المدونون (2): هلال شومان..الحكواتي

| |

















لدي اعتراف: أنا منحاز إلى هلال شومان

أحب هذا المدون الذي تأخذ كلماته شكل حكواتي العصر ..وأرى فيه موهبةً لافتةً في السرد ورسم الشخصيات التي يحكي عنها كأنه مشروع كاتب سيناريو

هلال الذي يعيش الآن في برادفورد في بريطانيا مستكملاً تحصيله العلمي في مجال بعيد عن عالم الأدب.. هو نفسه ذلك الشاب الذي ينتظر كثيرون كتاباته المشاغبة واختياراته الموسيقية اللافتة..وربما لهذا السبب استقبل كثيرون -وأنا منهم- بارتياح نبأ فوزه بجائزة التصويت في مسابقة "دويتش فيله" الألمانية كأحسن مدونة عربية لعام ألفين وستة

هو لا يكتب تحليلاً رصيناً ولم يزعم يوماً أنه خبيرٌ في دهاليز السياسة.. لكنه تحول إلى نافذة تطل منها على لبنان الحقيقي.. بأسلوبه الساخر وحكاياته الساحرة التي تقفز مثل أسماك ملونة فوق صفحة الماء لتحدث دوائر من الدهشة

بعض تدويناته وجدت طريقها إلى صفحة "شباب" في جريدة "السفير" اللبنانية.. التي أفسحت له المجال ليكتب ما يحلو له من أفكار نزقة وسيناريوهات ساخرة ويعلن حركات تمرد على الوضع القائم و"أمراء الحرب الذين يستنسخون أنفسهم مع مرور الفترات"

لم يكن مستغرباً أن تصبح مدونته محط الأنظار خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان.. بعد أن كرَس وقته وجهده وإبداعاته للفت الأنظار إلى الجرائم الإسرائيلية ضد المدنيين في وطنه.. دون أن ينسى محاولة فك ألغاز الوضع المتشابك الذي يعيشه بلده

وسط زحام التدوين تكتشف أن طالب الهندسة يعشق صوت فيروز وألحان زياد رحباني.. وهو لا ينسى أن يقدم بين فترة أخرى أصواتاً أخرى من أميمة إلى سعاد ماسي ومن ماجدة الرومي -منذ سن السادسة عشرة وحتى وقتنا هذا- إلى سعاد حسني التي يضع في ذكراها رابطاً لأغنيتها الشهيرة في فيلم "صغيرة على الحب".. ولا ينسى المرور على صوتي منى مرعشلي وريما خشيش


البيان رقم واحد في انقلاب هلال شومان حمل توقيع الشاعر الفلسطيني قصيدة محمود درويش "عابرون في كلام عابر".. كان ذلك في التاسع والعشرين من نوفمبر تشرين ثانٍ عام ألفين وخمسة.. حين قدم هذا المدوِن أوراق اعتماده عبر بعض سطور القصيدة المذكورة

"أيها المارون في الكلمات العابرة
احملوا أسماءكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا ..وانصرفوا
وخذوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة
و خذوا ما شئتم من صور..كي تعرفوا
أنكم لن تعرفوا
كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء"


البدايات تأرجحت بين الكتابة بالإنجليزية والعربية وبين حالة الحنين إلى لبنان: الأصحاب والوطن.. ونشر صور من يفتقدهم أكثر من غيرهم.. كنّ صديقات طبعاً

وفي الثامن من ديسمبر عام ألفين وخمسة كتب باللغة الإنجليزية تحت عنوان: تسعة أحبهم

الاختيارات لافتة: محمود درويش- يوسف شاهين- فيروز-فاتن حمامة أسامة أنور عكاشةكارمن لبس-جوليا بطرس- نادين لبكي- أحلام مستغانمي

ستلاحظ على الفور أن القائمة تضم أربعة لبنانيين وثلاثة مصريين وفلسطيني وجزائرية.. وأن الأسماء هي لمبدعين في مجال الكتابة -شعراً ونثراً- والغناء والتمثيل والإخراج

