أحداث أسيوط: لم ينجح أحد

| |



ولم يعلم أحد المسؤولين البارزين في أسيوط بالأحداث إلا بعد وقوعها باثنتي عشرة ساعة.. أي أنه علم في الساعة السادسة مساء. وقد ذكرت المحكمة التي حاكمته في حيثيات الحكم أن أجهزة الدولة للمعلومات والتحريات لم تكن تعلم شيئاً عما حدث.. وأن القصور واضح وصارخ في عدم حصولها على المعلومات

فؤاد علام أخطر لواء أمن دولة يروي: السادات المباحث والإخوان– كرم جبر




في الثامن من أكتوبر عام ألف وتسعمئة وواحد وثمانين خرج وزير الداخلية المصري النبوي إسماعيل من صلاة العيد وتوجه إلى مكتبه في الوزارة بصحبة وزير الإسكان حسب الله الكفراوي.. وبينما كانا يتبادلان أطراف الحديث دخل عليهما مساعد الوزير لمباحث أمن الدولة منزعجاً وأخبر النبوي إسماعيل بأن أفراداً من التنظيم اقتحموا مديرية الأمن بأسيوط وقتلوا عدداً من الضباط. فرد عليه وزير الداخلية قائلاً:" لا تنزعج..يبقى كده دخلوا المصيدة برجلهم بدلاً من تعقبهم في الجبال والمغارات"





يقول النبوي إنه اتصل هاتفياً بمدير أمن أسيوط وكلفه تصفية الموقف كما كلف اللواء زكي بدر -وكان آنذاك مساعداً للوزير لشؤون المنطقة الوسطى في المنيا- بالانتقال إلى أسيوط للإشراف على الموقف. وفي الساعة الثانية بعد ظهر ذلك اليوم كلف وزير الداخلية مساعده اللواء حسن أبو باشا بالانتقال إلى أسيوط بطائرة نقل خاصة ومعه معدات ومجموعة من الفرق الخاصة عالية التدريب للإشراف على الوضع في المحافظة وإعادته إلى طبيعته. توجه أبو باشا إلى مطار ألماظة حيث استقل الطائرة ومعه مدير التفتيش اللواء عبد الله جمال الدين ومدير الأمن العام اللواء عبد الله كوهية إضافة إلى العميد أحمد شعراوي مدير مكتب أبو باشا في الأمن العام

وصل أبو باشا إلى أسيوط في الساعة الخامسة بعد الظهر واتضح له أن الوضع متأزم للغاية حيث كان صوت إطلاق الرصاص يسمع في كل مكان. وفي مديرية الأمن اكتشف حالة الانزعاج التي عليها القيادات والضباط بعد احتلال المديرية وحوادث القتل التي تعرض لها الجنود..ووجد على رأس القيادات هناك زكي بدر


وقبل الاجتماع مع قيادات المديرية سأل أبو باشا عن وجود خطة لحراسة مديرية الأمن في ضوء الهجوم الذي وقع عليه ففوجيء بأنه لم توضع خطة.. فطلب إعداد أكمنة سريعة ووضع خطة لتأمين المديرية باعتبارها مقر قيادة الشرطة.. وعقد اجتماعاً سريعاً تبين له خلاله وجود موقعين لتنظيم الجهاد يواصلان تبادل إطلاق النار مع الشرطة..فضلاً عن سرقة كميات من الأسلحة من جهاز الشرطة.. وعلم أن الخسائر البشرية حتى تلك اللحظة تجاوزت مئة وستة قتلى بين ضابط وجندي وحوالي مئة وخمسين جريحاً

