(2) حكايات المصريين المغتربين مع أهل الزُنبة والإسفين

| |


"والحقيقة أن صنعة الخازوق تعتبر جزءاً من تكويننا الخاص..فكلنا خوازيق على درجات متفاوتة..وندر أن عرفت مصرياً نجا من عيب الخوزقة"

هذه الفقرة التي أوردها الدكتور حسين مؤنس (28 أغسطس آب عام ألف وتسعمئة وأحد عشر- 17 مارس آذار عام ألف وتسعمئة وستة وتسعين) في كتاب "المصريون والحضارة" تبدو صحيحة من منظور كثيرين ممن يرون أن المصريين يعشقون تدبير المقالب والمكائد لبعضهم البعض..حتى أصبح الإقدام على مثل تلك الأفعال الشائنة مقبولاً ومألوفاً لدى هؤلاء الدساسين
ويستفيض د. مؤنس في سرد نماذج من أصل الخوازيق الذين تعامل معهم على مدار حياته من ألاعيب وحيل المدرسين والفراشين في مدرسة دكرنس الابتدائية التي كان ناظراً لها يوماًَ ما..والخادم رجب الذي أراد أن يتزوج للمرة الثانية من فتاة صغيرة يسكن معها في غرفته في شقة د.مؤنس..إلى رجل الأعمال الناجح في النمسا فوزي متولي صاحب فكرة تمثيل أوبرا عايدة في معبد الأقصر..الذي استدعته سلطات محافظة الأقصر عقب هذه الاحتفالية لتطالبه بإزالة المباني والإنشاءات التي أقيمت لعمل المسرح وقاعة العرض وترتيب المناظر..بدعوى أنه صاحب المشروع..وهذه هي طريقة شكرنا للمواطن الذي قدم هذا المشروع العظيم: أعطيناه خازوقاً محترماً حتى لا يعود مرةً أخرى إلى خدمة بلاده

وينبه د.حسين مؤنس إلى أن العمل الجماعي في مصر مستحيل في ظل الخوازيق التي ندبرها لبعضنا البعض.. "وسواء أكنا في مجلس المدرسة أم مجلس الكلية أم مجلس الأمة فإن النكد والصراخ والسباب هو أسلوبنا في التفاهم أو عدم التفاهم بتعبيرٍ أصح..وكل شركاتنا التي ينشئها أكثر من مواطن لابد أن تتحطم على خوازيق الخلاف وسوء الظن والاتهام"

ويضيف الكاتب قائلاً:" ونحن في العادة نستقل كل شيء على أنفسنا ونستكثر كل شيء على الآخرين.وهذا هو بيت الداء. فإذا كنت تشعر أن غيرك أخذ ما لا يستحقه..وأنك أنت الذي تستحق هذا الشيء..فإنك قد تفكر في التنكيل بالشخص الآخر والنيل منه..ولو كان ذلك بطريق الحيلة والخداع والمكر"

ويذهب د.مؤنس إلى ما هو أبعد من ذلك فيقرر أن معظم هؤلاء الموظفين الذين تراهم متربعين على المكاتب في الإدارات خوازيق..ومن المستحيل أن ينجز الواحد منهم عملاً من تلقاء نفسه ولابد من أن تسعى إليه وتجري بين يديه لتسلك أمورك لأن شعورهم بك منعدم. ومعظم الخدم الذين يعملون في بيوتنا خوازيق. إنهم يعيشون على مالك ويتقاضونك برواتب باهظة ولايكفون عن عمل الخوازيق.. وهم في أيامنا هذه لا يحسنون التنظيف ويأخذون سمسرة على كل ما يشترون لك من الخارج..ويلهفون كل ما غاب عن بصرك من أشياء بيتك..ولايكاد الواحد يحمل لك في قلبه أي تقدير أو محبة..وجيرانك خوازيق..فهم لا يتعاونون معك في شيء يهم البيت في مجموعه..والسُلم –وسُلم الخدم خاصةً- مزبلة ولكنهم لا يتعاونون قط في التنظيف أو نفقاته..والدنيا عندهم تنتهي عند أبواب شققهم"

