كتاب الموتى

| |



















"يا وابور قول لي رايح على فين"

حسنٌ.. أنا أقول لك: إنه ذاهب إلى مدينة الحزن

لم تكن تعرف ساعتها يا محمد عبد الوهاب.. لكننا الآن نعلم علم اليقين

كنت تظن أن القطار سيظل أنيقاً ونظيفاً.. ينطلق في ميعاده ويصل إلى وجهة يقصدها

لكنه ما عاد كذلك.. الفقر أكل جدرانه.. رائحة الموت تطل من نوافذه المتهالكة وزجاجه المختفي في ظروف غامضة.. صراخ الضحايا يختلط ليلاً مع أصوات الباعة الجائلين.. حتى أن العابرين بالقرب من المحطات النهائية للقطارات يكادون يسمعون أنين الذين غيَبهم الإهمال والفساد

الفساد تزكم رائحته الأنوف

دعونا نتذكر أنه في عام واحد طفت على سطح مصر أكثر من ثلاثة وستين ألف قضية فساد.. وليس هذا سوى قمة جبل الجليد

"يا سلام عليك ياسيد ياسلام.. عليك يا سلام.. من بيتنا لغاية عندك ساعتين بالقطر تمام"

لم يعش الشيخ أمين حسنين حتى يشهد ما جرى في مطية فقراء مصر في مطلع الألفية الثالثة.. حين دخلت سيدة من هؤلاء البسطاء دورة مياه غير آدمية في أحد القطارات المتجهة إلى المجهول..فانتهى بها الأمر جثة.. كانت فجوة في أرضية دورة المياه كافية لابتلاعها

الإهمال هو الابن الأثير للفساد






"يا وابور الساعة 12 يا مجبل ع الصعيد"
في عام ألفين واثنين تحول قطار الصعيد إلى جمرة.. قطعة من الجحيم.. اشتعلت النيران وانفردت بركابه واحداً تلو الآخر.. فمنهم من قضى نحبه حرقاً حتى التصق جسده بالكرسي أو الأرض التي سقط عليها ومنهم من طاردته ألسنة النار حتى الأبواب المعطلة التي لم يستطع أن يفتحها.. ومنهم من مات وفي أحضان من يحب: طفل يحبو.. ابنة في زهرة العمر.. وزوج كان السند في حياة طعمها مرٌ مثل قهوة في سرادق عزاء.. وسائق القطار لا يدري عما يجري شيئاً في العربات الخلفية.. لأنه لا يوجد اتصال بين السائق وعربات القطار

هذا هو قدر مصر دائماً: اتصال مقطوع بين السائق.. وباقي الركاب

ومن كارثة قطاري قليوب ..إلى عبارة السلام مروراً بمحرقة مسرح بني سويف.. ترتجف الذاكرة فقط لسرد تلك المحارق أو الهولوكوست المصري على يد القيادة الرشيدة

في مصر الآن: الكل يقرأ كتاب الموتى.. ويدرس علم الأموات.. بعد أن ألغت الدولة فعلياً علم الأحياء من المناهج الدراسية

في مصر الآن: لغة الضاد مستوحاة من ضاد ..الضحية

تلك المآسي والنتيجة: لم يعبأ أحد

حكومات متعاقبة تعتبر نفسها بريئة من دم الضحايا وغير مسؤولة عن تلك الكوارث.. وتتطهر بالحديث عن لجان تقصي حقائق وتقارير فنية بلا مخالب.. وسط قانون بطيء.. وإيقاع رسمي يستعصي على الفهم.. وجناة حقيقيون بعيدون عن دائرة المحاسبة أو في أسوأ الأحوال يتنعمون بالمال والثروة في ربوع باريس وشوارع لندن

ومن يدفع الثمن؟ أولئك الذين تنام بقاياهم الآن في مشرحة كئيبة.. وذووهم الواقفون في أسى وسط عويل ونواح المتشحات بالسواد في انتظار الحصول على تصريح بالدفن

ولكن من يدفن من؟ نحن الضحايا ندفن موتانا.. أم أنه التاريخ يغسل ويدفن نظامنا السياسي المهتريء الذي يبحث بين الضحايا دوماً عن كبش فداء لبقاء رموزه في السلطة

هل هذا هو قدر ومكانة مصر أم أنه قضاؤها وقدرها؟.. الإجابة يجب أن تكون بيد المصريين وحدهم

وإلى الساكتين عما يجري في وطنهم أقول: صمتكم تواطؤ في تلك الجرائم.. ولو أنكم وقفتم معاً من أجل المطالبة بالتغيير والإصلاح ونفضتم عن أنفسكم غبار السلبية و"الأنا مالية" لما كان أشقاء وأحباب لكم راحوا ضحية تلك الأحزان اليومية في مصر المحروسة

أيها المصريون: تحركوا.. قبل أن تُحرقوا

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

31 التعليقات على "كتاب الموتى"

أكتب تعليقا