بيوتنا..وبيت حانون

| |




















بعد "أمطار الصيف" جاءت "غيوم الخريف"

وها هم الفلسطينيون يحملون من بيوتهم التي تحمل رائحة الموت شهداءهم إلى مقابر جديدة امتلأت بضحايا العدوان الإسرائيلي

بيت حانون ذاقت أكثر من غيرها ويلات العدوان..وفي الثامن من الشهر الجاري قتلت الآلة العسكرية الإسرائيلية نحو عشرين فلسطينياً معظمهم من النساء والأطفال وأصابت أربعين آخرين بجروح في تلك البلدة الواقعة شمال قطاع غزة

منازل كاملة دمرت على رؤوس أصحابها وهم نيام لتختلط دماء وأشلاء الشهداء بالحجارة وأثاث المنازل.. بعد أن دس الجيش الإسرائيلي قذائفه مع عسعسة الليل في الظلام ككل محترفي الإجرام..هل يذكركم هذا بمجازر مماثلة؟ "قانا الثانية" مثلاً..أو ربما جنين..أو حتى المجازر الأخرى التي تثبت أن ما بين الفلسطيني والدم رحلة طويلة معمدة منذ أكثر من نصف قرن من الزمان: دير ياسين وقبية ونحالين مرورًا بكفر قاسم وصبرا وشاتيلا والحرم الإبراهيمي الشريف ورفح

لكن ما لنا نتكلم عن المجازر ونحن نعلم أن المجازر بحقنا ملح يذوب في بحر التاريخ

"خطأ تقني".. هكذا برر رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت هذا القصف المدفعي..في حين قال بيان عسكري للجيش الإسرائيلي إن إحدى بطاريات المدفعية ارتكبت خطأ تقنياً في نظام التحكم بإطلاق القذائف

خطأ بشري.. هكذا كان لسان حال الحكام العرب

إذ يبدو أن كريات الدم الحمراء لم تعد تدور في شرايينهم؟..بل إن البعض رصد ظاهرة طبية نادرة في هؤلاء القادة التاريخيين: إنهم بلا دم أصلاً

لا أحد يدري لماذا يسكت العرب على ما يجري في غزة التي تعد واحدة من أكثر المناطق كثافة بالسكان في العالم ويسكنها نحو مليونين ونصف المليون من الفلسطينيين؟ هل لأن المجازر الإسرائيلية تزامنت مع انشغال الرئيس المصري حسني مبارك بجولته في روسيا وجمهوريات آسيا الوسطى والصين.. وتفقد العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز مدينة جيزان على الحدود السعودية مع اليمن.. وانهماك الرئيس السوري بشار الأسد في حساباته مع القوى السياسية اللبنانية..وتكريس العاهل المغربي الملك محمد السادس جهوده وجنوده لمحاربة ما يوصف بالإرهاب..واستئساد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في حظر الحجاب؟

ربما.. وربما أيضاً أن كثيرين من أبناء هذه الأمة يتمتمون وهم يشاهدون صور تلك المجازر الوحشية ويطالعون أخبارها: الحمد لله أنها في بيت حانون..وليست في بيوتنا

مع أن بيت حانون قد تكون الطريق إلى بيوتنا

لكن..لا عرب هنا الآن ليمسحوا الدمع أو يحموا التراب

عشرات الشهداء ومئات الجرحى من الفلسطينيين سقطوا خلال أقل من أسبوع..لكن لا أحد يستطيع أن يراهن على أن آلة التدمير والقتل الإسرائيلية نجحت هذه المرة في كسر إرادة أهل غزة. كان رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين يقول: "أتمنى لو تغرق غزة في البحر". لكنه قُتلَ برصاص اليميني الإسرائيلي إيغال عمير في الرابع من نوفمبر تشرين ثانٍ عام ألف وتسعمئة وخمسة وتسعين.. وبقيت المدينة التي أطلق عليها الفراعنة أيام تحتمس الثالث "غزاتوه" وارتبط اسمها بـ "الكنز" الذي قيل إن قمبيز قد دفنه أيام الفرس

قادة إسرائيل الذين طمعوا من فلسطين بالأرض دون الناس.. اعترفوا دائماً بأنهم عندما يتعلق الأمر بغزة فإنهم لا يريدون الأرض ولا الناس. ومع ذلك فإن إسرائيل تمارس ضد أهالي غزة سياسة القصف الوحشي بالصواريخ والقنابل والمذابح والدمار للبنية التحتية المدنية والإغلاق والتجويع

المشكلة أن إسرائيل لا تفهم دروس التاريخ. والتاريخ يقول إن "غزة" لعبت على مر العصور وظيفة الميدان وساحة القتال لمعظم الإمبراطوريات في العالم القديم والحديثة.. الفرعونية والآشورية والفارسية واليونانية والرومانية ثم الصليبية.. وفي الحرب العالمية الأولى. ومع ذلك بقي اسمها خالداً دون تغيير أو تبديل.. وأطلق عليه العرب "غزة هاشم" حيث دفن بها جد الرسول محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- أثناء إحدى رحلاته قبل الإسلام في نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس الميلادي تقريباً. فلا غرابة والحالة هذه أن يطلق عليها خليل الظاهري لقب "دهليز الملك" وأن يصفها نابليون بونابرت بأنها بوابة آسيا ومدخل إفريقيا لتؤكد جميعها حساسية موقعها وأهميته

