صاحب الضربة الأرضية

| |

الحمد لله أن الرئيس المصري حسني مبارك ليس زهير بن أبي سلمى

فشاعر الحكمة قال في معلقته: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش.. ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم

لكن مبارك لا يبدو أنه سئم حتى ساعته وتاريخه

ربما لأن الرجل الذي يحتفل اليوم- الرابع من مايو أيار- بعيد ميلاده الثامن والسبعين يرى - كما قال مستشاره


السياسي أسامة الباز- أنه لا يوجد أحد في مصر يستطيع أن يقود البلاد كما يفعل.. أو لأن مبارك الذي قال يوماً إن


منتهى طموحه بعد حرب أكتوبر تشرين أول من العام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين أن يكون سفيراً في عاصمة غربية


مثل لندن.. يجد نفسه اليوم في موقع الحاكم الفرعوني الذي يهتف ويصفق له أينما حل ثلة من الأعوان والمأجورين


والمخبرين وعدد من السذج الذين تشابه عليهم البقر أو ولدوا وأيديهم تصفق بطريقة غير إرادية.. في حين يرتج هو بابتسامته أو ضحكته التي لا يحمد بالنظر إليها على مكروه سواه

والذاكرة لاتنسى أن شخصاً من عينة سمير رجب رئيس مجلس إدارة دار التحرير.. قرر في يوم الاستفتاء على بقاء


مبارك لفترة رئاسية سابقة –ضمن الفترات الرئاسية التي جثم بها فوق بلادنا- أن يضع في الجانب الأيسر من مقالته على الصفحة الأخيرة من جريدة الجمهورية آية قرآنية تقول "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله.." (الآية العاشرة من سورة الفتح)... الله عليك يا سمير... والله أكبر

وربما أيضاً لأن مبارك الذي وعد عقب إفلاته من رصاص الملازم أول خالد الإسلامبولي ورفاقه في حادث المنصة بأن


يتولى رئاسة المحروسة لفترة واحدة... ومع أن مبارك مازال يعاني من طنين في أذنيه يعزوه خبيث مثلي إلى أن أذنيه تحفظان حتى الآن دوي الرصاص في حادث اغتيال الرئيس أنور السادات في العام ألف وتسعمائة وواحد وثمانين..أقول: مع ذلك.. فإن مبارك تراجع عن وعده الذي نشرته الصحف آنذاك ومن بينها صحيفة "الأخبار" التي خرجت به عنواناً رئيسيا.. إيماناً منه بأن مصر لم تنجب أحداً بعده يستطيع قيادة البلاد إلى المجهول كما يفعل

وللتاريخ.. فإن رئيس الوزراء الماليزي السابق محاضر محمد تولى قيادة بلاده في العام نفسه الذي أصبح فيه مبارك رئيساً لمصر.. وكانت ماليزيا آنذاك في مرتبة سياسية واقتصادية أدنى بكثير من مصر.. فانظروا إلى أين وصلت ماليزيا اليوم ..التي استهزأ بها عادل إمام في مسرحية "مدرسة المشاغبين" وهو يتحدث عن عاصمتها كوالالمبور.. وإلى أين انتهت مصر

تراجع دور هذا الوطن..من السياسة إلى العلم والفن والرياضة والأدب..واكتفينا بمشاهدة مسلسل احتلال عواصم عربية مثل بغداد وتمزيق دول أخرى مثل السودان التي تعد بالضرورة امتداداً للأمن القومي المصري.. وخاف وزير خارجيتنا أحمد أبو الغيط أن يلتقي وزير الخارجية الفلسطيني محمود الزهار خلال زيارته السابقة لمصر..في حين كان أقصى ما فعله وزير خارجية سابق - أحمد ماهر- لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.. هو إهداؤه بعض المعلبات



والمضحك المبكي أنهم غضبوا يوماً من الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل عندما قال قبل نحو خمسة عشر عاماً: هذه


سلطة شاخت في مواقعها .. مع أنه بوسع أي شخص الآن أن يعيب على هيكل هذا الخطأ الإملائي الساذج في كلمة: شاخت





في عهد مبارك أكل المصريون من صفقات المبيدات المسرطنة التي تورط فيها كثيرون في قضية فساد وزارة الزراعة


من بينهم يوسف عبد الرحمن رئيس مجلس إدارة بنك التنمية والائتمان الزراعي سابقاً ورئيس مجلس إدارة البورصة


الزراعية ..وراندة الشامي المستشارة الفنية بالشركة المصرية لإنتاج وتسويق وتصدير الحاصلات الزراعية