يتكرر الأمر بصورة أخرى في الثالث من يناير كانون ثانٍ عام ألفين وستة حين يكتب هلال تحت عنوان: "كتب وضعتها في شنطة السفر".. حيث يذكر ثلاثة أعمال للروائي المصري صنع الله إبراهيم: "بيروت.. بيروت".. "شرف".. "أمريكانلي".. وعملاً أدبياً آخر لأديب مصري شاب: "أن تكون عباس العبد" لأحمد العايدي.. إضافة إلى ديوان "كزهر اللوز أو أبعد" لمحمود درويش..و"ليون الأفريقي" و"الهويات القاتلة" لأمين معلوف.. و"بناية ماتيلد" لحسن داود -وهي بالمناسبة عن الحرب في لبنان والتعايش بين عائلات مختلفة خلال الحرب.. نموذج لبناني يقترب من "ميرامار" نجيب محفوظ-.. و"الصمت والصخب" لنهاد سيريس.. و"الرفيق" لحسان الزين.. و"فيروز والرحابنة: مسرح الغريب والكنز والأعجوبة" لفواز طرابلسي.. إضافة إلى روايتي "الزهير" لباولو كويلو و"مئة عام من العزلة" لغابرييل غارثيا ماركيز.. وكتاب إداورد سعيد
Humanism and Democratic Criticism

الكتب مفاتيح إلى الشخصية.. وأترك لكم قراءة شخصية هذا الشاب من قراءاته المفضلة

دعونا نتكلم قليلاًُ عن الوطن

في الحادي عشر من ديسمبر كانون أول عام ألفين وخمسة وتحت عنوان "عود على بدء" يمارس هلال شومان النقد الذاتي فيقول

"السبت القادم سأكون في مطار بيروت بعد غياب 4 أشهر.تغير الكثير خلال سنة. لا أخفي سراً إن أعلنت خوفي الدائم من هذا الوطن. ولدت لبنانياً خائفاً خلال الاجتياح الإسرائيلي.. تخبئني والدتي تحت الكرسي عند كل قذيفة وتغطي عينيّ بحركة لا إرادية عند مرورها بحاجز إسرائيلي. بدأت "الحوادث" رعباً حقيقياً ثم ما لبث هذا الرعب أن انقلب روتيناً ممجوجاً. في الحرب تؤقلم حياتك كما القذائف. تعيش في حالة اللا نظام والمجهول. هي حالة امتهنها اللبنانيون قوتاً يومياً وامتدت معهم حتى في سنوات السلم. من يختبر هذه الحالة لا يستطيع أن يتفلت منها. تصبح معه عادة وتقليداً يومياً يتفنن في تظهيره اجتماعياً وسياسياً. غداً عندما تطأ قدماي أرض مطار بيروت الدولي سأسترجع عادتي القديمة. أمارس فهلوتي على الآخر. فأنا السيد أمام الفليبيني والسريلانكي وأنا الحرامي في حضرة الخليجي وأنا صاحب الدم الأعرق قبالة الفلسطيني وأنا الذكي مقارنة بالسوري! أسبوع وأعاود استخدام شتائمي المعهودة مع كل سيارة أقودها"


في الحادي والعشرين من ديسمبر كانون أول عام ألفين وخمسة وتحت عنوان "من بيروت إلى القاتل" يصف الفتى العائد حال الوطن فيقول في البداية

"أنا في بيروت
الناس تنتظر الأسوأ.. والانقسام عميق.. الكل يتحفز للانقضاض على الكل"

ثم نجده يختم بموقف حاد كالدبابيس

"أيها القاتل الغبي..لا يضاهي غباءك إلا غباءنا"

وفي تدوينته "تل القمر (4)" والتي تحمل عنوان مشروعه الروائي الأول..تتسمر عند جملة يقولها البطل" كم أحبَ أنطلياس في الماضي وكم يكرهها الآن! هكذا هي الأمكنة ترتبط بأحداث عايشتها وتكون هي "كبش المحرقة"

هل أنطلياس هي إحدى صور الوطن عند هلال شومان؟ وهل تلك العلاقة بينه وبين وطنه تشبه تلك العلاقة المتأرجحة بين الحب والكراهية لرمزٍ أو شخص نتعلق به وننتمي إليه؟.. البعض يرى أننا كلما أحببنا رمزاً أو شخصاً كلما زادت حدتنا معه وعتابنا له