ويواصل الكاتب والمؤرخ المعروف وصف حالتنا فيقول: "أما العمال في أيامنا فخوازيق أصلية..فهم لا يتقنون العمل قط ويتقاضون الأجر الذي يقررونه.ولا يصدقون في موعد قط..وبكره عندهم معناها الأسبوع القادم..ويوم العمل عندهم يبدأ مع الظهر وينتهي في الثالثة بعد الظهر..ويقولون: أصل الدنيا صيام بقى وكل سنة وأنت طيب". ويتابع قائلاً:"وأسوأ العمال هم عمال الحكومة الذين يأتونك عشرة ليضعوا سلكاً..وكل واحد من العشرة يطلب بقشيشاً والبركة فيك بقى يا سعادة البيه..وكل سنة وأنت طيب..وتدفع البقشيش فيقولون لك وهناك اثنان من زملائنا تحت في السيارة..وكل سنة وأنت طيب! ولا تتعجب من ذلك فنحن في أيامنا تلك خوازيق..ولو كانت الخوازيق تصدر لكنا أغنى بلد في العالم"

ربما يرى البعض أن د.حسين مؤنس متحامل على المصريين أو يشوه صورتهم ويسيء إليهم..لكن الحقيقة غير ذلك, فهذا المؤلف الكبير الذي تقلب في وظائف مختلفة وشد رحاله إلى بلاد متعددة ووضع مؤلفات متنوعة في الحضارة الإسلامية وفلسفة التاريخ.. مثل: "التاريخ والمؤرخون" و"الحضارة" و"أطلس تاريخ الإسلام" و"فجر الأندلس"..كان ينكأ بإصبعه هذا الجرح النازف..محاولاً أن يشير إلى خطورة هذه الخوازيق على حياة وطبائع ومستقبل أبناء مصر. إنه النقد الذي يبني ولا يهدم..والألم الذي يصرخ من أجل وطن تنهش في جسده رابطة الخوازيق المحلية

وإذا لم نحاول أن نكشف أعراض هذا المرض الاجتماعي فلن نفلح أبداً في القضاء عليه والتخلص منه..لأننا نرى في عشق المصريين للخوازيق أمراً غريباً ينبغي التصدي له بحسمٍ وحزم..بدلاً من أن تبقى صورة مصر هي تلك التي رسمها التاريخ
لسليمان الحلبي حين جرى قتله عام ألف وثمانمئة في حفلةٍ على الخازوق بعد أن حكم عليه الفرنسيون "بحرق يده اليمنى وبعده يتخوزق ويبقى على الخازوق لحين تأكل رمته الطيور" كما ورد في "المختار من تاريخ الجبرتي"

ولو نظرنا في تاريخ مصر سنجد أن المصري قد ابتدع ما يُعرف ب"ثقافة التحايل" كنتيجة للقهر الاجتماعي الذي تعرض له في عصور مختلفة. بل إن المصريين تفوقوا في هذا الفن وأضافوا فكرة مجاملة من يكرهون. إلى حين سقوطه وتراجع سطوته

وهكذا نجد البعض يلجأ إلى جملة من أساليب المكر والخداع السلوكي واللفظي واستنباط أصول "الحداقة" و"المفهومية"و"الاستعباط"..لتكثر عمليات النصب والاحتيال والمحسوبية والرشوة..ولينتشر النفاق ومجاملة أصحاب السلطة والنفوذ. ومن رحم هذه الظواهر الاجتماعية التي تنضوي تحت لواء"ازدواجية التنظيم الاجتماعي"..برزت مجموعة من السمات لدى قطاع من المصريين..مثل الانتهازية والرهبة والسخرية والاستهزاء والتحايل..واستخدام سلاح تأليف النكات وإطلاق الشائعات

ويعزو البعض المقالب التي يدبرها المصريون ضد بعضهم البعض –خاصةً في بلاد الغربة- إلى عوامل أخرى.. مثل شيوع ثقافة الاستبداد وتوارثها بين الأجيال المختلفة من خلال محتوى وأساليب التنشئة الاجتماعية التي تسود كل مؤسسات التنشئة في المجتمع المصري.. من الأسرة والمدرسة إلى مؤسسات الإعلام ودور العبادة حتى الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني. فثقافة الاستبداد تصنع أيضاً صوراً مختلفة من التحايل والالتفاف على القانون بدلاً من احترامه..والأنانية وحب الذات بدلاً من الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية.. والرغبة في الصعود والترقي بأي وسيلة كانت –بغض النظر عن مدى مشروعيتها- ولو كان ذلك على حساب الآخرين وحقوقهم

