اعتذارات مدفوعة الأجر

| |




يبدو أنه موسم الاعتذارات مدفوعة الأجر

وفي عين العاصفة.. يكون الإعلان أهون الشرين

فالنائب المصري طلعت السادات وجد نفسه في مأزق بعد أن ظن الليث مبتسماً.. فإذا بها أنيابه تهدده وتتوعده بالويل والثبور وعظائم الأمور

ولأن طلعت السادات استشعر حجم الخطر بعد تسارع وتيرة الأحداث ضده من رفع الحصانة البرلمانية عنه في يوم عطلة رسمية بناءً على طلب المدعي العام العسكري لاتهامه بترويج شائعات كاذبة وإهانة القوات المسلحة.. إلى مثوله أمام التحقيق فيما هو منسوب إليه.. فقد ارتأى الرجل – وربما تلقى نصيحة من هذا الطرف أو ذاك- بأن يدفع عن نفسه عقوبة السجن بالتراجع عن تصريحاته السابقة التي قال فيها إن عمه الرئيس الراحل أنور السادات اغتيل في حادث المنصة قبل خمسة وعشرين عاماً نتيجة مؤامرة شارك فيها حرسه الخاص وبعض قادة القوات المسلحة

وهكذا كان الإعلان هو الحل

فقد نشرت صحيفة "الأهرام" في عدد العاشر من أكتوبر تشرين أول.. على كامل صفحتها الأخيرة إعلاناً بدايته: بسم الله الرحمن الرحيم.. "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" صدق الله العظيم. وتحته صورة لطلعت السادات وبجوارها صورة أكبر للمشير محمد حسين طنطاوي وزير الدفاع وبجوارهما صورة أكبر للرئيس المصري حسني مبارك

ونص الإعلان هو: "بيان واضح.. إن ما ذكره السيد النائب طلعت السادات في بعض البرامج الإعلامية التي تحتفل بذكرى حرب أكتوبر وذكرى الشهيد الزعيم محمد أنور السادات تندرج تحت أحاديث الذكريات واسترجاع أيام مجد وفخار أكتوبر 73 وأيام حزن وآلام أكتوبر 81 تلك الأحاديث والذكريات التي لم يقصد بها إساءة لأي من رموز القوات المسلحة وأبطالها وقادتها والتقليل من دورهم وقيمتهم في الحرب والسلام.. فهم باقون بعزة وكبرياء ما بقيت مصر. عن عائلة السادات.. أشقاء الزعيم الراحل والشهيد طيار عاطف السادات وأسرهم. 1 ـ لواء عفت السادات 2 ـ الصحافية سكينة السادات 3 ـ مهندس زين السادات 4 ـ الحاجة نفيسة السادات 5 ـ عزة السادات 6 ـ هدى الساداتسهير السادات 8 ـ زينب الساداتعائشة السادات 10 ـ أسرة المرحوم طلعت السادات 11 ـ المرحوم عصمت السادات.. وأهالي وشباب وأبناء قرى دائرة تلا محافظة المنوفية"

ويشير الإعلان وفق الصيغة التي نشر بها إلى أن نسبة لا يستهان بها من عائلة الرئيس الراحل أنور السادات -باستثناء زوجته جيهان السادات وأبنائها- تساند طلعت.. ومن باب الحشد الإعلامي أراد الإعلان أن يتكيء على عصا القاعدة الشعبية في دائرة طلعت السادات الانتخابية.. والهدف المباشر هو نفي تهمة إهانة القوات المسلحة عن النائب المذكور

وفي اليوم نفسه كانت الصفحة الأخيرة من جريدة "الأخبار" محجوزة بالكامل لإعلان آخر يتشابه في الصور: صورة طلعت السادات في برواز..يجاورها صورة المشير حسين طنطاوي القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي في برواز أكبر حجماً... ثم صورة عملاقة للرئيس المصري حسني مبارك تكاد تلتهم الخلفية


أما النص فقد كان مختلفاً بعض الشيء وإن كان الهدف واحداً.. إذ تتصدر الإعلان الآية الكريمة:

بسم الله الرحمن الرحيم.."وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" صدق الله العظيم

ثم يأتي الدور على قلب الموضوع بعنوان "إيضاح".. لنقرأ ما نصه: بالإشارة إلى ما نسب إلينا من إساءة إلى القوات المسلحة و بعض قادتها..نتشرف بإيضاح الآتي: إنني بصفتي وشخصي أكن كل التقدير والاحترام لقواتنا المسلحة الباسلة وقادتها ورجالها الشرفاء وقائدها العام في ظل القيادة الحكيمة والرشيدة لقائدها الأعلى السيد الرئيس محمد حسني مبارك.. طلعت السادات..المحامي بالنقض..عضو مجلس الشعب"



