انهيار الزعماء: عرق السادات.. ودم عبد الناصر

| |



















المحظورات العربية كثيرة.. لكن أخطرها في عالم السياسة هو: صحة الحاكم

إذ يستميت الزعماء العرب ويعملون جاهدين على إخفاء حالتهم الصحية عن الرأي العام.. ويرون أنه من العيب أن يعلم العامة بمثل هذا المرض بوصفه من مؤشرات العجز التي لا تليق بصفات القائد الذي لا بد أن يكون قوياً مهاباً معافىً على الدوام..كأنه فوق مستوى وقدرة البشر

وفي أحد أيام يناير كانون ثانٍ من عام ألفين واثنين.. نشرت جريدة "الأخبار" المصرية التي كان رئيس تحريرها آنذاك جلال دويدار أن قائد الثورة الليبية العقيد معمر القذافي كاد يصاب ذات مرةٍ بانهيار عصبي.. لولا أن الرئيس المصري أنور السادات أنقذه من ذلك

ومن الواضح أن عملية "الإنقاذ" هذه تمت قبل أن تسوء العلاقة وتتوتر بين الزعيمين في النصف الثاني من عقد السبعينيات
على أن السادات نفسه كان – حسبما يقول خصومه السياسيون- من أشهر الذين أصيبوا بالانهيار و"الإغماء السياسي"..مثلما جرى في جنازة الرئيس جمال عبد الناصر..حينما فقد الوعي وتعلل بظروفه الصحية وتأثره برحيل عبد الناصر ليغيب عن مراسم التشييع.. وهو ما توقف عنده كثير من الكتاب والسياسيين.. ومن بينهم فلاديمير فينوغرادوف السفير السوفييتي في القاهرة - خلال تلك الفترة- الذي أشار في مذكراته إلى الحكاية بشيء من الغمز واللمز في قناة السادات الذي طرد الخبراء السوفييت من مصر بعد ذلك بفترة قصيرة

ولقد نشر الكاتب الصحفي أنيس منصور في مجلة "أكتوبر" بتاريخ السابع والعشرين من ديسمبر كانون ثانٍ عام ألف وتسعمئة وواحد وثمانين مقالاً تضمن حواراً دار بينه وبين السادات نقتطف منه ما يلي:

"سألت الرئيس السادات: وهل صحيح ما يقال من أنك في جنازة الرئيس عبد الناصر تظاهرت بأزمة قلبية..ولم تكن هناك أزمة..إنما كان لديك معلومات مؤكدة عن محاولة لاغتيالك قد دبرت أثناء الجنازة ؟ فضحك الرئيس السادات قائلاً : يا باي.. إن أحداً لا يصدق أحداً.. أعوذ بالله"

ولم يثبت السادات الواقعة أو ينفيها.. مما يفتح باب الشك.. ويعزز رأي من قالوا إنها صحيحة

ويقول أنيس منصور في المقال المذكور:

"وسألته إن كان صحيحاً أن جمال عبدالناصر قال: إنك سوف تدفن جميع أعضاء مجلس قيادة الثورة لأنك مهتم بصحتك ولا تقلق خاطرك بكل مشاكل مصر

وضحك السادات وقال: أعرف أنه قال ذلك ولكن الأعمار بيد الله

وقد سألت الرئيس السادات إن كان صحيحاً أن جمال عبدالناصر قد شكا من أنه لا يحضر الاجتماعات ولا يشارك في المواقف الحرجة.. وأنه في كل مرة يستدعيه لحضور الاجتماعات يعلن أنه مريض أو يتمارض.. فأكد لي أن ذلك صحيح..وأن السبب هو أن هذه الثورة هي ثورة جمال عبدالناصر وأن كل من يحاول أن يرفع رأسه فسوف يطيح به ولذلك قررت أن أبتعد"

كذلك فإن التاريخ الطبي للسادات يشير إلى أنه أصيب بانهيار عصبي في أكثر من موقف وأزمة.. خاصةً أنه كان يفقد أعصابه حين يواجه أحدهم ويتحداه على الملأ..فيتصبب وجهه عرقاً ويتلعثم وترتفع حدة صوته..قبل أن تصيبه الآلام المصاحبة لهذا الانهيار العصبي

ويقول سامي شرف سكرتير الرئيس جمال عبد الناصر للمعلومات ووزير شؤون رئاسة الجمهورية سابقاً إن "عبدالناصر قال للسادات في أحد الأيام: "يا أخي أنت حتقعد عليَ عبء لغاية إمتى؟ كفاية بقى"..وكان ذلك عقب حصول السادات على مبلغ أربعمئة جنيه من إذاعة صوت العرب في مقابل أحاديث.. وبعد ذلك تسلمه شيكاً بمبلغ عشرة آلاف جنيه تبرعاً للمؤتمر الإسلامي من أحد مشايخ الخليج عام ألف وتسعمئة وخمسة وستين ولم يثبت في حسابات المؤتمر الإسلامي.. وتولى المشير عبدالحكيم عامر التحقيق في هذا الموضوع ولم ينهه.. وقد ترتب على هذه القصة أن كان السادات في رأس البر في ذلك الوقت.. فادعى أنه مصاب بأزمة قلبية ونقل إلى القاهرة في سيارة إسعاف خاصة"