وفي كتابه "سيرة حياتي" المكون من جزءين نجد الكاتب الموسوعي وأستاذ الفلسفة الدكتور عبد الرحمن بدوي (4 فبراير شباط عام ألف وتسعمئة وسبعة عشر- 25 يوليو تموز عام ألفين واثنين) يطلق النار على كل من ساعدوه وزاملوه بل وعاصروه
وهكذا يقول الكاتب والمحقق والمترجم د. عبد الرحمن بدوي إن تاريخ سعد زغلول مؤسس حزب "الوفد" تاريخ شائن ينضح بالخيانة والوصولية (ص48).. وإن الشيخ محمد عبده مصلح مزعوم (ص51).. وإن عباس محمود العقاد كاتب مأجور ولا يتورع عن القول إنه أوصى باستخدام العنف معه (ص133). وعدا إعجابه بأستاذه مصطفى عبد الرازق (الذي ساعده مساعدة خاصة) وأستاذه الآخر أندره لالاند.. فإنه يقلل من شأن كل أساتذته الآخرين بمن فيهم الدكتور طه حسين وإيفانز برتشارد الذي يتهمه بأنه ذو نزعة استعمارية (ص114)

ويقول د. بدوي - الذي وضع أكثر من مئة وخمسين كتاباً يعد بعضها من المراجع الرئيسية في مجالها- إنه عندما بدأ في تحضير رسالة الماجستير: "مشكلة الموت في الفلسفة المعاصرة" بدأت معها متاعبه الجامعية التي لا تنتهي مع الكبار والصغار. فأحمد أمين رجل حقوق.. ضيّق الأفق.. تأكل قلبه الغيرة من كل متفوق ومن كل متقن للغات الأجنبية (ص153)..فيعرقل لأسباب شكلية تافهة قبول الرسالة فتتأخر مناقشتها سنة. وحين بدأ التدريس في الجامعة نشبت مشكلات مع زملائه.. العائدين حديثاً من البعثات التي أوفدوا إليها في أوروبا "من دون أن يحصل أي واحد منهم على الدكتوراه رغم تمضيتهم في بعثتهم عشر أو تسع سنوات". والسبب في ذلك - حسب رأيه- قلة الذكاء المقرونة بالكسل وعدم الرغبة في العمل والتحصيل (ص 156).. ولم يكن سلاحهم في التنافس.. العلم والإنتاج العلمي.. بل الدس والوقيعة والوشاية والتزلف إلى ذوي النفوذ داخل الجامعة وخارجها (ص 157)

وليس د. مؤنس ود. بدوي سوى مثالين من أمثلة يصعب حصرها لعلماء ومفكرين مصريين تحدثوا عن ظاهرة المكائد والعداوة والحقد بين أبناء الوطن الواحد.. وكتبوا عن معاناتهم من تلك الدسائس والمقالب التي لا تنسى

غير أن المكائد لها جذور ضاربة في أعماق التاريخ

فالأساطير المصرية القديمة على العديد من القصص عن الدسائس والمؤامرات




وربما كانت من أشهر هذه القصص قصة أوزوريس.. حيث قام أخوه ست بتدبير مؤامرة ضده. وبالفعل قتل أوزوريس وقطع جسده إلى قطع وأُلقي به فى النيل. وعندئذٍ بحثت إيزيس.. زوجة أوزوريس عن زوجها وجمعت أجزاء جسمه مرة أخرى وبعثته في العالم الآخر كملك حي ورب في مملكة الموتى
وعن طريق السحر.. أنجبت إيزيس ابناً هو حورس الذي هزم ست



هناك أسطورة أخرى تحكي عن الزمن الذى دبر فيه البشر مؤامرة ضد رب الشمس رع. فقام رع بإرسال سخمت.. الصورة المنتقمة لحتحور.. لكي تقتل هؤلاء البشر. إلا أن سخمت استمتعت بهذه المهمة جداًً لدرجة أنها قضت على كل البشر تقريباً. وهنا خدع رع سخمت بأن سقاها كميات كبيرة من الجعة الملونة والتي تشبه لون الدم حتى توقفت عن القتل. كما اعتقد المصريون أن شو.. رب الهواء الجاف والرياح والجو كان ثاني ملك حكم بعد رع
وقام الجان الثعابين أتباع أبيبي بالمكيدة له واعتدوا عليه. واستطاع شو أن يهزمهم.. ولكنه مات نتيجة لمؤامرتهم.. وما لبث أن ثار عليه أتباعه.. فعاد شو إلى السماوات وترك عرشه لابنه جب رب الأرض