ويبدو أن طلعت - الذي انتهى به الأمر محبوساً بعد صدور حكم قضائي عسكري بسجنه لمدة سنة مع الشغل- وجد نفسه يحارب على أكثر من جبهة ساخنة.. ومن بينها جبهة الحرب الكلامية التي شنها عليه جمال السادات وقال فيها إن "طلعت "يلطخ" التاريخ و"يمرمط" اسم العائلة"..وذلك رداً على اتهام الأخير له بالحصول على صفقة بمليار جنيه في شبكة المحمول الثالثة ثمناً لسكوته.. إضافة إلى ما قامت به رقية السادات التي تقدمت ببلاغين ضد ابن عمها..الأول قدمته إلى الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب والثاني إلى النائب العام.. للتحقيق في وقائع سب وقذف طلعت لها أمام الرأي العام

وإذا كانت نبرة الهجوم على ابن شقيق السادات قد تراجعت حدتها تدريجياً في الصحف والمجلات الحكومية..فإن جريدة "الغد" التي يصدرها حزب الغد مجموعة أيمن نور قد انبرت للدفاع عن طلعت السادات.. إذ كتب أيمن من محبسه متسائلاً عن الدور الذي لعبه المقدم ممدوح أبو جبل في توفير إبر ضرب النار لأسلحة منفذي عملية اغتيال السادات..ويضرب على وتر حساس يعرفه المتابعون للموضوع فيقول: "فلماذا إذن خرج أبو جبل من القضية وأين اختفى بعدها وأين هو الآن؟ لدي إجابات لكن سأكتفي الآن بطرح هذه الأسئلة المشروعة آملاً أن يجيب غيري ممن لديهم العديد من الحقائق وما زالوا للأسف صامتين"






على أن "الغد" اضطرت بدورها إلى الاعتذار في إعلان آخر

ففي عدد اليوم الجمعة الموافق الثالث عشر من أكتوبر تشرين أول لفت انتباهي في الصفحة الثالثة من جريدة "الأهرام" إعلان صغير يقول ما نصه: " قيادات وأعضاء حزب الغد يتقدمون بالاعتذار عن عنوان البحث المنشور بملحق الغد الصادر في 4-10-2006.. يعلن المجلس الرئاسي لحزب الغد عن اعتذاره عن البحث الذي نُشر بملحق جريدة الحزب الصادرة في 4-10-2006 حيث اتخذ قراره بإحالة هيئة التحرير المسؤولة عن هذا العدد للتحقيق مع تشكيل مجلس إدارة جديد للجريدة. ويؤكد المجلس الرئاسي أن أعضاء وقيادات حزب الغد من كافة المحافظات يعلنون شديد استيائهم من عنوان ذلك البحث وهو خطأ غير مقصود لايتفق مع الاحترام الواجب تجاه الصحابة الأجلاء وتجاه أم المؤمنين السيدة عائشة زوجة الرسول (صلى الله عليه وسلم)"

ويبدو أن الملحق الديني للعدد المذكور قد أثار غضب كثيرين ووجده آخرون فرصة لتصفية حساب مع "الغد" وأيمن نور.. إذ اختار هذا الملحق الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان وأم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر ضمن قائمة "أسوأ عشر شخصيات في الإسلام".. وقال عن عثمان إنه عندما تولى الخلافة "كان قد كبر سنه وتحكم أقاربه في إدارة الدولة وأبعد أصحاب الرسول من ذوي الرأي عنه وولى أقاربه حكم الولايات الإسلامية وحجب أموال بيت المال وادعى سيطرته المطلقة على كيفية التصرف بها..لم تكن هذه التصرفات تتم وفق وعده باتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم"

أما عائشة بنت أبي بكر فنقرأ في الملحق الديني الذي أثار الأزمة أن أم المؤمنين كانت سبباً في مقتل عشرين ألف مسلم في واقعة "الجمل" التي تقابل فيها جيشا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين والذين نقضوا بيعته طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والسيدة عائشة.. وكانوا يطالبون بالقصاص لدم عثمان بن عفان الخليفة المقتول

ويقول كاتب النص: " كانت أم المؤمنين من أشد منتقدي عثمان بن عفان والمحرضين على قتله وفتحت بابها لتسخين وتأليب المسلمين عليه".. ولكنه يعزو تغير موقفها إلى أنها "تلقت صدمة عنيفة عندما بايع المسلمون علياً بن أبي طالب كخليفة..والذي كانت تكرهه بشدة بسبب نصيحته للرسول بتطليق عائشة عندما شاوره الرسول فيما يفعل أثناء حادثة الإفك التي تناولتها ألسنة بعض المنافقين بالسوء"

