انهيار رجل الأمن: صلاح نصر نموذجاً

| |




















في هذه الدنيا..الموت علينا حق


وفي الشرق الأوسط يردد بعض الخبثاء: والمخابرات أيضاً


رجل المخابرات يقترن دائماً في أذهان العامة بالقوة والقسوة والدهاء


دعونا نتخيل إذاً ما الذي يمكن أن يحدث عندما يقف رجل الأمن والمخابرات على حافة الانهيار..وفي مواجهة الأزمات الصحية المفاجئة


هناك حلٌ أفضل: دعونا نقرأ عن تلك المواجهة


ولنبدأ الحكاية من البداية



نحن الآن في الأيام التي أعقبت هزيمة يونيو عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين


في قلب تلك الظروف العصيبة التي مرت بها مصر عقب الهزيمة..كان هناك برميل بارود على وشك الانفجار اسمه الخلاف بين الرئيس والمشير


ووسط تصاعد الخلافات بين الرئيس المصري جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر..ولعبة الشد والجذب التي شهدها منزل المشير في شارع الطحاوي في حي الجيزة..كان مدير المخابرات العامة صلاح نصر على موعد مع أزمة صحية مفاجئة

فقد سقط صلاح نصر في مكتبه في صباح الثالث عشر من يوليو حزيران عام ألف وتسعمئة وسبعة وستين مصاباً بجلطة دموية شديدة في الشريان التاجي

هزت تلك الأزمة الصحية صلاح نصر من الأعماق.. لم يكن الرجل -المولود لأسرة ريفية في الثامن من أكتوبر تشرين أول عام ألف وتسعمئة وعشرين في قرية سنتماي بمحافظة الدقهلية- يتوقع أن يداهمه المرض بكل هذه القوة وهو في عرينه: مكتبه الخاص في جهاز المخابرات العامة الذي ساهم بقسط وافر في تأسيسه حتى أصبح رئيساً له في الثالث عشر من مايو عام ألف وتسعمئة وسبعة وخمسين

عشر سنوات كاملة تفصل بين صعوده إلى قمة الجهاز وسطوته وحظوته..وبين أزمة جعلته يرى الموت بعينيه فيصرخ طالباً الغوث والعون

يقول صلاح نصر في الجزء الثالث من مذكراته - وهو الجزء الذي يحمل عنوان "العام الحزين"-: "استيقظت من نومي وقد أحسست بإرهاق وإنهاك غير عادي..وكنت قد حددت موعداً من قبل لمقابلة الفريق صدقي محمود ظهر هذا اليوم بناءً على طلبه. وحينما هممت بمغادرة المنزل شعرت بألم شديد في صدري.. وبأن شيئاً ما يكتم أنفاسي..ولكنني تحاملت على نفسي..وتوجهت إلى المكتب..خشية أن يظن الفريق صدقي محمود "قائد القوات الجوية" أنني أتهرب منه بعد أن أحيل إلى التقاعد

"وخف الألم قليلاً.. واستقبلت صدقي محمود في مكتبي الساعة الثانية عشرة ظهراً..وما إن جلسنا حتى قال لي: "لقد علمت بالأمس أن الشرطة العسكرية ستقبض عليَ اليوم..ولذا آثرت بل فضلت أن أجيء إليك وأقدم نفسي بدلاً من محاصرتي في المنزل بالشرطة العسكرية..إن حقيبة ملابسي في عربتي الواقفة أسفل المبنى"

قلت له:" أنت تعلم أنني لست مختصاً بهذا العمل..كما أن الشرطة العسكرية لا علاقة لي بها وتتبع قائد عام القوات المسلحة..ولكنني علمت بهذا الأمر أمس من الفريق محمد فوزي"

"ونصحت الفريق أول صدقي محمود أن يعود إلى منزله وينتظر به حتى يحضر له من سيقوم باعتقاله. كان صدقي محمود يحس بالمرارة والألم وهو يسر لي مكنون نفسه بقوله: "أبعد هذا العمر الطويل وبعد هذه الخدمة الطويلة التي أفنيت فيها عمري للثورة أعامل مثل هذه المعاملة غير الكريمة؟ إنني على استعداد لأن أحاكم ولكن ما أطلبه هو محاكمة عادلة"

"وفي أثناء حديثنا داهمتني أزمة قلبية شديدة..إذ أحسست فجأةً بأن شيئاً يشق صدري وتصبب من جسدي عرق غزير..وأخذت أتحامل على نفسي محاولاً ألا يشعر صدقي محمود بحالتي..فقد تأول في هذه الظروف أنها ملل أو ضيق من حديثه. ولكن صدقي محمود شعر بأنني أعاني ألماً..فسألني عما ألمَ بي..فقلت له إنني أحس بألم شديد في صدري. واستأذن صدقي محمود..وطلب مني أن أعود لمنزلي لأنال قسطاً من الراحة..فقد تكون هذه الآلام نتيجة إرهاق متواصل











