأس الهرم الذين فسدوا ونشروا فسادهم بيننا وتحركهم مصالحهم الشخصية والعائلية؟ ألا يكفينا الوباء السياسي الحالي..حتى يعاني المواطنون من أوبئة وتسمم غذائي بسبب الفساد والإهمال وتردي الخدمات؟

إن مصر بهذه القيادة تسير نحو هاوية سحيقة بلا قرار.. هاوية زخرفتها أبواق الدعاية الرسمية بكلمات أغنية سعاد حسني "الدنيا ربيع والجود بديع.. قفلي على كل المواضيع.. قفل.. قفل"

الوقاية خير من العلاج

مقولة قرأناها وتعلمناها كثيراً، فلماذا لا نعمل بها في مجال حماية أكبادنا من الأمراض التي قد تفتك بها.. وأيضاً في مجال مواجهة فساد سلطةٍ أصبحت تفتك بالجميع من دون تفرقة وتوزع الظلم والقهر علينا كأنها حصتنا التموينية؟

أكباد المصريين في خطر.. والفاعل معلوم للجميع

فلنبدأ بمحاسبة المخطئين والمقصرين

ولنبدأ ب"التوربيني" الكبير

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

21 التعليقات على "فتش عن"التوربيني" الكبير"

أكتب تعليقا