أما دروس الماضي القريب فتقول إن الاجتياح الإسرائيلي السابق لقطاع غزة ترك وراءه عشرات الشهداء والجرحى من الفلسطينيين.. لكنه لم يسفر عن تحقيق إسرائيل هدفها الرئيسي المعلن: العثور على الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط الذي وقع في أسر ثلاثة فصائل فلسطينية خلال عملية فدائية جريئة في الخامس والعشرين من يونيو حزيران الماضي

وها هي إسرائيل تعاود الكرة وتحشد قواتها من تعزيزات عسكرية من الدبابات وناقلات الجند والجرافات تحت غطاء جوي من الطيران الحربي الإسرائيلي خاصة طائرات الاستطلاع التي تعمل من دون طيار

ثلاثة أهداف معلنة رفعتها إسرائيل هذه المرة: وقف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة على بلدات إسرائيلية.. ومنع تهريب الأسلحة إلى الفلسطينيين عبر الحدود مع مصر.. وتعقب أثر الجندي الإسرائيلي الأسير

على أن رصد حجم ومسار العملية العسكرية الإسرائيلية الموسعة في قطاع غزة يشير إلى أنها تدخل ضمن مخطط أكبر لإعادة احتلال قطاع غزة. وبعد الدمار الواسع الذي ألحقته إسرائيل بأراضي بيت حانون.. فإن مدينة رفح تبدو مستهدفة لفصلها عن باقي القطاع. بل إن إسرائيل تسعى حثيثاً لإعادة احتلال معبر رفح ومحور صلاح الدين الفاصل بين الأراضي الفلسطينية والمصرية. ولذا لم يكن مستغرباً أن تكون "غيوم الخريف" من أكبر العمليات والتوغلات لقوات الاحتلال منذ أسر الجندي شاليط

ولا يغيب عن الأذهان سعي حكومة أولمرت إلى مواصلة الضغط على الحكومة الفلسطينية التي تقودها حركة "حماس" بهدف إسقاط هذه الحكومة. وبعد الحصار المالي والاقتصادي ها هي إسرائيل تحاول إظهار تلك الحكومة في موقف العاجز عن حماية الشعب الفلسطيني. كما جاءت تلك الاعتداءات الإسرائيلية وسط جهود مكثفة لاحتواء الأزمة بين حركتي "حماس" و"فتح" وتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية.. بعد أن عجزت الحكومة التي تقودها "حماس" -بسبب عوامل متداخلة ومجتمعة - عن تقديم حلول عملية لمشكلات الشعب الفلسطيني المعيشية والتي بلغت درجة الاختناق

الهدف الأخطر من وراء هذا العدوان الإسرائيلي هو أن يصل الفلسطيني إلى محطات اليأس.. بحيث يصبح الحديث عن ثوابت وطنية وحقوق راسخة للشعب الفلسطيني تتمثل في العودة والحرية وإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة عاصمتها القدس نوعاً من الترف في ظل المجازر اليومية.. أو أن يكون حديثاً يلقي بصاحبه إلى التهلكة ويعرضه للاستهداف والقتل المعنوي والمادي

البعض – ومن بينهم رئيس الحكومة الفلسطينية إسماعيل هنية- يرى أن هذه المجازر الإسرائيلية هي أولى ثمار ضم أفيغدور ليبرمان زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" اليميني المتطرف إلى حكومة أولمرت

وليبرمان هو رجل العنف.. إذ إنه يطرح دائماً لغة القوة لحل مشكلات إسرائيل مع "جيرانها" وهو الذي كان قد أثار الرأي العام والرسمي المصري قبل سنوات عندما دعا إلى قصف السد العالي إثر خلاف سياسي مع مصر

والقوة طبعاً هي اللغة التي تعرفها إسرائيل.. خاصةً في ظل وجود شخصيات داخل حكومتها من عينة ليبرمان الذي دعا خلال اجتماع حكومي إلى اعتماد الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة الوسائل عينها التي يعتمدها الجيش الروسي في الشيشان

الجريمة الإسرائيلية الجديدة تزيد من معاناة الفلسطينيين.. حتى أن مدير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في غزة جون جينغ لخص في مؤتمر صحفي الوضع في بيت حانون بالقول إن "الموت والدمار واليأس هي الكلمات التي يمكن استخدامها لوصف الوضع.. حالياً يعيش أربعون ألف شخص في بيت حانون معاناة كبيرة جداً"

لكن الشيء الأكيد أنه بالرغم من المجازر الإسرائيلية فإن أهالي غزة باقون حتى بعد سقوط أولمرت وليبرمان وأمثالهما. هم لا يملكون سوى الصمود ويرددون بإصرار أن فلسطين باقية ولن تمحوها بربرية إسرائيل..قائلين إن على من يرفض هذا الرأي أن يتذكر جيداً الشتيمة المحببة على قلب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات: " من لا يعجبه فليشرب من بحر غزة"!

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

20 التعليقات على "بيوتنا..وبيت حانون"

أكتب تعليقا