الصورة كانت في نظر كثيرين –ومن بينهم عدد من القيادات الأمنية- أسوأ من ذلك بكثير.. حتى إن اللواء فؤاد علام وكيل جهاز مباحث أمن الدولة سابقاً يقول إنه بعد اغتيال السادات "حدثت محاولة احتلال مديرية أمن أسيوط وتم قتل مجموعة من العاملين فيها.. وكان مسؤول أمن الدولة في أسيوط في هذا الوقت ممدوح كدواني الذي أصبح محافظاً لسوهاج.. واتصل بي واستنجد بي - وكنت في بيتي بلا عمل- لأنهم كانوا يحاصرونه.. وبين الحين والآخر يهجمون عليه ليقتلوه.. وهو يستنجد بالمسؤولين ولا أحد ينقذه.. فاتصل بي وحاولت أن أكلم كل المسؤولين والجهاز وخارج الجهاز لدرجة أنني اتصلت بحسن أبوباشا وكان في هذا الوقت مساعد الوزير للأمن العام"

ويشدد اللواء علام على وجود ترهل كامل في الأداء الأمني علي كل المستويات خلال تلك الفترة.. ويضيف أن ما علمه بعد ذلك أن أبو باشا اتصل بوزير الدفاع محمد عبدالحليم أبوغزالة وتدخلت القوات المسلحة في أسيوط وتمكنت من احتواء الأزمة.. وقد أكد الكدواني –ابن أسيوط - في أحاديث صحفية وتلفزيونية أنه واجه موقفاُ عصيباً ولحظات حرجة خلال تلك الأحداث.. وكان أيامها مفتشاً لمباحث أمن الدولة في أسيوط

بدأت الداخلية المصرية تشعر بالفزع والخوف من تكرار سيناريو أحداث أسيوط في محافظات أخرى.. ولذا سارعت إلى استخدام القوة لإجهاض الهجوم على قوات الأمن في المحافظة.. وعندما احتمى عناصر الجهاد بمنازل مهجورة وتبادلوا إطلاق النار مع رجال الشرطة.. أمر أبو باشا باستخدام سلاح الآر بي جي في قصف تلك المنازل

وفي اليوم التالي اتصل أبو باشا هاتفياً من أسيوط بوزير الداخلية وقال له إن أفراد القوة متأثرون لمقتل زملائهم.. فرد عليه النبوي بالقول إنه سوف يكون عنده فوراً في أسيوط

انتقل النبوي إسماعيل إلى أسيوط على متن طائرة.. واتجه من المطار مباشرةً إلى معسكر الأمن المركزي حيث كان هناك حشد كبير من الجنود.. فاجتمع بهم وألقى فيهم كلمة حاول خلالها استنفار مشاعر الحماس والجدية والتضحية في نفوسهم. كما عقد اجتماعاً مع الضباط بمبنى مديرية الأمن وطلب منهم المواجهة بجدية لتصفية ما تبقى من جيوب..مع التزام الحذر حتى لا تقع خسائر بين القوات نتيجة الاندفاع غير المحسوب. وأصدر النبوي قرارات بصرف حوافز فورية سخية لأصحاب الجهود البارزة في التصدي لعناصر تنظيم الجهاد في المواجهات الأولى قبل وصول التعزيزات إليهم

وفي محاولة لرفع المعنويات.. زار وزير الداخلية المصابين من رجال الشرطة في المستشفيات بالرغم من تحذيرات المحافظ محمد عثمان إسماعيل -الذي تشير إليه الأصابع بتشكيل وتشجيع الجماعات الإسلامية في الجامعات بإيعاز من الرئيس أنور السادات لمواجهة الحركات اليسارية- وحسن أبو باشا من خطورة مثل هذه الزيارة لاحتمال شن عناصر الجهاد هجوماً مباغتاً


وحين قرر وزير الداخلية العودة إلى القاهرة أثار أبو باشا تخوفه من أن يقدم بعض عناصر الجهاد على مهاجمة السجن في محاولة لإطلاق سراح زملائهم المعتقلين.. وفي محاولة لتهدئة مخاوفه قرر النبوي نقل المتهمين في تلك الأحداث بالطائرة إلى القاهرة..كما عاد معه على متن تلك الطائرة النائب العام المساعد في ذلك الوقت واثنان من مساعديه لتعذر استكمال التحقيق لانشغال الضباط في مواجهة وتعقب المتهمين الهاربين