"ولكن ما إن غادر الفريق صدقي محمود مكتبي..حتى ازدادت شدة الآلام في صدري..وأحسست أن أنفاسي تكاد تكتم قلبي..فاستدعيت أحد أطباء المخابرات الذي سرعان ما حضر وأجرى فحصه الطبي. وإذا بي أرى في جهه قلقاً ملحوظاً..فسرته تواً على أنني أعاني أزمة صحية خطيرة. وطلب مني الطبيب وهو الدكتور عبد المعطي القيعي أن أرقد على سريري الذي كان موجوداً بالمكتب منذ نشوب أزمة الشرق الأوسط في منتصف مايو..وألا أبذل أي جهد..وتركني ليعود بعد بضع دقائق وفي يده حقنة سرعان ما غرسها في جسدي..وكان يسير خلفه ممرض يحمل أنبوبة أكسجين للتنفس

"وما هي إلا دقائق..حتى أحسست بأن الألم بدأ يزول قليلاً..ولكن سرعان ما عاودني..فوضعوا كمامة الأكسجين على وجهي..ولكن الآلام ازدادت حدة..وإذا بي أرى شبح الموت أمامي..كنت أشعر كأن روحي تريد أن تنطلق من جسدي..وكأن شيئاً يصارع لفصل جزء مني. وما هي إلا نصف الساعة أو أقل حتى رأيت حولي مجموعة من كبار الأطباء كنت أعرفهم جميعاً من الأساتذة: الدكتور منصور فايز ..والدكتور رفاعي كامل..والدكتور ناصح أمين..وانضم إليهم من أطباء المخابرات الدكتوران عبد المعطي القيعي..وإبراهيم شعراوي

"وعلى الرغم من أن هؤلاء جميعاً حاولوا أن يخففوا عني وطأة المرض..فقد أحسست بأن مرضي يتعلق بالقلب..وأحسست أنني في طريقي إلى رحلة بعيدة لا عودة منها

"كان أول شيء قلته لمن حولي: "هاتولي جمال عبد الناصر..إنني أريد أن أقول له أشياء كثيرة"

في تلك اللحظات المتوترة لم يفكر صلاح نصر -كما يقول- "في أولادي ولا في زوجتي ولا في أسرتي ولا في أي أحد آخر سوى مصر..وطلب مني الأطباء أن أهدأ..فالمسألة من وجهة نظرهم بسيطة..وسرعان ما غرسوا في جسدي عدداً من الحقن لم أستطع بعدئذٍ أن أعي ما يدور..كل ما أذكره أنني ذهبت في سباتٍ عميقٍ ولم أفق من نومي إلا في العاشرة مساءً.. وإذا بي أجد الأطباء بجواري.. وكنت حسبت أنهم ذهبوا إلى عياداتهم وعادوا إليَ.. ولكنني اكتشفت أنهم لم ينصرفوا منذ سقطت في المكتب وقت الظهيرة

"وجدت نفسي قد نقلت إلى غرفة ملحقة بمكتبي..أعدت كأنها حجرة في مستشفى. لقد قرر الأطباء خطورة نقلي إلى المستشفى. مكثت راقداً في الغرفة الملحقة بمكتبي لمدة ستة أسابيع..هدتني الحقن..كنت وكأنني في غيبوبة صاحية..ومنع الأطباء الزيارة عني وأصدروا تعليمات بأن أرقد على ظهري بلا حراك"

هذا هو صلاح نصر على فراش المرض.. وهذه فترات عصيبة من حياة الرجل القوي قبل أن الذي حوكم وأدين أمام محكمة الثورة وتم عزله من منصبه وتجريده من رتبته العسكرية إلى جانب عشر سنوات محكومية في السجن الحربي.. أفرج عنه بعدها الرئيس أنور السادات لتردي حالته الصحية إلى أن رحل عن دنيانا في عام ألف وتسعمئة واثنين وثمانين بعد معاناة طويلة مع المرض

انهيار رجل الأمن في أوضح صوره..قلق يمتزج بهاجس الخوف من الموت..لتذوب مهابة الرجل الكبير ويبقى الإنسان الواهن المريض الذي يرقد في فراشه محاصراً بالأطباء المعالجين والأدوية والعقاقير..لا يملك الرجل القوي ساعتها سوى أن يتأمل لحظات ضعفه ويستجدي الأمل في شفائه بالدعاء أو سؤال الأطباء عن حالته

دعونا نتذكر أن هذا هو الرجل نفسه الذي كتب رسالة إلى زوجته يوم السبت الموافق العشرين من يناير كانون ثانٍ من عام ألف وتسعمئة وثمانية وستين يقول فيها: "هناك من تغريهم الحياة.. فالوسادة الناعمة تغري الكثيرين على أن يفقدوا مبادئهم لينعموا ويتمرغوا.. ولكن حينما تبلى الوسادة يصبحون لا شيء.. ما أجمل أن تعرف النفس حقيقتها قبل أن تحاسب الآخرين"


تغيب صورة القوة..ويحل مكانها الضعف..وهنا يقفز التوتر الذي يرافق لحظة الانهيار.. هذا التوتر الذي يؤثر بشدة -ولفترات تتجاوز مدة المرض- على مواقف وقرارات الزعماء وكبار المسؤولين

والمصيبة أن الانهيار قد يأتي في لحظات حاسمة من حياة الأمة – هزيمة يونيو حزيران على سبيل المثال- وهنا تكون المأساة أشد وقعاً وأكثر درامية

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

11 التعليقات على "انهيار رجل الأمن: صلاح نصر نموذجاً"

أكتب تعليقا