المدونون (1): جار القمر.. عطر المكان

| |























البعض يكتب بالشوكة والسكين

أما "جار القمر" فهو يكتب بالسكين فقط

سكين تشبه مشرط الطبيب – وهو بالفعل دارسٌ متفوقٌ للطب على أبواب التخرج- الذي يجرح كي يستأصل بيت الداء

شعرت بالارتياح فور علمي بفوزه بجائزة لجنة التحكيم في مسابقة "دويتشه فيله" الألمانية كأفضل مدونة عربية للعام ألفين وستة

إنه ببساطة.. يستحق

هذا الشاب الذي لم يبلغ بعد منتصف العشرينيات شاب لكن عمره "ولا ألف عام" كما يقول شاعر العامية الكبير صلاح جاهين
وهو يسترق من العمر ساعةً أو بعض ساعةٍ كي يسير مع قارئه الهوينى على شاطيء الحياة أو يحادثه بصوت هامس قبل بدء حفل موسيقي

جار القمر مدونٌ يكتب على جناح غيمة

وعندما يكتب عن الموسيقى يبدو كأنه جسدٌ مُركبٌ من مقامات.. يبث شحنةً من الطرب في قارئه

انظر إلى هيثم يحيى يسير على حواف الموسيقى بأوصافٍ عذبة تشبه الألحان.. وهو يكتب "عن فيروز كراوية" في الحادي والعشرين من يوليو عام ألفين وستة قائلاً


"بينما هي تقف هناك .. على أطراف أصابع قدمها .. معلقةً في حبل الغسيل ساكنة .. تنظر أرضاً .. ثم يساراً إلى زميلها .. وعلى وجهها تتجسد كل انفعالات العرض .. من فرح لسخرية ليأس لنشوة لانتصار بالتتالي .. كانت شيئاً أكثر من بديع .. كانت إلهية .. وكعادة الأشياء التي نحبها اختفت فجأة وراء سيلويت أبيض قاس .. بينما تورطنا نحن في حكاية مملةٍ عن رجل فقد ذاكرته وامرأة تتذكر زوجها .. وخلال باقي العرض كنت أبحث بعيني عنها .. مرت الدقائق الثقيلة .. وفي نهايتها ظهرت على الخشبة .. نظرت إلينا جميعاً لثوانٍ .. اطمأنت أن قلوبنا قد فتحت .. لتبدأ في التصويب:

و الله تستاهل يا قلبي
تنشغل ليه ما كنت خالي
أنت أسباب كل كربي
أنت أسباب ما جرالي
إيه بقى اللي حايواسيني
بعد ماتهدت آمالي

يا شيخ سيد (درويش) .. ماذا كنت ستبدع لو سمعت نوتاتك تُنشد من هكذا حنجرة .. اسمع فيروز تغني: أعمل إيه وإحنا في غربة والأغراب دول زيي يتامى .. لتعرف يا شيخنا أنك لم تذق الغربة فعلاً .. الغربة نذوقها نحن عندما تتوقف تلك الأحبال الصوتية عن الاهتزاز"

عندما تقرأ له يتسع فضاء التدوين

وهو يكتب بروح من الإصرار والأمل قبل أن يعلنوا رسمياً اندثار الياسمين

تقف معه على "المحطة" وهو عنوان تدوينته التي نشرها في الخامس من سبتمبر أيلول عام ألفين وستة والتي يمزج فيها بين التذوق الموسيقي واللغة الأدبية الجميلة.. فيقول


"تحكي مسرحية الرحباني البديعة عن ( وردة/ فيروز) الفتاة الريفية بسيطة الثياب.. الغريبة كلياً عن القرية
تظهر وردة في البداية لزوجين بسيطين يزرعان البطاطا في حقلهما الواسع
وبعد تعارف بسيط.. تفجر وردة مفاجأة العرض" أنا ناطره الترين"
هكذا وبمنتهى الثقة تعلن الفتاة المجهولة عن انتظارها مرور القطار على القرية
ينظر الزوجان حولهما.. يبحثان عن المحطة
لكن لا شيء
فقط حقول البطاطا
ومناظرالقرية المعتادة
يبتسمان على سبيل المجاملة مرة بعد مرة
ثم لا يلبثان أن يستثقلا ظل النكتة
تدافع وردة بأن عدم وجود المحطة ليس بذنبها وأن إيمانها بقدوم القطار ثابت لا يتزعزع
تدريجياً يقتنع الزوج أن محطة القطار تحمل أملاً في الهجرة إلى مكان أفضل
وأن حياة الضنك على وشك النهاية
تنتشر شائعة القطار في البلدة كلها"

إنه يبعث برسائل خفية بين السطور.. لعلها تجد من يقرأ أو يسمع

ومن قراءة لموضوع المسرحية إلى تذوق رفيع لموسيقى الرحابنة وغناء فيروز.. تجد نفسك محلقاً في عالمٍ أجاد هذا المدون الشاب رسم ملامحه