وفي اليوم التالي لعودة النبوي إلى القاهرة تلقى اتصالاً هاتفياً من أسيوط أجراه حسن أبو باشا الذي أبلغه بوقوع هجوم مكثف بالمدافع على مبنى مديرية الأمن موجه من ناحية النيل...سارع وزير الداخلية إلى الاتصال بقيادة القوات المسلحة واستعلم من القيادة عن موقف المؤسسة العسكرية في أسيوط..فاتضح له أن أصوات الطلقات ناتجة عن إجراء تدريبات لجنود القوات المسلحة في أحد المعسكرات المواجهة لمبنى مديرية الأمن بالضفة المقابلة للنيل

ولكن.. لماذا ارتفع عدد القتلى والمصابين في صفوف رجال الشرطة خلال أحداث أسيوط؟.. يعزو النبوي إسماعيل ذلك إلى "سوء التقدير والإفراط في الثقة. فقد كانت هناك تشكيلات من الجنود تتولى تأمين صلاة العيد..وكانت عبارة عن صفوف متراصة دون أن يراعى وجودهم في مكان يمثل ساتراً لهم من أي هجوم مما سهل للمهاجمين الذين مروا بسيارة وأطلقوا النار على الجنود". غير أن وزير الداخلية آنذاك يقول إن الشرطة نجحت في المقابل في تصفية أوكار عناصر الجهاد وإلقاء القبض عليهم إما أحياء أو قتلى.. أو مصابين

على أن هناك من يتساءل عن سبب التقصير الأمني الذي أفضى إلى نجاح المسلحين - ولو لفترة- في مهاجمة مواقع أمنية مهمة وقتل أعداد كبيرة من الضباط والجنود..خاصة أن تلك الأحداث وقعت بعد يومين فقط من اغتيال رئيس الدولة أنور السادات.. فهل يعقل في أسيوط الملتهبة أصلاً ألا يتم رفع درجة الاستعداد الأمني وأن يكتفى بتسليح الجنود بالعصي والدروع التقليدية؟!.. أسئلة حائرة تبحث عن إجابات واضحة
وربما لانجاوز الحقيقة حين نقول إنه في أحداث أسيوط لم ينجح أحد: لا مسلحو الجماعات الإسلامية الذين نفذوا هجوماً قال عنه أيمن الظواهري في كتابه "فرسان تحت راية النبي" إنه "كان محكوما على تمرد أسيوط المسلح بالفشل..فقد كانت انتفاضة "عاطفية" ذات نصيب متواضع من التخطيط. فقد جاءت متأخرة عن قتل السادات بيومين..كما كانت تستند إلى خطة غير واقعية تهدف إلى السيطرة على مدينة أسيوط ثم التقدم شمالاً نحو القاهرة لفتحها..متناسية أية أرقام عن قوة العدو وعتاده"
أما الأمن -تحت قيادة النبوي ورجاله- فحدث ولاحرج.. فقد أخفق في الاستعداد الأمني وعجز عن إثبات قدرته على خوض تلك المواجهة.. لولا أخطاء المهاجمين وعدم واقعيتهم.. وتدخل المؤسسة العسكرية لإنقاذ الموقف

وبعد نحو عشرين عاماً..طوت السلطات المصرية صفحة أحداث أسيوط بالإفراج التدريجي عن معظم القيادات التي أدينت بالتورط في تلك الأحداث الدامية.. ومن بينهم: كرم زهدي وعاصم عبد الماجد وعصام دربالة وعلي الشريف وناجح إبراهيم وأسامة حافظ وفؤاد الدواليبي

غير أن ربع القرن الأخير الذي شهد تعاقب تسعة محافظين على أسيوط -تولى ثلاثة منهم حقيبة الداخلية: زكي بدر ومحمد عبد الحليم موسى وحسن الألفي- وتعاقب خمسة وزراء على منصب وزير الداخلية..يشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى أن أسيوط تظل باستمرار كرة النار التي قد تتدحرج يوماً.. لتسقط معها الكثير من الرؤوس

ومن لا يحسن قراءة دروس الماضي..قد يرسب في اختبارات المستقبل

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

12 التعليقات على "أحداث أسيوط: لم ينجح أحد"

أكتب تعليقا