نأتي إلى جمال عبد الناصر

تشير بعض الروايات إلى أن الدكتور أنور المفتي كان يردد في مجالسه الخاصة أن الرئيس عبد الناصر مصاب بالبارانويا وأنه أصبح غير مؤهل للحكم لأن مرض السكر في الدم يمكن أن يؤثر على توازن التفكير. وفي كتاب صدر تحت عنوان "التاريخ يصنعه هؤلاء" لزهيرة البيلي.. نقرأ في (ص 14): " وأخيراً استشار (عبد الناصر) أنور المفتي الذي لم يستمر في علاجه طويلاً. قال أنور المفتي: إن عبد الناصر مريض منذ فترة بمرض السكر دون أن يعرف.. وإن المرض قد وصل إلى مرحلة خطيرة. وكان معنى هذه الأعراض أن التهاباً شريانياً ينمو ويزداد في الأعضاء كلها. وقال الطبيب إن هذه الأعراض ستؤثر على قواه العقلية"

ويقول الكتاب: إن الدكتور أنور المفتي دفع ضريبة صراحته.. فقد نفذ صلاح نصر – مدير المخابرات العامة- الأوامر بقتل هذا الطبيب بالسم

والحكاية في مجملها كانت محل أخذ ورد من جانب كثيرين.. وقد رفضها عدد كبير من الكتاب.. ومن بينهم جمال سليم في كتابه "كيف قتلوا عبد الناصر؟" غير أن ما يهمنا في هذا المقام هو الحديث عن مرض عبد الناصر الذي بدا البعض مقتنعاً بأنه أدى إلى تدهور صحته وانهياره

ونشير هنا إلى ما ذكره الدكتور الصاوي حبيب طبيب الرئيس عبد الناصر من أنه في وقت من الأوقات ظهر عند عبد الناصر "الأسيتون".. وهو من مضاعفات مرض السكر..فعندما يجد الجسم مادة نشوية أو كربوهيدراتية يحرقها كي يحصل على الطاقة نتيجة فقد الغلوكوز في البول يحتاج الجسم إلى طاقة فيأخذها من الدهن..وناتج حرق الدهن للحصول على طاقة هو الأسيتون..وهذا لا يحدث إلا عندما يزيد السكر جداً ويقل الأنسولين ويصبح الجسم في حاجة إلى طاقةٍ من مصدر غير نشوي

فالأسيتون هنا مادة سمية لأنها مادة كيميائية حمضية دهنية..وهي مؤشر على أن السكر قد انطلق في الجسم ولا سيطرة عليه. وهذا يعني الكثير من الاضطراب المرضي لدى الشخص المصاب به..وخاصةً في حالة جمال عبد الناصر الذي يرى الكاتب محمود السعدني أنه توفي متأثراً بإصابته بالسكر البرونزي..أي مرض السكر الذي يجعل لون الجسم مثل البرونز

ورجل مثل عبد الناصر عاصر فترات عصيبة من تاريخنا السياسي والعسكري..كان طبيعياً أن تحاصره الأمراض..حتى إن الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل يذكر في حواره المطول مع فؤاد مطر الذي تضمنه كتاب "بصراحة عن عبد الناصر" (ص 200) أن الرئيس شعر في يوم 11-9-1969 بإرهاق شديد مصحوب بنوع من الدوار..ودعا طبيبه الخاص الدكتور الصاوي حبيب الذي اكتشف إصابته بانسداد في فرع الشريان الأمامي للقلب

والشيء المؤكد أن انهيار عبد الناصر الأخير في مطار القاهرة الدولي بعد ظهر يوم الثامن والعشرين من سبتمبر أيلول عام ألف وتسعمئة وسبعين..وتوابع هذا الانهيار في منزله وغرفة نومه بمنشية البكري حتى الساعة السادسة والربع مساءً..فتحت الباب أمام تساؤلات مازالت معلقةً حتى يومنا هذا..على الأقل بالنسبة لمن يشعرون بأن هناك إجابات غير مكتملة حول ظروف المرض الأخير للرئيس عبد الناصر
وإذا كانت الطوابق العليا للقيادة والزعامة قد انهارت يوماً ما.. فإن الطوابق السفلى لم تنج بدورها من هذا السيناريو الكئيب: الانهيار

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

6 التعليقات على "انهيار الزعماء: عرق السادات.. ودم عبد الناصر"

أكتب تعليقا