ولعل تدوينة "هو الكل وأنا العاشق" هي المثال الأفضل لهذه الذائقة الموسيقية التي تعرف كيف تسمع بالعين وترى بالأذن.. على حد تعبير الدكتور ثروت عكاشة

يقول هيثم في تدوينته التي نشرها في الخامس من أكتوبر عام ألفين وخمسة

"يبدأ أحد المنشدين بغناء مقاطع من النات وهي قصيدة من تأليف جلال الدين الرومي .. تعبر عن الحب والتقدير لرسول الله سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام .. أما الموسيقى فهي من تأليف بحورزاده مصطفى ايتري .. الموسيقى مألوفة للغاية و صوفية إلى اللامعقول وإن كانت نغماتها من مقام الراست العربي المعروف للأذن المصرية على وجه الخصوص
خلال قراءة النات.. ينحني الشيخ والعازفون عدة مرات وهم في وضع الجلوس.. عند ذكر الله أو أسمائه كذلك عند ذكر المصطفى أو صفاته"

ومن عطر الموسيقى إلى رائحة المكان: الإسكندرية

إنه يبتعد عادةً عن شاطئ البحر وسحره ويغوص أكثر في هذا البر.. ليكتشف في أحياء وأزقة مدينته ما هو أكثر من كونها "مارية وترابها زعفران".. وهو يختلط بكل حبة رملٍ ويقودك من يدك إلى أحياء لن تسمع عنها إلا إن كنت من أهل عروس الثغر

السبق الذي حققه جار القمر في تغطية وقائع اقتحام كنيسة في الإسكندرية على يد شخصٍ وصفته الدولة بأنه مختل عقلياً.. حجز له مكاناً رفيعاً في مدرسة "صحافة المواطن" التي تسبق آلة الإعلام – خاصةً في بلادنا النائمة في العسل- وأكد تفرد هذا المدون الذي لم يكتف بالمشاهدة وإنما رصد التفاصيل بجرأةٍ ودقة.. وهكذا أصبحت"أخ تالت لينا" التي دونها في الخامس عشر من أبريل عام ألفين وستة ..واحدة من أشهر التدوينات التي اعتمدت عليها وسائل إعلام مصرية وعربية في معرفة أسرار تلك النار التي اشتعلت في شوارع مدينة الإسكندرية

لعلها المصادفة هي التي قادته مثل غيره ذات يوم جمعة إلى أن يكون موجوداً قرب الحدث لحظة وقوعه.. غير أنه تجاوز الآخرين ممن تفرجوا على الأحداث وقدم لنا وصفاً تفصيلياً للمواقف والمشاعر التي اختلطت بالمكان

يقول جار القمر بأسلوبه السلس

"أنهيت الصلاة لأسمع صراخاً وهرجاً صاخباً على امتداد الشارع .. أعبر الميدان نحو البنايتين المتناطحتين .. كنيسة القديسين ومسجد شرق المدينة .. على مدى البصر يتجمهر العشرات وتصرخ عدة نساء .. تتضح الرؤية لاحقاً .. شاب يطعن رجلاً كان ينتظر عائلته أمام الكنيسة بعد قداس الجمعة الأول .. قال كثيرون إنه كان يرتدي فانلة بيضاء مهترئة .. وبنطلوناً رياضياً ويحمل سيفاً بقر به بطن الرجل وهو يصرخ ( لا إله إلا الله ). أتتبع خط الدم من باب الكنيسة حتى عتبات سلم يوصل مباشرة إلى مستشفى مار مرقص التابع لها .. أصاب المعتدي أيضاً شابين حاولا اعتراضه"

وبذكاء مثقف وبراعة جراح ماهر.. ينكأ الكاتب قبل النهاية بقليل الجراح الطازجة في هذه القضية الشائكة فيقول: "هذا بلد ضرب أهله الذل والعنصرية والكره إلى أعمق مما كنت أتصور". إنها لحظة كاشفة يدرك فيها هيثم حجم المأساة التي نعيشها بسبب الفوضى غير الخلاقة التي ركن إليها أهل الحكم في بلادنا

هنا يحتكم جار القمر إلى العقل فيقول بكلماتٍ دالة ومعبرة: "أتفهم طبعا رد فعل الأقباط هنا .. إلا أن مجرماً يدين بديانةٍ لا يعني تجريم كل أصحابها .. لا يفعل هذا في النفوس سوى الذل .. والاضطهاد والنكران والأهم والأكثر تأثيراً: التخوين"