ولعل أجمل ما كتب هو سلسلة "الأحداث" التي تضمنت بضع تدوينات تتسم بالتقاط تفاصيل دقيقة ورصد مفارقات ساخرة ونبش في زوايا الذاكرة.. وهو يقول في التقديم لها

" الأحداث هي اللفظ المتعارف عليه بين اللبنانيين للإشارة إلى مرحلة الحرب اللبنانية التي استمرت زهاء سبعة عشر عاماً. هذه السلسلة هي عن أشياءنا الصغيرة التي قد تعني كثيراً في مثل تلك الظروف والتي قد تفقد أهميتها في ظل "أحداثٍ" طبيعية. هي عن لمحات وتفصيلات صغيرة قد لا نكترث لها في يومياتنا لكنها تحيلنا إلى زمن مضى.. نتمنى أن لا يعود"

في "يوميات (1).. عن سارة" يكتب في السادس والعشرين من مارس آذار عام ألفين وستة عن تجارب إنسانية أكثر حميمية

"لي علاقة خاصة مع سارة "الاسم". عندما تغادر سارة أولى حياتي أفاجأ وبدون مقدمات بسارة ثانية جديدة تظهر من حيث لا أدري. فمن صديقة الطفولة إلى ابنة الخالة إلى رفيقة الدرب الجامعي.. سارة هيَ هيَ.. فتاة من النوع التي تفاجأ أنه لا زال موجوداً. لكن سارة الرابعة (لا تنتمي إلى سلالة ملكية بالطبع) مثيرة (للاهتمام) لدرجة تتصف بما يلي. أولاً تنتمي إلى ثقافة أخرى غير مشرقية. وللتحديد هي فرنسية من أب نيجيري بوذي وأم فرنسية مسيحية.. طبعاً هي لا تـُـعَرِّف عن نفسها بالطريقة التي ذكرتها.. لكنها ببساطة الطريقة نـــُعَرِّف فيها "الآخرين"

في تلك التدوينة كان لقائي الأول مع هلال.. ولأول مرة أترك له تعليقاً.. هذا نصه

"لعبة الأسماء تلعب بنا: كلنا ذلك الرجل

شاهدت صورة "سارة في حفل التخرج" وقلت في نفسي: عندك حق يا هلال

حبات الرمان عندما تنفرط تتشابه.. لكنها تظل مدهشة وبراقة ولذيذة

الإنسان الذي يطل من مدونتك جميل

ولذا قررت أن أزوره كثيراً"

هلال الذي تعرف عبر تدويناته كيف أن سعادته القصوى تكمن في أن ينام وفي حضنه طفلٌ نائم.. وأن أكثر ما يخشاه هو أن يكون تشاؤمه في بعض الأحيان في محله.. يبدو في غربته وحيداً ولذا فإنه يشعر بالحنين إلى العائلة.. وهو لا يخشى أن يقر بأنه قد يهرب من المواجهة في بعض الأحيان ويقيم نقداً ذاتياً زيادة عن اللزوم ولدرجة مزعجة تصل إلى حدود عدم الثقة بالنفس

والأكثر طرافةً أنه يتحدث عن أنفه كأنه بينوكيو فيقول إن أكثر ما يزعجه في شكله هو أنفه..ويضيف قائلاً: "وَرَّثوني إياه غصباً عني .. بس وصلت لدرجة القناعة"

هو ساخرٌ إلى أقصى الحدود ويجيد رسم صورة كاريكاتيرية بالكلمات..في الثاني من أبريل نيسان عام ألفين وستة كتب الجزء الأول من رباعية "درب النضال..طويل" عن علاقة بين شاب ثائر وفتاة عاشقة لنفسها تتحدى صديقتها بأن هذا الثائر قابل للإغواء.. فتقرر الانضمام إليه في مظاهرة.. ليقع المحظور

" تقدمت إليه بإصرار. كانت الدرب تتفتح أمامها رغم الهرج والزحام الموجودين. طبعاً لم تعلم في تلك اللحظة أن تنورتها الخجولة هي السبب. وصلت إليه لتقول :"هاي" كان يردد: "رصوا الصفوف.. رصوا الصفوف .. درب النضال.." نظر إلى تنورتها مكملاً: "قصير ..قصير". أراد كتم ضحكة فلم ينجح..فيما الجمع يردد وراءه: "درب النضال قصير قصير.."