ولا ينسى القائمون على الملحق أن يكون ختامه..حكماً عاماً على الصحابة

إذ نقرأ في نهاية الملحق" كل صحابة رسول الله انغمسوا في الفتنة التي بدأت بمقتل عثمان بن عفان وانتهت بمقتل الإمام علي بن أبي طالب وامتدت آثارها حتى قتل المؤمنون برسالة محمد حفيده الوحيد. كلهم كانوا – غفر الله لهم- واعين تماماً بما فعلوه حقاً كان أم باطلاً"

ولا أدري لماذا نسي كاتب الملحق أن الحسن بن علي هو أيضاً حفيد الرسول -وشقيق الحسين بن علي- وقد مات مسموماً في عهد معاوية بن أبي سفيان

كرة الثلج أخذت تكبر في هذه الأزمة حين قدم وفد من مجمع البحوث الإسلامية - برئاسة شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي بنفسه- بلاغاً للنائب العام المستشار عبد المجيد محمود ضد جريدة "الغد". اعتبر البلاغ أن "ما نشرته الجريدة يمثل ارتكاباً لجريمة ازدراء الأديان ..حيث تناول الملحق تجريحاً للصحابة والسيدة عائشة أم المؤمنين".. ولا داعي لأن تعجب لأمر شيخ الأزهر الذي يغضب هذه الغضبة لعائشة وعثمان في حين يتذكر الناس موقفه من قضية الرسوم المسيئة للرسول الكريم حين قال بمنطق واهٍ إنه لا تصح الإساءة إلى رسول الله لأنه "رجل ميت"




وكان طبيعياً أن أجد في النصف الثاني من الصفحة الأولى لجريدة "الغد" في عددها الجديد الصادر بتاريخ الحادي عشر من أكتوبر تشرين أول مقالاً لرئيس الحزب السفير ناجي الغطريفي يحمل عنوان "بأبي وأمي يا صحابة رسول الله البررة". يبدأ الغطريفي مقاله بالقول إنه "غير معقول أن تتجاهل جريدة تعبر عن حزب وليد يحترم الرسالات السماوية والعقائد الوضعية مشاعر المواطنين ومنهم أبناء هذا الحزب تجاه رموز شب على احترامهاوالتبرك بآثارها ومآثرها والاقتداء بسيرة أصحابها في صدق إيمانهم بعقيدتهم وتمسكهم بما بشرت به من قيمٍ.. مهما بلغ الطموح المهني للقائمين على هذه الجريدة أو حرصهم على تغيير أنماط فكرية تعطل مسيرة تقدم المجتمع وتعرقل جهود الإصلاح وترسيخ القناعة بضرورته"

غير أن الغطريفي يتنقل في مقاله بين الاعتذار والتبرير.. فمن جهةٍ نجده يقتبس فقرات من كتاب الدكتور طه حسين "الفتنة الكبرى".. ويقرر أنه "يمكن القول إن زمن الرسول والخليفتين الأولين كان حقبة في ذاته تحتلف عما تلاها".. ويضيف قائلاً:" لقد شق على عثمان اتباع نهج عمر (بن الخطاب) الذي كان يأخذ نفسه بكل الشدة ولا تأخذه في العدل أو المساوة لومة لائم.. وكان عثمان يدرك ذلك حتى قال للائميه من فوق منبر النبي:"لقد وطئكم ابن الخطاب برجله..وضربكم بيده..وقمعكم بلسانه فخفتموه ورضيتم منه بما لا ترضون مني"

ويخلص الغطريفي إلى القول "ولذا فإن الحزب سيعيد تشكيل مجلس إدارة الجريدة على النحو الذي يحفظ لها ثقة القاريء فيها"..ويذيل المقال بجملةٍ دالةٍ مكتوبة بحروف كبيرة تقول: "اجتماع هام للهيئة العليا لحزب الغد السبت القادم في التاسعة مساء بمقر الحزب بميدان طلعت حرب"

ومع أن اسم رئيس التحرير الجديد أحمد فكري قد ظهر على "الترويسة" في الصفحة الأولى للعدد الأخير بجوار اسم أيمن نور "رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير"..في حين لم يكن الاسم موجوداً في العدد محل الأزمة..فإن التساؤلات تظل قائمة بشان مصير أحمد فكري في "الغد" التي "استهلكت" عدداً لا بأس به من رؤساء التحرير خلال فترة وجيزة

وإذا كانت معظم إعلانات السياسة اعتذاريات فإن إعلانات الفن وأهله تحمل عادةً صفة التبرؤ وتطييب الخواطر

ولكن هذه قصة أخرى تستحق أن نحكيها بالتفصيل

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

15 التعليقات على "اعتذارات مدفوعة الأجر"

أكتب تعليقا