هذه التدوينة ذات الطابع الملحمي التي بدأت بلقاء بين مجموعة من الأصدقاء تنتهي نهاية حادة.. لكنها الحدة المطلوبة حين تبدأ في تشخيص العلة وتحديد سبل العلاج.. ولذا لا أستغرب عندما يخاطب هيثم صديقه المسيحي قائلاً: "ويا مارك .. لا أخوة في هذا البلد .. لا تالت و لا تاني ولا عاشر.. أبداً"

وفي الرابع عشر من يونيو عام ألفين وستة كتب تحت عنوان "خمسة وأربعين" مقالاً بديعاً عما يجري في الإسكندرية عقب اقتحام كنيسة في المدينة وما تلا ذلك من أحداث ذات طابع طائفي. يقول جار القمر في تدوينته المذكورة

"حسبت الفتنة قد نامت غير أن تقديري قد ساء .. بالأمس سمعت عن مناوشات مابعد القداس الذي أقيم للقتيل .. ثم عرفت ليلاً عن مشاجرات دارت في شارع 45 وهو أحد معاقل البلطجة في المدينة وواحد من أكثر مناطق المدينة عشوائية وفقراً .. كنت قد تشبعت تماماً من عنصرية يوم الحادث .. وتشبعت أكثر مما كتب وقيل حوله .. فقررت الاكتفاء بتدوين ما شاهدته .. ومتابعة الموقف من بعيد"

لا يكتفي هذا المدون الأريب بما هو متاح وإنما يحاول باستمرار أن يطأ أرضاً جديدة.. وهو ما حدث على سبيل المثال لا الحصر في تجربته لمراقبة سير الانتخابات في مصر.. لنجده يسجل تفاصيل تلك التجربة اللافتة في تدوينة بعنوان "أهو ده اللي صار" نشرها بتاريخ التاسع من سبتمبر عام ألفين وخمسة يقول في مستهلها

"أولاً: كانت هذه هي سابقتي الأولى في حضور أي انتخابات أو استفتاءات رئاسية أو غير رئاسية سابقة
ثانياً: إنني كمراقب مستقل .. أتيحت لي فرصة أن أمارس مهمتي من داخل لجنة الانتخاب.. والجلوس على رأس كل صندوق وقت الفتح ووقت الإغلاق علاوةً على مراقبة الفرز وإعلان نتائج اللجنة... وهي فرصة نادرة التوافر للغاية.. لارتباطها المباشر بالقاضي ومزاجه وموقفه الشخصي
ثالثاً: أتاحت لي هذه الانتخابات .. وعن قرب, متابعة كل تفاصيل العملية الانتخابية.. وفهم أسرارها وأوجه التلاعب فيها .. فضلاً عن احتكاكي بالعديد من الناخبين المستقلين العاديين للغاية. ومناقشة أفكارهم ودوافعهم لانتخاب هذا المرشح أو ذاك بعيداً عن سفسطة المثقفين والمقاطعين وتحليلات الإنترنت والفضائيات"

ومن يشأ أن يقتفي أثر هذا الجهد الكبير الذي بذله صاحب المدونة أن يرجع إليها كي يرى كيف تمكن من نقل صورة الانتخابات وأعمال البلطجة وشهادات هؤلاء البلطجية إضافة إلى أعضاء جماعة "الإخوان المسلمين" في تلك الانتخابات التي تحولت إلى ساحة قتال

وهو يتحدث "عن الرسوم الدنماركية" المسيئة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في تدوينتين نشرهما بتاريخي السادس.. والعشرين من فبراير عام ألفين وستة يقدم فيهما تحليلاً وافياً – لعلي لا أبالغ إن قلت إنه أفضل تحليل وقعت عليه عيناي حول هذا الموضوع – إذ يستقريء في الجزئين "أصل الحدوتة" و"الفتنة النائمة" بدايات الأزمة والرسوم التي أثارت غضباً واسعاً في الشارع الإسلامي.. ويقدم لنا شخصيات في الأزمة من الجالية المسلمة في الدنمارك..كما يستعرض فقرات من دستور هذا البلد الإسكندنافي.. ويحلل تلك الرسوم واحدةً تلو الأخرى بذكاء وفطنة

وحين تكون القراءة لمدونٍ متعةً.. فإن هذه هي الجائزة الكبرى لكل من المدون والقاريء
وفي حضرة هيثم يحيى تدرك حقيقة أن من يقرأ يمتلك الوعي والحضارة والدنيا بكل مفرداتها وتفاصيل حياتها.. وأن من يهضم الدنيا يملك العقل
وفي هذا يقول محيي الدين بن عربي في كتابه "فصوص الحكم" (ص 223)
ومن ذكر الحقَ فقد جالسً الحقَ وجالسه الحقُ.. فإنه صح في الخبر الإلهي أنه تعالى قال أنا جليسُ من ذكرني"

يا جار القمر: واصل العزف..نحن جميعاً جيرانك

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

12 التعليقات على "المدونون (1): جار القمر.. عطر المكان"

أكتب تعليقا