في عصر رجل الشرق الأوسط المريض ..استنسخت الدولة نماذج لا تحصى من "الحباكين".. نسبة إلى رئيس مجلس


إدارة الشركة القابضة للصناعات الهندسية عبد الوهاب الحباك الذي أسدلت محكمة أمن الدولة العليا في الرابع عشر من


يوليو تموز من العام ألف وتسعمائة وسبعة وتسعين الستار على قضيته وعاقبته بالسجن عشر سنوات وتغريمه ما


يعادل تسعين مليون جنيه.. بعد إدانته بالكسب غير المشروع والاستيلاء على أكثر من مائة مليون جنيه أثناء عمله في


الشركة القابضة

وفي غفلة من الزمن...تزوج الفساد عرفياً بالفضيحة في مختلف شركات ومؤسسات وأجهزة الدولة..وهكذا هرب


صاحب العبارة الغارقة ممدوح إسماعيل عضو مجلس الشورى المرفوعة عنه الحصانة وصاحب عبارات السلام بعد أن


راح أكثر من ألف مصري ضحية غرق عبارته.. وقبله هرب كثيرون مثل رامي لكح الذي يتسكع الآن في فرنسا وعليه


نحو ثلاثة مليارات ومئتي مليون جنيه ديوناً للبنوك.. ومحمد حاتم الهواري صاحب شركة الإسكندرية للصلب الهارب


من تنفيذ حكم محكمة جنايات القاهرة بالسجن خمسة عشر عاماً في أغسطس آب من العام ألفين وأربعة بتهمة الاستيلاء


على مليار وثمانمائة مليون جنيه من أموال بنك القاهرة





وهناك أيضا من رجال الأعمال الهاربين محمود وهبة الذي استولى على ثلاثمئة مليون جنيه من بنكي الأهلي وأميركا


اكسبريس ..وهاني يعقوب شقيق الجراح العالمي مجدي يعقوب والذي هرب بـمئتي مليون مليون جنيه وتوفيق زغلول الهارب بخمسين مليوناً ..ومبارك حلمي خمسمائة مليون جنيه.. ومحمد الجارحي سبعمائة مليون جنيه..والحبل على الجرار
وفي عهد مبارك الميمون فاحت رائحة قضية شركة النصر للمسبوكات التي بلغ حجم الضرر المالي فيها ملياراً وأربعمائة


مليون جنيه أهدرت خلال فترة تصل إلى ستة عشر عاما دون أن يشعر بالأمر أحد. في هذه القضية بلغت خسارة


الشركة أربعة مليارات ومائة مليون جنيه في الفترة ما بين العامين ألف وتسعمائة وثلاثة وتسعين وألفين في واحدة من


كبرى قضايا الفساد.. وتورط فيها عشرون شخصا بينهم رئيسا مجلس إدارة الشركة صلاح عزام وأسامة عبدالوهاب


والأعجب في اتهام أسامة عبدالوهاب أنه تم تكريمه من قبل مبارك كواحد من أوائل رجال الصناعة ونال وسام


الاستحقاق من الدرجة الأولى في العام ألف وتسعمائة وثمانية وتسعين.. وكان هذا الوسام هو بداية انطلاقه في عالم


الفساد مستمداً قوته وجرأته منه.. تماما مثلما تم تكريم المهندس الحباك بالوسام نفسه قبل أن يتهم ويدان بالفساد

ومثلما هربت علية العيوطي -بطلة مسلسل نواب القروض- بملايين الدولارات إلى فرنسا..وقبلها هدى عبد المنعم التي


هربت إلى اليونان بعد أن اتهمت في القضية رقم ثلاثة آلاف وخمسمائة وستة وخمسين لسنة ألف وتسعمائة وأربعة


وثمانين بحبسها ثلاث سنوات مع الشغل لإصدارها شيكاً من دون رصيد بقيمة خمسين مليون جنيه..ظهرت أيضاً منى الشافعي الملقبة بالمرأة الحديدية..التي استطاعت الاستيلاء على ثمانية وأربعين مليون جنيه من أموال شركة النصر للتصدير والاستيراد لدى البنك الأهلي فرع النصر بمساعدة بعض قيادات الشركة






وفي سجل الفاسدين في عهد مبارك يبرز اسم عبدالله طايل رئيس مجلس إدارة بنك مصر اكستريور السابق ورئيس


اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب في دورة العام ألفين وحتى حكم محكمة جنايات القاهرة عليه في السادس والعشرين