وعبر التاريخ المصري القديم.. كان الحكام عرضة للعنف وللمؤامرات السرية من أقرب الناس إليهم ففى عصر الأسرة الثانية.. عزل الملك حتب سخم وي من السلطة نتيجة انقلاب عسكري نظمه أخوه رنب. وملك آخر من الأسرة الثانية أيضاً.. هو الملك بر ايب سن.. ربما وصل إلى السلطة عن طريق التدبير لانقلاب ضد الملك ني نتر

وفي الأسرة الرابعة.. نجح رع دجدف.. وهو ابن للملك خوفو من زوجة ثانوية.. في الوصول للعرش بعد أن قتل أخاه الأمير كا وعب.. الوريث الشرعي للعرش. كما أنه تزوج من حتب حرس.. أرملة أخيه المقتول
وكذلك الملك تتي.. مؤسس الأسرة السادسة قُتِل أيضاً على يد حراسه. ويعتقد المؤرخون أن زوجته الملكة ايبوت -ابنة الملك ونيس من الأسرة السادسة- هي التي أعطته القوة الملكية. وهذه الملكة هي أم الملك ببي الأول.. الذي اختفت زوجته بعد أن تم كشفها في مؤامرة دبرها الحريم ضد العرش

كما يبدو أن الملك أمنمحات الأول مؤسس الأسرة الثانية عشرة.. قتل في العام الثلاثين من حكمه نتيجة لمؤامرة من الحريم. كذلك الحال بالنسبة للملك رمسيس الثالث الذى قُتِلَ إثر مؤامرة من الحريم

منطق التآمر وأسلوب المكائد بسبب الحقد والغيرة تكرر كثيراً في تاريخ حكم مصر..مثل واقعة قتل قطز
في عام 1260 بعد عودته منتصراً على المغول في معركة "عين جالوت" الشهيرة.. حيث يقول ابن تغرى بردي في "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة": "إن بيبرس حقد على قطز لأنه لم يمنحه نيابة حلب..فاتفق على قتله مع جماعة. وفي لحظة ما كان بيبرس ينحني فيها ويقبل يد قطز..وإذا به يقبض على يد سيده ويضربه بالسيف. بعدها تقدم بيبرس إلى أتابك قطز (مدير مكتبه أو رئيس حرسه أو رئيس ديوانه بلغة العصر) فقال الأتابك: "من قتله منكم؟" فقال بيبرس: أنا.. فقال له الأتابك ببساطة: يا خوند..اجلس في مرتبة السلطنة.. فجلس"!

ولم يكن قطز أول أو آخر من جرى قتله في يوم انتصاره..فقد قُتِل الأشرف خليل أيضاً يوم انتصاره على الصليبيين..واغتيل الرئيس المصري أنور السادات في السادس من أكتوبر تشرين أول عام ألف وتسعمئة وواحد وثمانين خلال عرض عسكري إحياءً لذكرى حرب أكتوبر
وهكذا تجد دائماً هناك من يتربص بك هنا أو هناك.. مع أنه يفترض به أنه مثلك ابن هذه الأرض الطيبة
لكنه المرض الذي يستوطن القلوب والعقول كالداء ويستشري مثل ورم خطير.. فيدفع المصريين إلى استخدام سلاح الزُنبة والإسفين
وبدلاً من أن تتحقق مقولة الكاتب السعودي عبد الرحمن منيف (عام ألف وتسعمئة وثلاثة وثلاثين- 24 يناير كانون ثانٍ عام ألفين وأربعة) من أنه "في الغربة تتقارب المناكب".. نجد المصريين في الغربة يتشرذمون من دون مبرر ويقتتلون على كل شيء وأي شيء


عافانا الله ووقاكم شرور تلك الحرب الأهلية الدنيئة

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

14 التعليقات على "(2) حكايات المصريين المغتربين مع أهل الزُنبة والإسفين"

أكتب تعليقا