قمع الأحلام سيناريو يتكرر في عالمنا العربي.. وها هو في تدوينة تحمل عنواناً ماراثونياً:"عن مشاهدٍ أُريد لها أن تكون واقعية.. فانتهت ميلودراما خائبة" يكتب بتاريخ العاشر من يوليو تموز عام ألفين وستة

"حلمتُ البارحة أنني نكشت فراشي وأخرجت منه سلاحاً كنت قد دفنته هناك منذ زمن. أخذتـُه واتجهتُ إلى جاري الذي لا يلتزم بقوانين استخدام خزان المياه المشترك. وقفت. أسمعته خطبةً عصماء عن قانون زمن السلم حيث الكل سواسية ثم أرديته قتيلاً

لسوء حظي كان من طائفة تختلف عن طائفتي التي أتبع ونزل الخبر في الصحف على أنها أول جريمة طائفية في زمن السلم. أما مشكلة المياه فلن يذكرها أحد

صحوتُ مرعوباً. أخذتُ سكيناً من أحد الأدراج بالمطبخ وعدتُ إلى فراشي منفذاً ما حلمت"

وعندما سئل ذات مرة "ما هو الشيء الذي تقول عنه: "ولا ممكن يصير بحياتك"؟.. أجاب قائلاً في العاشر من سبتمبر أيلول عام ألفين وستة تحت عنوان أجوبة

"ولا ممكن آكل أرضي (تين) شوكي وسبانخ بحياتي
ولا ممكن انتخب بانتخابات لبنانية (على القليلة بالمدى المنظور)
ولا ممكن أشارك بحرب أهلية قادمة"

وهو صاحب أسلوب رقيق وجذاب كأنه حكًاء من طراز فريد..في "لحظة نبتَ الورد" يكتب هلال بتاريخ الثاني عشر من سبتمبر أيلول عام ألفين وستة

"البارحة، نَبَتَ الورد على أصابعي. تحسستـُه بلطف متوجساً أن أؤذيَ إحدى الوردات ثم أكملتُ نهاراً طبيعياً.. غايةً في الطبيعية! تحاشيتُ أن أصافح أحداً في طريقي للعمل. اكتفيتُ بقراءة بعض التقارير العلمية الجافة مبتعداً عن الكمبيوتر. لا أريد أن يميتَ الضغط على لوحة المفاتيح إحدى الأوراق. هذا برعمٌ ظهر للتو وتلك ورقة يزداد اخضرارها
البارحة، جلستُ أنظر إلى ورداتي تقبع على أطراف أصابعي وهي تتفتح على مرأى من ناظريَّ. شهدتُ الحياة تمشي ببطء وتتطور. هي تكمل يومها وأنا أنظر. أتعب من النظر فأشيح بنظري بعيداً أو أغمض عينيَّ فيفوتني تلوّن وردة. تباً. لا يأتي التعب إلا في أتفه الأوقات"

سئل ذات مرة "أين تود العيش؟" فكانت إجابته الموجزة ذات دلالة لا تخطئها العين: القاهرة

وهكذا تكتشف أن من هواياته القديمة تسجيل الحلقات الجديدة من المسلسلات التليفزيونية على شريط كاسيت.. ليقودنا عبر رحلة من الأحداث التي شهدها المسلسلان المصريان "ليالي الحلمية" و"أرابيسك".. كما ترصد إعجابه الشديد عبر ثلاث تدوينات متفرقة بالفنانة والناشطة السياسية محسنة توفيق


وبتاريخ الثاني عشر من سبتمبر أيلول عام ألفين وستة يكتب تحت عنوان "إسكندرية نيويورك: "نيويورك بتقتل أي حنين" ليضيف عبر قراءة نقدية رصينة المخرج يوسف شاهين إلى قائمة الذين يهوى إبداعاتهم دون أن يعني ذلك عدم نقد أعمالهم

هلال شومان..أنت لا تقود معركة خاسرة أيها الحكواتي الساحر
على الأقل.. نحن ربحناك

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

12 التعليقات على "المدونون (2): هلال شومان..الحكواتي"

أكتب تعليقا