من أكتوبر تشرين أول من العام ألفين وأربعة بسجنه أربعة عشر عاماً هو وثلاثة عشر متهماً آخرين.. بتهمة الاستيلاء


على خمسمائة مليون جنيه من أموال البنك عن طريق التربح والإضرار العمدي بالمال العام وتقاضي رشى

وفي ظل مبارك..قاد إعلام "الريادة" ثم مجلس الشورى صفوت الشريف الذي كان حوكم في نهاية عقد الستينيات -أيام كان برتبة رائد في جهاز المخابرات- لقيامه بتصوير فنانات وقادة ومسؤولين عرب وأجانب في الفراش.. بقصد الابتزاز..لا عجب إذن أن تستيقظ مصر في العام ألف وتسعمائة وسبعة وتسعين على فضيحة اتهام ممدوح الليثي رئيس


قطاع الإنتاج سابقاً بالقوادة في قضية الشيخ السعودي عبد العزيز الإبراهيم والفنانة شيرين أبو النصر (قبل أن يقال إنه


زواج مكتمل.. الأركان).. وأن يدان بالفساد عبد الرحمن حافظ الرئيس السابق لاتحاد الإذاعة والتليفزيون ورئيس مدينة الإنتاج الإعلامي.. وفي العام ألفين واثنين ضبط محمد الوكيل رئيس قطاع الأخبار بالتليفزيون سابقاً بالصوت والصورة وهو يتلقى رشى.. وهاهو يقضي الآن عقوبة السجن لمدة ثمانية عشر عاماً





وتولى وزارة الثقافة لعقدين كاملين فاروق حسني.. المسؤول الأول عن ضياع وتهريب آثار مصر وإهمال أخرى مما أدى إلى حريق المسافر خانة وباب العزب.. وجرائم أخرى مثل حريق مسرح قصر ثقافة بني سويف في الخامس من سبتمبر أيلول من العام ألفين وخمسة..الذي التهم عشرات الضحايا من بينهم عدد من خيرة رجال المسرح نقداً وإخراجاً
وفي عيد ميلاد المحروس.. ابن المحروسة..تبدو مصر وكأنها بناية تحترق... فأما الحريق الذي في الأعلى فلا مرد


له.. لأن أجهزة الأمن وعيون وآذان النظام اتفقت على أن تبلغ ساكن الطابق العلوي بأن "كله تمام" وأن الحريق في


الأدوار السفلية سببه "القضاء" – ماركة هشام بسطاويسي ومحمود مكي نائبي رئيس محكمة النقض- والقدر.. وأما


الحريق الذي في الأسفل فلعله يؤدي إلى صهر معدن هذا الوطن فينفث الخبيث ويبقى المعدن الأصيل قوياً صلباً في


مواجهة المحن والإحن

إنه حريق يذكرنا وفي قلوبنا غصة بحريق قطار الصعيد الذي أودى بحياة أكثر من ثلاثمائة وسبعين شخصاً في العام


ألفين واثنين.. ومحرقة قرية درنكة بمحافظة أسيوط في العام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين ..التي راح ضحيتها أكثر من ألف قتيل .. بعدما نزلت عليهم كرات من نار الإهمال.. إثر اختلاط مياه السيول التي اجتاحت قريتهم بالمواد البترولية التى تسربت من خزانات أقامتها الجمعية التعاونية للبترول في مخر السيل على سفح جبل أسيوط الغربي



وفي هذه المناسبة التاريخية التي لاتنسى أقترح تغيير تسمية مبارك في الإعلام المصري من: صاحب الضربة الجوية


إلى: صاحب الضربة الأرضية.. فقد نزل علينا في بر مصر كالصاعقة التي لا تبقي ولا تذر.. وأخذ يردد الإفيه


المسرحي القديم: "أنا مبسوط كده.. أنا مرتاح كده"

كنت قد كتبت من قبل تحت عنوان "في عيد ميلاد ذي القرنين" موضوعاً مهماً يرتبط بما أكتبه الآن.. أوضحت فيه


بالأرقام والتواريخ أن مبارك لم يبق أمامه سوى محمد علي باشا ليصبح الحاكم الأكبر عمراً والأطول بقاء في السلطة


في تاريخ مصر المعاصر.. وبما أنه لم يسأم.. فلا بأس أن نقتدي به في هذا الأمر

ولا عزاء لزهير بن أبي سلمى

ما رأيك بالموضوع؟ عبّر ودع أصدقاءك يشاركون!

25 التعليقات على "صاحب الضربة الأرضية"

أكتب تعليقا